انقضى عام 2021 مثقلا بسلسلة من الأحداث الدولية والإقليمية وحافلا بمحطات سياسية وأمنية ستبقى محفورة في ذاكرة الجزائريين، فالسنة المنقضية طغى عليها توتر العلاقات بين الجزائر وفرنسا على خلفية ملف الذاكرة وملفات أخرى، وهي السنة التي أصبح للكيان الصهيوني موطئ قدم بحدودنا الغربية، وشهدت أيضا وفاة رئيسين سابقين، وإدراج منظمتين تنشطان في الخارج في “قوائم الإرهاب” كما عرفت 2021 استكمال تنظيم انتخابات تشريعية ومحلية.

طبعت الندية العلاقات بين الجزائر وفرنسا الرسمية فالخط بين البلدين عرف توترا شديدا بشكل غير مسبوق، بعدما اختار ساسة باريس النبش في جراح الذاكرة والإساءة إلى الأمة الجزائرية ومؤسساتها.

عاش الجزائريون فصول السنة المنقضية على وقع تصعيد غير مسبوق من فرنسا الرسمية، فالتصريحات الجارحة التي أدلى بها الرئيس إيمانويل ماكرون تجاه مؤسسات الدولة ظلت لعدة أسابيع محل عدة تساؤلات حول نظرة الإليزيه لجزائر ما بعد 2019، وبدا واضحا أن متغيرا ما في مراكز صنع القرار بالجزائر، أربك رئيس فرنسا وجعله في حل من أي تحفظ أو لباقة دبلوماسية، فالأمة الجزائرية “لم تكن موجودة” بزعمه قبل احتلال أجداده لأرض الجزائر، فيما أضحت مؤسستها السياسية (الجيش) عرضة لأقسى العبارات من نزيل قصر الإليزيه، وهو ما لم يحدث من قبل بتلك الحدة.

وفي طريقها إلى بناء مؤسسات منتخبة والتقاط أنفاسها بعد تقلبات عميقة شهدتها منذ ربيع 2019، واجهت الجزائر طيلة السنة المنقضية ضربات متتالية من محور الرباط – باريس، فرئيس فرنسا الذي أثنى عليه قائد الجزائر الجديدة فور صعوده إلى الرئاسة، سلك طريقا آخر وقطع حبل الود الذي مده الرئيس الجديد تبون أيامه الأولى في قصر المرادية، حينما جهر “بثقته في ماكرون ومنطقه وطريقته في رؤية الأشياء”.

اتضح لمراقبين طيلة السنة المنقضية بأن العلاقة بين الجزائر وباريس “كبحتها بعض الملفات” مثلما أشار إليه الرئيس تبون في إحدى حواراته مع وسائل إعلام فرنسية، وما التوترات التي تصاعدت بشكل غير مسبوق خلال النصف الثاني من سنة 2021، إلا دليل على أن الحسابات تغيرت. إذ أن النظرة الاستعلائية لمستعمر الأمس، جعلت يده مغلولة في بعض الملفات ومنها الملف الأمني والإقليمي وملف الأموال المنهوبة والمنظمات “الإرهابية” التي تتخذ من فرنسا منطلقا لمخططاتها العدائية.

تقرير ستورا بين أحداث التاريخ وفخ المصطلحات

وبدا واضحا منذ مطلع سنة 2021 أن ملف الذاكرة سيكون امتحانا لصدق نوايا مستعمر الأمس، حيث اتفق الرئيسان تبون وماكرون على إنشاء لجنة تشتغل على ملف الذاكرة المرتبط بفترة الاحتلال الفرنسي للجزائر 1830/1962، كُلف به عن الجانب الفرنسي المؤرخ بنجامين ستورا بينما أسندت الرئاسة الجزائرية المهمة إلى عبد المجيد شيخي، مستشار لدى الرئيس عبد المجيد تبون مكلف بالذاكرة والأرشيف الوطني.

لكن سرعان ما تأجج صراع الذاكرة وابتعد البلدان عن مسار التسوية أو ما وصفتها الرئاسة الفرنسية بـ”المصالحة بين الشعبين الفرنسي والجزائري”. ففي مطلع فيفري انتفضت الجزائر رسميا على مضمون تقرير المؤرخ بنجامين ستورا، معتبرة أنه أنجز تقريرا منحازا لبلاده.

وهاجمت الحكومة الجزائرية يوم 12 فيفري 2021 بشدة تقرير “مصالحة الذاكرة” للمؤرخ ستورا، وأضحى الباحث الفرنسي فاقدا للمصداقية في نظر دوائر رسمية جزائرية وباحثين ووسائل إعلام كما اتهم بالرسوب في امتحان المصطلحات، كما أن تقريره وسع الهوة بدلا من طمرها، وكان الربع الأول من العام الماضي مقدمة لقطيعة وتصعيد غير مسبوق، وذلك أن ستورا لم يطو صفحة “الماضي الأليم”، وهو ما عبرت عنه الحكومة بقولها إن وثيقة المؤرخ الفرنسي “لم يكن موضوعيا” واصفة إياه بأنه “يساوي بين الضحية والجلاد”.

وعلى مدار الأشهر التي أعقبت صدور التقرير، لم تحد الجزائر في هذا الملف عن مرتكزات موقفها بل أحاطت الملف بمطلب غير قابل للمساومة، وهو “اعتراف فرنسا بجرائمها الاستعمارية وتقديم الاعتذار رسميا عن ذلك، وتعويض الجزائريين ضحايا هذه الجرائم”.

علاقات مع وقف التنفيذ

ومن هنا بدأت العلاقة تتجه إلى مزيد من البرود حينما قررت الجزائر شهر أفريل إلغاء زيارة رئيس الوزراء الفرنسي جان كاستيكس كمؤشر على وجود خلافات عميقة، كما تعذر انعقاد أشغال اللجنة العليا المشتركة مرتين في جانفي ثم أفريل 2021.

وعلى صعيد التعاون الثنائي، خلت السنة من أي لقاء رفيع باستثناء اتفاقية التعاون القضائي، التي تتيح تبادل المطلوبين بين قضاء البلدين، وهي اتفاقية عرفت متاهات معقدة، واتضح لاحقا أن السلطات الفرنسية خيبت آمال قادة الجزائر الذين راهنوا على بنود الاتفاقية لتطويق نشاط معارضين وتسليم مطلوبين في “قضايا فساد وقضايا أمنية”.

باريس تؤوي “منظمتين إرهابيتين”

بعد صائفة لافحة ودامية عاشتها الجزائر نتيجة سلسلة حرائق مفتعلة أزهقت أرواح أكثر من 100 مواطن في بلاد القبائل وولايات شرقية أخرى، اتبعت بجريمة قتل وحرق الشاب المتطوع جمال بن اسماعيل، توقد فتيل القطيعة بين البلدين خاصة بعدما وجهت السلطات الرسمية في الجزائر أصابع الاتهام إلى منظمة “ماك الإرهابية” والتي تتخذ من الأراضي الفرنسية قاعدة خلفية لتحركاتها وزادت حدة التوتر بين الجزائر وباريس، بعدما رفضت الأخيرة تسليم رئيس الحركة الانفصالية التي أدرجت رفقة منظمة “رشاد” الإسلامية، على لائحة المنظمات الإرهابية من طرف المجلس الأعلى للأمن بتاريخ 18 ماي 2021.

وفي خريف السنة (نهاية سبتمبر) اتسعت الهوة مع باريس على وقع أزمة متجددة وهي ما عرف بملف التأشيرات التي قلصتها السلطات الفرنسية إلى النصف بالنسبة للرعايا الجزائريين، ولعبت السلطات الفرنسية على ملف التأشيرات للضغط على الجانب الجزائري “لاستعادة شباب ومواطنين متواجدين في التراب الفرنسي بطريقة غير نظامية” وهي الخطوة التي دفعت الجزائر إلى إعلان احتجاجها على القرار الأحادي، فقامت باستدعاء سفير فرنسا لديها وفي هذا الملف برزت خلافات أخرى تتعلق بالأرقام.

فبينما كانت الداخلية الفرنسية تعلن عن رفض الجزائر استلام رعاياها مقدمة رقما بلغ 8 ألآلاف جزائري، ردت السلطات الجزائرية بتشكيك في تلك الأرقام بل ظلت تتوجس من هوية الكثير ممن سعت باريس إلى ترحيلهم تحت طائلة الضغط إلى أرض الجزائر. وارتكزت السلطات الجزائرية على المانع الأمني لاستقبال أشخاص غير مرغوب فيهم.

أزمة التأشيرات والأرقام

ولم تكتف الجزائر بالاحتجاج الدبلوماسي على أزمة التأشيرات بل دخل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون على الخط وكذب الرواية الفرنسية وأرقامها، كاشفا عن 94 ملفاً فقط استلمته الجزائر من الجهات الفرنسية. ولم يتردد الرئيس تبون في هذا الشأن باتهام نظيره ماكرون باستغلال ملف التأشيرات في دعايته الانتخابية خاصة وأن ماكرون تعهد عند وصوله لرئاسة فرنسا بتقليص أكبر عدد ممكن من المهاجرين غير النظاميين.

وعاد ملف الذاكرة بقوة خريف 2021 بعدما أقحم الرئيس ماكرون نفسه في أحداث التاريخ وفتح جراحا جديدة في هذا الملف بتشكيكه في الأمة الجزائرية.

لم يتأخر الرد الجزائري على تصريحات الرئيس الفرنسي الحادة والمجانبة للباقة الدبلوماسية ضد رموز الدولة الجزائرية ومؤسساتها وتاريخها، ببيان من رئاسة الجمهورية كشفت فيه لأول مرة عن العدد الرسمي لضحايا الاستعمار الفرنسي والإبادة الجماعية ضد الإنسانية منذ اليوم الأول من إنزال الجيش الفرنسي قواته، إلى غاية إعلان الاستقلال الجزائر سنة 1962.

الرد الجزائري الرسمي تضمن أرقاما حول العدد الإجمالي لضحايا المجازر الفرنسية الاستعمارية ضد الشعب الجزائري وضد قوافل من المناهضين للتواجد الفرنسي عبر مختلف مراحل المقاومات الشعبية وصولا إلى ثورة التحرير الوطني (1954 -1962).

ونقل التلفزيون الجزائري بيانا يصف فيه ما صدر من الرئيس إيمانويل ماكرون بأنها “تصريحات تحمل في طياتها اعتداء غير مقبول على ذاكرة 5.630.000 شهيد”، كما استدعت الجزائر سفيرها في باريس، واصفة تصريحات ماكرون بـ”الاستفزازية” ورفضت التدخل في شؤونها الداخلية.

وبلغ التوتر ذروته بعدما قررت القيادة العليا في البلاد غلق مجالها الجوي أمام الطيران العسكري الفرنسي وفوق الأجواء الجزائرية في إطار مهام عسكرية تقودها فرنسا في دول الساحل.

وساد البرود على العلاقات رغم إشارات التهدئة التي بادر بها مسؤولون فرنسيون فالزيارة الخاطفة التي قام بها وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إلى الجزائر يوم 8 ديسمبر لم تحض مخرجاتها بأية رسائل رسمية جزائرية أو بوادر انفراج.