المثالية والواقعية نزعتان في الفكر ملازمتان لحياة الإنسان وتاريخه غير أن الظروف هي التي تحتم عليه في فترة ما أن يسلك سلوكا مثاليا أو واقعيا وأحيانا يجمع بين النزعتين، لكن الغالب في التاريخ القديم والحديث والمعاصر هو طغيان النزعة الواقعية، وهو ما نلاحظه في العلاقات الدولية المعاصرة والراهنة، وإن كانت المثالية شعارا يُرفع إما لإضفاء الشرعية على السلوك العدواني لدولة ما أو إذا وجدت الدولة نفسها ضعيفة لا تستطيع تحقيق أهدافها باستعمال القوة فتلجأ إلى رفع شعار مبادئ المثالية.

إن التحولات الحاصلة في العلاقات الدولية في القرن العشرين لا حصر لها لذا سأستعرض أهمها والتي تجلت فيها بوضوح بعض الممارسات المثالية أو الواقعية.

وأبرز هذه التحولات اقترنت بأحداث تاريخية فاصلة، من أبرز هذه الأحداث والتحولات الناشئة عنها:

الحرب العالمية الأولى، الحرب العالمية الثانية، ما بعد الحرب العالمية الثانية، نهاية التحالف بين القوتين العظميين وظهور الحرب الباردة، نهاية الحرب الباردة وظهور النظام العالمي الجديد الذي يقوم على الأحادية القطبية المفتوحة على إمكان تحوله إلى نظام متعدد الأقطاب.

سأكتفي بالسرد الموجز للأحداث مع التركيز على المدلول الواقعي أو المثالي في هذه التحولات.

أهم الأحداث التي أدت إلى التحولات الهامة في العلاقات الدولية المعاصرة

الحرب العالمية الأولى

هذه الحرب دشنت بداية نمط جديد في تنظيم العلاقات الدولية، وهو نمط التنظيم الدولي، وتظهر فيه تطبيقات بعض مبادئ المثالية والذي تجسد في نشأة منظمة دولية هي عصبة الأمم وميثاق دولي هو ميثاق عصبة الأمم، والذي لعب فيه الرئيس الأمريكي وودرو ولسن بمبادئه الأربعة عشر ومن أبرزها: دعوته إلى قيام العلاقات الدولية على مواثيق سلام عامة، وأن تكون المعاهدات الدولية علنية وغير سرية، منعا للمؤامرات الدولية، ومنها دعوته إلى تخفيض التسلح إلى الحد الذي يكفل الأمن الداخلي، ومنها مبدأ تقرير المصير للشعوب والقوميات. وبالنظر إلى المبادئ التي قامت عليها العصبة نلاحظ أثر هذه النظرة في هذا الميثاق الأممي حيث نص على: مبدأ عدم اللجوء إلى الحرب، وتأسيس العلاقات الدولية على أساس قواعد العدل والشرف، والتقيد بقواعد القانون الدولي، والتعهد باحترام المعاهدات والمواثيق الدولية.

إلى أي مدى تحققت هذه النظرية؟

الواقع أنها فشلت وأَظْهَرُ فشلٍ لها هو عجزها عن منع الحرب العالمية الثانية، وكانت نتيجة هذا الفشل التشكيك في قيمة النظرية المثالية.

الحرب العالمية الثانية

أبرز الفاعلين في هذه الحرب قوتان عظميان جديدتان هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، وكانت النزعة الواقعية في السياسة الأمريكية أبرز موجه لها في العلاقات الدولية، وبتوجبه منها سعت أمريكا لتوسيع نفوذها مستغلة قوتها العسكرية والاقتصادية والمالية، كما كانت هذه النزعة موجها للسياسة السوفييتية.

أمكن لهاتين القوتين أن تتحالفا ضد العدو المشترك وهو النازية رغم اختلافهما الآيديولوجي، وهذا عملا بمبدأ المصلحة الذي يُعد مبدأ مطلقا في النظرية الواقعية.

وعملا بمبدأ الأحلاف من أجل القوة سعى كل منهما إلى استقطاب أكبر عدد من الدول، وانتهى هذا السعي إلى نشأة كتلتين دوليتين هما الكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفييتي وتقوم على الآيديولوجيا الماركسية اللينينية في الفكر وعلى الاشتراكية في التنظيم الاقتصادي وعلى الأحادية الحزبية في التنظيم السياسي.

نهاية التحالف بين القوتين العظميين وظهور الحرب الباردة

أدى الخلاف بين المعسكرين إلى ما سمي بالحرب الباردة وعقد تحالفات عسكرية. وقد بدأ بسبب أحداث أدت إلى أزمات كادت أن تشعل حربا جديدة وكانت بدايتها برفض الاتحاد السوفياتي فكرة توحيد ألمانيا وعمله على مساعدة الأحزاب الشيوعية لتولي السلطة في مناطق نفوذه (بلغاريا، رومانيا، ألبانيا، بولونيا ما بين 1944ـ 1945)، ثم هنغاريا في1947 وتشيكوسلوفاكيا في 1948. وأمام المد الشيوعي تدخلت الولايات المتحدة لتطبيق سياسة محاصرة الشيوعية بتقديم مساعدات مالية لأوربا دون استثناء، تمثلت في مشروع مارشال 1947 الذي رفضته الدول الاشتراكية. واتخذ الاتحاد السوفييتي نفس الإجراء بتأسيس الكومنفورم في نفس السنة، وهو مكتب الإعلام الشيوعي للحفاظ على تضامن الأحزاب الشيوعية. وبذلك شكلت سنة 1947 تاريخ القطيعة بين الحليفين، وبدأت الحرب الباردة الأولى(1947ـ 1953) تمثلت في مواجهات مسلحة في عدد من المناطق، وظهور مشاكل وأزمات كمشكلة برلين حيث فشل الحلفاء في توحيد ألمانيا، وأعلنت الدول الرأسمالية قيام جمهورية ألمانيا الاتحادية (ألمانيا الغربية) في يونيو 1948 في مناطق نفوذها. واعترض الاتحاد السوفييتي على ذلك بمحاصرته لبرلين الغربية إلى حدود ماي 1949، غير أنه فشل في إخراج قوات الحلفاء منها، وأعلن قيام جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية) في سبتمبر 1949 واتخذت برلين الشرقية عاصمة لها.

أفضت هذه الأحداث وغيرها إلى نشوء حلفين عسكريين هما حلف الناتو وحلف وارسو. وهما مظهر من مظاهر الصراع من أجل القوة، وتحقيق التوازن في القوة، وهو السلوك الذي يطبع النزعة الواقعية في العلاقات الدولية.

العلاقة بين المعسكرين طبعها ما سمي بالحرب الباردة، حيث كانت الحرب بين القوتين العظميين قائمة على تحريك كل منهما للقوى التي تدور في فلكها ضد قوة أخرى تدور في فلك الطر الآخر، وذلك بتدبير انقلاب أو دعم حركة تحررية أو انفصالية وغيرها من أساليب الحرب بالوكالة. وانتهت هذه الحرب بانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1992 وانهيار المنظومة الاشتراكية في العالم.

النظام العالمي الجديد

النظام العالمي الجديد شعار رفعته الولايات المتحدة الأمريكية في خلال حرب الخليج الأولى، ولم تكن تستهدف إرساء قواعد نظام دولي بالمدلول قانوني، ولا دفاعا عن الشرعية الدولية أو تحقيقا للسلام والأمن الدوليين ونشر الحرية بين الشعوب وسيادة القانون، على حد زعم الرئيس الأمريكي جورج بوش، الأب أو الإبن إنما كانت تستهدف في حقيقة الأمر تحقيق عدة أهداف تعكس مصالحها الوطنية وتهيئ لتكريس هيمنتها العالمية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

من الواضح أن سلوك الولايات المتحدة الأمريكية هذا محكوم بمبادئ الواقعية السياسية حيث لا يعطى أي اعتبار لغير المصلحة كهدف ولغير القوة كوسيلة لتحقيق هذا الهدف.

لكن هل هذا يعني الاستغناء التام عن النظرية المثالية في السلوك الدولي لها أو لغيرها؟

تقدير النزعتين

إنه مهما بلغت الدولة من القوة التي يمكن أن تغنيها عن اللجوء إلى القانون الدولي، من حيث أنه النظام الذي تتجسد فيه مبادئ المثالية إلى حد بعيد، فإنها تبقى مع ذلك في حاجة ماسة إلى تبرير أي سلوك تقوم به تبريرا قانونيا، وهذا ما يؤكد رسوخ النزعة المثالية في فكر الإنسان حتى وهو يتصرف تصرفا متوحشا، وإدراكا منها لهذا المعنى فقد حرصت الولايات المتحدة الأمريكية، على تبرير تدخلاتها في شؤون الدول الأخرى، ومنها غزوها للعراق، باستصدار قرارات من مجلس الأمن للأمم المتحدة حتى يكون تدخلها باسم الشرعية الدولية، مستخدمة نظام الفصل السابع في ميثاق الأمم المتحدة الذي يسمح باستخدام القوة ضد ما يُسمى بالدول غير المحبة للسلام والمتمردة على الشرعية الدولية، ولعل هذا متغير جديد في العلاقات الدولية حيث أصبحت الأمم المتحدة أداة في يد أمريكا والقوى العظمى لفرض هيمنتها باسم الشرعية الدولية.

الخاتمة

هذه الأمثلة من حوادث القرن العشرين شواهد على أن المثالية والواقعية نزعتان ملازمتان للفطرة البشرية، والمشكلة إنما تكمن في توظيفهما. فإذا كانت المثالية توظف الواقع متمثلا في كافة أشكال القوة المادية والمعنوية لتحقيق أهداف تتوافق مع القيم العليا للإنسانية، كالحرية والإخاء والمساواة وحقوق الإنسان عامة فإن الواقعية السياسية في العلاقات الدولية، والتي طبعت سلوك حضارة الغرب بشقيه الأوروآسيوي والأوروأمريكي، توظف القيم المثالية، كشعارات تبريرية، لتحقيق أغراضها الأنانية، متذرعة بمقولة أب الواقعية الحديثة نيكولا ماكيافيلي “الغاية تبرر الوسيلة”، والغاية المطلقة لدى الواقعية الأمريكية هي المصلحة. هذا المبدأ ثابت لا يتأثر بالصداقة ولا بالعداوة وفي هذا اشتهر شعار في السياسة الأمريكية هو “ليس هناك صداقة دائمة ولا عداوة دائمة بل هناك مصلحة دائمة”. وأبرز مظاهر تطبيقاته في العلاقات الدولية: تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع الثورة الإيرانية حيث قبلت بها كأمر واقع، وبالمقابل تخلت عن أكبر صديق لها في المنطقة وهو شاه إيران حيث رفضت أن تستقبله في أراضيها ولو كلاجئ ولم يجد له من ملجأ إلاّ في مصر السادات. وتكرر نفس السلوك مع زين العابدين بن علي الصديق الحميم لفرنسا التي رفضت استضافته في أراضيها بعد هروبه من تونس خلال الثورة التونسية الأخيرة، ولم يجد له ملجأ إلاّ المملكة العربية السعودية.
إذا كان الأمر كذلك أوليس من مقتضيات المثالية أن نمتلك القوة، وصدق سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه إذ يقول “إن الله يَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن”.

الكاتب/عبد الوهاب بوزحزح

Print Friendly, PDF & Email
اضغط على الصورة