وجدت العديد من العائلات الجزائرية نفسها أمام واقع جديد ناتج عن إصابة أبنائها بالبدانة كأحد تداعيات الحجر الصحي المفروض لأشهر، فيما يحذر مختصون في علم النفس واستشاريون في طب الأطفال من هذه الظاهرة ويدعون إلى ضرورة تحدّيها بالعمل على تجاوزها عاجلا.

ويؤكد العديد من الأولياء الذين تحدثت إليهم “الخبر” أن الحجر الصحي شكل وبالا على أبنائهم بسبب زيادة الوزن إلى حد البدانة، وهي نتيجة حتمية للحجر الصحي الذي فرض إغلاقا على الطفل داخل المنزل وقطع علاقته بالمحيط الخارجي، ليجد نفسه بعيدا عن ممارسة الأنشطة الرياضية وممارسة هواياته المعتادة وغيرها من الأنشطة التي كانت تمنع عنه الزيادة في الوزن.

 يقول ولي طفل بالغ من العمر 9 سنوات أنه بات يعيش الضغط بعد أن زاد وزن ابنه مؤخرا ليقارب 70 كلغ، نتيجة التزام الحجر المنزلي وما تبعه من قلة نشاط بدني في ظل.

وهو نفس الحال بالنسبة لإطار بإحدى المعاهد الجامعية بالجزائر العاصمة، أين تجاوز وزن ابنه البالغ من العمر 5 سنوات كل الحدود، وكشف والد الطفل أن البقاء في المنزل لفترات طويلة خوفا من الإصابة بعدوى جائحة كورونا كان له الأثر البالغ رغم أن السبب المباشر يكمن في النظام الغذائي المعتمد.

هذا الوضع ينطبق على بنتين إحداهن في سن الخامسة والأخرى في سن الـ 13، حيث تشير والدتهما أن وزنهما زاد بشكل لافت ومقلق في فترة الحجر المنزلي، ما دفعها إلى الاستنجاد بأخصائيين بحثا عن مخرج.

“كورونا زادت من معدلات ومخاطر السمنة”

يؤكد أخصائي التغذية، زهير قرح، “أن السمنة تشكل في مرحلة الطفولة خطراً حقيقياً على الطفل، والاستهانة بها مشكلة كبيرة، لأنها تجعل الطفل عرضة بشكل كبير للإصابة بارتفاع ضغط الدم والكولسترول والدهون الثلاثية، إضافة إلى السكري من النوع الثاني والربو واضطرابات الأيض، دون الحديث عن الالتهابات الجلدية، مشكلات العظام وصعوبات الحركة”.

وأضاف “وجميعها تؤثر في الطفل في مرحلة الطفولة، ويكون تأثيرها أكبر في المراحل التالية من العمر، لأن الجائحة مستمرة ولا دلائل علمية بعد على قرب انتهائها، فيجب إعطاء أولوية وأهمية كبرى لمعدلات زيادة الوزن والسمنة بين الأطفال والمراهقين”. 

واتسمت حياة الأطفال بالخمول الحركي، نتيجة لإغلاق المدارس والحدائق والمناطق المخصصة للعب لأكثر من عام ونصف منذ بداية إنتشار فيروس كورونا، أين استحدثت إجراءات عالمية ودولية للتعامل مع هذه الجائحة من أجل تقليل معدلات الإصابة والوفيات.

ومن ضمن هذه الإجراءات توقف التعليم وغلق المدارس والجامعات ورياض الأطفال والمراكز التعليمية، إضافة إلى الإغلاقات في القطاعات الترفيهية كالحدائق والأماكن المخصصة للعب للأطفال.
وأكد زهير قرح أن شريحة عريضة من المواطنين عبر ولايات الوطن لا تزال تعاني الإغلاقات جراء إنتشار فيروس كورونا، ليأتي الأطفال في مقدمة الفئات تأثراً بهذه الإغلاقات، خاصة الفئة العمرية ابتداء من سن خمس سنوات التي تشهد نموّا وتغيرات جسمية وعقلية وسلوكية كبيرة.

وبخصوص تأثيرات جائحة كورونا على الأطفال صحياً وغذائياً، أكد محدثنا أن التغيير الذي طرأ على طبيعة مرحلة الطفولة وأثر في نشاط الطفل فيها، أدَّى إلى إنشار زيادة الوزن وارتفاع معدلات السمنة بشكل ملحوظ بين الأطفال، إضافةً إلى بروز تشكلات جسمية نتيجة للجلوس لفترات طويلة، من أهمها بروز البطن، ليس هذا فحسب.

فتأثير جائحة كورونا في السلوكيات الصحية العامة، تَمثَّل في السهر وعدم التزام النوم مبكراً وعدم النوم لساعات كافية لا تقل عن 8 ساعات ليلاً للحفاظ على الصحة والنمو السليم، إضافة إلى إهمال وجبة الفطور التي تُعتبر محركًا لعمليات الأيض في الجسم، وغيرها من السلوكيات مثل تناول وجبة عشاء متأخرة.
ويرى المختص في التغذية أن الحلول ممكنة لمنع أو تقليل ارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة في مرحلة الطفولة في ظل الجائحة، منها منع الطفل من استهلاك الوجبات السريعة والأطعمة المنزلية الغنية بالدهون.

وبدلاً منها يجب تحضير طعام منزلي بدون دهون مضافة، وبطرق صحية كالسلق والشّوي، وكذا الحد من استهلاك الطفل للمقرمشات والشوكولاتة والأطعمة المصنعة، عبر توفير بدائل منزلية بكميات معتدلة مثل الفشار والحلويات المنزلية المحضَّرة من الحليب والمخبُزات المنزلية.

ويحذر زهير قرح من شيوع استهلاك المشروبات الغازية والعصائر المصنعة الغنية بالموادّ الحافظة والملوّنات الضارة جدا، وتوفير بدائل صحية كالحليب والعصائر الطبيعية بكميات محدودة، مع استغلال فترات تخفيف الإغلاقات وفتح الأندية الرياضية والحدائق ولو لفترات محدودة، إذ يجب مسارعة الأهل إلى تحفيز الطفل على ممارسة أنشطة حركية كالجري والمشي والقفز.
كما يرى محدثنا ضرورة تحديد نمطية معينة لساعات النوم والاستيقاظ ومواعيد تناول الوجبات للأطفال في الأسرة، إذ يبدأ الطفل السليم يومه مبكراً بتناول وجبة فطور صحية، وينهي يومه بساعات مبكرة قبل الساعة الحادية عشرة ليلاً للحفاظ على النمو السليم.

ويضيف “أما نمطية الوجبات، فالنظام الأفضل للطفل هو استهلاك وجبة كل ثلاثة ساعات، بمعدل خمس وجبات يومياً، ثلاث وجبات رئيسية ووجبتان خفيفتان وكذا توجيه الطفل إلى ضرورة الجلوس السليم بزاوية 90 درجة، لأن اعتدال الظهر خلال الجلوس هامّ جداً لتجنُّب بروز البطن، بخاصة خلال الساعات الطويلة للتعلم عن بعد، كما يُعتبر تحريك الجسم لمدة قصيرة كل فترة هامّاً، فمثلاً تحريك الجسم وتمرينه خمس دقائق بعد كل ساعة أو 45 دقيقة من الجلوس المستمرّ يُعتبر منشطاً للجسم والعقل.

“المجتمعات العربية والشرقية لا ترى في السمنة خطرا”

يرى الباحث في علم الاجتماع، الدكتور حبيب بوخليفة، أن البدانة عند الأطفال زادت بشكل كبير في زمن الحجر الصحي نتيجة الإغلاق، ورغم أن الوزن الزائد يضع الطفل في دائرة المخاطر الصحية، إلا أن المجتمعات الشرقية العربية والإسلامية لا ترى في البدانة مؤشرا للخطر، ما يستدعي دراسات تقويمية للظاهرة لتنجب الكارثة.

ويقول بوخليفة أن ظاهرة البدانة عموما سواء لدى الكبار أو الصغار لم تظهر إلا في منتصف القرن العشرين، خاصة في الدول المتقدمة مثل أمريكا وبعض الدول الأوربية بحكم ارتفاع المستوى المعيشي لدى الشعوب.

وهي تعتبر عند الأطفال من  الحالات الصحية الخطيرة التي تصيب المراهقين والأطفال على حد سواء في سن مبكرة، فالوزن الزائد مقلق يضع الأطفال في مساحة المشكلات الصحية التي كانت تخص الكبار مثل الكوليستررول وارتفاع ضغط الدم، السكري وحتى انسداد الشرايين.

كما يمكن للسمنة أن تتسبب في بعض الأمراض النفسية مثل الانغلاق على الذات والخمول العقلي والاكتئاب وعقد نفسية أخرى قد تعرقل نمو ذكاء الطفل في المراحل الأولى من المسار التربوي.

ويلفت الباحث في علم الاجتماع أن بعض الأطفال يتربعون على بنية جسدية أكبر من المتوسط لأسباب وراثية، وقد لا يدخل هذا في مساحة الخطر الصحي، لذلك لا يمكن تحديد أو تشخيص الظاهرة من خلال النظر فقط، بل لابد من فحوصات تحليلية طبية تؤكد الزيادة المفرطة في الوزن، إذ أن الطفل قد يكتسب كميات هامة من الدهون في مختلف مراحل النمو،”ويعتبر مُؤشِّر كتلة الجسم، الذي يُوفِّر معيارًا للوزن بالنسبة إلى الطول هو المقياس المقبول لزيادة الوزن والسمنة”.

ويشير بوخليفة إلى أن الملاحظ أن الركود والخمول والإدمان على بعض المواد الغذائية مثل الحلويات والدهون المختلفة والمشروبات الغازية، تتسبب حتما في زيادة الوزن، وهذا ما حدث في ظروف الانغلاق في البيوت خوفا من جائحة كورونا لمدة تتجاوز سنتين.

فيما توجد أسباب رئيسية في زيادة الوزن المفرط، مثل قلة ممارسة الأنشطة الجسدية، في ظروف اكتساب كمية كبيرة من السعرات الحرارية من الأطعمة والمشروبات الصناعية المختلفة، وهي إحدى العوامل المركزية لظاهرة السمنة في مرحلة الطفولة، لكن هناك عوامل أخرى وراثية وهرمونية، كما أن بعض الأدوية تتسبب في زيادة الوزن مثل “الكورتيكويد” عندما يكون الطفل مصابا بمرض التنفس مثلا.

ويشير بوخليفة إلى أن الانغلاق والحالات النفسية التي تكون بفعل القلق أو الضغط أو الملل، مما قد يدفع إلى تناول الأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية مرارا، مثل الوجبات السريعة (البيتزا) والمخبوزات والوجبات الخفيفة الجاهزة، والحلويات المختلفة الغنية بالدهون والسكريات، إضافة إلى قضاء وقت طويل في مشاهدة التلفزيون أو اللعب على اللوحات الالكترونية .
وحسب بوخليفة، فإن إشكالية السمنة سواء لدى الأطفال أو الكبار في المجتمعات الشرقية العربية الإسلامية لا يعد مفهوما خطيرا للصحة، بل العكس هو أساسا مؤشر من مؤشرات الفخر والغناء والاكتفاء، إذ أن الأولياء قد يشاركون ظاهرة السمنة ولا يهتمون بها، والتي تعد بالنسبة لموروثهم الثقافي حالة طبيعية صحية. وقد يؤثر التوتر الأسري في حالة إذا ما كان الأب متسلطا من خطر إصابة الطفل بالسمنة، حيث يتناول الأطفال الأغذية الكثيفة بالسكريات والدهون بشكل مفرط للتغلب على مشاعر القلق أو الملل أو الخوف، وقد تكون لدى الأولياء ميول مماثلة. “وتبقى الظاهرة مشتركة اليوم في كثير من المجتمعات البشرية، رغم أننا لم ننتبه إليها بحكم مفهومنا الثقافي للسمنة، لابد على المؤسسات الطبية بالاشتراك مع مراكز البحث العلمي أن تقوم بدراسات تقومية للظاهرة حتى نتجنب كارثة زيادة الوزن المبكر لدى أطفالنا ووقايتهم من الأمراض المختلفة الخطيرة.

“البدانة تعرض الأطفال لمشاكل عاطفية وتعليمية”
يرى المختص في علم النفس التربوي، الدكتور عبد القادر حيادحين، أن البدانة لدى الأطفال كانت متوقعة بسبب طول فترة المكوث بالمنزل، لافتا إلى أن الأطفال المصابين بالسمنة هم الأقل احتراما للذات، وعرضة لمشاكل الصحة العاطفية، العقلية، التنمر، والنتائج التعليمية السيئة.

ويقول محدثنا أن كوفيد 19 له تأثيرات كبيرة سيتم اكتشافها خلال السنوات القادمة، وتعتبر السمنة إحدى تلك النتائج السلبية التي كانت متوقعة،بسبب المكوث الطويل للأطفال داخل البيوت بفعل الحجر الصحي المفروض، أين توجه الأطفال نحو الاستخدام المفرط للوسائل التكنولوجية مع استهلاك الكثير من المأكولات التي غالبا ما تكون غير صحية كالحلويات والشكولاطة، مع قلة النشاط الحركي، مما أدى لزيادة متسارعة في الوزن لدى الأطفال، أوصلت بعضهم للسمنة التي تعتبر اليوم مشكلة عالمية يعاني منها الكبار أيضا.

ومع أن معدلات السمنة بين الأطفال ارتفعت بشكل كبير، خلال العقود الماضية، على غرار ارتفاع معدلات السمنة لدى البالغين، إلا أن  الحجر الصحي الذي فرضته جائحة كورونا، وحرمان الأطفال من فرص اللعب وممارسة الأنشطة الحركية والألعاب الرياضية، زاد من تعقيد الوضع وتسريع وتيره هذه الزيادة، متوقعا أن تستمر معدلات السمنة لدى الأطفال في الارتفاع إذا لم يتم فعل أي شيء لمعالجة العوامل المسببة للسمنة.

فهي تؤثر على حياة الأفراد مبكرا، وقد يكون لها تأثير على مسار حياتهم بالكامل، بما في ذلك تدهور الصحة والعافية، ومشاكل الصحة العاطفية والعقلية والتنمر والنتائج التعليمية السيئة.
ويشير الدكتور حيادحين إلى إحدى الدراسات التي شملت أكثر من 30 دولة، حاول فيها الباحثون معرفة العلاقة بين الأداء المدرسي والسمنة لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و 15 عامًا.

وقد توصلت الدراسة لمجموعة من النتائج، أبرزها أن السمنة والنتائج التعليمية مترابطة، وتتوسطها عوامل بيولوجية (مثل الأمراض)، وسلوكية (مثل قلة النشاط البدني)، وعوامل الصحة النفسية والعاطفية (مثل تدني احترام الذات، وضعف الاتصال الاجتماعي).

وأظهرت الدراسة أن الأطفال الذين يعانون من السمنة لديهم رضاء أقل عن الحياة وعن الذات، وهم أكثر عرضة للتخويف من قبل زملائهم في المدرسة، مما قد يؤدي إلى انخفاض مشاركتهم في القسم وانخفاض أدائهم التعليمي.

وتبدو العلاقة بين السمنة والتنمر أكثر وضوحا عند الفتيات منها عند الأولاد، فالفتيات المصابات بالسمنة أكثر عرضة  للتنمر بثلاث مرات من الفتيات ذوات الوزن الصحي، في حين أن هذه النسبة هي 1,8 مرة عند الأولاد، ويضاف إلى هذا العلاقة بين السمنة وسوء الأداء الأكاديمي تبقى ثابتة، فوجود السمنة في سن مبكرة يؤثر على الأداء الأكاديمي والتحصيل التعليمي في وقت لاحق من الحياة.

ليس هذا فحسب بل لسمنة الأطفال آثار طويلة الأمد، بما في ذلك عواقب مهددة للصحة على مدى الحياة، ويمكن للعلاقة بين بدانة الأطفال والنتائج التعليمية أن تنعكس سلبا على تكوين رأس المال البشري والوضع الاجتماعي والاقتصادي في المستقبل.

وينصح الباحثون الذين قاموا بالدراسة صانعي القرار والسياسيين بضرورة الاستثمار في مجموعة واسعة من البرامج التي تهدف إلى معالجة السمنة لدى الأطفال، وتقليل الشعور بوصمة العار الناتجة عن السمنة والحد من التنمر، مع تحسين الرفاهية والصحة العقلية للأطفال الذين يعانون من زيادة الوزن.

وبشكل عام، يتفق عدد كبير من الدراسات المنشورة على وجود ارتباط كبير بين بدانة الأطفال وضعف الأداء الأكاديمي لديهم، وتقدم هذه الدراسات دليلاً على مجموعة متنوعة من مقاييس النتائج التعليمية (مثل الدرجات المدرسية، والغياب، والمشاركة ، وإعادة السنة.