يمثل الاقتصاد الأخضر اليوم البديل الحيوي للاقتصاد التقليدي و العمود الفقري للتنمية الاقتصادية و يسهل أيضا الحركية المالية بالأسواق العالمية. و للتعريف بنوعية هذا الاقتصاد الجديد الذي يعتبر صديق البيئة و المجدد لنمطية الاقتصاديات الوطنية التي تعتمد بالأساس علي الطرق التقليدية. إن هذا النوع يعتمد علي الطاقات المتجددة و التي في مجملها تمثل الثروة الحقيقية للبلدان الغير نفطية و ذلك بأقل تكلفة و ذات مردودية إنتاجية عالية. كما تسمح التقنيات الحديثة في مجال التكنولوجيات و التجديد بتفعيل دور الابتكار في مجال المشاريع التنموية ذات الجودة العالية من خلال استعمال الأنظمة التي تحد من التلوث البيئي و تخلق سوق إنتاجية كبري. إن الاقتصاد الأخضر يعد من أبرز الركائز الداعمة لمختلف الأنشطة الاقتصادية و التي تساهم في تقليص نسبة الإنبعاثات الحرارية و المعروفة بالاحتباس الحراري. إذ منذ قمة كيوتو العالمية أصبح الشغل الشاغل للحكومات العالمية البحث و التجديد لإيجاد بدائل تحد من التلوث البيئي و تخلق نوعية جديدة من الاقتصاد الصناعي الذي يكون مساهم جدي في المشاركة للحد من الاحتباس الحراري العالمي.

إن الدول المتقدمة في معظمها أصبحت تولي اهتمام بالغ للاقتصاد الأخضر و ذلك من خلال المؤتمرات و الحوافز المالية الهامة لبعث مشاريع صديقة للبيئة. و في هذا الإطار نذكر برامج الابتكار في الطاقات المتجددة مثل الطاقة المائية و الحرارية و الشمسية و الهوائية و التي تعد مجملها العنصر الهام الذي يساهم إيجابيا في تقليص نسبة التلوث العالمي و خلق مناخ استثماري بديل للطاقات التقليدية مثل الغاز و النفط. أما فرنسا تعتبر الدولة الأكثر تطورا في هذا مجال البحثي و التجديدي في الاقتصاد الأخضر, إذ اعتمدت مؤخرا علي بنية جديدة في منظومتها الاقتصادية التي تولي اهتمام كبير للمشاريع صديقة البيئة, نذكر منها مشاريع رسكلة النفايات و إعادة تدويرها و هي كالآتي مخلفات استعمال الإطارات المطاطية من خلال تحويلها إلي مواد أولية.

أيضا رسكلة الأوراق المدرسية و الإدارية و القوارير البلاستيكية و علب المشروبات الغازية و الزجاجات البلورية. أما أهمها هو تحويل القمامة إلي مواد طبيعية و سماد عضوي يستغل لتسميد الأراضي الزراعية. إن فرنسا بما تقدمه اليوم من مشاريع حيوية ذات جودة عالية في الإنتاجية قادرة علي خلق فرص عمل جديدة و متنوعة تساهم بصفة إيجابية في تحقيق التنمية المستدامة علي الصعيد المحلي و أيضا العالمي. كما توجهت مؤخرا الحكومة الفرنسية بطرح تعاون أكبر في المجال الرقمي  و التطوير التكنولوجي مع دول جنوب المتوسط لخلق نمط اقتصادي جديد يتلاءم مع المتغيرات العالمية و يؤسس لعالم نظيف أساسه الصداقة مع البيئة. بالتالي يعتبر الاقتصاد الأخضر الأنجع عالميا نظرا لجمعه جميع مواصفات المردودية المالية و الربحية و أيضا التوفيق بين الاستثمار الناجع و المربح و الحفاظ علي بيئة سليمة. إذ يمثل هذا التعاون بين دول شمال و جنوب المتوسط بادرة مهمة في تعزيز الشراكة الأورومتوسطية و خلق فضاء صناعي متطور أساسه الطاقات المتجددة التي تساهم من جانب في تقليص نسبة الاحتباس الحراري و من جانب آخر تحقيق سوق للمنافسة الاقتصادية تجلب مداخيل مالية هامة لميزانية الدول المشاركة في برنامج دعم الاقتصاد الأخضر.

كما أن هذا لا يقتصر فقط علي الجانب الربحي إنما له انعكاسات بعيدة الأمد علي التنمية المستدامة التي تساعد في تحقيق العدالة في توزيع الثروة بين الأفراد من جانب المشاركة في جمع النفايات مقابل مبالغ مالية و تحافظ من جانب آخر علي البيئة و تخلق سوق كبيرة تدعم الابتكارات الصناعية مثل الرسكلة و إعادة التدوير. أيضا يساهم الاقتصاد الأخضر في دعم المجال الفلاحي من خلال بيئة خالية من السموم تحمي التربة من الانجراف و تستغل فيها النفايات كمواد عضوية لتسميد.

إن الثورة الجديدة في هذا المجال تتطلب العمل علي نشر الوعي لدي المواطن بجمع الفاضلات المنزلية مثل القوارير أو البطاريات الإلكترونية أو القمامة و بيعها بمقابل مالي رمزي لبعض الشركات المختصة و التي تقوم بتدويرها و إعادة إنتاجها. بالتالي تتحول هذه الشركات من مستهلك للمواد الأولية للإنتاج إلي مستهلك للفاضلات المنزلية و إعادة رسكلتها و تدويرها  و إنتاج منتجات جديدة ذات قيمة مضافة عالية الجودة و قدرة تنافسية في الأسواق المحلية أو العالمية. أما بخصوص السيارات علي الطرقات و التي تعتبر العنصر البارز في تلوث البيئة فإن أغلب الشركات العالمية في مجال صناعة السيارات حولت اهتمامها بإنتاج نوعية جديدة من السيارات التي تعتمد بالأساس علي الطاقات البديلة منها الديزيل أو الوقود الحيوي            و الإلكتروني. إذ هذه الطاقات البديلة و الصديقة للبيئة لها إنبعاثات تلوثية منخفضة بكثير مقارنة مع الطاقات التقليدية مثل الغاز و النفط. و الجدير بالذكر أن فرنسا شجعت مؤخرا المستثمرين علي خلق شركات كبري تعمل في مجال صناعة الديزيل الحيوي.

بحيث أصبح يتم إنتاج الوقود الحيوي من نباتات خاصة أو الأهم بروز ما يسمي بشركات إعادة جمع الزيوت الغذائية المستعملة و تحويلها لديزيل حيوي. أما في المجال الإلكتروني فقد برزت صناعة السيارات التسلا (Tesla) الإلكترونية و التي تتشابه في محركاتها مع تقنيات الهواتف الرقمية الذكية. و بالتالي أصبحت هناك العديد من بطاريات الشحن في المحطات المزودة للوقود عبر نوعية جديدة من أجهزة الشحن الإلكتروني المجاني للسيارات.

عموما يساهم الاقتصاد الأخضر بصفة ناجعة في تحقيق نسب نمو اقتصادية محترمة و يخلق فرص عمل مرتفعة و أيضا يحقيق أهداف التنمية المستدامة بطريقة فعالة و ذات مردودية إنتاجية عالية.

بقلم فؤاد الصباغ

24/04/2018

نبذة عن الكاتب

 تموز/يوليه 2001     بكالوريوس فى الإقتصاد و التصرف

سوسة – تونس             معهد سوسة

تموز/يوليه 2004      دبلوم الدراسات الجامعية المرحلة الأولي

سوسة – تونس             كلية الحقوق و العلوم الإقتصادية و السياسية بسوسة

حزيران/يونيه 2006   الأستاذية فى الاقتصاد الدولى

سوسة – تونس             كلية الحقوق و العلوم الإقتصادية و السياسية بسوسة

نيسان/ابريل 2010     ماجستير بحث فى التمويل والتنمية

سوسة – تونس             كلية الحقوق و العلوم الإقتصادية و السياسية بسوسة.

مقالات و كتب علمية

Foued SABBAGH (2013), « 1000 Questions à Choix Multiples (QCM) », Ecole Nationale d’Administration, Tunisie, Livre Décembre 2013.

Foued SABBAGH (2014), « Les déterminants de la croissance économique des pays BRICS », Article Document de Travail, Juillet 2014.

Foued SABBAGH (2016), « Crises financières et gouvernance bancaire dans les pays émergents du Sud Est Asiatique », Article Document de Travail, Mars 2016.

Foued SABBAGH (2017), « Corruption, Développement financier et Croissance économique : Cas des pays BRICS », Article Document de Travail, Juin 2016.

فؤاد الصباغ (2017), “دراسة الأوضاع الإقتصادية التونسية”, كتاب الخبير الإقتصادي, اذار 2017.

 

 

Print Friendly, PDF & Email