وليد عبد الحي

باحث أكاديمي وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة اليرموك الأردنية، وقد تحصل على شهادة الدكتوراة من جامعة القاهرة، وله العديد من المؤلفات المتخصصة بالدراسات المستقبلية. وله العديد من المقالات والدراسات المنشورة في مجلات محكمة متخصصة.

للإطلال على آفاق المستقبل للظواهر السياسية بشكل خاص ، لا بد من رصد الاتجاه التاريخي وتحديد هل هذا الاتجاه يأخذ مسارا خطيا(linear) او غير خطي(non-linear)، وهل ايقاع التغير في الظاهرة سريع أو متسارع، ثم بناء التصور على اساس تجاذبات المتغيرات التي تشكل الظاهرة وتحركها .
إن مراجعة تاريخ فكرة انشاء دولة عربية في آسيا العربية عرفت تجسيدا فعليا لها مع اعلان الشريف حسين عام 1916 ” ملكا للعرب”، ثم إيفاد الملك فيصل الى سوريا(1920) ثم للعراق (1921)، والملك عبدالله في الأردن (1921) ثم قلسطين(1949-1950).
لكن هذا المشروع لبناء مملكة عربية هاشمية في آسيا العربية تعثر وذوى تدريجيا بفعل عاملين:الأول نهش خارجي( مارسته بريطانيا وفرنسا وفي مرحلة لاحقة امريكيا) والثاني تآكل داخلي بفعل عوامل ذاتية ، وهذين العاملين ( النهش الخارجي والتآكل الداخلي) سار على النحو التالي:
1916: اعلان الشريف حسين ملكا للعرب،
1920- خسر الملك فيصل سوريا بعد 4 شهور
1924 خسر الشريف الجزيرة العربية
1947 خسر المشروع الجزء الاول من فلسطين
1958 خسر المشروع الهاشمي العراق
1967 خسر المشروع الهاشمي بقية فلسطين
ذلك يعني أن معدل ايقاع الاتجاه التاريخي للمشروع الوحدوي الهاشمي ولمتغيرات التآكل (بفعل عوامل داخلية) ومتغيرات النهش (بفعل الأطماع الاستعمارية) هو عشر سنوات تقريبا ولو بانحراف معياري واضح ،ومحصلة ذلك كله هو أنه لم يبق من المشروع الطموح سوى الخندق الأخير وهو ” الأردن”…وهنا ينبثق السؤال المركزي الذي يحتاج لتفكير عميق وبعيدا عن التأويلات غير النزيهة : هل مصير الخندق الاخير محكوم بذات المتغيرات التاريخية( أي النهش الخارجي والتآكل الداخلي ) التي حددت مصير الخنادق السابقة؟ وهل تندرج صفقة القرن او مشروع الوطن البديل او الخنق الاقتصادي (المقصود وغير المقصود) وغبار دوامات الربيع العربي وظلال ” الفوضى الخلاقة” تقع كلها في سياق متابعة الاتجاه التاريخي للمسار…
ان مواجهة ذلك لن يتم الا باستراتيجية فلسطينية أردنية مشتركة لمواجهة سيول الاتجاه التاريخي المشار له اعلاه، وهذا يشترط :
1- ترك كل الحساسيات والهواجس الكامنة بين الطرفين الفلسطيني والأردني في الوقت الحالي على اقل تقدير ، لأن الخسارة في تقديري ستكون ثقيلة للغاية، وسيقع العبء على الكتف الاردني بتحميله أوزار التسويات الدولية القسرية والتي لا قِبَلَ له بها، وعلى الكتف الفلسطيني بخسارة وطنه على حد سواء .
2- إن ” اغلب ” محطات النهش في المشروع الهاشمي كانت بفعل أظافر وأنياب حلفاء الاردن التقليديين، وهو ما يستدعي الاستعداد –بهدوء وروية وعلى مدى زمني معقول – لنسج خيوط علاقات ومصالح سياسية واقتصادية وثقافية متبادلة ومتوازنة مع قوى دولية واقليمية صاعدة وليس من مصلحتها استمرار اتجاه النهش والتآكل التاريخي …
بهذين التوجهين يمكن لجم الاتجاه التاريخي بل وخنقه للأبد…وإلا ستجني ” براقش ” على نفسها مرة أخرى…ربما .

 

vote/تقييم