خلال تاريخه الحديث والمعاصر تعرض العراق الى حظر ومقاطعة وحصارات اقتصادية فرضت عليه من قبل الدول الاستعمارية.

وتحت ذريعة دخول القوات العراقية الى الكويت في 2/8/1990، أصدر مجلس الأمن سيلاً من القرارات المتلاحقة فرض من خلالها حظراً ومقاطعة وحصاراً اقتصادياً شاملاً على العراق كما فرض حظراً تكنولوجياً وأقر رقابة طويلة الأمد وآلية استيراد وتصدير معقدة لإحكام الحظر التكنولوجي عليه ومنعه من تطوير قدراته التكنولوجية مستقبلاً.

        يتناول هذا الفصل الحظر التكنولوجي على العراق من خلال أربعة مباحث هي:

  • المبحث الأول: الحظر المفروض على العراق قبل أم المعارك
  • المبحث الثاني: الحظر التكنولوجي المفروض بموجب قرارات مجلس الأمن
  • المبحث الثالث: خطط وآلية الرقابة والرصد طويلة الأمد
  • المبحث الرابع: مذكرة التفاهم والحظر التكنولوجي

المبحث الأول: الحظر المفروض على العراق قبل أم المعارك

أولاً- نبذة تاريخية

يتركز التقدم العلمي والتكنولوجي بصورة رئيسية في حوزة دول وشعوب امتلكت الامكانات المادية له منذ فترة طويلة ، ونشأت هذه الدول والشعوب ضمن معطيات تاريخية يغلب عليها طابع التحكم والسيطرة على الغير بكل الوسائل الممكنة. ففي بداية الثورة الصناعية في اوربا كان الباعث الاول لهذه السيطرة هو تأمين الحصول على الموارد والخامات الاولية الضرورية لصناعاتها ، وكذلك الحاجة الى الاسواق الخارجية لتصريف منتجاتها بما يعود بالفائدة والربح عليها وحدها ويؤدي الى تراكم رأس المال المادي لديها. وكنتيجة حتمية لاتساع السوق المحلي والخارجي ، برزت الحاجة الى التخصص في العمل وظاهرة الانتاج الواسع ، الامر الذي أدى الى احتضان هذه الدول للعلم والتكنولوجيا وتسخيرها لخدمة أهدافها الستراتيجية. وبعد أن وضعت أوربا يدها على معظم مفاتيح الثروة الطبيعية المعروفة آنذاك في اراضي الغير ، أحكمت سيطرتها السياسية والعسكرية والاقتصادية عليها وهو ما أدى الى ظهور (الاستعمار) ، فالاستعمار لم يكن الا نتيجة طبيعية استدعتها متطلبات المحافظة على موارد الثروة وتوسيع رقعة الاسواق لتصريف المنتجات بهدف زيادة الربح وتراكم رأس المال لدى الدول الاستعمارية([1]).

ان الايديولوجية الاستعمارية التي ظهرت في اوربا خلال القرون الثلاثة الماضية ، كانت معززة بالنظرية الاقتصادية الراسمالية التي تبلورت بصورة علمية متكاملة في كتاب (ثروة الامم) للفيلسوف والاقتصادي الانكليزي آدم سمث (Adam Smith) (1723-1790) فجوهر هذه النظرية هو الاقرار بمبدأ حرية التجارة ورفض أية قيود على التجارة العالمية وتركها لتنظمها ميكانيكية السعر المتوازن بين قوى الطلب وقوى العرض للسلع المختلفة وحيث يتحدد حجم السوق بوساطة كمية رأس المال المتمثل في صورة وسائل انتاجية ، وهذا بدوره يحدد درجة التخصص (تقسيم العمل والتكنولوجيا) التي تعتمد بدورها على حجم السوق، فكلما ازداد حجم السوق ازدادت درجة التخصص ، وزيادة درجة التخصص تعني استمرار تدفق الاختراعات الجديدة في صورة آلات ومعدات جديدة وطرق استخدام جديدة لها تؤدي الى زيادة التخصص في اداء عملية انتاجية واحدة أو انتاج عدد محدد من السلع([2]) .

ان الوعي الوطني وتوسع حركة التحرر لدى شعوب البلدان النامية للتحرر من السيطرة السياسية والعسكرية المباشرة ، والتحرر من التبعية الاقتصادية لتثبيت دعائم الاستقلال السياسي، قد دفع البلدان الاستعمارية الى البحث عن منافذ وممارسات جديدة للمحافظة على تفوقها والابقاء على سيطرتها ، لأن نزعة السيطرة والتحكم بالغير لم يكن من السهل التخلص منها ، بل تحولت لديهم الى ما يشبه العادة والعرف ، وأصبحت بالتالي جزءاً من حضارتهم العصرية الاستعمارية ، فطورت هذه البلدان وسائلها مع الزمن ووفق نفس المنظور الذي يبيح لها السيطرة على البلدان النامية ، فتحول الصراع العسكري السياسي الى صراع اقتصادي تحاول فيه البلدان المتقدمة الابقاء على سيطرتها والمحافظة على تفوقها ازاء البلدان النامية([3]).

ومن أبرز الوسائل الاقتصادية التي انتهجتها البلدان المتقدمة لتحقيق هدفها بالابقاء على سيطرتها وتفوقها ، هي ممارسة الحظر على انتقال التكنولوجيا الى البلدان النامية ، لإبقاء وتوسيع فجوة التخلف بينها وبين هذه البلدان ، وعدم السماح لها بامتلاك التكنولوجيا اللازمة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة ، فعلاقات المصالح بين البلدان المتقدمة والنامية كانت ولا تزال محكومة بحقيقة (الحد المسموح) به للتطور في البلدان النامية، فيسمح لهذه البلدان بالتطور وامتلاك بعض أنواع التكنولوجيا والى حد معين وفي مجالات محددة أيضاً ، أما التكنولوجيات المتقدمة التي تسرع عمليات النمو والتنمية الاقتصادية كالتكنولوجيا النووية وتكنولوجيا الالكترونيات والاتصالات والفضاء وتكنولوجيا التصنيع النهائي للمواد الاولية ، فما زالت محرمة على البلدان النامية([4]).

ويمثل الحظر والعدوان على العراق النموذج الأكبر والأعلى لهذه السياسات ، فالذي يطالع تاريخ السياسات الاستعمارية ، ويتأمل في خطط الغرب منذ بداية (المسألة الشرقية) وانهيار الدولة العثمانية حتى الآن ، يضع يده على محركات ثابتة ودوافع محددة لتلك السياسات([5]) .

ففي تاريخه الحديث والمعاصر تعرض العراق الى حظر ومقاطعة وحصارات اقتصادية ، فخلال النصف الاول من القرن العشرين تعرض العراق مرتين الى مقاطعة اقتصادية فرضتها بريطانيا ، الاولى أثناء الحرب العالمية الاولى واستمرت أكثر من اربع سنوات ، أما المقاطعة الثانية فقد فرضتها أثناء الحرب العالمية الثانية واستمرت آثارها الى عدة سنوات بعد انتهاء الحرب([6]).

فمنذ أن وطأت أقدام البريطانيين مدينة البصرة في تشرين الثاني 1914 ومدوا سيطرتهم شمالاً ، أصدرت السلطات البريطانية الاوامر بفرض المقاطعة الاقتصادية ، وبدأوا بتجميع السلع والمواد الغذائية في المدن التي احتلوها لتأمين حاجة قواتهم ، وأخضعوا حركة التجارة والنقل لرقابة صارمة. وكانت ذريعة البريطانيين في ذلك ، منع وصول السلع والمواد الغذائية الى القوات العثمانية المرابطة في بغداد ، ثم أخذت السلطات البريطانية توسع منطقة المقاطعة كلما تقدمت قواتها شمالاً حتى شملت العراق كله ، الأمر الذي أدى الى تعطل حركة التجارة الخارجية وحال دون انسياب السلع بين مدن العراق وألحق أضراراً كبيرة بالسكان. فقد شملت المقاطعة الصادرات والواردات حيث تعطلت صادرات العراق من الحبوب والأصواف والتمور… وتناقصت السلع المستوردة والمواد الضرورية خاصة المنسوجات والمواد الغذائية ، ولم تنته هذه المقاطعة رسمياً الا بعد توقيع الهدنة مع العثمانيين في تشرين الاول عام 1918.

وما أن أعلنت الحرب العالمية الثانية في أيلول 1939 ، حتى تعرض العراق لمقاطعة اقتصادية ، حيث أوقفت بريطانيا شحن البضائع الى العراق أو تصديرها منه ، وشددت هذه المقاطعة بعد فشل ثورة مايس 1941 وذلك لضمان تموين قواتها المتزايدة في العراق بعد الثورة ، فسيطر البريطانيون على دوائر التجارة ووسائط النقل والموانئ ، كما سيطروا على المرافق العامة ووجهوها وفقاً لاحتياجاتهم مستندين في ذلك الى معاهدة 1930 التي ألزمت العراق بمساعدة بريطانيا في حالة نشوب الحرب ، وعززت بريطانيا مقاطعتها بوضع قيود على الشحن الى العراق ، كما منعت تصدير منتجاته الزراعية من تمور وأقطان وحبوب وجلود وأصواف.. للحيلولة دون حصوله على العملات الاجنبية اللازمة لتمويل مشترياته الخارجية. كما فرضت الرقابة التامة على الصرف وحصرت تجارة العراق مع بريطانيا، ومنع قانون مراقبة التحويل الخارجي التصدير الى أي بلد خارج المنطقة الاسترلينية ، وجمدت بريطانيا موجودات العراق المالية لدى المصرف الشرقي في لندن ، وأصبح لزاماً على العراق أن يسلم ما يحصل عليه من عملات أجنبية، ثمناً للبضائع التي قد يصدرها، الى بنك انكلترا مقابل أرصدة استرلينية تسجل لحسابه في لندن ، لذا لم يعد بامكان العراق الشراء من غير دول المنطقة الاسترلينية وخاصة بريطانيا التي كانت تعاني اصلاً من صعوبات في الانتاج والتصدير بسبب الحرب ، وكانت تسدد نفقات مشترياتها من العراق بايداع سندات بريطانية لحسابه في لندن ، أي ديون مؤجلة الى فترة غير محددة.

لقد أدى تشديد اجراءات المقاطعة من قبل بريطانيا الى استنزاف موجودات العراق من السلع والمواد الغذائية اضافة الى ان تناقص الاستيرادات قد أدى الى قلة المعروض السلعي وحصول ارتفاعات شديدة في المستوى العام للأسعار.

وفور اعلان ثورة تموز 1958 اتخذت بريطانيا جملة من الاجراءات منها السعي لتجميد الودائع العراقية في لندن ، وممارسة الضغط على الدول الأخرى لمنعها من الاعتراف بالنظام الجديد([7]) ، أما الولايات المتحدة الامريكية فقد أصدر رئيسها (أيزنهاور) أمراً بارسال (10) آلاف من المارينز (مشاة البحرية) الأمريكان الى لبنان لمنع انتشار الثورة([8]).

وخلال النصف الاول من القرن العشرين وما تلاه ، لعبت الشركات الاحتكارية دوراً في ممارسة الحظر على العراق ، فقد ركزت هذه الشركات على الصناعة الاستخراجية النفطية ، وحجبت عن العراق أسرار الصناعة والتكنولوجيا البتروكيمياوية بهدف ابعاده عن التفكير في اقامتها([9]) . كما حاولت هذه الشركات خنق الاقتصاد العراقي بعد تأميم النفط في الاول من حزيران عام 1972 ، وذلك من خلال فرض حظر اقتصادي على تسويق النفط العراقي المؤمم ، فكانت الفترة من حزيران 1972 وحتى آذار 1973 بمثابة فترة حرب اقتصادية خاضتها القيادة والشعب العراقي ببسالة وصمود حتى تحقق أول نصر على هذه الشركات([10]).

وبعد نجاح قرار التأميم الخالد في الاول من آذار عام 1973 وشروع العراق بمناهج البناء والتنمية والتوجه نحو الحافات الامامية للعلم والسعي لامتلاك آخر حلقات ومبتكرات التكنولوجيا ، حاولت الدوائر الاستعمارية عرقلة النهوض والتقدم الذي شهده العراق باختلاق الكثير من المبررات المضادة لهذا النهوض([11]) ، ودفعت بالعديد من العملاء في المنطقة للتآمر على العراق ومنعه من تجاوز (الحد المسموح) له في التطور والبناء الحضاري ، فكانت الحرب التي شنتها ايران في 4/9/1980 وما سبقها من ممارسات عدوانية استهدفت استنزاف طاقاته وايقاف مسيرته التنموية وتقدمه العلمي والتكنولوجي.

لقد استهدف العدوان الايراني كل ميادين الحياة ومنها الميدان الاقتصادي ، واستخدمت ايران وحلفاؤها كل وسائل الحرب الاقتصادية ضد العراق ، فتم فرض الحظر على تدفق النفط العراقي عبر سوريا عام 1982 ، وفرضت ايران حصاراً بحريا عطل حركة التجارة الخارجية للعراق عبر شط العرب والخليج العربي ومنعت مرور النفط من خلالهما ، واستخدمت سلاح الطيران لتدمير المنشآت الاقتصادية والحلقات التكنولوجية المتقدمة ومنها مفاعل تموز الذي كان قيد الانشاء عام 1980 ([12]).

وخلال حربه الدفاعية مع ايران ، عانى العراق من حظر تكنولوجي فبدءاً من عام 1981 ، أوصدت بعض الابواب للحيلولة دون حصول العراق على التكنولوجيا المدنية والعسكرية على حد سواء لمنع تفوقه في الحرب على ايران(*) ، وكانت الدوائر الاستعمارية تسعى الى اطالة أمد الحرب من خلال محاصرة العراق تكنولوجياً([13]) ، وقد أشار السيد الرئيس القائد الى ذلك في المؤتمر الصحفي الشامل يوم 19/7/1981 ، مؤكداً ثقته بالمستقبل حيث قال سيادته (ولا أحسب ان باستطاعة أحد أن يطوق العراق في تعامله التقني والعلمي مع العالم اطلاقاً.. عندنا ثقة في هذا وسترون في المستقبل كيف ستفتح لنا أبواب متصور انها موصدة بوجهنا.. في هذا الوقت)([14]).

وتحت مظلة الحرب العدوانية الايرانية ، شنت الطائرات (الاسرائيلية) يوم السابع من حزيران عام 1981 غارة جوية على المنشآت النووية العراقية مستهدفة مفاعل تموز بتواطؤ أمريكي، ويؤكد البعض انه تواطؤ عربي أيضاً([15]) بعد أن فشلت محاولات امريكا والصهيونية العالمية في عقد السبعينات وأوائل الثمانينات في التحكم بأقنية عبور التكنولوجيا الى العراق ومنعه من ممارسة حقه في امتلاك التكنولوجيا المتقدمة والتي تشكل التكنولوجيا النووية أحد جوانبها الاساسية([16]) .

ان تدمير مفاعل تموز المخصص للأغراض السلمية يمثل نموذجاً للحظر التكنولوجي على العراق قبل أم المعارك ، لذا سنتناوله بشيء من التفصيل.

ثانياً-  العدوان على مفاعل تموز

        بدأ العراق نشاطه في العلوم النووية عام 1956 بعد اعلان الرئيس الامريكي ايزنهاور برنامج الذرة للسلام كحق أساسي لأي مجتمع يسعى للتقدم العلمي والتكنولوجي([17]) ، وفي عقد الستينات ومن خلال التعاون مع الاتحاد السوفيتي ، تم بناء مفاعل صغير قدرته (2) ميكاوات اكتمل عام 1968 ، ورفعت قدرته الى (5) ميكاوات عام 1978، استخدم لانتاج النظائر المشعة للاستخدامات الطبية والصناعية ولبرنامج بحثي صغير([18]) ووقع العراق على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ونظام الضمانات المرتبط بها كتعبير عن نواياه السلمية ولتسهيل حصوله على التقنيات النووية من الدول المالكة لها([19]). وعلى الرغم من أن مركز البحوث النووية كان مركزاً صغيراً ، الا انه كان متعدد فروع البحث والتطوير ، وأسهم اسهاماً مهماً في انجاز البحوث التطبيقية وتطوير القدرات التكنولوجية([20]) .

        وفي عام 1974 ، وخلال زيارة رئيس وزراء فرنسا (جاك شيراك) للعراق ، تم التوقيع على اتفاق تعاون نووي مع العراق يشمل بناء مفاعل بحوث نووية بقدرة (70) ميكاوات للعراق على شاكلة مفاعل نووي فرنسي يدعى (اوزيريس) واقترح الفرنسيون اطلاق اسم (اوزيراك) على المفاعل العراقي([21]) .

        لقد حرص العراق على امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية ، كونها تشكل أحد الجوانب الاساسية للتكنولوجيا المتقدمة ، وتعزز الامكانات العلمية والتقنية ، ومن أجل تحقيق التنمية الأسرع والافضل للعراق والامة العربية. ولم تسعَ القيادة في العراق الى الاستخدامات العسكرية للتكنولوجيا النووية ، أو الحصول على القنبلة الذرية أو تصنيعها بطرق أخرى لا للعراق ولا لغير العراق ([22]).

        على الرغم من ذلك لاحق الكيان الصهيوني منذ بداية السبعينات برنامج العراق النووي المكرس للأغراض السلمية ، واستمرت حكوماته المتعاقبة على اختلاف سياساتها ترصد وتتابع هذا البرنامج مستخدمة كل الطرق بما فيها الاتصالات الدبلوماسية والحملات الاعلامية المضادة داخل الكيان الصهيوني ، أو على المستوى الدولي وبمختلف الوسائل ابتداءاً من الضغط على حلفائه الغربيين مروراً بالارهاب والاغتيال وانتهاءً بالعدوان يوم السابع من حزيران عام 1981([23]) .

        ففي حزيران 1980 اغتال ارهابيون صهاينة العالم العربي المرحوم (يحيى المشد) الذي كان يعمل في البرنامج النووي العراقي – الفرنسي ، وكانوا قد حاولوا قتله في كانون الاول 1978 الا انهم فشلوا في ذلك وفي نيسان 1979 دمر ارهابيون صهاينة قلبي مفاعلين مكتملين لمفاعل (تموز-1) و (تموز-2) في فرنسا كانا جاهزين للشحن الى العراق([24]). وقد سبق للموساد الصهيوني ان اغتال في الخارج كلاً من المرحوم (عبدالرحمن صالح) والمرحوم (سلمان رشيد)([25]).

        وفي 15تشرين الاول 1980 ، حصل العلماء الصهاينة من مسؤولين امريكيين في لجنة التنظيم النووي ، النصح التقني اللازم لتدمير مفاعل تموز ، وفي الساعة (18.30) من يوم 7/6/1981 حلقت الطائرات الصهيونية عبر ثلاثة اقطار عربية هي الاردن والسعودية والعراق لتقصف المفاعل الذي كان بناؤه قد قارب الاكتمال([26]).

        تبنى مجلس الامن الدولي في 19 حزيران 1981 القرار المرقم (487) بالاجماع يدين فيه العمل الصهيوني ويحث (ولكنه لم يأمر) الصهاينة على وضع مرافقهم النووية تحت ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، وتضمن القرار أيضاً انه يحق للعراق (تعويض مناسب) عن الضرر الحاصل([27]). ومن جانبها أدرجت الجمعية العامة في جدول أعمال دورتها السادسة والثلاثين بناء على طلب (43) دولة من الدول الاعضاء موضوع (العدوان الاسرائيلي المسلح على المنشآت النووية العراقية وآثاره الخطيرة على النظام الدولي الثابت فيما يتعلق باستخدام الطاقة النووية في الاغراض السلمية وعدم انتشار الاسلحة النووية والسلم والأمن الدوليين) ، وأشارت الجمعية في تلك الدورة بصفة خاصة الى قرار مجلس الامن     (487) ولاحظت بقلق رفض (اسرائيل) الامتثال للقرار المذكور وأدانت بقوة عملها العدواني المتعمد الذي لم يسبق له مثيل ووجهت تحذيراً الى (اسرائيل) للكف عن تهديداتها وعن ارتكاب مثل هذه الهجمات المسلحة ضد المنشآت النووية ، وكررت نداءها الى جميع الدول للكف فوراً عن تزويد (اسرائيل) بأية أسلحة أو مواد متعلقة بها من جميع الأنواع تمكنها من ارتكاب أعمال عدوانية ضد دول أخرى ، وخلال دورات لاحقة أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أدانتها للعدوان الصهيوني على المنشآت النووية العراقية([28]).

        بلغت الخسائر المادية المترتبة على العدوان (700) مليون دولار ، وعلى الرغم من أن قرار مجلس الامن (487) في 19/6/1981 قد نص على (تعويض مناسب) ، الا ان الصهاينة لم يعوضوا سوى عائلة الفني الفرنسي الذي قتل نتيجة العدوان([29]). وقد رفضت الولايات المتحدة تأييد عقوبات إلزامية ضد (اسرائيل) ، لذا فان القرار الذي تم تبنيه عديم المعنى كلياً طالما انه غير ملزم([30]).

لقد أطلق الكيان الصهيوني الادعاءات الباطلة واستخدم التحليل المشوه الملتوي لتبرير عدوانه الغادر على مفاعل تموز ، منها ادعاؤه سعي العراق لتصنيع السلاح النووي الذي يهدد أمن الكيان الصهيوني ووجوده([31]) وانهم ما زالوا في حرب مع العراق([32]) ، وان هجومهم كان ممارسة لحق الدفاع عن النفس وفق ميثاق الامم المتحدة والقانون الدولي([33]).

لقد كانت الادعاءات الصهيونية حول المفاعل كاذبة بوضوح ، فقد قدم البروفيسور (ويلسون) استاذ الفيزياء بجامعة هارفرد وصفاً لمفاعل تموز خلص فيه الى القول (ليس من الممكن صنع أسلحة نووية بصورة مباشرة بمثل هذا المفاعل) ، وأكدت هيئة الطاقة الذرية الفرنسية ان المفاعل لا يمكنه انتاج قنبلة ذرية ، كما صرح مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ان العراق ملتزم كلياً بشروط معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ، كما صرح مسؤولون في الوكالة ان العراق لا يمتلك القدرة على انتاج قنبلة ذرية([34]).

لقد رفض المجتمع الدولي الادعاءات الصهيونية ، فمفاعل تموز كان مكرساً للاستخدامات السلمية ،وان ادعاءاتهم ليس لها أي سند علمي ، فالعراق لم يمتلك ولم يكن ليمتلك نتيجة مفاعل تموز القدرة على انتاج أسلحة نووية([35]). والبرنامج النووي العراقي هو برنامج سلمي معزز بانضمام العراق ومصادقته على معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية ، وكذلك توقيع العراق على اتفاقية الضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تخضع بموجبها النشاطات النووية العراقية لإجراءات الرقابة والتفتيش الدوليين([36]). في حين استطاع الكيان الصهيوني حيازة السلاح النووي قبل عام 1970، وهناك العديد من المصادر التي تشير الى امتلاك هذا الكيان نحو (200) قنبلة نووية([37]) وما زال يصر على الامتناع عن الانضمام الى معاهدة حظر الانتشار ، والامتناع كذلك عن اخضاع منشآته لضمانات الوكالة الدولية في التحقيق والتفتيش([38]).

ان أهداف العمل العدواني الصهيوني لم يكن له صلة بفعله المعلن وهو ليس اجراءً للدفاع عن النفس ، بل عمل واضح من أعمال العدوان المتعمد([39]) ، لقد استهدفت (اسرائيل) مفاعل تموز كحلقة أساسية من حلقات التنمية لايقاف الزهو العراقي([40]) وتدمير البنية التكنولوجية العراقية وحرمان العراق من امكانات استخدام المفاعل في مجال التدريب وانتاج النظائر المشعة للاستخدامات الطبية والزراعية والصناعية وحقه المشروع في الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية لأغراض التنمية([41]) ، كما استهدفت ارهاب العاملين في مجال التكنولوجيا النووية واضعاف القدرة والاطر المؤسسية في هذا المجال ، اضافة الى تهديد الاقطار العربية الاخرى الراغبة في اقتناء التكنولوجيا النووية([42]).

ان ادانة العدوان من قبل مجلس الامن ، يعني ان للعراق الحق في امتلاك التكنولوجيا النووية ، ومع ذلك ماطلت فرنسا في اعادة بناء المفاعل الامر الذي يؤكد ان الغرب الاستعماري يمنع العراق من حقه في امتلاك التكنولوجيا المتقدمة ومنها التكنولوجيا النووية لضمان ابقاء التفوق (الاسرائيلي) على العرب وليس مسموحاً للعرب امتلاك قوة توازي قوة (اسرائيل)([43]).

لقد كان البرنامج النووي ثمرة عزيزة من ثمرات الثورة([44]) ، وضع العراق في السبعينات على عتبة تطوير منظومة علم وتكنولوجيا عصرية ،وكان هذا البرنامج بالتأكيد علامة جدارة للقدرات العلمية والتكنولوجية العراقية ، حيث تم تبني الابتعاد عن اسلوب المشروع الجاهز من نقل التكنولوجيا التقليدية وبشكل جدي ، فقد دخل العلماء العراقيون في مفاوضات مطولة مع الشركات الاجنبية اكتسبوا من خلالها خبرات متقدمة ، ثم بدأوا تطوير العملية بأنفسهم وبشكل قانوني مبدع([45]).

ان تدمير مقاعل تموز لم يوقف مسيرة العراق في ممارسة حقه المشروع في امتلاك التكنولوجيا المتقدمة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، فخطا العراق خطوات متقدمة في هذا المجال نتيجة لقراره الوطني المستقل وارادته الوطنية الحرة بقيادة الرئيس صدام حسين ،وتوفر المستلزمات الاساسية لأي نهضة علمية وتكنولوجية خاصة في مجالات التمويل والعنصر البشري والتخطيط السليم ، اضافة الى ان الكيان الصهيوني قد دمر مفاعل تموز ولكنه لم يستطع تدمير القدرات البشرية والعقول التي أنشأت المفاعل وتدربت بعمق وجدية ، وأسهمت بشكل فاعل ومباشر في بنائه ، فوجه العراق خطته العلمية والتكنولوجية بعد عام 1981 باتجاه وأساليب وطرق أخرى([46]).

ثالثاُ-  الحظر بعد 8/8/1988

        ان تحقيق النهضة العلمية والتكنولوجية في العراق ، وفشل امريكا والكيان الصهيوني في ايقافها أو حرفها عن أهدافها المقررة ، جعلهم يباشرون بالتخطيط لتدميرها بشكل جدي وواسع ، ويشير الرئيس القائد صدام حسين في حديثه بتاريخ 16/3/1991 الى أن الحملة على العراق قد اشتدت بعد خروجه منتصراً في حربه مع ايران عام 1988 ، واستمرت واشتدت بدرجات أعلى في عام 1990([47]). وفي الذكرى الاولى للعدوان يشير القائد في حديثه بتاريخ 18/1/1992 (لقد قامت المسيرة هنا على الايمان وسعينا جاهدين لأن نشارك الدول المتقدمة في معاني الاقتدار في هذا العصر بامتلاك ناصية العلم والتكنولوجيا مصحوبة بجيش مؤمن قوي حديث.. ولأن هذا قد تحقق في العراق فقد ثارت ثائرة المتآمرين على الامة الذين طمعوا فيها.. لقد دمر المعتدون في عدوانهم اللئيم الكثير مما بنيناه بمائة وأربعة عشر ألف غارة..)([48]) وهكذا تتضح أهداف العدوان في منع العراق من امتلاك التكنولوجيا وفرض الحظر التكنولوجي عليه من خلال تدمير قاعدته العلمية والتكنولوجية التي سعى جاهداً لبنائها بهدف تحقيق التنمية.

        فبعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية عام 1988 ، حصل تغير سريع في سياسات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تجاه العراق حيث أنهم (عندما رأوا ان اللاعبين الصغار لم يخرجوا بنتيجة ، ظهر اللاعبون الكبار بنفس ملامحهم وبحالهم وبشيبتهم)([49]). فخروج العراق منتصراً في هذه الحرب ونجاحه على صعيد تحقيق التوازن الستراتيجي في مواجهة القدرات العسكرية للكيان الصهيوني من خلال الخبرات العسكرية التي اكتسبتها قواته المسلحة ، والقاعدة العلمية والتكنولوجية المتوسعة التي استطاع بناءها خلال سنوات الحرب ، وسعيه الى الخروج من حلقة التبعية التكنولوجية ، هذه العوامل دفعت الخبراء في واشنطن ولندن وتل أبيب الى الترويج لاعتقاد مفاده ان العراق أصبح يهدد أمن (اسرائيل) والمصالح الحيوية للولايات المتحدة الامريكية ، وهذا ما كشفه رئيس الوزراء الايطالي (اندريوتي) لظهور العراق كدولة قادرة على استيعاب وتطويع التكنولوجيا وهذا ما يعد من المحرمات([50]). ويبدو وفق تقديراتهم بأنها الحال غير المسموح بها([51]).

        عبر هذه الذرائع بدأت الولايات المتحدة بالضغط على حلفائها للتضييق على القدرات العراقية ، ففي 13 أيلول 1988 ، أقر الكونكرس الامريكي أول مشروع حظر اقتصادي وتكنولوجي على العراق يتمثل بايقاف الصادرات الامريكية المتعاقد عليها مع العراق ، وهذا الحظر يخل باتفاقية للتعاون الاقتصادي والفني سبق ان وقعها وزير التجارة عام 1987 مع الولايات المتحدة الامريكية ، وعاد يومها من واشنطن بعد توقيعه على القرض الشهير باسم (دي لافور) البالغ (200) مليون دولار لشراء مسلتزمات غير غذائية في اطار القرض الزراعي الامريكي. وكان الحظر يعني أيضاً عدم حصول العراق على مليون طن من الحنطة تمثل ثلث احتياجاته لعام 1988 ، الى جانب احتياجات العراق من المواد الغذائية والاولية ومسلتزمات الانتاج([52]).

        استمرت واشنطن بالتآمر على العراق ،وكان مساعد وزير الدفاع الامركي (ريتشارد بيل) المعروف بتعاطفه مع (اسرائيل) يسرب المعلومات عن صفقات التكنولوجيا العراقية ، ويعرقل ما عده أخطرها وهي صفقة الكومبيوترات العملاقة التي تستخدم في التقنيات الأكثر تعقيداً([53]). وفي عام 1989 ، نقل السيد طارق عزيز تحذيراً بهذا الخصوص الى وزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر في لقائهما الاول بواشنطن. وفي عام 1990 كان اضمحلال الخطر السوفيتي وانهيار الكتلة الشيوعية في اوربا قد أدى الى غياب العدو التقليدي للولايات المتحدة، الامر الذي كان يؤدي الى انفجار الازمات الداخلية ، لذا وجدت الولايات المتحدة ان أفضل مجال لتفريغ هذه الأزمات ، وجعل هيمنتها على العالم (شرعية) هو صناعة عدو خارجي أو (امبراطوريات عدوة) صغيرة تحل محل عدوها الكبير الذي تلاشى ، فكان العراق هو البلد الذي يمكن تصنيع صورته كعدو يستحق المواجهة خاصة بعد ظهوره كقوة اقليمية في المنطقة وبلد من بلدان العالم الثالث يتجاوز الخطوط الحمر التي تحجز بلدان هذا العالم خلفها، ويسعى لبناء قاعدة تكنولوجية لم يعتد أي بلد من هذه البلدان على السعي لبنائها، فصار العراق موضوعاً في مختبر (صناعة العدو في واشنطن) منذ بداية عام 1990 ، وكأن العراق قد حل محل الاتحاد السوفيتي كقوة عالمية تهدد المصالح الامريكية في منطقة الخليج العربي([54]). وفي شباط 1990 بدأ التخطيط الجدي في الولايات المتحدة الامريكية للعمل علناً وبقوة ضد العراق بلا حذر أو تردد ، وبدا ان المعركة قد اندلعت خاصة بعد مطالبة السيد الرئيس القائد صدام حسين برحيل الاسطول الامريكي من الخليج العربي بعد أن انتفت مبررات وجوده([55]).

        اشتدت الحملات الاعلامية ضد العراق واعتمدت العديد من المحاور ، واتسعت واكتسبت طابعاً هستيرياً وصارت تحرض يومياً على ضرب العراق وتصفية قيادته ، وتدعو الى مقاطعته ومنعه من الحصول على التكنولوجيا بهدف حرمانه من وسائل التقدم والتنمية([56]) ، وشاركت في هذه الحملات (6800) اذاعة و (750) قناة تلفزيونية و (1600) صحيفة يومية نشرت تصريحات بالتهديد بتوجيه ضربات امريكية – (اسرائيلية) لأكثر من (40) هدفاً ستراتيجياً وصناعياً لتدمير قاعدة العراق التكنولوجية([57]) ، لذا أعلن الرئيس القائد صدام حسين في الاول من نيسان عام 1990 عن استعداد العراق للدفاع عن أمنه الوطني اذا أقدمت (اسرائيل) على فعل شيء ضد العراق([58]). واقترنت هذه الحملات بقرارات معادية ، فاتخذت الولايات المتحدة ومعها دول استعمارية أخرى سلسلة من القرارات والاجراءات الجائرة بحظر تصدير كل ما يمكن ان يسهم في تطوير العراق ونهضته العلمية والتكنولوجية ، وشملت هذه القرارات المقاطعة الاقتصادية الفعلية([59]) ، ففي شباط 1990 منعت شحنات قمح أمريكي من الوصول الى العراق([60]) ، وفي آذار الغيت عقود الشحنات الزراعية والمعدات الصناعية التي سبق للعراق دفع أثمانها([61]) ، ورفضت الولايات المتحدة في نيسان 1990 الايفاء بالتزاماتها لتجهيز العراق ببضائع زراعية وتجارية([62]) وفي منتصف العام نفسه ، علقت الولايات المتحدة القرض الزراعي الامريكي للعراق بسبب ما عده الامريكان (أسباباً فنية) تتعلق بمسألة الفروقات في أسعار السلع المشتراة للعراق واحتمال وجود مشتريات تدخل في الصناعات العسكرية يجري تمويلها من القرض الزراعي([63]). وفي تموز عام 1990 أقر مجلس الشيوخ الامريكي منع تزويد العراق ببضائع تصل قيمتها الى (1.2) مليار دولار([64]). وفي السابع والعشرين من الشهر نفسه قرر المجلس منع نقل المعدات التكنولوجية الى العراق([65]) كما أصدرت الادارة الامريكية قراراً بمقاطعة العراق اقتصادياً([66]).

        وبهذا تكون الولايات المتحدة الامريكية قد فرضت الحظر الكامل على تصدير السلع الى العراق قبل 2/8/1990 ، وقد أكد ذلك السيد الرئيس القائد صدام حسين في مقابلته مع الآنسة (ابريل غلاسبي) سفيرة الولايات المتحدة في العراق بتاريخ 25/7/1990 حيث أشار (لم يبق شيء نشتريه من امريكا… لأنه كلما نريد ان نشتري شيئاً يقولون هذا ممنوع ونخشى ان تقولوا ان الحنطة أيضاً تصلح للبارود)([67]) ، كما أشار سيادته في حديثه مع يفغيني بريماكوف المبعوث السوفيتي يوم 12/2/1991 الى ان موقف الامريكان ليس مرتبطاً بموضوع الكويت، فهم قطعوا قبل 2 آب 1990 الخبز عن العراقيين ، ودعوا الى مقاطعة العراق علمياً وتكنولوجياً واقتصادياً وتحركوا على دول اوربا واليابان في هذا المجال([68]).

        لقد ترافق الحظر المفروض على العراق قبل 2/8/1990 بحملة اعلامية واسعة لتشويه سمعة العراق ، واثارة الخلاف بينه وبين الاقطار العربية ، وتعبئة الرأي العام ضده، وسعت الولايات المتحدة وبريطانيا الى تضخيم قوة العراق العسكرية لبث الرعب منها في المنطقة([69]) ، وركزت أجهزتها الاعلامية على سعي العراق لامتلاك التكنولوجيا المتقدمة ، مدعية ان العراق منكب على صناعة السلاح النووي ، وكان واضحاً ان الولايات المتحدة تعد العدة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني لضرب المنشآت والمواقع العلمية والصناعية وتدمير قدرات العراق التكنولوجية كما حصل في حزيران 1981. كما أثارت الدوائر الامريكية والبريطانية والصهيونية ضجة حول سعي العراق للحصول على معدات للاستخدام النووي من السوق الامريكية ، ولم تكن هذه المعدات سوى متسعات ذات فولتية عالية (High voltage capacitors) بقيمة (10500) دولار وبسعر (100) دولار للمتسعة الواحدة وذلك لتلبية حاجة الجامعة التكنولوجية الى مجهز طاقة لمنظومة الليزر/ ثاني اوكسيد الكاربون (CO2) ولأغراض علمية صرفة ، الا ان سعي هذه الدوائر لتشويه سمعة العراق وفرض الحظر التكنولوجي عليه واعطاء الغطاء (لاسرائيل) لضرب منشآته الصناعية والتكنولوجية جعل المخابرات الامريكية تدخل في ترتيب معقد وتتفق مع المخابرات البريطانية حتى اذا وصلت (المتسعات) الى مطار لندن يلقى القبض عليها ثم توضع أمام شاشات التلفزة([70]).

        أما مشروع المدفع العملاق (Super Gun) الذي اقامت الولايات المتحدة وحلفاؤها بسببه الدنيا ولم تقعدها الا بعد تدميره ، وعبأوا الراي العام العالمي ضد العراق من خلاله ، فلم يكن سلاحاً للتدمير الشامل ، كما أنه لم يكن سلاحاً تقليدياً بل انه ليس سلاحاً بالاساس ، وانما هو أحد مشاريع برنامج بحوث الفضاء العراقي وحلقة تكنولوجية متقدمة تهدف الى بناء مدفع له القدرة على اطلاق قمر صناعي الى مدار فضائي([71]).

 

رابعاً-  برنامج بحوث الفضاء

        سعياً منه لمشاركة الدول المتقدمة في معاني الاقتدار ، حاول العراق الدخول في تكنولوجيا الفضاء ، وكانت سياسته البحثية الفضائية تهدف الى([72]) :

  • تطوير صاروخ طويل المدى لاطلاق قمر صناعي.(*)
  • رعاية مشروع (بابل) الخاص بالمدفع العملاق لاطلاق قمر صناعي الى مدار فضائي.

1- برنامج صاروخ طويل المدى:

        سبقت الاشارة الى أن الدول الغربية (الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا واليابان والمانيا الغربية) قد شكلت في عام 1987 نظام السيطرة على تكنولوجيا الصواريخ ، يهدف الى منع انتشار صواريخ قادرة على نقل رؤوس نووية لمسافة تزيد على ثلاثمائة كلم ، وسعت هذه الدول الى منع انتشار هذه الصواريخ ووقوعها في أيد عربية ، لأن اكتسابها سيقلق ستراتيجية الردع الصهيونية المرتكزة على صواريخ طويلة المدى ورؤوس نووية تأمنت لها بدعم فرنسي وامريكي ولم يدخلها نظام الرقابة في نطاقه.

        بعد منتصف الثمانينات وبينما كانت الحرب محتدمة بينه وبين ايران ، بدأ العراق برنامج الصواريخ الحاملة للأقمار الصناعية واكتسب التكنولوجيا بمعدل سريع في هذا المجال، وبحلول عام 1989 وعلى الرغم من الحظر الذي فرضه الغرب على تدفق هذا النوع من التكنولوجيا ، حقق العراق تقدماً ملموساً في هذا البرنامج حيث أعلن العراق رسمياً عن اطلاق منظومة العابد الحاملة للأقمار الصناعية في السابع من كانون الأول 1989 ، وبالخبرات الوطنية العراقية ، ليحقق معادلة توازن القوة في المنطقة ويجسد قدرة العرب من خلال العراق على تضييق الهوة التكنولوجية في مجال الفضاء بينهم وبين العدو الصهيوني الذي أدرك ان أمنه يعتمد على التخلف الدائم للوطن العربي ، وان أي تقدم تكنولوجي لأي قطر عربي سيزيد من كلفة احتلاله لفلسطين ، لذا فان الفجوة التكنولوجية بينه وبين العرب يجب ان يحافظ عليها بأي ثمن.

        لقد أبدى الغرب انزعاجه من القدرات العراقية في مجال الصواريخ ونُظمت منذ عام 1987 حملة اعلامية غربية واسعة لكشف واعاقة الجهود العراقية في اكتساب تكنولوجيا الصواريخ ، وكان اطلاق منظومة العابد الحاملة للأقمار الصناعية قد دفع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني الى اظهار القلق من هذا التطور الذي يلبي حاجات الأمن القومي العربي ويلبي طموح العراق للخروج من شرنقة الدول النامية الى جانب ما يعكسه هذا الانجاز من تقدم واقتدار يوظف لدفع عجلة التنمية الى أمام. وقد اشار الرئيس القائد صدام حسين الى ذلك في حديثه الى وفد الكونغرس الامريكي بتاريخ 12 نيسان 1990 فقال (يشجب الغرب امتلاك العراق للأسلحة الصاروخية ويطارد العراق ويلاحقه على نقل التقنية والابداع فيها ، ويقلق من اطلاق صاروخ العابد الذي لديه امكانية ليحمل أقماراً صناعية ولكنه يهنئ (اسرائيل) عندما تطلق صاروخاً أو تضع فعلياً قمراً في المدار.. أنتم الذين تعطون (اسرائيل) صواريخ وعندما يصبح لدينا صاروخ حتى نقول (لاسرائيل) أصبح لدينا صاروخ بهذا الوصف فانكم تعطونها صاروخاً يقاطع صاروخنا.. هذا الموقف لا نعده ضد أمن العراق فقط وانما ضد أمن العرب ، كما أنه موقف غير عادل.. ان الشيء الذي يحقق السلام هو انه عندما يكون لدى (اسرائيل) صاروخ يجب ان يكون لدى العرب صاروخ ، حتى لا يستخدمه كلاهما… فلماذا تضغطون على العراق وتعاقبونه).

2-  المدفع العملاق

ضمن برنامجه الفضائي سعى العراق الى تصميم وتصنيع مدفع لاطلاق أقمار صناعية الى الفضاء ، ففي عام 1987 بدأ العلماء العراقيون بحوثهم في هذا المجال ، وفي عام 1988 تم وضع التصاميم للمشروع الذي تم التخطيط فيه لبناء مدفعين الأول بقطر       (350) ملم لاختبار الغايات والثاني بقطر (1000) ملم لاطلاق قمر صناعي الى الفضاء في عام 1993. أقيم أول مدفع خلال عام واستخدم للتجارب ، كما وصلت الى العراق أجزاء من المدفع العملاق ذو القطر (1000) ملم وجرى تركيبها.

المدفع العملاق الذي شنت بسببه الدوائر الغربية حملات اعلامية مكثفة ليست له أية مضامين حربية ، وهذا ما أكده جيرالد بول (Gerald Bull) العالم الكندي المتجنس بالجنسية الامريكية والذي قدم الاستشارة الفنية للمشروع وزار العراق عام 1988 ، وشدد (Bull) أكثر من مرة على أن المدفع العملاق غير مفيد كليا كسلاح ، انه هدف جالس وثابت ولا يمكن لنيرانه ان يعاد توجيهها.

اشتدت الحملة الاعلامية الغربية والصهيونية عام 1990 واستمرت الصحف المشبوهة تكتب عن العالم الكندي لمجرد زيارته وتعاونه مع العراق حتى اغتيل بمسدس كاتم الصوت في 22 آذار 1990 بعد ان تلقى تحذيرات من الموساد الصهيوني كما صرح أحد نجليه ، واوقفت الكمارك البريطانية شحنات الاجزاء الباقية من المدفع العملاق ، وصودرت شاحنات تحمل أجزاءً منه في اليونان وتركيا.

بعد أم المعارك ، دمر العدوانيون أجزاء المدفع العملاق التي كان قد تم تركيبها في العراق على الرغم من حقيقة معرفتهم ان هذا المدفع ليس أداة للتدمير الشامل ،ولا يشكل تهديداً لأي بلد في اي مكان. لقد زود المشروع العراق بفرصة لتطوير قدراته العلمية والتكنولوجية في دفع القذائف والصواريخ بعيدة المدى لوضع أقمار صناعية في الفضاء ، وهو أمر يقلق بالتأكيد أعداء العراق والامة ، فعملوا على وأده كاحدى ممارساتهم لفرض الحظر التكنولوجي على العراق.

لقد أدرك العراق ، ان عناوين العصر للأمم كي تصبح أمما محترمة من الغير وليس من أبنائها فقط هي العلم والتكنولوجيا ، والثروة المرتبطة بهما وليست المنفصلة عنهما ، والانسان الذي هو سيد كل هذا([73]) ، لذا أصر العراق على حقه الانساني بالارتقاء في ميادين العلم والمعرفة ونقل حلقات المعرفة التكنولوجية وتطويعها بغض النظر عن مركز هذا أو ذاك من دول العالم وتأثيرها في مفردات العلم والتكنولوجيا في هذا العصر([74]). الأمر الذي دفع الولايات المتحدة وحلفاءها الى العمل على تشويه صورة العراق وتأليب الرأي العام ضده بحجة سعيه الى امتلاك أسلحة الدمار الشامل لتبرير العدوان على منشآته الصناعية والتكنولوجية ومنعه من امتلاك ناصية التواصل والارتقاء في ميادين العلم والتكنولوجيا التي أصبحت من ابرز عناوين مرتكزات التنمية الاقتصادية وتعزيز الاستقلال السياسي([75]).

ان التهديدات الامريكية والصهيونية بضرب القاعدة الصناعية والتكنولوجية في العراق، والقيود التي يفرضها الغرب على تصدير التكنولوجيا الى الوطن العربي كانت السبب الأساس لانعقاد مؤتمر القمة العربي الاستثنائي في بغداد أواخر مايس عام 1990 ([76])، وأصبح معروفاً لدى عدد من القادة العرب ضلوع الولايات المتحدة في التآمر على العراق ، فوجهوا في حزيران رسائل خطية الى الرئيس الامريكي جورج بوش يحذرونه من ذلك([77]).

يستنتج من ذلك كله ، ان الحظر والعدوان على العراق ليس مرتبطاً بموضوع دخول القوات العراقية الى الكويت ، وليس له علاقة بامتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل التي لم يمتلكها ، فقد مارست الولايات المتحدة الامريكية الحظر على العراق منذ عام 1988 وشددت هذا الحظر منذ بداية عام 1990 ، ودعت بلدان اوربا واليابان الى مقاطعة العراق قبل 2/8/1990 ، هدفها من ذلك كله منع العراق من امتلاك التكنولوجيا وفرض الحظر التكنولوجي عليه لاعاقة مسيرته التنموية المستقلة ومنعه من تحقيق معادلة التوازن الستراتيجي بين العرب والكيان الصهيوني.

المبحث الثاني الحظر التكنولوجي المفروض بموجب قرارات مجلس الامن

 

أولاً-  مقدمة

منذ دخول القوات العراقية الى الكويت في 2 آب 1990 وحتى 29 تشرين الثاني من العام نفسه ، أصدر مجلس الامن الدولي (12) قراراً يتعلق بالحالة بين العراق والكويت ، كان آخرها القرار (678) ، الذي أذن للدول الاعضاء المتعاونة مع حكومة الكويت بأن تستخدم (جميع الوسائل اللازمة) لدعم وتنفيذ القرار (660) وجميع القرارات اللاحقة ذات الصلة واعادة السلم والامن الدوليين الى نصابهما في المنطقة. وبحلول 11 تشرين الأول 1991 ، بلغ عدد القرارات التي اتخذها المجلس وبموجب الفصل السابع من الميثاق (23) قراراً ، آخرها القرار (715) الذي فرض حظراً تكنولوجياً شاملاً تضمن سلسلة من القيود التعسفية على برامج التنمية في العراق ، وحكم عليه بالتخلف في ميادين الصناعة والتقدم العلمي والتكنولوجي([1]).

في 2 آب 1990 أصدر مجلس الامن القرار (660) الذي طالب فيه العراق بسحب جميع قواته ، ودعا العراق والكويت الى البدء فوراً في مفاوضات مكثفة لحل خلافاتهما ، وأيد الجهود المبذولة بهذا الصدد وبوجه خاص جهود الجامعة العربية. وعلى الرغم من عدم وجود أية اشارة في القرار المذكور الى فرض الحظر أو المقاطعة الاقتصادية ، أصدرت الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا في اليوم نفسه وبشكل منفرد قرارات حظر ضد العراق من جانب واحد ، فقد أصدر الرئيس الامريكي جورج بوش أمرين تنفيذيين الاول يقضي بفرض حظر تجاري على العراق ، والثاني يقضي بتجميد الاصول المالية العائدة للعراق ، أما بريطانيا فقد أصدرت تعليمات قانونية تقضي بتجميد الاصول المالية العراقية ، ومنعت السفن التي تحمل بضائع من والى العراق من الدخول الى الموانئ البريطانية ، كما أصدرت فرنسا قراراً بتجميد الاصول المالية العراقية وتعليق العلاقات المالية مع العراق([2]).

وعلى غير عادته في أوقات الأزمات ، وبسرعة لم يسبق لها مثيل فوتت الفرصة باتجاه التحرك السياسي لتنفيذ القرار (660) ، وعملت على تجميد وشل كل مبادرة عربية أو دولية لحل الازمة([3]) ، أصدر مجلس الامن سيلاً من القرارات اللاحقة ، فبعد أربعة أيام أي في 6/8/1990 ، أصدر المجلس القرار (661) بمنع توريد اية بضاعة من العراق ،وحظر الصادرات اليه ، ومنع توفير أية موارد مالية لحكومة العراق ، وبذلك تجاوز المجلس فرض حالة الحظر (EMBARGO) (الذي يعني بالمفهوم الحديث منع الصادرات الى دولة معينة)، ليتعداه الى فرض المقاطعة الاقتصادية (التي تشمل الصادرات والواردات) في جانبيها التجاري والمالي.

وفي 25 آب 1990 ، أصدر مجلس الامن القرار (665) الذي طلب من الدول الاعضاء التي تتعاون مع حكومة الكويت والتي تنشر قوات بحرية في المنطقة أن تتخذ التدابير لايقاف جميع عمليات الشحن البحري القادمة والخارجة بغية تفتيش حمولاتها ووجهاتها والتحقق منها ولضمان الانفاذ الصارم للاحكام المتعلقة بهذا الشحن والتي ينص عليها القرار (661). وبهذا القرار يكون مجلس الامن قد فرض حصاراً (BLOCKADE) بحرياً شاملاً على العراق (اعتراض وسائل النقل البحري وتفتيشها).

الا أن الامر لم يقف عند حد فرض المقاطعة الاقتصادية بموجب القرار (661) والحصار الاقتصادي بموجب القرار (665) ، فقد أصدر مجلس الامن القرار (670) في 25 أيلول 1990 ، ليؤكد ان القرار (661) ينطبق على جميع وسائل النقل بما فيها الطائرات ، وهكذا ولأول مرة في تاريخ الازمات الدولية تمتد أحكام الحصار بما يتضمنه من ايقاف وتفتيش من السفن الى الطائرات ، وهي المرة الاولى التي يلجأ فيها المجلس الى هذا الاجراء([4]). كما طالب المجلس بالفقرة (8) من نفس القرار (670) جميع الدول ان تقوم باحتجاز أية سفن عراقية التسجيل تدخل موانئها وتستخدم أو تكون قد استخدمت بما يمثل انتهاكاً للقرار (661) ، الامر الذي يعني احياء نظام الحظر بالمعنى التقليدي له (عقلة السفن التي تحمل علم العراق وحجزها) ، على الرغم من ان هذا النظام قد جرى التخلي عنه منذ القرن التاسع عشر لعدم ملاءمته لتطور العلاقات الدولية وخاصة مبدأ حرية الملاحة.

لقد فرض مجلس الامن على العراق مقاطعة اقتصادية (القرار 661) وحصاراً اقتصادياً (القرار 665) وحظراً طبق المفهوم التقليدي (القرار 670) ، وبهذا يكون المجلس قد لجأ الى الجمع بين عدة عقوبات في آن واحد ، وهذه العقوبات هي أشد ما تكون من نوعها ، اذ شملت المقاطعة جميع المستويات الاقتصادية وشفعت بحصار بحري وجوي حولها الى حصار اقتصادي شامل ، ولم تتورع الولايات المتحدة وحلفاؤها الذين مارسوا الضغط على مجلس الامن لاستصدار هذه القرارات([5]) ، من احياء نظام الحظر القديم والذي جرى التخلي عنه منذ عهد طويل على الرغم من عدم ملاءمته للمبادئ المكرسة دولياً([6]).

ثانياً-  القرار 661/1990

        أصدر مجلس الامن القرار (661) في 6 آب 1990 ، ونصت الفقرة (3) منه (يقرر ان تمنع جميع الدول ما يلي)([7]):

  • ‌أ. استيراد أي من السلع والمنتجات التي يكون مصدرها العراق أو الكويت ، وتكون مصدرة منهما بعد تاريخ هذا القرار ، الى أقاليمها.
  • أية أنشطة يقوم بها رعاياها أو تتم في اقاليمها ويكون من شأنها تعزيز التصدير أو الشحن العابر لأية سلع او منتجات من العراق أو الكويت ، وأية تعاملات يقوم بها رعاياها أو السفن التي ترفع علمها أو تتم في أقاليمها بشأن أي سلع أو منتجات يكون مصدرها العراق أو الكويت وتكون مصدرة منهما بعد تاريخ هذا القرار ، بما في ذلك على وجه الخصوص أي تحويل للأموال الى العراق أو الكويت لأغراض القيام بهذه الانشطة أو التعاملات.
  • ‌ج. أي عمليات بيع أو توريد يقوم بها رعاياها أو تتم من اقاليمها او باستخدام السفن التي ترفع علمها لأية سلع او منتجات ، بما في ذلك الاسلحة او اية معدات عسكرية اخرى سواء كان منشؤها في اقاليمها او لم يكن ، ولا تشمل الامدادات المخصصة بالتحديد للأغراض الطبية والمواد الغذائية المقدمة في ظروف انسانية ، الى أي شخص او هيئة في العراق او الكويت او الى اي شخص او هيئة لأغراض عمليات تجارية يضطلع بها في العراق او الكويت او منهما ، وأية انشطة يقوم بها رعاياها او تتم في اقاليمها ويكون من شأنها تعزيز او يقصد بها تعزيز عمليات بيع او توريد هذه السلع او المنتجات.

كما قرر المجلس بموجب الفقرة (4) من القرار (أن تمتنع جميع الدول من توفير اية أموال او اية موارد مالية او اقتصادية اخرى لحكومة العراق او لأية مشاريع تجارية او صناعية أو لأية مشاريع للمرافق العامة في العراق او الكويت ، وان تمنع رعاياها واي أشخاص داخل اقاليمها من اخراج اي اموال او موارد من اقاليمها أو القيام باية طريقة اخرى، بتوفير الاموال والموارد لتلك الحكومة ، أو لأي من مشاريعها ، ومن تحويل اي اموال اخرى الى أشخاص او هيئات داخل العراق او الكويت ، فيما عدا المدفوعات المخصصة بالتحديد للأغراض الطبية او الانسانية والمواد الغذائية المقدمة في الظروف الانسانية).

وطلب المجلس بموجب الفقرة (5) من جميع الدول بما في ذلك الدول غير الاعضاء في الامم المتحدة ، أن تعمل بدقة وفقاً لأحكام هذا القرار ، بغض النظر عن اي عقد تم ابرامه او ترخيص تم منحه قبل تاريخ هذا القرار ، وقرر بموجب الفقرة (6) تشكيل لجنة تابعة لمجلس الامن وتضم جميع أعضائه مهمتها النظر في التقارير التي سيقدمها الامين العام عن التقدم المحرز في تنفيذ القرار والطلب من جميع الدول المزيد من المعلومات المتصلة بالاجراءات التي اتخذتها فيما يتعلق بالتنفيذ الفعال للأحكام المنصوص عليها في القرار.

وطلب المجلس بموجب الفقرة (7) من القرار من جميع الدول التعاون مع اللجنة فيما يتعلق بقيامها بمهمتها بما في ذلك توفير المعلومات التي قد تطلبها اللجنة. وطلب بموجب الفقرة (8) من الامين العام تزويد اللجنة بالمساعدة اللازمة واتخاذ الترتيبات اللازمة من الامانة العامة لهذا الغرض.

لقد فرض القرار (661) نظاماً صارماً من العقوبات الالزامية الشاملة متعدد الجوانب والاهداف ، لم يشهد له التاريخ مثيلاً([8]). ان هذه العقوبات شملت باختصار جميع جوانب حياة الانسان، إذ منعت جميع الدول من استيراد اية بضائع عراقية او تصدير اية مواد الى العراق بما في ذلك المواد الغذائية والاحتياجات المدنية والمواد التعليمية والخدمات الفنية والاجهزة الصحية والمواد اللازمة للصحة العامة والاسمدة والمعدات الانتاجية ومواد البناء والمصنفات المالية([9]) فضلاً عن حرمان العراق من استيراد مواد سبق ان تعاقد على شرائها ودفع أثمانها قبل 2/8/1990([10]).

ان الاستثناء الوحيد الذي أورده القرار ، هو الامدادات المخصصة بالتحديد للأغراض الطبية والمواد الغذائية المقدمة في “ظروف انسانية” (Humanitarian Circumistances) ، وبالنظر لفرض الحظر على تصدير النفط العراقي وتجميد الارصدة والممتلكات العراقية في الخارج قبل وبعد صدور هذا القرار فان هذا الاستثناء لم يطبق عملياً لعدم توفر العملة الاجنبية لدى العراق لاستيراد مثل هذه المواد([11]) ، فمن الحقائق العلمية ذات الصلة بالموضوع ان اقتصادات بلدان العالم الثالث تعتمد بشكل أساس على التجارة الخارجية ، وتعاني من مشكلة النقص في العرض الكلي (الانتاج) لذا تعتمد هذه البلدان ومنها العراق على سد النقص بين العرض الكلي (ما متوفر من سلع وخدمات) وبين الطلب الكلي ، عن طريق الاستيراد من الخارج ، وبرنامج الاستيراد يعتمد في العراق على العملات الاجنبية المتأتية من صادرات النفط([12]) ، لذا فان حظر تصدير النفط العراقي وتجميد الارصدة العراقية في الخارج بموجب القرار (661) ، قد سد جميع المنافذ التجارية بين العراق والعالم الخارجي واستهدف تحطيم الاقتصاد العراقي([13]) خاصة وان الولايات المتحدة وبريطانيا قد استمرتا في محاولاتهما لتشديد الحصار متذرعتين بالقرار (661) وقال بوش آنذاك (سنمنع عن العراق كل شيء.. كل شيء) واستطاعتا احكام الحصار على العراق من خلال سياسة التهديد او التحبب والرشوة ازاء اي دول تحاول خرق الحصار([14]) ، لذا لم يعد للاستثناء الوارد بالقرار (661) قيمة تذكر.

ومما قلل من أهمية هذا الاستثناء هو ان المجلس حصر لنفسه او للجنة العقوبات سلطة تحديد ما اذا كانت هناك (ظروف انسانية) قد ظهرت في العراق نتيجة الحصار([15]). وبموجب القرار (666) في 13/9/1990 ، اضاف المجلس شرطاً جديدا للسماح بتصدير المواد الغذائية والطبية ، حيث قرر ان تقوم اللجنة (المشكلة بموجب الفقرة 6 من القرار   661) اذا رأت انه قد نشأت ظروف توجد فيها حاجة انسانية ماسة.. ابلاغ المجلس فورا بقرارها المتعلق بكيفية تلبية هذه الحاجة على ان تضع اللجنة في اعتبارها ان يتم توفير المواد الغذائية من خلال الامم المتحدة بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الاحمر أو غيرها من الوكالات الانسانية وان يتم توزيع هذه المواد الغذائية بمعرفتها او تحت اشرافها ، وتصدير الامدادات الطبية تحت الاشراف الدقيق لحكومة الدولة المصدرة او بوساطة الوكالات الانسانية المناسبة. واستناداً لهذا القرار ، يبدو ان فهم المجلس او بعض اعضائه لما يسمى (الظروف الانسانية) هو تحقق المجاعة على نطاق واسع ، وعد العراق معسكر لاجئين ، والشعب العراقي بملايينه مجرد لاجئين. ان تفسير القرار (666) للاستثناءات الواردة بالقرار (661)، قد غير الى حد كبير من طبيعة وأهداف العقوبات الاقتصادية والتي كانت تمكن العراق من استعمال بعض ارصدته المجمدة لتمويل شراء احتياجاته الانسانية([16]) ، لذا يمكن القول ان هذا الاستثناء كان مسألة اتفاق سياسي وليس لأغراض انسانية ، وكان يعني بموجب القرار         (666) السماح لوكالات المعونات بالعمل في العراق وهو ما يرفضه العراق ، وفضلاً عن ذلك فان شرط (الاغراض الانسانية) قد فرض حصاراً مقنعاً اذ لم يعترف بالحاجة الانسانية ، وفي أفضل الأحوال يحدث تأخير في ايصال شحنات الغذاء الى العراق او تبقى المسألة بلا نهاية([17]).

كما شمل نظام العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق بموجب القرار (661) الاشخاص العراقيين المقيمين في الخارج لأغراض العمل او الدراسة او العلاج او لأي سبب كان ، الامر الذي نجم عنه اجراءات تعسفية واعتباطية ازاء العراق والمواطنين العراقيين في الخارج ، حيث ارغم العديد منهم على مغادرة الدول المقيمين فيها ، وتجميد أرصدتهم المالية وحرمانهم من مواصلة دراستهم الجامعية([18]).

ولمتابعة تنفيذ العقوبات ، أوكل المجلس بموجب الفقرة (6) من القرار (661) ذلك الى لجنة مكونة من ممثلين من أعضاء المجلس أطلق عليها (لجنة 661) أو لجنة (الجزاءات) أو لجنة (المقاطعة) ثم لجنة (العقوبات) (Sanction Committee) دون تحديد اسلوب عمل هذه اللجنة ، فتبنت اللجنة لنفسها تفسيراً خاصاً لما يسمى بتوافق الآراء (Consonsus) حيث عد مفهوم توافق الآراء هو (الاجماع) اي ان كل عضو من أعضاء اللجنة الخمسة عشر له حق النقض دون الحاجة الى مبرر عدم الموافقة ، وتعمل هذه اللجنة بصورة مغلقة ولا يحق لغير أعضائها حضور اجتماعاتها وبذلك تم استبعاد العراق وهو الطرف المعني بالموضوع مباشرة من المشاركة في المناقشات. ان اعتماد لجنة العقوبات مبدأ الإجماع وسرية المداولات جعلها اللجنة الوحيدة من بين مؤسسات الامم المتحدة التي لا تعمل على وفق قاعدة الاغلبية أو مبدأ توافق الآراء([19]) . كما ان الآلية المعتمدة وعدم الشفافية في عمل اللجنة ، قد حالت دون اصدار اذن بالمواد الغذائية والانسانية بسبب اعتراض المندوبين الامريكي والبريطاني على الطلبات العراقية تحت ذريعة امكانية الاستخدام المزدوج لتلك الطلبات([20]).

لقد حدد القرار (661) أهداف العقوبات بسحب العراق جميع قواته واعادة النظام الكويتي الى سابق عهده في الكويت ، الا ان القرار لم يتطرق الى موضوع رفع العقوبات عند تحقيق هذه الاهداف ، مما يدل على ان العقوبات كانت تستهدف أغراضاً غير التي وردت في القرار الذي فرض العقوبات([21]) ، وتعد المقاطعة التي فرضها القرار المذكور اجراءاً انتقامياً يقصد به شن حرب اقتصادية على العراق([22]).

ثم جاء القرار (665) في 25 آب 1990 ، الذي فرض أكبر حصار بحري عرفه المجتمع الدولي منذ الحرب العالمية الثانية شاركت فيه أساطيل (12) دولة ، تم تعزيزه بحصار جوي بموجب القرار (670) مما يعد عملاً من أعمال الحرب([23]) ، فقد طالب القرار ايقاف جميع عمليات الشحن البحري القادمة والخارجة بغية تفتيش حمولاتها ووجهاتها لضمان الانفاذ الصارم للأحكام المتعلقة بهذا الشحن والتي نص عليها القرار (661). فكانت هناك فوضى لم يحدث لها مثيل حيث خضعت مئات السفن لعمليات تفتيش واعتراض متعاقبة من اساطيل مختلفة رافقها الكثير من العنف ، وحسب تقرير (لجنة 661) في 26/8/1996 المقدم الى مجلس الامن ، فقد شاركت في عمليات الحصار البحري أساطيل من عدة دول ، وبلغ مجموع الرسائل الموجهة لمختلف السفن التجارية للاستفسار عن اتجاهها او حمولاتها أكثر من (22000) رسالة أدت الى ما يقرب من (10000) عملية تفتيش ولأكثر من (550) تغييراً لمسارات السفن نحو الموانئ التي يقررها قائد السفينة المعترضة لغرض تفريغ وتفتيش حمولاتها. ولم يشر التقرير الى اكتشاف بضائع محظورة خلال هذه العمليات الأمر الذي يعني عدم العثور على أية بضاعة محظورة. ان هذا التخويل المطلق للأساطيل البحرية العسكرية من دون تنسيق حقيقي مع لجنة المقاطعة أو مجلس الامن ، خلق حالة من الفوضى فاقت أحياناً حتى القرصنة تحت سلطة مجلس الامن وبغياب رقابته([24]).

ثالثاً-  القرار 687/1991

في 29 تشرين الثاني 1990 أصدر مجلس الامن القرار المرقم (678) ، أذن بموجبه للدول الاعضاء المتعاونة مع حكومة الكويت بأن تستخدم (جميع الوسائل اللازمة) لدعم وتنفيذ القرار (660)([25]) ، وبهذا جمع المجلس بين جواز استعمال القوة مع استمرار العقوبات الاقتصادية ، ومن خلال غموض عبارة (جميع الوسائل اللازمة) ، أعطى المجلس للولايات المتحدة وحلفائها حق استخدام القوة العسكرية التقليدية وغير التقليدية (أسلحة الدمار الشامل) لتنفيذ القرار (660). وقد اعترفت واشنطن ولندن باستخدام آلاف القذائف المصنوعة قشرتها من اليورانيوم المنضب ، مما يشكل سابقة خطيرة على صعيد العلاقات الدولية يمكن بموجبها استخدام (كل شيء) لتحقيق أهداف قرارات مجلس الأمن([26]). كما تضمن القرار عبارة (اعادة  (restores) السلم والأمن الدوليين الى نصابهما في المنطقة) وهي المرة الاولى منذ اندلاع الازمة ، التي يدخل فيها المجلس عبارة (في المنطقة) مما غير أهداف العقوبات الاقتصادية كما حددها القرار (661) ووسع من آفاقها اقليمياً ومادياً وزمانياً ومكانياً لتشمل جميع منطقة الخليج والشرق الأوسط([27]).

وفي 2 آذار 1991 تبنى مجلس الامن القرار (686) اقر فيه نهاية مؤقتة للأعمال العدائية (a provisional end to hostilites) وأكد بموجب الفقرة (1) استمرار السريان الكامل لمفعول وأثر القرارات السابقة كافة، وقرر بموجب الفقرة الاخيرة (8) ابقاء المسألة قيد النظر بغية ضمان وضع نهاية سريعة وحاسمة لأعمال القتال([28]).

وبعد مرور أكثر من شهر على اصدرا القرار (686) ، تبنى المجلس القرار المرقم  (687) في 3 نيسان 1991([29]) ، وأمام خيار واحد لا غير أبلغ العراق الامين العام ورئيس مجلس الامن في 6 نيسان 1991 قبوله بهذا القرار ، عندها أعلن تحقق وقف اطلاق النار في 11/4/1991([30]).

لقد كان القرار (687) وكما وصفه الدكتور بطرس غالي الامين العام للأمم المتحدة ، يمثل واحداً من أكثر القرارات تعقيداً ، وينطوي على أحكام بعيدة المدى جداً لم يسبق للمجلس ان اتخذ مثلها.. لقد استهدف القرار اشراك العراق بالتعاون في اجراءات ما بعد الحرب لبناء سلام دائم واستقرار في المنطقة ، في الوقت نفسه فان اجراءات التنفيذ ظلت نافذة المفعول بما في ذلك نظام العقوبات وتخويل المجلس بعض الدول الاعضاء استعمال الوسائل الضرورية لضمان امتثال العراق([31]).

لقد ألزم القرار بموجب الفقرة (33) منه العراق اعلان قبوله رسمياً بأحكامه لكي يتحقق وقف اطلاق النار ، ولم يلزم الأطراف الاخرى ، كما ان القرار أبقى بموجب الفقرة   (1) منه على جميع القرارات السابقة بما فيها القرار (678) الذي أجاز رسمياً استعمال (جميع الوسائل اللازمة) لضمان امتثال العراق لقرارات المجلس ، لذا يستنتج الدكتور بطرس غالي ان القرار أجاز لدول التحالف التذرع بحقها في استعمال القوة ضد العراق([32]) (وهو ماحصل فعلاً في السنوات اللاحقة) مما يشكل سابقة خطيرة لا مثيل لها في تاريخ العلاقات الدولية وما سيترتب على قرارات مجلس الامن في المستقبل([33]).

وعلى الرغم من ان القرار يؤكد في ديباجته التزام جميع الدول الاعضاء بسيادة العراق وسلامته الاقليمية واستقلاله السياسي ، وان العراق دولة مستقلة ذات سيادة ، فانه في الكثير من أحكامه الجائرة لم يحترم هذه السيادة بل تعرض لها ولحقوقها الثابتة سواء في الميثاق او في القانون والعرف الدوليين بشكل لم يسبق له مثيل([34]).

لقد فرض مجلس الامن المقاطعة الاقتصادية على العراق بموجب القرار (661) والحصار الاقتصادي بموجب القرار (665) والحظر وفق المفهوم التقليدي بموجب القرار    (670)، لضمان امتثال العراق للقرار (660) بسحب جميع قواته وعودة الحكومة الكويتية ، وفي نيسان 1991 تحققت هذه الاهداف التي من أجلها فرضت العقوبات الاقتصادية وشنت الحرب على العراق ، وقد أشار القرار (687) في فقرته الثانية من المقدمة التمهيدية الى ذلك حيث رحب (برجوع السيادة والاستقلال والسلامة الاقليمية للكويت وبعودة حكومتها الشرعية) لذا كان على مجلس الامن ، الغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق بموجب القرارات المشار اليها كون أهدافها قد تحققت ، الا ان مجلس الامن بدلاً من ذلك ، وبموجب القرار (687) أبقى على العقوبات القديمة (الفقرة 24) ، وفرض عقوبات دائمية جديدة لتحقيق أهداف جديدة قطرية أو اقليمية منها (التأكد من النوايا السلمية للعراق) ونزع أسلحة الدمار الشامل وتأسيس منطقة خالية من الاسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الاوسط ، وانجاز رقابة متوازنة وشاملة للتسلح في المنطقة([35]).

لقد وردت هذه العقوبات في القسمين (جيم) و (واو) من القرار موضوع البحث ندرجها في أدناه([36]):

تضمن القسم (جيم) الفقرات (7-14) وكما يأتي:

  1. يدعو العراق الى أن يؤكد من جديد ، دون أي شرط ، التزاماته المقررة بموجب بروتوكول جنيف لحظر الاستعمال الحربي للغازات الخانقة أو السامة أو ما شابهها ولوسائل الحرب البكتريولوجية ، الموقع في جنيف في 17 حزيران يونيه 1925 ، وأن يصدق على اتفاقية حظر استحداث وانتاج وتخزين الاسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والتكسينية وتدمير تلك الاسلحة ، المؤرخة في 10 نيسان/ ابريل 1972.
  2. يقرر أن يقبل العراق ، دون أي شرط ، القيام تحت اشراف دولي ، بتدمير ما يلي أو ازالته أو جعله عديم الضرر:
  • ‌أ. جميع الاسلحة الكيميائية والبيولوجية وجميع مخزونات العوامل الكيميائية وجميع ما يتصل بها من منظومات فرعية ومكونات وجميع مرافق البحث والتطوير والدعم والتصنيع.
  • ‌ب. جميع القذائف التسيارية التي يزيد مداها عن 150 كيلومترا والقطع الرئيسة المتصلة بها ومرافق اصلاحها وانتاجها.
  1. يقرر تنفيذاً للفقرة 8 أعلاه ، ما يلي:
  • ‌أ. يقدم العراق الى الامين العام في غضون خمسة عشر يوماً من اعتماد هذا القرار ، بياناً بمواقع وكميات وأنواع جميع المواد المحددة في الفقرة 8 ، ويوافق على اجراء تفتيش عاجل في الموقع ، على النحو المحدد أدناه:
  • ‌ب. يقوم الامين العام بالتشاور مع الحكومات المناسبة ، وعند الاقتضاء مع المدير العام لمنظمة الصحة العالمية ، وفي غضون خمسة وأربعين يوماً من صدور هذا القرار ، بوضع خطة ، وتقديمها الى المجلس للموافقة عليها ، تدعو الى انجاز الاعمال التالية في غضون خمسة وأربعين يوماً من هذه الموافقة:
  • تشكيل لجنة خاصة ، تقوم على الفور بأعمال التفتيش في الموقع على قدرات العراق البيولوجية والكيميائية وما يتعلق منها بالقذائف ، استناداً الى تصريحات العراق وما تعينه اللجنة الخاصة نفسها من المواقع الاضافية.
  • تخلي العراق للجنة الخاصة ، عن حيازة جميع المواد المحددة بموجب الفقرة 8(أ) أعلاه ، بما في ذلك المواد في المواقع الاضافية التي تعينها اللجنة الخاصة بموجب الفقرة 9(ب-1) أعلاه وذلك لتدميرها أو ازالتها أو جعلها عديمة الضرر، مع مقتضيات السلامة العامة ، وقيام العراق ، باشراف اللجنة الخاصة بتدمير جميع قدراته المتعلقة بالقذائف ، بما في ذلك منصات اطلاقها ، على النحو المحدد بموجب الفقرة 8(ب) أعلاه.
  • قيام اللجنة الخاصة بتقديم المساعدة الى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية والتعاون معه على النحو المطلوب في الفقرتين 12 و 13 أدناه.
  1. يقرر أن يتعهد العراق تعهداً غير مشروط بعدم استعمال او استخدام او بناء أو حيازة أي من المواد المحددة في الفقرتين 8 و 9 أعلاه ، ويطلب الى الامين العام أن يقوم ، بالتشاور مع اللجنة الخاصة ، باعداد خطة لرصد امتثال العراق لهذه الفقرة والتحقق منه بشكل مستمر في المستقبل ، على ان يقدمها الى مجلس الامن للموافقة عليها في غضون مائة وعشرين يوماً من صدور هذا القرار.
  2. يدعو العراق الى ان يؤكد من جديد ، دون أي شرط ، التزاماته المقررة بموجب معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية المؤرخة 1 تموز/ يوليه 1968.
  3. يقرر أن يوافق العراق ، دون أي شرط على عدم حيازة او انتاج أسلحة نووية أو مواد يمكن استعمالها للأسلحة النووية أو أي منظومات فرعية أو مكونات أو أي مرافق بحث أو تطوير أو دعم أو تصنيع تتصل بما ذكر أعلاه ، وأن يقدم الى الامين العام والى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية ، في غضون خمسة عشر يوماً من اعتماد هذا القرار اعلاناً بمواقع وكميات وأنواع جميع المواد المحددة أعلاه ، وأن يخضع جميع ما لديه من مواد يمكن استعمالها في الاسلحة النووية للرقابة الحصرية للوكالة الدولية للطاقة الذرية لكي تحتفظ بها لديها وتزيلها ، وذلك بمساعدة اللجنة الخاصة وتعاونها حسبما تنص عليها خطة الامين العام التي نوقشت في الفقرة 9(ب) أعلاه ، وأن يقبل ، وفقاً للترتيبات المنصوص عليها في الفقرة 13 أدناه القيام بتفتيش عاجل في الموقع وتدمير جميع المواد المحددة أعلاه ، أو ازالتها أو جعلها عديمة الضرر ، وأن يقبل الخطة التي ترد مناقشتها في الفقرة 13 أدناه من أجل رصد امتثاله لهذه التعهدات والتحقق منه بشكل مستمر مستقبلاً.
  4. يطلب الى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية ان يجري فوراً ، عن طريق الامين العام وبمساعدة وتعاون اللجنة الخاصة ، كما جاء في خطة الامين العام في الفقرة 9(ب) اعلاه تفتيشاً في الموقع على القدرات النووية للعراق استناداً الى تصريحات العراق وأي مواقع اضافية تعينها اللجنة الخاصة ، وأن يضع خطة لتقديمها الى مجلس الامن في غضون خمسة وأربعين يوماً تدعو الى تدمير جميع المواد المدرجة في الفقرة (12) أعلاه او ازالتها أو جعلها عديمة الضرر ، حسب الاقتضاء ، وان ينفذ الخطة في غضون خمسة واربعين يوماً من تاريخ موافقة مجلس الامن عليها، وان يضع خطة تراعى فيها حقوق العراق والتزاماته المقررة بموجب معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية المؤرخة في 1 تموز/ يولية 1968 لرصد امتثال العراق لأحكام الفقرة 12 أعلاه والتحقق منه باستمرار في المستقبل ، بما في ذلك القيام بجرد جميع المواد النووية الموجودة في العراق والتي تخضع للتحقق والتفتيش من قبل الوكالة لتأكيد ان ضمانات الوكالة تشمل جميع الانشطة النووية ذات الصلة في العراق، وذلك لتقديمها الى مجلس الامن لاعتمادها في غضون مائة وعشرين يوماً من تاريخ صدور هذا القرار.
  5. يحيط علماً بأن الاجراءات التي من المقرر ان يتخذها العراق والواردة في الفقرات 8 و 9 و 10 و 11 و 12 و 13 من هذا القرار تمثل خطوات نحو هدف انشاء منطقة في الشرق الاوسط خالية من أسلحة التدمير الشامل وجميع قذائف ايصالها ، وهدف فرض حظر عالمي على الاسلحة الكيميائية.

أما القسم (واو) من القرار (687) موضوع البحث فقد تضمن الفقرات (20-29) ، ندرج منها نصوص الفقرات (20-25) ذات العلاقة بموضوع الحظر التكنولوجي:

  1. يقرر ، مع السريان الفوري ، الا ينطبق حظر بيع وتوريد سلع أساسية او منتجات غير الادوية والامدادات الصحية الى العراق ، وحظر المعاملات المالية المتصلة بذلك والواردة في القرار 661 (1990) ، على المواد الغذائية التي تحظر بها لجنة مجلس الأمن المنشأة بموجب القرار 661 (1990) بشأن الحالة بين العراق والكويت ، وبموافقة تلك اللجنة ، بموجب اجراء (عدم الاعتراض) المبسط والمعجل ، على المواد والامدادات اللازمة لتلبية احتياجات مدنية أساسية كما محدد في تقرير الأمين العام المؤرخ في 20 آذار/ مارس 1991 (S/28366) ، في أية استنتاجات أخرى عن وجود حاجة انسانية تتوصل اليها اللجنة.
  2. يقرر ان يستعرض مجلس الامن أحكام الفقرة 20 أعلاه كل ستين يوماً في ضوء سياسات وممارسات حكومة العراق ، بما في ذلك تنفيذ جميع قرارات مجلس الامن ذات الصلة ، وذلك لغرض تحديد ما اذا كان سيخفض او يرفع الحظر المشار اليه فيه.
  3. يقرر بعد ان يوافق مجلس الامن على البرنامج الذي تدعو اليه الفقرة 19 أعلاه وبعد ان يوافق المجلس على ان العراق أنجز جميع الاجراءات المتوخاة في الفقرات 8 و 9 و 10 و 11 و 12 و 13 أعلاه، أن تصبح مقررات حظر استيراد السلع الاساسية والمنتجات التي يكون مصدرها العراق وحظر التعاملات المالية المتعلقة به الواردة في القرار 661 (1990) غير ذات اثر ومفعول بعد الآن.
  4. يقرر ريثما يتخذ مجلس الامن اجراءاً بموجب الفقرة 22 أعلاه ، أن تخول لجنة مجلس الامن المنشاة بموجب القرار 661 (1990) بالموافقة على استثناءات لحظر استيراد السلع الاساسية والمنتجات التي يكون مصدرها العراق ، عندما تكون لازمة ، لضمان توفر مواد كافية لدى العراق للاضطلاع بالانشطة بموجب الفقرة 20 أعلاه.
  5. يقرر وفقاً للقرار 661 (1990) والقرارات ذات الصلة التالية له ، والى ان يتخذ مجلس الامن مقرراً آخر ، أن تواصل جميع الدول الحيلولة دون قيام رعاياها ببيع أو توريد ما يلي الى العراق ، أو ترويج او تيسير هذا البيع او التوريد ، او اتمامه من أراضيها او استخدام السفن او الطائرات التي ترفع علمها لهذا الغرض.
  • ‌أ. الأسلحة والأعتدة ذات الصلة بجميع أنواعها ، بما في ذلك على وجه التحديد البيع والنقل عن طريق وسائل أخرى لجميع أشكال المعدات العسكرية التقليدية ، بما في ذلك ما يوجه منها للقوات شبه العسكرية أو قطع الغيار والمكونات ووسائل انتاجها لهذه المعدات.
  • ‌ب. المواد المحددة والمعرفة في الفقرتين 8 و 12 أعلاه غير المشمولة بخلاف ذلك أعلاه.
  • ‌ج. التكنولوجيا بموجب ترتيبات ترخيص ، وغيرها من ترتيبات النقل المستخدمة في انتاج او استخدام او تخزين المواد المحددة في الفقرتين الفرعيتين (أ) و (ب) أعلاه.
  • ‌د. الافراد او المواد للتدريب او خدمات الدعم التقني المتصلة بتصميم او تطوير او تصنيع او استخدام او صيانة او دعم المواد المحددة في الفقرتين (أ) و (ب) أعلاه.
  1. يطلب الى جميع الدول والمنظمات الدولية ان تلتزم التزاماً تاماً بالفقرة 24 أعلاه ، بغض النظر عن وجود أية عقود او اتفاقات او تراخيص أو أية ترتيبات أخرى.

وهكذا يلاحظ ان العقوبات الواردة في القسم (جيم) من القرار (687) تتعلق باسلحة الدمار الشامل والتكنولوجيا الخاصة بها ، فقد منع القرار العراق من استخدام او حيازة او انتاج الاسلحة النووية والكيميائية والبايولوجية والصواريخ التي يتجاوز مداها (150) كيلومتراً، اضافة الى منع العراق من امتلاك التكنولوجيا الخاصة بتصنيع هذه الاسلحة ، كما قرر المجلس أن يقبل العراق ، دون قيد أو شرط ، تدمير او ازالة جميع هذه الاسلحة وما يتعلق بها من منظومات فرعية ومرافق بحث وتطوير ودعم وتصنيع ، ورصد ذلك والتحقق منه بشكل مستمر في المستقبل.

ان تدمير هذه الاسلحة ومنع العراق من امتلاكها او امتلاك التكنولوجيا اللازمة لتصنيعها هو الهدف الاساس للقرار (687)([37]) ، في حين أبقى مجلس الامن على امتلاك بقية الدول في المنطقة ، وخاصة الكيان الصهيوني لهذه الاسلحة بما فيها الاسلحة النووية ، وتجاهل المجلس قراره المرقم (487) في 19 حزيران 1981 ، الذي طالب فيه (اسرائيل) بوضع جميع منشآتها النووية تحت الرقابة الدولية ولم يتابع تنفيذ القرار المذكور مثلما يسعى لفرض موقفه ضد العراق ، مما يشكل ازدواجية صارخة في التعامل مع موضوع نزع اسلحة الدمار الشامل في المنطقة واخلالاً بالتوازن التسليحي فيها ، خاصة وان هذه الأسلحة لم تستخدم اطلاقاً من جانب العراق([38]). كما أدى هذا الموقف الى قلب موازين الأمن نتيجة لما أوجده من اختلال واضح وكبير في القدرات التسليحية والتكنولوجية أعاد حالة عدم الاستقرار في المنطقة الى سابق عهدها ، فسعت ايران استغلالاً للفرصة الى اعادة نشاطها في امتلاك التكنولوجيا النووية وأسلحة التدمير الشامل ، كما سعى الكيان الصهيوني الى تطوير قدراته في هذه المجالات([39]).

لقد نص القرار (687) على اخراج العراق من دائرة التأثير ، وحدد آلية لايجاد منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل بصورة تمييزية وقسرية استهدفت تجريد العراق تسليحياً وعلمياً وتكنولوجياً ، بعد ان تم تدمير مراكزه البحثية وقدراته التكنولوجية ومنشآته ذات الصلة، والتي كان البعض منها مخصصاً للأغراض السلمية والبعض الآخر يمكن استخدامه لهذا الغرض([40]).

لقد انيطت عمليات التفتيش عن القدرات العراقية في مجال الأسلحة الكيميائية والبايولوجية والصاروخية ، وتنفيذ الخطة الطويلة الامد للرصد والتحقق الى لجنة خاصة تم تشكيلها بموجب الفقرة (9) من القرار تتكون من خبراء في الأسلحة المذكورة من جنسيات مختلفة ، أطلق عليها (UNSCOM) يراسها خبير دبلوماسي من بلد محايد ، ومنح مجلس الامن اللجنة الخاصة صلاحيات وامتيازات واسعة وحصانات دبلوماسية لضمان استقلاليتها وفاعليتها ، أما التفتيش عن القدرات والمواد النووية الموجودة في العراق ، فقد انيطت بالوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) وبمساعدة اللجنة الخاصة. وفرض المجلس على العراق التزامات ذات طبيعة شاملة جداً لتمكين اللجنة والوكالة الدولية من اداء المهمات المناطة بهما([41]).

أما العقوبات الواردة في القسم (واو) من القرار ، فقد شملت الصادرات المدنية الى العراق ، استيراد السلع الأساسية والمنتجات من العراق ، والحظر على الأسلحة والمعدات العسكرية التقليدية والتكنولوجيا الخاصة بها([42]).

الصادرات المدنية الى العراق

لقد أبقى القرار (687) وبصورة ضمنية على الحظر المفروض على الصادرات المدنية الى العراق ، واستثنت الفقرة (20) المواد الغذائية ، كما نصت الفقرة على اجراءات ميسرة  بشأن (المواد والامدادات اللازمة لتلبية احتياجات مدنية أساسية) وأية حاجات انسانية تقررها لجنة العقوبات ، الا ان هذه الاستثناءات تخضع لقاعدة (عدم الاعتراض) اي ان اعتراض أي عضو في اللجنة يعني عدم الموافقة على التصدير.

ولضمان توفر موارد كافية لدى العراق لتسديد تكاليف استيراد المواد الغذائية والسلع المدنية المشار اليها ، تضمنت الفقرة (20) استثناءً أجاز للدول اطلاق الأموال العراقية المجمدة لديها بما يكفي لتغطية تكاليف الصادرات ، الا ان هذا الاستثناء لم يكن ملزماً للدول ، مما قلل من فرصة افادة العراق من هذا الاستثناء ، والذي ألغى في وقت لاحق بموجب القرار (778) في 2/10/1992 ، ولنفس الغرض تضمنت الفقرة (23) تخويلاً للجنة المقاطعة بالموافقة على استيراد كميات من السلع الاساسية والمنتجات من العراق (عندما تكون لازمة) لتسديد تكاليف الصادرات الى العراق والواردة بالفقرة (20) من القرار، الا ان لجنة المقاطعة، وبسبب (قاعدة الاجماع) جمدت هذا الاستثناء ، ولم توافق على الطلبات التي تقدم بها العراق وفقاً للفقرة (23) أعلاه.

وفيما عدا الاستثناءات المشار اليها ، والتي لم تجد لها حيزاً في التطبيق ، أبقى القرار (687) وبموجب الفقرة (20) على الحظر المفروض على تصدير السلع المدنية الى العراق وبضمنها التكنولوجيا سواءاً كانت متجسدة في أجهزة ومعدات أو معارف واستشارات وتراخيص والتي كان العراق بأمس الحاجة اليها لاعادة اعمار بنيته التحتية التي دمرها العدوان ، فما كان يجيزه القرار من الصادرات المدنية الى العراق ، كانت تقف دونه صعوبات التمويل ، وتمنعه المواقف المغرضة للمندوبين الامريكي والبريطاني في لجنة العقوبات.

ونصت الفقرة (21) (أن يستعرض مجلس الامن أحكام الفقرة (20) كل ستين يوماً) في ضوء (سياسات وممارسات حكومة العراق ، بما في ذلك تنفيذ جميع قرارات مجلس الامن) ، لتحديد امكانية تخفيف أو رفع الحظر ، مما يعطي انطباعاً ان مجلس الامن لم يقصد الابقاء على الحظر كما هو ، الا انه وعلى الرغم من عقد (40) جلسة لهذا الغرض لم يخفف المجلس الحظر المفروض ، وأصبحت اجتماعات المجلس تأخذ طابعاً شكلياً ينتهي ببيان يشير الى عدم حصول اتفاق على تخفيف الحظر ، بل ان العكس هو ما يحدث دائماً ، فكلما صدر قرار لاحق ، ألغى نصاً سابقاً كان لصالح العراق كما هو الحال بالنسبة للقرار (778) المشار اليه.

استيراد السلع الاساسية والمنتجات من العراق

        لقد ربط القرار (687) وبموجب الفقرة (22) ربطاً دقيقاً وقاطعاً وصريحاً بين رفع الحظر على استيراد السلع الاساسية والمنتجات من العراق وبين تنفيذ العراق لمتطلبات القسم (جيم) من القرار.

ان تنفيذ أحكام القسم (جيم) من القرار ، يعني قبول العراق ليس فقط بتدمير ما تبقى لديه من أسلحة تقليدية ، وانما تقديم التسهيلات اللازمة بهذا الشأن للجنة الخاصة (اليونسكوم) والوكالة الدولية للطاقة الذرية ، وما ينطوي عليه ذلك من خسائر مادية وتكنولوجية ومعنوية ، إلا أن الربط بين تنفيذ أحكام القسم (جيم) ورفع الحظر عن الصادرات العراقية (التي يشكل النفط عمودها الفقري) ، اضافة الى رغبة العراق في تخفيف معاناة شعبه قد أعطى العراق دافعاً قوياً لتنفيذ أحكام هذه الفقرة حتى لو تطلب الأمر تقديم بعض التضحيات وفي مقدمتها قبوله بتدمير مكائن ومعدات مزدوجة الاستخدام استخدمت في تنفيذ برامجه السابقة ، وكان بالامكان استخدامها للأغراض الصناعية المدنية والاكتفاء بفرض الرقابة عليها بدلاً من تدميرها([43]).

ومع ذلك ، وبعد كل ما قدمه العراق من تعاون وتضحيات ، لم يفِ المجلس بالتزاماته في تخفيف الحظر كما جاء بالفقرة (21) أو رفعه بتنفيذ الفقرة (22) من القرار.

الحظر على الاسلحة التقليدية

لقد منع القسم (جيم) من القرار بفقرتيه (8 و 12) العراق من استخدام أو حيازة او انتاج أسلحة الدمار الشامل (الكيمياوية والبايولوجية والصواريخ والاسلحة النووية) ، وربط بموجب الفقرة (22) كما أشرنا بين تدمير وازالة هذه الاسلحة والتحقق من ذلك في المستقبل ، وبين رفع الحظر على الصادرات العراقية ، الا ان الامر لم يقف عند هذا الحد ، فقد تضمن القرار (687) منع توريد الاسلحة التقليدية الى العراق.

فبموجب الفقرة (24) قرر المجلس مواصلة منع توريد الاسلحة والأعتدة بجميع أنواعها ، والمعدات العسكرية التقليدية وقطع الغيار ووسائل انتاجها ، كما منع نقل التكنولوجيا الى العراق بموجب التراخيص او الخدمات الاستشارية أو التدريب ، أو أية وسائل أخرى أو خدمات للدعم التقني المتصلة بتصميم أو تطوير أو تصنيع أو صيانة الأسلحة والمعدات العسكرية التقليدية.

لقد جاء هذا المنع استمراراً للحظر المفروض بموجب القرار (661) والقرارات اللاحقة على الرغم من ان أهداف هذه القرارات قد تحققت قبل صدور القرار (687) موضوع البحث ، وطالب المجلس بموجب الفقرة (25) جميع الدول والمنظمات الدولية الالتزام التام بالفقرة (24) بغض النظر عن وجود أية عقود أو اتفاقات أو تراخيص أو اية ترتيبات أخرى ، وكرر المجلس بموجب القرار (700) في 17/6/1991 تأكيد طلبه الى جميع الدول الالتزام بالمبادئ التوجيهية للأمين العام لتنفيذ الفقرة (24) وعهد الى لجنة المقاطعة مسؤولية رصد الحظر المفروض بموجب هذه الفقرة([44]).

وبموجب الفقرة (24) من القرار (687) والقرار (700) ، يكون مجلس الأمن قد أقر تخفيض القوة العسكرية للعراق الى أدنى حد ، وبمرور الزمن يكون المجلس قد نزع ليس فقط أسلحة الدمار الشامل من العراق ، وانما الأسلحة التقليدية والتكنولوجية الخاصة بها أيضاً ، في الوقت الذي يتعرض فيه العراق الى تهديدات خطيرة لأمنه الداخلي والخارجي، حيث تستمر محاولات التدخل في شؤونه الداخلية بالوسائل العسكرية ، لذا فان الاجراءات التي أقرها المجلس بهذا الشأن تشكل اسهاماً مباشراً في تلك التهديدات وفي زعزعة استقرار العراق وبالتالي السلم والاستقرار في المنطقة ككل([45]) ، وهو أمر يتعارض مع أهداف القرار (687) الذي يهدف الى (تعزيز السلم والأمن في المنطقة) ، كما يتعارض مع ميثاق الامم المتحدة وحق امتلاك الوسائل الكفيلة للدفاع عن النفس.

 

رابعاً-  القرار 707/1991

        في 15 آب 1991 ، تبنى مجلس الامن القرار (707) الذي طلب من العراق بموجب الفقرة (3) ، أن يكشف بصورة تامة ونهائية وكاملة عن جميع جوانب برامجه لتطوير أسلحته الكيميائية والبايولوجية والصواريخ بالاضافة الى جميع برامجه النووية بما في ذلك البرامج التي لا تتصل بالمواد التي يمكن استخدامها للأسلحة النووية ، كما طلب المجلس من العراق وبموجب الفقرة نفسها ان يوقف جميع الانشطة النووية من اي نوع ، الا لاستخدام النظائر المشعة للأغراض الطبية أو الزراعية أو الصناعية وقرر المجلس بموجب الفقرة (4) من القرار ان لا يحتفظ العراق باي حق في ملكية المواد التي ستدمر أو تزال أو تجعل عديمة الضرر عملاً بالفقرة (12) من القرار (687)([46]).

لقد منح القرار (707) اللجنة الخاصة والوكالة الدولية للطاقة الذرية وفرقهما التفتيشية امتيازات وحصانات وتسهيلات للوصول الى كافة المناطق والمنشآت والسجلات والمعدات.. التي يرغبون في تفتيشها ، والقيام برحلات طيران في سائر أرجاء العراق لأغراض التفتيش والمراقبة وعمليات المسح الجوي…، وعلى الرغم من تعهد مفتشي اللجنة الخاصة أمام الرئيس التنفيذي للجنة بالمحافظة على المعلومات والبيانات التي يحصلون عليها أثناء أعمال التفتيش ، الا أن عناصر من فرق التفتيش قامت بتسريب معلومات فنية واقتصادية الى دول معادية للعراق ، كان من أخطرها حقوق المعرفة العراقية (Know-how) الخاصة ببعض الحلقات التصنيعية والتكنولوجية ، فعلى سبيل المثال حصلت ايران من خلال نشاط فرق التفتيش على معلومات تتعلق بتكنولوجيا الصواريخ والتكنولوجيا النووية العراقية ، استطاعت من خلالها تطوير برنامجها للصواريخ (شهاب 3 وشهاب 4) اضافة الى تطوير برنامجها النووي ، مما يمثل انتهاكاً للأعراف الدولية في هذا المجال ويتناقض مع الاهداف المعلنة للأمم المتحدة في الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل([47]).

كما أوقف القرار (707) جميع الأنشطة النووية التي تعد احدى الحلقات التكنولوجية المتقدمة في العراق ، والتي أسهمت في تحقيق التنمية والتقدم في الفترة التي سبقت العدوان([48])، ولم يستثن القرار سوى استخدام (وليس انتاج) النظائر المشعة للأغراض الطبية أو الزراعية أو الصناعية. وعلى الرغم من ان هذا الحظر يتجاوز الحظر الوارد بالقرار (687) ، الا انه من الناحية العلمية والعملية لم يعد هناك أي نشاط نووي بعد التدمير الشامل الذي لحق بالمواقع النووية العراقية من مفاعلات ومختبرات ومعدات… وهو ما يشير اليه تقرير المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية([49]).

وبموجب الفقرة (4) تم حرمان العراق من حقه في ملكية بعض المواد ذات الاستخدام المزدوج ، فجعل هذه المواد (عديمة الضرر) يعني امكانية استخدامها للأغراض المدنية ، الا ان القرار حظر على العراق امتلاكها حتى بعد جعلها عديمة الضرر.

لقد تجاوز القرار (707) الحظر الوارد بالقرار (687) ، ففي حين يحظر القرار (687) على العراق مزاولة الأنشطة النووية للأغراض العسكرية (حيازة أو انتاج أسلحة نووية أو مواد يمكن استعمالها للأسلحة النووية…) ويسمح له بمزاولة الأنشطة النووية الأخرى ، فان القرار (707) يحظر على العراق مزاولة أي نشاط نووي ويقضي بأن يوقف العراق جميع الأنشطة النووية من أي نوع الا لاستخدام النظائر المشعة للأغراض الطبية أو الزراعية أو الصناعية. ويظل هذا الحظر نافذاً الى أن (يقرر مجلس الامن ان العراق يمتثل امتثالاً تاماً لهذا القرار (707) والفقرتين (12) و (13) من القرار (687) ، وتقرر الوكالة الدولية للطاقة الذرية ان العراق يمتثل امتثالاً تاماً لاتفاق الضمانات مع الوكالة). وحتى الاستثناء الوارد في هذا القرار (استخدام النظائر المشعة…) فإنه يظل مقيداً بالجزاءات العامة المفروضة على العراق بموجب قراري مجلس الأمن (661) و (670).

المبحث الثالث: خطط وآلية الرقابة والرصد طويلة الأمد

أولاً-  القرار 715/1991

بموجب الفقرة (10) من القرار (687) طلب مجلس الامن الى الامين العام أن يقوم ، بالتشاور مع اللجنة الخاصة ، باعداد خطة لرصد امتثال العراق للفقرة (8) من القرار والتحقق منه بشكل مستمر في المستقبل ، كما طلب المجلس بموجب الفقرة (13) من القرار المذكور الى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية ، أن يضع خطة لرصد امتثال العراق لأحكام الفقرة (12) من القرار والتحقق منه باستمرار في المستقبل([1]).

وكما هو مبين في تقرير الأمين العام([2]) ، فان أحكام القسم (جيم) من القرار (687) تنطوي على اجراء تنفيذي يتألف من ثلاث مراحل ، الاولى جمع وتحليل المعلومات المتعلقة بشراء ومواصفات ومواقع وتطوير الاسلحة المحظورة ، والمرحلة الثانية اتلاف وازالة جميع الأسلحة المحظورة ، والمواد والمعدات والمرافق الخاصة بها المحددة في الفقرتين (8) و     (12) من القرار أو جعلها عديمة الضرر ، أما المرحلة الثالثة فتتمثل باقتراح خطة للرقابة طويلة الامد لرصد امتثال العراق للقرار والتحقق منه بشكل مستمر في المستقبل.

في 11 تشرين الاول 1991 أصدر مجلس الامن القرار (715) وافق فيه بموجب الفقرة (1) على الخطط المقدمة بهذا الشأن من الامين العام والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية للرقابة والرصد، وقرر المجلس بموجب الفقرة (2) من القرار ان تنفذ اللجنة الخاصة الخطة المقدمة من الامين العام ، وطلب بموجب الفقرة (3) الى المدير العام للوكالة الدولية أن ينفذ ، بمساعدة اللجنة الخاصة وتعاونها ، الخطة المقدمة منه ، وطالب القرار بموجب الفقرة  (5) العراق أن يفي دون قيد أو شرط بجميع الالتزامات المنصوص عليها في الخطط الموافق عليها بموجب هذا القرار ، وأن يتعاون مع اللجنة الخاصة والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في تنفيذها([3]).

1- خطة الامين العام للأمم المتحدة

في 2 تشرين الأول 1991 ، قدم الامين العام خطة الرصد المستمر لامتثال العراق لالتزامه غير المشروط بعدم استعمال أو حفظ أو امتلاك أو تطوير أو صنع أي أسلحة أو مواد تتعلق بها محظورة بموجب الفقرتين (8) و (9) من القرار (687) أو حيازتها بطريقة أخرى، والتحقق من هذا الامتثال بشكل مستمر ، وبذلك فان الرصد والتحقق ، وكما جاء بالفقرة (3) من الخطة ، لن يشملا ما هو عسكري فقط ، بل أيضاً ما هو مدني من المواقع والمرافق والمعدات والمواد الأخرى التي يمكن أن تستخدم أو الانشطة التي يمكن ان تحدث مخالفة لالتزامات العراق بموجب القرار (687) ، كما تتضمن الخطة الالتزامات الاضافية التي يتحملها العراق بموجب القرار (707)([4]).

لقد فرضت خطة الامين العام سلسلة من القيود التعسفية الاضافية على برامج التنمية في العراق ، وحكمت عليه بالتخلف في ميادين الصناعة والتقدم العلمي والتكنولوجي([5]) ، ففي حين كانت الفقرة (10) من القرار (687) تحدد بشكل واضح التزامات العراق بعدم استعمال او استخدام أو بناء أو حيازة أسلحة التدمير الشامل (الكيمياوية والبايولوجية) والقذائف التسيارية التي يتجاوز مداها (150) كيلومتراً تجاوزت خطة الامين العام (الفقرة 9) كل ذلك لتشمل المواد ذات الاستخدام المزدوج ، أي المواد التي يمكن استخدامها لأغراض محظورة ولأغراض غير محظورة([6]) ، كما شملت النشاطات العلمية والتكنولوجية وفرضت الرقابة والقيود المطلقة على المؤسسات والأنشطة العسكرية والمدنية على السواء([7]). وحظرت على العراق اقتناء المكائن الضرورية لمجموعة واسعة من الأغراض الصناعية والمواد الكيميائية التي ليست لها استعمالات عسكرية([8]).

كما تطاولت الخطة على الفقرة (14) الواردة بالقرار (687) والتي تشير الى هدف انشاء منطقة خالية من أسلحة التدمير الشامل في المنطقة ، فقد ورد في الفقرة (4) من الخطة، ان من شأن تنفيذ الخطة أن يسهم في تهيئة بيئة تفضي الى تحقيق هدف انشاء منطقة خالية من أسلحة التدمير الشامل في الشرق الأوسط([9]). وبهذه الصياغة الشاذة تعطل أي تحرك نحو انشاء منطقة خالية من أسلحة التدمير الشامل في الشرق الأوسط لحين تنفيذ الخطة وهو أمر غير محدد بوقت معين([10]).

لقد أوكلت خطة الامين العام مهمة الرقابة والتحقق الى أجهزة دائمية تتمتع بصلاحيات مطلقة بما يجعل العراق عملياً تحت الوصاية الدائمة للجنة الخاصة لأحكام السيطرة على مستقبله وفرض الحظر التكنولوجي عليه لمنعه من تحقيق اي شكل من أشكال التنمية الاقتصادية والاجتماعية([11]). فقد منحت الخطة للجنة الخاصة صلاحيات مطلقة في أن تعين وتجري عمليات التفتيش لأي موقع أو مرفق أو نشاط أو مادة أو أي شيء آخر في العراق (الفقرة 17 أ و ب) ، وعلى العراق أن يقبل دون شرط تفتيش أي موقع أو مرفق أو نشاط أو مادة أو أي شيء آخر أعلن عنه العراق أو عينته اللجنة الخاصة (الفقرة 18-أ) وأن يقبل بلا شرط المفتشين وجميع الموظفين الآخرين الذين تعينهم اللجنة الخاصة (الفقرة 18-ز) ، وأن يقبل بلا شرط حقوق اللجنة الخاصة بموجب الخطة وان لا يتخذ أي اجراء للتدخل في ممارسة اللجنة لوظائفها وحقوقها (الفقرة 18-ط). كما منحت الفقرة (26) من الخطة للجنة الخاصة صلاحية استكمال وتنقيح مرفقات الخطة في ضوء المعلومات والخبرة المكتسبة أثناء سير تنفيذ القرارات (687) و (707) والخطة ، دون الحاجة الى أخذ موافقة مجلس الامن ، أي ان اللجنة الخاصة أخذت صلاحيات مجلس الامن في هذا المجال([12]).

ملاحق خطة الامين العام

في مجال المواد الكيميائية ، فرضت خطة الامين العام قيوداً صارمة على العراق بهدف منعه من تطوير صناعته المدنية في مجال المبيدات الزراعية واللدائن والأدوية والصناعات الكيميائية الأخرى([13]). فقد أشار القسم (جيم) من الخطة (الفقرة 28) الى امكانية استخدام المواد الواردة بالمرفق في أغراض متصلة بالأسلحة الكيميائية ، لذا فإنها ستخضع للرصد والتحقق لضمان ألا يستخدم العراق أو يطور أو ينتج أو يحوز بطريقة أخرى أسلحة كيميائية، وأشارت الفقرة (29) الى ان بعض المواد الكيميائية الواردة بالمرفق يمكن أن تستخدم في تطوير أو انتاج أو حيازة أسلحة كيميائية ، ولكن لها أيضاً استخدامات هامة في أغراض غير محظورة بموجب القرار (687)([14]) ، على العراق أن يزود اللجنة الخاصة بمعلومات عن هذه المواد ، وتشمل المعلومات اجمالي الكمية التي يتم انتاجها أو تجهيزها أو استهلاكها والكمية التي يتم استيرادها وتصديرها ، واعلام اللجنة الخاصة بأي موقع أو مرفق يشارك في انتاج أو تجهيز أو استهلاك أو تخزين أو استيراد أو تصدير هذه المواد أو أية عمليات استيراد أو حيازة لمعلومات أو تكنولوجيات الغرض منها انتاج وتجهيز هذه المواد([15]).

أما المواد التي تستخدم في انتاج الاسلحة الكيميائية ، فيتعين على العراق أن لا يحتفظ أو يستخدم أو ينقل أو يطور أو ينتج أو يخزن أو يستورد أو يحوز بأي طريقة أخرى مثل هذه المواد ، ولكي يستورد العراق أو يصنع أو يقوم بالبحث في الصناعات السلمية المتعلقة بهذه المواد ، عليه أن يقدم طلباً الى اللجنة الخاصة يبين فيه المواد والكميات المطلوبة والموقع الذي تستخدم فيه والغرض من استخدامها وتقوم اللجنة الخاصة ببحث هذا الطلب واتخاذ قرار بشأنه([16]). يضاف الى ذلك ان ملحق الأسلحة الكيميائية قد تجاوز في تصنيفه للمواد الكيميائية القواعد الموضوعة في ميدان نزع السلاح بخصوص تصنيف المواد القابلة للاستخدام في الاسلحة الكيميائية حسب درجة تسميتها (*)، مما يؤكد ان الخطة واللجنة الخاصة ومجلس الأمن، وعندما يتعلق الأمر بالعراق ، يكيلون بمكيالين حتى لو كان الموضوع قيد النظر علمياً يتعلق بتصنيف المواد الكيميائية حسب درجة تسميتها([17]).

وفي مجال المواد البايولوجية ، فقد قيدت الفقرة (دال) من الخطة العراق من القيام بأي نشاط بايولوجي للأغراض المدنية ، فقد ألزمت الخطة العراق أن يقدم الى اللجنة الخاصة المعلومات فيما يتعلق بأي موقع أو مرفق أو مختبر يجري فيه العمل لانتاج المواد البايولوجية وبضمنها مواقع انتاج اللقاحات ، وأية وثائق وبحوث ذات طبيعة علمية وتقنية بما في ذلك ما يتسم منها بطبيعة نظرية([18]) ، اضافة الى البحوث الخاصة بانتاج اللقاحات البشرية والحيوانية وتشخيص الأوبئة والأمراض ومعالجتها وكل ما يتعلق بالاستيراد أو التصدير أو الاقتناء للمواد والأجهزة والمعدات التكنولوجية المتصلة بهذه الأنشطة رغم كونها أنشطة مدنية صرفة وتكتسب أهمية من الناحيتين الصحية والانسانية([19]). وبلغ تعسف خطة الامين العام في هذا الصدد ، أنها حظرت على العراق أن يضطلع بأنشطة بشأن أمراض غير الامراض المتوطنة أو المتوقع أن تتفشى فوراً في بيئته (الفقرة 38-ج)([20]) في الوقت الذي تشجع فيه الامم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية القيام ببحوث مشتركة وتبادل الخبرات لخدمة الجنس البشري وسلامته من الامراض والأوبئة([21]).

وفي مجال الصواريخ ، فان القرار (687) قد حظر على العراق استعمال أو استخدام أو بناء أو حيازة جميع القذائف التسيارية التي يزيد مداها على (150) كليومتراً ، الا أن خطة الامين العام (الفقرة 43-أ) قد تجاوزت القرار (687) وشملت الصواريخ التي يزيد مداها عن (50) كيلومتراً ، وأخضعت للرقابة أية معلومات بشأن تطوير أو انتاج أو تصدير أو استيراد تلك الصواريخ والمواقع والمعدات والتكنولوجيات المرتبطة بها([22]).

وكما أشرنا فان الفقرة (26) من خطة الامين العام قد خولت اللجنة الخاصة صلاحية استكمال وتنقيح المرفقات في ضوء المعلومات والخبرة المكتسبة أثناء تنفيذ القرار (687) والقرار (707)، وعلى هذا الأساس ، أعدت اللجنة الخاصة صورة منقحة لمرفقات خطة الامين العام في المجالين الكيميائي والبايولوجي ومجال القذائف (الصواريخ)([23]) ، مستندة في ذلك الى الآلية المتعلقة بقيام البلدان الأخرى ببيع أو امداد العراق بأي من المواد المحظورة أو ذات الاستخدام المزدوج والتي أشارت اليها الفقرة (11) من خطة الامين العام ، ودعت اليها الفقرة (7) من القرار (715) وعلى أساس ان اعداد الآلية يتطلب تعيين الأوصاف النوعية للأصناف الواردة بمرفقات خطة الأمين العام تعييناً يتيح لسلطات الكمارك وسلطات الرقابة ان تعرف على وجه التحديد الأصناف التي ستخضع للإبلاغ([24]).

لقد جاء في مذكرة الرئيس التنفيذي للجنة الخاصة ، ان المرفقات المنقحة لا تختلف عن المرفقات الاصلية (الواردة في خطة الأمين العام) من حيث المضمون ولكنها صورة منقحة منها اضيفت اليها التفاصيل اللازمة لانتاج قائمة دقيقة بالاصناف التي يتم الابلاغ عنها في اطار آلية الاستيراد والتصدير([25]). وحقيقة الأمر ، أن الخطة قد أضافت عشرات الفقرات وحدثت بالمواصفات فيما يتعلق بالمواد المحظورة ، والمواد ذات الاستخدام المزدوج والتكنولوجيا المرتبطة بها ، وبما يعزز نظام الرقابة ويشدد الحظر التكنولوجي على العراق لإضعاف قدراته الصناعية وعرقلة مسيرته التنموية([26]) ، وهذا ما تؤكده الخطة المنقحة الجديدة الصادرة عام 2001 ، التي أشار المدير التنفيذي للجنة الخاصة في مقدمتها الى أنها ليست خروجاً على الخطة الأصلية ولكنها في حقيقة الأمر جاءت لتعزيز نظام الرقابة الوارد بالقرار (1284) الذي طلب بموجب الفقرة (8) منه من الرئيس التنفيذي للجنة الامم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش أن يستأنف ، بالتشاور مع المدير العام للوكالة الدولية ، تنقيح واستكمال قوائم المواد والتكنولوجيا التي تنطبق عليها آلية الاستيراد والتصدير([27]).

2-  خطة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية

بموجب الفقرة (13) من قرار مجلس الامن (687) طلب مجلس الامن الى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن يجري تفتيشاً على القدرات النووية للعراق ، وأن يضع وينفذ خطة لتدمير جميع المواد المدرجة في الفقرة (12) من القرار المذكور (الأسلحة النووية أو مواد يمكن استعمالها للأسلحة النووية أو أي منظومات فرعية أو مكونات أو أي مرافق بحث وتطوير أو دعم أو تصنيع تتصل بما ذكر أعلاه) أو ازالتها أو جعلها عديمة الضرر ، كما أعطيت اللجنة الخاصة دوراً في المجال النووي بموجب القرار المذكور يقضي بمساعدة الوكالة الدولية والتعاون معها وتحديد المواقع اللازم تفتيشها. كما طلب الى المدير العام بالتعاون مع اللجنة الخاصة وبمساعدتها ، تقديم خطة الى مجلس الأمن لاعتمادها لرصد امتثال العراق لأحكام الفقرة (12) والتحقق من ذلك باستمرار في المستقبل([28]).

قدمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 29 تموز 1991 خطة الرصد والتحقق المشار اليها أعلاه ، وكانت خطة مرحلية في طبيعتها وعرضة للتعديل بناء على توجيهات أخرى تصدر عن مجلس الامن وفي ضوء نتائج عمليات التفتيش الجارية. وبعد تبني مجلس الامن القرار (707) في 15 آب 1991 ، واستناداً الى نتائج عمليات التفتيش ، قدم المدير العام للوكالة خطته المنقحة التي اقرها مجلس الامن بموجب الفقرة (1) من القرار (715) في 11 تشرين الاول 1991 ، وشملت الخطة التزامات العراق بموجب القرار (687) والالتزامات الاضافية بموجب القرار (707) وأنشطة الرصد والتحقق المصاحبة لها التي قامت بها الوكالة([29]).

وجاء في خطة المدير العام (الفقرة 8) ان الوكالة ستقوم طبقاً للقرار (687) والقرار  (707) بالتحقق من ان المواد النووية والنظائر المشعة لا يتم انتاجها محلياً بوساطة العراق ، وان النظائر المشعة التي يملكها العراق ويستوردها ، انما تستخدم فقط للأغراض الطبية أو الزراعية أو الصناعية. وجاء في الفقرة (10) ان المدى الزمني للخطة ونطاقها ومحتواها سيكون موضوعاً لقرارات وتوجيهات أخرى تصدر عن مجلس الأمن([30]) ، أي أن الوكالة لم تحدد سقفاً زمنياً لتنفيذ الخطة والهدف من ذلك استمرار ولاية اللجنة الخاصة والوكالة الدولية في العراق وبالتالي استمرار فرض الحظر التكنولوجي على النشاط النووي في العراق.

والزمت الفقرة (21) من الخطة العراق أن يقبل دون قيد أو شرط اجراء عمليات التفتيش في أي وقت ودون اعاقة ، لأي موقع أو مرفق أو منطقة أو مكان أو نشاط أو مادة ، وبدون اعلان مسبق ، وايقاف وتفتيش العربات والسفن والطائرات أو أية وسيلة من وسائل النقل داخل العراق ، وتفتيش الواردات والصادرات من المواد والبنود الاخرى عند وصولها أو مغادرتها ، وضمان وصول المفتشين بصورة غير معاقة لجميع المواد والمرافق والمنشآت النووية وكذلك للمعدات والمواد غير النووية وجميع الوثائق المتعلقة بها ، واستنساخ ونقل أية سجلات أو بيانات أو معلومات بما في ذلك الوثائق والاحتفاظ بها واجراء المقابلات مع الموظفين ، اضافة الى حرية الوصول الى العراق والخروج منه لموظفي الوكالة وخبرائها وممتلكاتها ولوازمها ومعداتها دون قيود أو تأخير أو اعاقة وحرية التنقل دون قيود داخل العراق بدون اخطار مسبق لموظفي الوكالة.. ونقل أية مواد وأية بنود أخرى بما في ذلك الوثائق من العراق([31]).

كما ألزمت الفقرة (23) من الخطة العراق ، أن يقدم للوكالة الدولية للطاقة الذرية معلومات كاملة بشأن تصميم أي مرفق أو منشأة نووية يخطط لانشائها في العراق مستقبلاً وأن يقدم معلومات مسبقة عما يقترح من استيراد أو تصدير لأية مواد نووية أو نظائر مشعة أو أية مواد ومعدات وبنود غير نووية واردة في مرفقات الخطة ، واذا احتاج العراق (الفقرة 25 و 26) أن يستخدم أية مادة أو بند محدد في المرفق (3) من الخطة ، باعتباره غير محظور في نشاط غير محظور ، أو اذا احتاج العراق استيراد نظائر مشعة لاستخدامها في نشاط غير محظور ، فعليه أن يقدم طلباً الى المدير العام للوكالة ولجنة المقاطعة (661) عن طريق المدير العام للوكالة ، يحدد فيه بدقة المادة والكميات اللازمة والمرفق أو المنشأة أو الموقع الذي ستجري فيه الأنشطة والغاية من استخدامه والبلد المصدر للنظائر المشعة ، ويدرس المدير العام بمساعدة اللجنة الخاصة الطلب ويقدم التوصيات الى لجنة المقاطعة فيما يتعلق بالبت في الطلب([32]).

وجاء بالفقرة (27) من الخطة انه عندما يقرر مجلس الأمن أن العراق يمتثل امتثالاً تاماً للقرار (687) والقرار (707) ، وتقرر الوكالة الدولية أن العراق يمتثل امتثالاً تاماً لاتفاق الضمانات المبرم معها ، عند ذلك يمكن للعراق أن يسعى لبدء أنشطة نووية لا يحظرها القرار (687) ، بعد أن يقدم أيضاً طلباً الى مجلس الامن يحدد فيه بدقة النشاط أو المرفق أو المنشأة أو الموقع الذي سيضطلع بذلك النشاط ، ولمجلس الامن عند النظر بهذا الطلب أن يطلب مشورة الوكالة الدولية واللجنة الخاصة ومساعدتها ، ولا يضطلع العراق بأي نشاط نووي من هذا القبيل الا بعد أن يقرر مجلس الامن ذلك النشاط([33]).

كما ألزمت الفقرة (9) من الخطة جميع الدول بتقديم تقارير عن المبيعات والامدادات المزمع تقديمها الى العراق ، حتى وان لم ترد في اطار القرارين (687) و (707) ، كما ألزمت الخطة تلك الدول (الفقرة 28) عدم تزويد العراق بأية بنود تحرمها الفقرة (12) من القرار (687) ، وحظرت على الدول ، استناداً للقرار (707) تزويد العراق بأية مواد نووية وباية مواد أو معدات أو مرافق أو تدريبات مصممة أو معدة لاستخدامها في أنشطة نووية باستثناء ما يتصل باستخدام النظائر المشعة. واذا عزمت الدول الاخرى على تصدير نظائر مشعة ، باعتبارها غير محظورة بموجب القرار (707) ، أو أية بنود واردة في المرفق (3) من الخطة باعتبارها غير محظورة بموجب القرار (687) الى العراق لاستخدامها في نشاط غير محظور (بموجب القرارين) فعلى هذه الدول أن تقدم للوكالة الدولية تقارير كاملة عما يعتزم من عمليات تصدير الى العراق قبل (60) يوماً من التصدير لاستحصال موافقتها([34]).

وعندما ترفع القيود التي بفرضها القرار (707) تقدم الدول للوكالة أيضاً تقارير كاملة عما يعتزم من تصدير الى العراق لأية بنود محددة في المرفق (3) من الخطة باعتبارها غير محظورة بموجب القرار (687) ، كما تقدم الدول تقارير عما تعتزم تقديمه للعراق من معلومات تكنولوجية بما في ذلك التدريب وغير ذلك من بنود يمكن استخدامها في الانشطة النووية غير المحظورة بموجب القرار (687) ، وتخضع عمليات تحويل هذه البنود والمعلومات التكنولوجية والتدريب لموافقة مسبقة من جانب الوكالة ، ولا يتم التحويل الا لأغراض الأنشطة التي يأذن بها مجلس الأمن([35]).

تضمنت خطة الأمين العام أربعة ملاحق ، تناول الأول منها التعاريف ، وتناول الثاني الأحكام المتعلقة بالاحتياجات من المعلومات. وتضمن الملحق الثالث ، وهو المهم ، قائمة بالاصناف التي يتعين ابلاغ الوكالة عنها ، أما الملحق الرابع فتضمن قائمة الأنشطة النووية المسموح بها بموجب القرار (707). وفي حين بلغ عدد صفحات الملحق الثالث الذي يمثل قائمة البنود المحظورة بموجب القرار (687) والبنود التي يجوز حظرها اذا استخدمت أو تقرر أن تستخدم ، في أنشطة محظورة (استخدام مزدوج) (20) صفحة ، كان الملحق الرابع الذي يمثل قائمة الانشطة النووية المسموح بها صفحة واحدة فقط. الأمر الذي يؤكد أن القرار (687) والقرار (707) وخطة المدير العام للوكالة الدولية قد فرضت حظراً طويل الأمد على امتلاك العراق للتكنولوجيا المتقدمة والتي تمثل التكنولوجيا النووية احدى جوانبها الاساسية ، كما فرضت حظراً على امتلاك العراق للتكنولوجيا غير النووية ، حيث تضمنت مرفقات الخطة قوائم بمواد ومعدات وبنود غير نووية أشير اليها بالفقرة (23) ، كما قيدت الخطة امتلاك العراق للتكنولوجيا النووية غير المحظورة لأغراض غير محظورة حتى وان لم ترد في اطار القرارين (687) و (707) ، وحتى بعد امتثال العراق للقرارين المذكورين ورفع القيود التي يفرضها القرار (707) ، فان امتلاك العراق للتكنولوجيا النووية يبقى مرهوناً بموافقة مجلس الأمن ، وهذا ما أشارت اليه ضمناً الفقرة (16) من خطة المدير العام والتي جاء فيها ان التزامات العراق بموجب القرار (687) والقرار (707) أوسع نطاقاً من الالتزامات المضطلع بها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي تتولى التحقق منها الوكالة الدولية ، وان نطاق وكثافة التحقق والرصد بموجب هذه الخطة أوسع كثيراً مما يلبي متطلبات القرار (687) والقرار (707) وتخلق الثقة في ان الامتثال للقيود المفروضة على العراق في الميدان النووي يحدث فعلاً([36]). أي أن خطة المدير العام للوكالة قد تجاوزت متطلبات القرارين المذكورين اللذين تجاوزا أصلاً متطلبات معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

ومن المعلوم ان الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية ، تخضع الى نظام ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية والذي يعد الجزء الاساس من المعاهدة المذكورة. دخل هذا النظام حيز التنفيذ عام 1965 ، وأضيف اليه بروتوكول اعتمد عام 1997 من أجل تعزيز ضمانات الوكالة لتشمل كافة الأنشطة التي تقوم بها الدول الأعضاء ومنها الأنشطة النووية غير المعلنة ، وعند اجراء مقارنة بين خطة الرصد والتحقق النووية (خطة المدير العام للوكالة موضوع البحث) التي دخلت حيز التنفيذ عام 1992 في العراق وبين نظام الضمانات المعزز للوكالة الدولية ، نجد أن الخطة قد تجاوزت هذا النظام أيضاً وتضمنت جوانب قسرية مؤذية انتقائية وتعجيزية لا مثيل لها في نظام ضمانات الوكالة الدولية أو أي نظام للرقابة والتحقق أو اية معاهدة أو اتفاقية دولية([37]). فإذا كان الأمر يتجاوز نزع السلاح ومنع العراق من امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض العسكرية ، فانه يعني بالتأكيد منعه من امتلاكها لأغراض التقدم والتنمية. كما فرضت الخطة جظراً على امتلاك العراق للتكنولوجيا غير النووية ، حيث تضمنت مرفقاتها مواد ومعدات وبنود غير نووية (الفقرة 23) كما قيدت الخطة امتلاك العراق للتكنولوجيا النووية غير المحظورة لأغراض غير محظورة حتى وان لم ترد في اطار القرارين (687) و (707) وحتى بعد امتثال العراق للقرارين المذكورين ، فان الخطة قد وضعت قيوداً على امتلاك العراق للتكنولوجيا اللازمة لنموه وتطوره ، متجاوزة بذلك المتطلبات الواردة في القرارين (687) و (707).

واستناداً للفقرة (41) من الخطة والتي منحت الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحية استكمال المرفقات وتنقيحها وفقاً لأحدث المعلومات وفي ضوء الخبرة المكتسبة أثناء تنفيذ القرار (687) والقرار (707) والخطة([38]) ، فقد أجرت الوكالة استكمالاً وتنقيحاً أولياً للمرفق   (3) من الخطة موضوع البحث (قائمة الأصناف التي يتعين ابلاغ الوكالة عنها) وذلك بموجب الوثيقة (S/24300) في 16 تموز 1992 (التنقيح الثاني). وفي ضوء المناقشات التي أجرتها الوكالة مع خبراء دوليين بشأن آلية رصد الصادرات والواردات المطلوب وضعها والواردة بالفقرة (7) من القرار (715) ، فقد أجرت الوكالة استكمالاً وتنقيحاً إضافيين للمرفق (3) وذلك عام 1995 (التنقيح الثالث)([39]).

لقد استهدف المرفق (3) الجديد تحديد الاصناف المحظورة على العراق بموجب الفقرة (12) من القرار (687) والتي يجب أن يعلن عنها العراق لتقوم الوكالة بتدميرها أو ازالتها أو جعلها عديمة الضرر ، وحظر المرفق نقل أي صنف من هذه الأصناف الى العراق ، كما حظر نقل التكنولوجيا المرتبطة باستحداث أو انتاج أو استخدام تلك الأصناف الى العراق. وتم تمييز هذه البنود المحظورة في المرفق بعلامة (*) ، وكما جاء بالمرفق فان البنود المحظورة تشمل أيضاً بعض السلع المزدوجة الاستخدام والتكنولوجيا المرتبطة بها([40]).

كما استهدف المرفق تحديد الأصناف غير المحظورة بموجب القرار (687) والتي يجب أن يعلن عنها العراق وفقاً لأحكام خطة الرصد والتحقق المستمرين ، واستهدف المرفق أيضاً تحديد المواد والمعدات (المزدوجة الاستخدام) والتكنولوجيا المتصلة بها. وجاء في المرفق ان هذه السلع يمكن أن تكون ذات قيمة في برنامج الأسلحة النووية ومزاولة أنشطة دورة الوقود النووي المحظورة بموجب القرار (687) ، كما تستخدم ايضاً في مجالي الصناعة والبحث العلمي خارج المجال النووي ، ومع ذلك فان بعض هذه الاصناف محظور على العراق على الرغم من طابع ازدواج الاستخدام الذي يتسم به. أما السلع المزدوجة الاستخدام غير المحظورة الموجودة في العراق فيخضع استخدامها للرصد من جانب الوكالة الدولية، وتتولى لجنة المقاطعة (661) تنظيم نقل تلك السلع الى العراق من أجل الاحتياجات المدنية الضرورية لحين وضع آلية رصد للصادرات والواردات المطلوب وضعها بموجب الفقرة (7) من القرار (715)([41]).

وتضمن المرفق في الملاحظات العامة ، ضوابط نقل التكنولوجيا فأخضع عملية نقل التكنولوجيا المرتبطة ارتباطاً مباشراً باي صنف من الاصناف المدرجة في المرفق (3) لنفس القدر من الفحص والرقابة الذي تخضع له الاصناف ذاتها ، وحظر ايضاً نقل أي تكنولوجيا تتعلق بأصناف محظورة ، أما في حالة الترخيص بنقل أي صنف محدد في المرفق (3) كونه غير محظور ، فقد جاء في الملاحظات العامة ان ذلك (قد يستلزم أن ينقل الى المستعمل النهائي نفسه القدر الأدنى من التكنولوجيا اللازمة لتركيب الصنف وتشغيله وصيانته واصلاحه). وجاء تعريف التكنولوجيا بأنها تعني (المعلومات المحددة اللازمة لاستحداث أو انتاج أو استخدام أي صنف من الأصناف الواردة في المرفق (3). ويمكن أن تكون هذه المعلومات على شكل بيانات تقنية أو مساعدة تقنية) ، وجاء تعريف المساعدة التقنية بأنها يمكن أن تتخذ أشكالاً مثل التلقين/ واكساب المهارات والتدريب وتوفير المعرفة العلمية والخدمات الاستشارية ، ويجوز أن تشمل المساعدة التقنية نقل بيانات تقنية. أما البيانات التقنية فيمكن أن تتخذ أشكالاً مثل المخططات والخطط والرسوم البيانية والنماذج والمعادلات والتصميمات والمواصفات الهندسية والأدلة والتعليمات المسجلة على وسائط أو أجهزة أخرى مثل الأقراص أو الشرائط أو الذاكرات الثابتة المحتوى([42]).

وهكذا يلاحظ ان التنقيح الثالث للمرفق (3) من خطة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية قد حدد الأصناف المحظورة على العراق (المؤشرة بعلامة *) ، كما حدد الأصناف الأخرى ذات الاستخدام المزدوج البعض منها محظور ، والبعض الآخر غير محظور ولكنه يخضع للرصد والتحقق ويخضع لموافقات لجنة المقاطعة على نقله الى العراق، كما أخضع المرفق عملية نقل التكنولوجيا للرقابة والرصد وحظر نقل التكنولوجيا التي تتعلق بالأصناف المحظورة ، وأدخل في دائرة الحظر العديد من الفقرات وبما يعزز نظام الرقابة ويمنع العراق من حقه المشروع في امتلاك ناصية العلم والتكنولوجيا ، ففي حين بلغ عدد صفحات المرفق السابق (20) صفحة وتضمن (62) فقرة رئيسية وفقرات فرعية ، بلغ عدد صفحات المرفق (3) المعدل (107) صفحات وتضمن (84) فقرة رئيسية ومئات الفقرات الفرعية ، وبلغ عدد الفقرات الرئيسية المحظورة (المؤشرة بعلامة *) (32) فقرة اضافة لفقراتها الفرعية ، أما الفقرات الأخرى فهي خاضعة للرقابة والتحقق من قبل الوكالة الدولية ويتطلب نقلها الى العراق موافقات لجنة (661). فتجاوزت خطة الرقابة والرصد النووي المعدلة لعام 1995 متطلبات تنفيذ القرارين (687) و (707) والخطة المنقحة لعام 1991 ، وأضافت عدداً من الفقرات الرئيسية والفرعية لتشمل أصنافاً جديدة من الأجهزة والمعدات والتكنولوجيا المتصلة بها([43]).

ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، ففي الأول من حزيران عام 2001 قدمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التنقيح الرابع للخطة ، وبما يعزز نظام الرقابة والتحقق الوارد بالقرار (1284) ، حيث طلب مجلس الامن بموجب الفقرة (8) من القرار الى الرئيس التنفيذي للجنة الامم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش (اللجنة الخاصة سابقاً) أن يستأنف ، بالتشاور مع المدير العام للوكالة ، تنقيح واستكمال قوائم المواد والتكنولوجيا التي تنطبق عليها آلية الاستيراد والتصدير المعتمدة بالقرار (1051)([44]). ولم تختلف هذه الخطة عن سابقتها في محاولة الحاق الأذى بالعراق من خلال منعه من تعزيز قدراته التكنولوجية ، فالخطة لم تمنع نقل التكنولوجيا المتقدمة الى العراق فحسب وانما منعته أيضاً من اكتسابها من خلال البحث والتطوير ، أي أنها حظرت نقل التكنولوجيا أفقياً وعمودياً الى العراق ، وأصبح لزاماً على الباحث العلمي في العراق أن يستحصل موافقات دوائر الرقابة الوطنية قبل الشروع في البحث.

ثانياً-  القرار 1051/ 1996

بموجب الفقرة (7) من القرار (715) طلب مجلس الأمن الى لجنة المقاطعة (661) واللجنة الخاصة والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية ، التعاون في وضع آلية لرصد أية مبيعات أو امدادات في المستقبل توفرها بلدان أخرى الى العراق من الاصناف المتصلة بتنفيذ القسم (جيم) من القرار (687) والقرارات الأخرى ذات الصلة بما في ذلك القرار (715) والخطط الموافق عليها بموجبه([45]).

في 26 آذار 1996 صدر قرار مجلس الامن المرقم (1051) وافق بموجب الفقرة   (1) منه على الاحكام الخاصة بآلية الرصد الواردة بالمرفق الأول من رسالة رئيس لجنة المقاطعة الموجهة الى رئيس مجلس الأمن المؤرخة 7 كانون الاول 1995 (S/1995/1017) كما وافق المجلس بموجب الفقرة (2) من القرار على المبادئ العامة التي ستتبع في تنفيذ آلية الرصد الواردة في الرسالة المؤرخة 17 تموز 1995 الموجهة من رئيس اللجنة الخاصة الى رئيس لجنة المقاطعة والواردة في المرفق الثاني من الرسالة المؤرخة 7 كانون الأول 1995 المشار اليها أعلاه([46]).

وبموجب الفقرة (3) من القرار ، أكد المجلس ان الآلية الموافق عليها بموجب القرار، لا تمس ولن تعرقل سريان نظم عدم انتشار الأسلحة النووية ، كما ان هذه النظم لن تعرقل عمل الآلية ، وأكد بموجب الفقرة (4) على أن تظل الطلبات التي تقدم من دول أخرى بشأن ارسال مبيعات الى العراق والطلبات التي تقدم من العراق بشأن استيراد أي اصناف أو تكنولوجيات تنطبق عليها هذه الالية توجه الى لجنة المقاطعة (661) للبت فيها. كما ألزم القرار وبموجب الفقرة (5) منه جميع الدول أن تحيل الى الوحدة المشتركة ، التي تشكلها اللجنة الخاصة والمدير العام للوكالة ، الاخطارات مشفوعة بالبيانات الواردة من المصدرين وجميع المعلومات الاخرى وفقاً للمطلوب في الآلية فيما يتعلق بالبيع أو الامداد المعتزم القيام به من أراضيها لأي أصناف أو تكنولوجيات تخضع لهذا القرار ، كما ألزم القرار جميع الدول أن تبلغ الوحدة المشتركة بأية معلومات عن أي من محاولات التهرب من الآلية أو لتزويد العراق بأصناف محظورة عليه بموجب خطط الرصد والتحقق المستمرين([47]).

وأكد المجلس بموجب الفقرة (9) من القرار ، أنه اذا ثبت من خلال التجربة لزوم ذلك، أو اقتضته تكنولوجيات جديدة ، فان المجلس على استعداد لاستعراض الآلية من أجل تحديد ما اذا كان يلزم ادخال أي تغييرات ، وقرر المجلس بموجب الفقرة (10) أن تقوم لجنة المقاطعة (661) واللجنة الخاصة بالمهام الموكلة اليها بموجب الآلية ، وطلب بموجب الفقرة (11) الى المدير العام للوكالة الدولية أن يقوم بمساعدة وتعاون اللجنة الخاصة ، بتنفيذ المهام الموكلة اليه بموجب الآلية ، وطلب بموجب الفقرة (12) من جميع الدول والمنظمات الدولية التعاون مع لجنة المقاطعة واللجنة الخاصة والمدير العام للوكالة في تنفيذ مهامهم المتصلة بالآلية ، بما في ذلك توفير المعلومات لتنفيذ الآلية وطلب المجلس بموجب الفقرة (13) من جميع الدول أن تتخذ الاجراءات اللازمة لتنفيذ الآلية.. وقرر المجلس بموجب الفقرة (14) أن يجري تزويد جميع الدول من قبل اللجنة الخاصة والمدير العام للوكالة بالمعلومات اللازمة لوضع الترتيبات لتنفيذ أحكام الآلية ، وكالمعتاد طالب المجلس العراق بموجب الفقرة (15) أن يفي ، دون قيد أو شرط ، بجميع التزاماته المقررة بموجب الآلية والموافق عليها بهذا القرار وأن يتعاون مع اللجنة الخاصة والمدير العام للوكالة في تنفيذ مهامهما بموجب هذا القرار والآلية بالوسائل التي يحددانها وفقاً لولايتهما الصادرتين من المجلس([48]).

آلية الاستيراد والتصدير

في قراره المرقم (1051) لسنة 1996 أقر مجلس الامن الاحكام الخاصة بآلية رصد الصادرات والواردات الى العراق التي دعت اليها الفقرة (7) من قرار المجلس (715). هذه الآلية هي احدى عناصر خطتي اللجنة الخاصة والوكالة الدولية للطاقة الذرية المقرة بقرار مجلس الأمن (715) والتي سبقت الاشارة اليها ، بشأن الرقابة والرصد المستمرين في العراق وبما يضمن عدم امتلاك أو حيازة العراق لأية امكانيات للتسلح بأسلحة الدمار الشامل([49]).

صممت الآلية لتنظيم حالات الإشعار الآني لأية واردات الى العراق من المواد والمعدات ذات الاستخدام المزدوج والمحدد بخطتي اللجنة الخاصة والوكالة الدولية اللتين سبقت الاشارة اليهما. تقوم كل من حكومة العراق والحكومات المجهزة بتقديم هذه الاشعارات عبر مجاميع مختلفة من استمارات الاشعار الى وحدة مشتركة أنشئت من قبل اللجنة الخاصة والوكالة الدولية، هذه الاشعارات يجب أن تتضمن تحديد اسم المجهز وتقديم وصف للفقرة أو الفقرات بما فيها التكنولوجيا ، وكذلك اسم وعنوان المستخدم الأخير للفقرات والتاريخ المتوقع للشحن، وتقوم حكومة العراق كذلك بتقديم تقرير عن صادراتها أو أي فقرات مشمولة تخرج من حدودها الاقليمية سواء كانت بصفتها الأصلية أو بشكل محور بحيث يمكن للجنة الخاصة والوكالة الدولية اجراء عمليات الرصد والتحقق لهذه الفقرات([50]).

وقد صممت خمس استمارات لأغراض هذه الآلية ، كل منها تخص مرحلة من مراحل تنفيذ الآلية ، فاذا أراد العراق استيراد مادة نووية مزدوجة الاستخدام على سبيل المثال فعليه أن يبلغ بذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتقوم بدورها بابلاغ اللجنة الخاصة ولجنة المقاطعة ، وعندما تحصل الموافقة تقوم الوكالة بابلاغ الدولة المصدرة التي تقوم بدورها بابلاغ الشركة المصنعة ثم تبلغ بذلك الوكالة لتقوم بابلاغ العراق. وعندما تصنع المادة ، وتصبح جاهزة للشحن ، ترسل الشركة المصنعة اشعاراً الى الوكالة ، وبعد وصول المادة الى الدولة الحدودية يقوم العراق والشركة الناقلة بابلاغ الوكالة بذلك ، وعندما تدخل المادة الى العراق وتصل الى المستخدم النهائي تبدأ عمليات الرصد والتحقق داخل العراق. هذه الآلية أطلق عليها اسم (شبكة العنكبوت) من قبل احدى المؤسسات العلمية والتكنولوجية ذات العلاقة في العراق ، وتنطبق هذه الآلية أيضاً على المواد مزدوجة الاستخدام الواردة في خطة الأمين العام (اللجنة الخاصة) والخاصة بالمواد الكيميائية والبايولوجية والقذائف التسيارية([51]). ونوجز في أدناه طبيعة استمارات الاشعار الواردة في آلية الاستيراد والتصدير المقرة بقرار مجلس الأمن (1051)([52]).

  1. استمارة الاشعار B1

تقدم هذه الاستمارة من حكومة العراق الى مكتب الوحدة المشتركة (التي تشكلها اللجنة الخاصة والوكالة الدولية) في مقر مجموعة المراقبة المستمرة في بغداد لاشعار اللجنة الخاصة والوكالة الدولية برغبة العراق لاستيراد البنود والفقرات موضوع الشراء (بما فيها التكنولوجيا) والتي هي ضمن قوائم ملاحق خطة الرقابة للجنة الخاصة والوكالة الدولية. وتقوم الوحدة المشتركة باعلام الوكالة أو اللجنة الخاصة (يتم اعلام الوكالة بالمواد النووية ، أما المواد الكيمياوية والبايولوجية ومواد القذائف فيتم اعلام اللجنة الخاصة بها).

  1. استمارة الاشعار B2

تقدم حكومة العراق هذه الاستمارة الى مكتب الوحدة المشتركة في مقر مجموعة المراقبة المستمرة في بغداد للاشعار بوصول الشحنة أو جزء منها ، على أن تصل الاستمارة خلال ثلاثة ايام عمل من وصول الشحنة أو مرورها من النقطة الحدودية.

  1. استمارة الاشعار B3

تقدم الاستمارة من قبل حكومة العراق الى مكتب الوحدة المشتركة في مقر مجموعة المراقبة في بغداد خلال خمسة أيام عمل من عبور الفقرة المستوردة لنقطة العبور الحدودية. وفي حالة تغيير موقع الفقرة بعد هذه الفترة على العراق أن يعلن عن ذلك باستمارة B3 أخرى قبل اجراء التغيير بيومين.

  1. استمارة الاشعار B4

الغرض من هذه الاستمارة اعداد الموازنة المادية للفقرات المشمولة بالآلية. ويطلب من حكومة العراق اعلام الوحدة المشتركة بأي تصدير وقتي أو دائمي لأي فقرات ذات استخدام مزدوج سبق أن استوردها العراق أو انتجت أو أنشئت أو طورت في العراق.

  1. استمارة الاشعار B5

تقدم حكومة العراق هذه الاستمارة خلال عشرة ايام عمل بعد التصدير الفعلي للفقرات المحددة الى الوحدة المشتركة على أن ترفق بها نسخ من وثائق التصدير.

ثالثاً-  القرار 1284/ 1999

في 17 كانون الاول 1999 ، اتخذ مجلس الامن القرار (1284) ، أشار في ديباجته الى العديد من قرارات المجلس السابقة بضمنها القرارات التي تضمنت الحظر التكنولوجي على العراق والتي سبقت الاشارة اليها ، مركزاً على القرار (715) الذي وافق المجلس بموجبه على خطط الرصد والتحقق المستمرين مستقبلاً التي قدمها الامين العام والمدير العام للوكالة الدولية ، وسلم القرار بالتقدم الذي أحرزه العراق في اتجاه الامتثال لأحكام القرار     (687) ، الا أنه أشار في الوقت نفسه الى عدم تنفيذ العراق لقرارات المجلس ذات الصلة تنفيذاً كاملاً ، لذا فان الظروف التي تسمح للمجلس برفع الحظر عن العراق ليست متوفرة([53]).

وبالانتقال الى الفقرات العاملة ، نجد أن المجلس قد قرر ، بموجب الفقرة (1) من القرار ، انشاء هيئة فرعية للمجلس ، أطلق عليها اسم لجنة الامم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش (UNMOVIC)، تحل محل اللجنة الخاصة التي أنشئت بموجب الفقرة (9-ب) من القرار (687) ، وقرر بموجب الفقرة (2) أن تضطلع اللجنة الجديدة بالمسؤوليات التي عهد بها المجلس للجنة الخاصة فيما يتعلق بالرصد والتحقق من امتثال العراق لالتزاماته بموجب الفقرات 8 و 9 و 10 من القرار (687) (المواد الكيميائية والبايولوجية والقذائف) وغيره من القرارات ذات الصلة ، وان تقوم اللجنة بانشاء وتشغيل نظام (معزز) للرصد والتحقق المستمرين لتنفيذ الخطة التي وافق عليها المجلس بالقرار (715) ومعالجة مسائل نزع السلاح وتحديد مواقع اضافية في العراق يشملها النظام المعزز للرصد والتحقق المستمرين. وأكد القرار بموجب الفقرة (3) أحكام قراراته السابقة فيما يتعلق بدور الوكالة الدولية في معالجة امتثال العراق للفقرتين 12 و 13 من القرار (687) والقرارات ذات الصلة ، وطلب من المدير العام للوكالة أن يواصل القيام بذلك بمساعدة اللجنة الجديدة وبالتعاون معها. وبموجب الفقرة (4) من القرار، أكد المجلس قراراته السابقة ، وأكد أن التزامات العراق فيما يتعلق بالتعاون مع اللجنة الخاصة والحصول على المعلومات دون قيد أو شرط ، ستسري فيما يتعلق بلجنة الامم المتحدة للرصد والتفتيش ، وان يسمح العراق لفرق اللجنة بالوصول فوراً ودون قيد أو شرط الى كل المناطق والمرافق والمعدات والسجلات ووسائط النقل التي تود الفرق تفتيشها. وقرر بموجب الفقرة (7) أن تضع اللجنة والوكالة الدولية برنامج عمل يتضمن تنفيذ النظام المعزز للرصد والتحقق المستمرين ومهام نزع السلاح الرئيسية المتبقية التي ينبغي للعراق أن يكملها بموجب التزاماته بالامتثال لمتطلبات نزع السلاح الواردة في القرار (687) والقرارات الاخرى ذات الصلة التي تمثل المعيار الاساسي لامتثال العراق ، وقرر المجلس كذلك أن يكون المطلوب من العراق لتنفيذ تلك المهام (محدداً بوضوح ودقيقاً). وبموجب الفقرة (8) طلب المجلس من الرئيس التنفيذي للجنة الامم المتحدة (الجديدة) والمدير العام للوكالة الدولية ، أن يقوما بانشاء وحدة تتولى مسؤوليات الوحدة المشتركة المكونة من اللجنة الخاصة والوكالة الدولية بموجب آلية الاستيراد والتصدير المعتمدة بالقرار (1051) ، وطلب من الرئيس التنفيذي للجنة أن يستأنف بالتشاور مع المدير العام للوكالة تنقيح واستكمال قوائم المواد والتكنولوجيا التي تنطبق عليها تلك الآلية.

في مقابل ذلك يأذن المجلس للدول (الفقرة 15) بأن تسمح باستيراد أية كمية من النفط أو المنتجات النفطية من العراق ، والسماح (الفقرة 16) باستخدام طرق تصدير اضافية للنفط والمنتجات النفطية ، وأن توافق لجنة المقاطعة (الفقرة 17) على قوائم المواد الانسانية ، وأن لا تعرض الامدادات من هذه المواد على اللجنة للموافقة عليها ، فيما عدا المواد الخاضعة لأحكام القرار (1051). وطلب المجلس بموجب الفقرة (18) من لجنة المقاطعة تعيين فريق من الخبراء يكلف بالموافقة على العقود المتعلقة بقطع الغيار والمعدات لتمكين العراق من زيادة صادراته النفطية وفقاً لقوائم قطع الغيار التي تقررها تلك اللجنة ، ويتولى الأمين العام مواصلة اتخاذ اللازم لرصد قطع الغيار والمعدات هذه داخل العراق. وشجع القرار (الفقرة 19) الدول والمنظمات الدولية على تقديم المساعدات الانسانية والمواد المنشورة  ذات الطابع التعليمي للعراق.

اضافة الى ذلك فقد تضمن القرار (1284) العديد من الفقرات التي تمس سيادة واستقلال العراق ، فقد طلب المجلس بموجب الفقرة (21) من الامين العام أن يواصل تعزيز عملية الامم المتحدة للمراقبة في العراق (ضماناً لاستخدام جميع الامدادات الواردة بموجب البرنامج الانساني للأغراض المأذون بها) ، وأن يوجه انتباه المجلس الى اي ظروف تحول دون (التوزيع الفعال والمنصف أو تعوقه). ودعا المجلس بموجب الفقرة (27) العراق الى (التوزيع الآني والمنصف لجميع السلع الانسانية) واتاحة المزيد من الحرية لوكالات الأمم المتحدة والمنظمات الانسانية للوصول الى جميع المناطق (لتقييم حالة السكان من الوجهتين الغذائية والانسانية) وكفالة حصول (المشردين عنوة) على المساعدات الانسانية.

وبموجب هذا القرار ، وضع المجلس نفسه وصياً على القطاع النفطي في العراق ، فقد طلب بموجب الفقرة (28) الى الامين العام تقديم توصيات بشأن المبالغ اللازم اضافتها الى الاعتمادات المرصودة لقطع الغيار والمعدات النفطية استناداً الى (دراسة استقصائية شاملة( لحالة قطاع الانتاج النفطي العراقي ،وأعرب بموجب الفقرة (29) عن (استعداده للاذن) باضافة مبالغ الى الاعتماد المرصود لقطع الغيار والمعدات النفطية استناداً الى التوصيات أعلاه للوفاء بالأغراض الإنسانية المبينة في القرار (986) والقرارات ذات الصلة ، وطلب المجلس بموجب الفقرة (30) من الامين العام انشاء فريق من الخبراء من بينهم خبراء في صناعة النفط لتقديم تقرير عن مقدرة العراق على انتاج وتصدير النفط ، واصدار توصيات بشأن بدائل تحقق زيادة قدرة العراق على انتاج وتصدير النفط وتوصيات بشأن الخيارات المتاحة (لاشراك شركات النفط الاجنبية في القطاع النفطي في العراق بما في ذلك الاستثمارات). مما يعني الغاء قرارات التأميم وعودة شركات النفط الاجنبية للاستثمار المباشر، وهو ما يرفضه العراق كاسلوب للاستثمار ، كما يرفضه كأسلوب لنقل التكنولوجيا كما أشرنا في المبحث الاول من الفصل السابق.

وجاء في القرار (1284) انه عند تلقي المجلس تقارير من الرئيس التنفيذي للجنة الامم المتحدة والمدير العام للوكالة تفيد بأن العراق قد تعاون (من جميع النواحي) مع كل من اللجنة والوكالة طوال فترة مدتها (120) يوماً بعد تلقي المجلس تقارير من اللجنة والوكالة تفيد بأن النظام المعزز للرصد والتحقق المستمرين يعمل بكامل طاقته ، فان المجلس ، توخياً للهدف الاساسي المتمثل في تحسين الحالة الانسانية في العراق وضمان تنفيذ قرارات المجلس، يعرب عن عزمه بتعليق أوامر الحظر المفروضة على استيراد السلع والمنتجات من العراق وأوامر الحظر على بيع السلع والمنتجات المدنية للعراق ، عدا السلع والمنتجات المشار اليها في الفقرة (24) من القرار (687) (الاسلحة التقليدية والتكنولوجيا الخاصة بها) أو التي تنطبق عليها الآلية المنشأة بموجب القرار (1051) (السلع ذات الاستخدام المزدوج) وذلك لمدة (120) يوماً قابلة للتجديد من قبل المجلس ، ورهنا بوضع التدابير المالية والتدابير التنفيذية الاخرى الفعالة لضمان عدم اقتناء العراق للاصناف المحظورة. أما اذا تلقى المجلس تقارير من الرئيس التنفيذي للجنة والمدير العام مفادها ان العراق (لا يتعاون من جميع النواحي) مع اللجنة أو الوكالة ، أو أنه شرع في اقتناء أية أصناف محظورة ، فان تعليق اوامر الحظر ينتهي ، كما أعرب المجلس بموجب الفقرة (36) عن عزمه الموافقة على الترتيبات المتعلقة بالتدابير المالية والتدابير التنفيذية الاخرى الفعالة بما في ذلك تسليم السلع والمنتجات المدنية التي تباع للعراق ودفع أثمانها لضمان عدم اقتناء العراق لمواد محظورة في حالة تعليق أوامر الحظر المشار اليها.

بعد هذا الاستعراض الموجز للفقرات ذات الصلة بالبحث ، يعتقد الباحث ان القرار    (1284) هو من أخبث القرارات التي أصدرها مجلس الامن ضد العراق. إذ جمع مجلس الامن قراراته السابقة وصاغها في قرار واحد فرض بموجبه حظراً جديداً شاملاً ([54]). فعلى الرغم من اقرار المجلس في ديباجة القرار بالتقدم الذي أحرزه العراق في اتجاه الامتثال لأحكام القرار (687) ، بعد التضحيات التي قدمها العراق على مدى تسع سنوات وتحمله لاستفزازات فرق اللجنة الخاصة من أجل تخفيف معاناة شعبه. وبدلاً من رفع الحصار ، فقد شكل المجلس بموجب القرار لجنة جديدة للرصد والتحقق والتفتيش تتولى انشاء نظام (معزز) للرصد والتحقق ومعالجة مسائل نزع السلاح وتحديد مواقع جديدة يشملها هذا النظام واستكمال قوائم المواد والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج لتقليص قدرات العراق الصناعية ، ومنح المجلس اللجنة الصلاحيات والامتيازات والحصانات التي كانت ممنوحة للجنة الخاصة المقبورة. كما يلاحظ أن القرار قد أوعز الى لجنة المقاطعة (الفقرة 17) بأن توافق على قوائم المواد الانسانية بما فيها المواد الغذائية والمعدات الطبية والزراعية الاساسية أو العادية والمواد التعليمية الاساسية أو العادية ، دون تحديد مفهوم المعدات والمواد (الاساسية والعادية) مما يعطي لجنة المقاطعة صلاحية رفض توريد أية معدات أو مواد الى العراق على اساس أنها غير أساسية أو غير عادية ، كما لم ترد في الفقرة المذكورة أية اشارة الى (المعدات الصناعية) الأمر الذي يؤكد أن نظام العقوبات على العراق يستهدف ايقاف عجلة التنمية فيه من خلال فرض الحظر على قطاعه الصناعي وتعميق تبعيته التكنولوجية وتحويل العراق الى بلد منتج للمواد الاولية والزراعية ، يضاف الى ذلك الوصاية التي فرضها القرار على قطاع الانتاج النفطي في العراق والتي سبقت الاشارة اليها ، في مقابل ذلك ، وعند تلقي المجلس تقارير تفيد بأن العراق (قد تعاون من جميع النواحي) فان المجلس يعرب عن عزمه بتعليق أوامر الحظر على استيراد السلع والمنتجات من العراق وبيع السلع والمنتجات المدنية للعراق عدا السلع المشار اليها في الفقرة (24) من القرار (687) أو التي تنطبق عليها الآلية المعتمدة بالقرار (1051) ولمدة (120) يوماً قابلة للتجديد… أما اذا وردت للمجلس تقارير تفيد بأن العراق لا يتعاون من جميع النواحي ، أو انه شرع في اقتناء أصناف محظورة فان تعليق الحظر ينتهي بعد خمسة ايام بعد ورود التقرير. ومن السمات الاخرى لهذا القرار هو حرفه لما ورد بمضمون الفقرة (22) من القرار (687) ، فبينما تشير تلك الفقرة الى (رفع الحظر) يشير القرار (1284) الى تعليق الحظر وليس رفعه ، كما أن القرار قد غيب الفقرة (14) من القرار (687) ، حيث لم ترد في الفقرات العاملة للقرار الجديد أية اشارة الى نزع أسلحة الدمار الشامل في المنطقة ، وجعل منطقة الشرق الاوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل.

ان القرار (1284) يكشف عن النوايا المبيتة للبلدان التي كانت وراء اصداره ، وهي امكانية السماح للعراق (بعد تعاونه من جميع النواحي) بتصدير النفط واستيراد السلع الاستهلاكية من خلال تعليق الحظر (وليس رفعه) أما التكنولوجيا سواء كانت متجسدة في مواد ومعدات أو أي شكل آخر من أشكال التكنولوجيا ، فلا يسمح للعراق باقتنائها أو الحصول عليها ، الامر الي يؤكد أن الحظر التكنولوجي على العراق سيبقى سارياً الى أمد غير منظور، حتى وان أصدر مجلس الأمن قراراً برفع الحظر عن العراق.

للأسباب الواردة آنفاً، رفض العراق رفضاً قاطعاً بشكل رسمي وعلى لسان العديد من مسؤوليه التعامل مع هذا القرار الجائر.

 

رابعاً-  مشروع العقوبات الذكية

        في مايس 2001 أصدر مجلس الامن القرار (1352) مدد بموجبه العمل بصيغة النفط مقابل الغذاء شهراً واحداً لحين استكمال المناقشات حول المشروع البريطاني – الامريكي الذي أطلق عليه اسم (العقوبات الذكية) Smart Sunctions . حيث يسمح هذا المشروع للعراق بتصدير أية كمية من نفطه واستيراد جميع احتياجاته من السلع المدنية ، ويبقي على الحظر الوارد بالفقرة (24) من القرار (687) وهي الاسلحة التقليدية والتكنولوجيا الخاصة بها، اضافة للسلع التي تنطبق عليها الآلية المعتمدة بالقرار (1051) وهي السلع ذات الاستخدام المزدوج والتي اضاف لها مشروع القرار قائمة جديدة هي (قائمة مراجعة السلع)([55]).

كما تضمن مشروع القرار تفعيل دور لجنة الامم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش UNMOVIC المنشأة بالقرار (1284) لتشارك مع لجنة المقاطعة (661) باتخاذ الاجراءات الضرورية لضمان فعالية اجراءات عدم توريد المواد مزدوجة الاستخدام للعراق. ويهدف مشروع القرار كذلك الى تحديد الشركات التي تستورد نفط العراق وحصرها بالشركات التي توافق عليها لجنة المقاطعة (661) ، وتضمن المشروع فقرات اخرى البعض منها يخص البلدان المجاورة للعراق حيث سعى المشروع الى تواجد لجان التفتيش في هذه البلدان لرصد استيرادات العراق من خارج حدوده.

لقد استهدف مشروع القرار خنق الاقتصاد العراقي من خلال السيطرة على استيراداته ومنعه من الحصول على سلع انتاجية أو تكنولوجيا حديثة يمكن من خلالها تطوير صناعته وتحقيق تنميته المستقلة.

وعلى الرغم من الضغوط التي مارستها الادارة الامريكية لتمرير مشروع القرار ، الا أنها أخفقت في ذلك ، فتم سحب المشروع من مجلس الامن.

خامساً – القرار 1409/2002

        في جلسته المرقمة (4531) ، اتخذ مجلس الأمن القرار (1409) في 14/5/2002، مدد بموجبه العمل بصيغة النفط مقابل الغذاء ستة أشهر تبدأ في 30/5/2002، وتضمن القرار ما يسمى بـ (قائمة مراجعة السلع) و (لائحة الاجراءات) التي تعتمد للبت في عقود توريد السلع والمعدات الى العراق([56]).

لقد تضمنت قائمة مراجعة السلع جزئين، الأول مواد (مزدوجة الاستخدام) لأسلحة الدمار الشامل وبحدود (1700) مادة تتعلق أصلاً بالقرار (687) وتخضع للآلية الواردة بالقرار (1051) ، والجزء الثاني مواد (مزدوجة الاستخدام) للأسلحة التقليدية وبحدود        (1400) مادة جاءت في (160) صفحة أضيفت بموجب القرار (1409).

        إن القرار 1409 هو حلقة أخرى على صعيد سلسلة القرارات التي اتخذها مجلس الأمن بضغط من الولايات المتحدة وتأثير منها وجاء مكملاً للقرارات الأخرى بهدف التضييق على شعب العراق اقتصادياً. فعلى الرغم من أن مجلس الأمن قد أشار في ديباجة القرار الى أنه يهدف الى تخفيف الحصار وتحسين الظروف الانسانية لشعب العراق، إلا أن القرار في حقيقته يهدف الى تشديد الحصار وتقييد الاقتصاد العراقي وإعاقة تطوره الصناعي والعلمي والتكنولوجي. فقد أخضع القرار جميع عقود توريد السلع والمعدات للعراق الى موافقة خبراء من لجنة الرصد والتحقق والتفتيش (UNMOVIC) التي ورثت اللجنة الخاصة سيئة الصيت (UNSCOM) وخبراء من الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) الذين يقومون بفحص هذه العقود والتأكد من خلوها من مواد خاصة بالأسلحة التقليدية أو الأصناف الموجودة في قائمة مراجعة السلع، وبهذا أخضع القرار جميع السلع بضمنها المواد الغذائية الى رقابة لجنة (يونموفيك) والوكالة الدولية للطاقة الذرية وسحب صلاحيات الأمين العام في هذا المجال.

        لقد تضمنت قائمة مراجعة السلع، مواداً منع العراق من استيرادها منذ عام 1990، وقسم كبير منها لا يستوردها العراق أصلاً كونها تشتمل على مكونات تدخل في صناعة أسلحة الدمار الشامل التي غادرها العراق بقرار ستراتيجي وطني عام 1991، كما أن العراق لم يطلب يوماً استيراد هذه المواد على الإطلاق الا أن الولايات المتحدة وبريطانيا أرادتا الايحاء للمجتمع الدولي بأن العراق ما زال يسعى الى امتلاك أسلحة الدمار الشامل. أما بالنسبة للمواد الأخرى ذات الطابع التكنولوجي واللازمة لتطوير قطاعات الزراعة والصناعة وتحقيق التنمية الاقتصادية فلا تسمح كلا الدولتان توريد أي منها الى العراق منذ أواخر عام 1988. وبهذا يكون الهدف من القرار (1409) إحكام الحظر على العراق ومنعه من تطوير قدراته التكنولوجية اللازمة لتحقيق تنمية قطاعاته الاقتصادية وصيانة أمنه القومي.

المبحث الرابع: مذكرة التفاهم والحظر التكنولوجي

للفترة من 16 كانون الثاني ولغاية 27 شباط 1991 ، أسقط ما زنته ثمانية وثمانون الف طن من القنابل على العراق أي ما يعادل القوة التفجيرية لسبع قنابل ذرية من قنبلتي هيروشيما وناكازاكي التي أسقطتهما الولايات المتحدة الامريكية على اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية ، وبلغ عدد الطلعات الجوية أكثر من مائة الف طلعة بحلول نهاية شباط  1991([1]). الأمر الذي يؤكد ان الاهداف المحددة للعدوان قد تجاوزت متطلبات الضرورة العسكرية لتتعداه الى تدمير البنى التحتية المدنية وإعادة العراق الى عصر ما قبل الصناعة ، وهو ما أعلنه صراحة وزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر في اجتماعه بجنيف مع نائب رئيس مجلس الوزراء العراقي السيد طارق عزيز في التاسع من كانون الثاني عام 1991. فقد دمرت قوات التحالف مجموعة واسعة من المنشآت المدنية التي لم يكن لها صلة مباشرة بالوضع في الكويت (جدول رقم 5)، متجاوزة بذلك الى حد كبير الأهداف المعلنة لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. وبالنظر لأهمية النفط في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فقد استهدف الاعداء المراكز النفطية الرئيسية ، كما استهدفوا محطات توليد الطاقة الكهربائية التي تعتمد عليها البنى الاساسية المتمثلة بالمستشفيات ومحطات الماء والمجاري والاتصالات والزراعة والصناعة ، اضافة الى حرمان العراق من الطاقة الكهربائية اللازمة لاعادة الاعمار. وقد قدرت احدى الدراسات تكلفة استبدال المنشآت العراقية التي دمرت أثناء الحرب بحوالي مائتي مليار دولار([2]).

في آذار 1991 ترأس (مارتي احتساري) مساعد الامين العام للأمم المتحدة لشؤون الادارة والتنظيم ، فريق تحقيق لتقديم تقرير عن الوضع في العراق. وتضمن التقرير الذي قدمه احتساري الى الامين العام للامم المتحدة الاشارة الى حجم الدمار الذي ألحقته قوات التحالف بالمنشآت المدنية العراقية ، فقد جاء بالتقرير ما يأتي: ([3])

 

جدول رقم (5)

أعداد المنشآت المتضررة نتيجة العدوان على العراق

مطلع عام 1991

القطاع المنشآت المتضررة العدد
الزراعة والري سدود، نواظم ، محطات ضخ، خدمات زراعية 205
النفط والطاقة آبار نفطية، محطات تكرير، ضخ واستخراج النفط 145
صناعة وتعدين مصانع، مناجم، مخازن 122
تصنيع عسكري منشآت صناعية وورش إنتاجية 32
الاسكان والتعمير مباني، جسور، مجمعات سكنية 260
منشآت التجارة سايلوات، أسواق مركزية، مراكز توزيع 251
مالية ومصرفية مصارف 272
النقل والمواصلات محطات بث، بدالات، طرق، طيران مدني، سكك 475
التربية مدارس، خدمات مدرسية 3818
التعليم العالي أبنية جامعية، مختبرات 39
الصحة مستشفيات، مخازن، عيادات شعبية 392
الاعلام محطات تلفزة، بث راديوي، متاحف، آثار 90
رعاية اجتماعية دور أيتام، إصلاحيات 44
منشآت أمانة بغداد منشآت خدمة عامة ودوائر خدمة بلدية 23
هيئة التخطيط مباني إدارية مختلفة 19
مؤسسات عدلية دور قضاء ومحاكم 79
خدمات عامة وبلدية محطات صرف صحي، ملاجئ، مباني 833
مواقع دينية جوامع، كنائس 159
نقابية وحزبية مقرات غير حكومبة 117
مباني عسكرية مستشفيات ودوائر تجنيد 76
أخرى دور المواطنين وتجمعات ومراكز تجارية خاصة 33695

المصدر:

مثنى عبدالرزاق العمر، العدوان الثلاثيني – الأضرار البيئية والصحية، بغداد، جامعة بغداد، 2001، ص33-34. وانظر أيضاً:

سعاد ناجي العزاوي، ” الأفاق المستقبلية للعمل البيئي في العراق”، مؤتمر المجمع العلمي لعام 2000 (العراق وتحديات القرن الحادي والعشرين)، الجزء الثاني (العلم والتقانة)، بغداد، منشورات المجمع العلمي، مطبعة المجمع العلمي، 2001، ص189.

 (ان ما من شيء سبق أن رأيناه أو سمعنا عنه قد أعدنا تماماً لهذا الشكل الخاص من الدمار الذي اصاب هذا البلد الآن. فقد جلب الصراع الذي حدث مؤخراً نتائج تشبه أهوال يوم القيامة على الهياكل الأساسية الاقتصادية لما كان حتى شهر كانون الثاني 1991 مجتمعاً حضرياً يعتمد على الآلات الى حد بعيد. أما الآن فان معظم الوسائل الداعمة للحياة الحديثة قد دمرت أو أصبحت هزيلة. لقد أعيد العراق الى عصر ما قبل الثورة الصناعية وسيظل كذلك فترة من الزمن ، لكن مع كل أوجه العجز التي يتسم بها الاعتماد على الاستخدام الكثيف للطاقة والتكنولوجيا في عصر ما بعد الثورة الصناعية).

ومنذ تقرير الأمم المتحدة الأول الذي أعده السيد احتساري  ، أصبحت معاناة شعب العراق معروفة للسياسيين ومسؤولي الامم المتحدة وغيرهم ، واستجابة للنتائج التي توصل اليها التقرير وفي محاولة للتملص من الاتهامات الواسعة النطاق بارتكاب جريمة ابادة جماعية متعمدة ضد شعب العراق من خلال حرمانه من الحصول على الغذاء والدواء ، اضيفت الفقرة (20) الى القرار (687)([4]) ، والتي لم يكن لها نتائج عملية بسبب اخضاع الطلبات الى تدقيق بيروقراطي طويل ، اضافة الى عدم توفر الموارد المالية لشراء الغذاء والدواء والحاجات الاساسية بسبب تجميد الأرصدة العراقية في الخارج وفرض حظر تام على بيع النفط العراقي.

وفي تموز 1991 ، أكدت بعثة الامم المتحدة برئاسة الأمير صدرالدين أغاخان ، التي كانت قد ركزت على الاحتياجات الانسانية ، ما ورد بتقرير احتساري من أن العراق يعاني ظروفاً مشابهة للكارثة الكبرى ، وان العقوبات الاقتصادية كان لها أثار سلبية جداً على السكان المدنيين ، كما ان عدم توفر المواد الاحتياطية يعرقل صيانة المنشآت الطبية والمختبرات والمعامل الصناعية والزراعية ومنظومات المياه والمجاري([5]).

لقد برهن مجلس الامن على عدم اكتراثه بالآثار المدمرة للعقوبات الاقتصادية ، رغم معرفته وبالأدلة الواضحة للكارثة الانسانية التي أعقبت الحرب([6]). الا ان التقارير المشار اليها، والتي أعدتها لجان متخصصة تابعة للأمم المتحدة ، وزيارة وفود شعبية غير حكومية على مستوى عالٍ، قد كشفت عن مدى معاناة المدنيين ، مما دفع بالتالي الاطراف المتنفذة في مجلس الامن الى تقديم سلاح دعائي يمكن استخدامه لاظهار اهتمامها الانساني مع ابقاء الحظر قائماً وذلك من خلال القرار (706) الذي أصدره مجلس الامن في 15 آب 1991.

أولاً – القرار 706/1991

في 15 آب 1991 ، تبنى مجلس الامن القرار (706) الذي سمح بموجب الفقرة (1) منه لجميع الدول وخلال فترة مدتها ستة أشهر، القيام باستيراد نفط ومنتجات نفطية يكون مصدرها العراق بما يكفي لتحقيق مبلغ لا يتجاوز (1.6) مليار دولار رهناً بعدة شروط منها موافقة لجنة (661) على كل عملية شراء نفط عراقي ودفع المبلغ في حساب استئماني تنشئه الامم المتحدة ويديره الأمين العام ويخصص على وجه الحصر لتحقيق أهداف هذا القرار. وقرر المجلس بموجب الفقرة (2) من القرار ، أن يقوم الامين العام باتاحة (جزء) من المبلغ المودع في الحساب الي سينشئه لتمويل شراء المواد الغذائية والأدوية والاحتياجات المدنية الاساسية ، والتكاليف التي تتكبدها الامم المتحدة فيما يتعلق بدورها بموجب هذا القرار ، وتكاليف الأنشطة الانسانية الضرورية الاخرى في العراق. وقرر المجلس بموجب الفقرة (3) أن يستخدم الامين العام جزءاً من المبلغ لسداد المدفوعات المناسبة لصندوق الامم المتحدة للتعويضات وتكاليف تنفيذ القسم (جيم) من القرار (687) والتكاليف الكاملة التي تتكبدها الامم المتحدة في تسهيل عودة كافة الممتلكات الكويتية ونصف تكاليف لجنة الحدود([7]).

لقد رفض العراق تنفيذ القرار مستنداً في ذلك الى أسباب قانونية وموضوعية. اذ ان الجزء الرئيس من القرار يتضمن ان مبيعات النفط العراقي الخاضعة لموافقة لجنة العقوبات ستحقق ايرادات لا تتجاوز (1.6) مليار دولار تدفع الى حساب خاص تديره الامم المتحدة وتخصص هذه الايرادات على وجه الحصر (لتحقيق أغراض هذا القرار) وهي أغراض متعددة وليست لتمويل شراء الحاجات الانسانية فقط ، بل تشمل أيضاً تغطية نفقات الامم المتحدة وتقديم دفعات الى صندوق التعويضات ، وتسديد كامل نفقات تنفيذ مهام القسم (جيم) من القرار (687) والتكاليف الكاملة لتسهيل اعادة الممتلكات الكويتية ونصف تكاليف لجنة ترسيم الحدود. وهذا يعني ان ما يخصص للعراق ليس سوى جزء يسير من المبلغ المشار اليه. اضافة الى ذلك فان ادارة العملية بكاملها ، بدءاً من بيع النفط الى توزيع الغذاء ، تتولاه بموجب القرار لجنة العقوبات والأمين العام وموظفو الامم المتحدة وأفراد آخرون يعملون برعايتها ، الأمر الذي يمثل انتهاكاً لسيادة العراق ووضع الوصاية على اقتصاده الوطني.

لقد كانت الدول المتنفذة في مجلس الأمن متيقنة من أن العراق سيرفض القرار. اذ ليس من المتوقع أن يضحي العراق بسيادته الوطنية ويسلم مورده الاقتصادي الرئيسي الى هيئة دولية ولجنة تهيمن عليها دولة لم تخفِ عداءها للعراق وقيادته وتمول أعداءه وتمنحهم وسائل المضي في التآمر عليه ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فان الجزء اليسير المتبقي من المبلغ (1.6) مليار دولار  لا يكفي لتغطية جزء يسير من الاحتياجات الانسانية لشعب العراق ، والتي قدرها الأمير صدر الدين أغاخان مبعوث الامين العام عندما أشار بأن تأمين الغذاء والدواء واعادة بعض الخدمات الاساسية يتطلب انفاق زهاء (6.8) مليار دولار في فترة (12) شهراً([8]).

ثانياً-  القرار 712/ 1991

بموجب الفقرة (5) من القرار (706) طلب مجلس الامن الى الامين العام أن يقدم تقريراً الى المجلس بشأن تدابير تنفيذ الفقرة (1) من القرار وتقديرات الاحتياجات الانسانية للعراق وقيمة التزامات العراق المالية والامور ذات العلاقة بانتاج ونقل النفط العراقي…([9]).

في 4 أيلول 1991 ، قدم الامين العام تقريره المكون من (37) صفحة تبين الاحكام المفصلة لتنفيذ القرار (706) ، وحدد التقرير منفذاً واحداً لتصدير النفط العراقي من حقول كركوك عبر خط النفط الذي يصل الى ميناء (يومورتالك) التركي ، على الرغم من أن ميناء البكر العراقي في الخليج العربي كان صالحاً جزئياً للشحن([10]).

استناداً لذلك ، وعلى الرغم من رفض العراق للقرار (706) ، تبنى مجلس الامن في 19 أيلول 1991 القرار (712) عزز القرار المذكور (706) وأقر المبلغ الوارد فيه وهو (1.6) مليار دولار ووافق على التوصيات الواردة في تقرير الأمين العام ، ومنح المفتشين وغيرهم من الخبراء الذين يوفدون أو يعينون لأغراض تنفيذ القرار الامتيازات والحصانات ، وطلب من العراق أن يتيح لهم التنقل بحرية تامة ويوفر لهم جميع التسهيلات اللازمة([11]).

لقد كان هذا القرار كسابقه، وسيلة اضافية لخنق العراق وتحويله الى (محمية) تابعة للامم المتحدة([12]) . اذ لم يكن الهدف منهما تلبية الاحتياجات الانسانية لشعب العراق وانما تمويل صندوق التعويضات ونشاطات الامم المتحدة في العراق([13]). ومع كل هذا فقد عقدت خمس جولات من المباحثات الفنية بين العراق والامانة العامة لوضع الية عملية لتنفيذ القرارين لم تؤدِّ الى أي اتفاق([14]).

ثالثاً-  القرار 986/ 1995

في 14 نيسان 1995 ، تبنى مجلس الامن ، على أساس محاولة امريكية تحت مشروع قرار قدمته الارجنتين ، القرار (986) سمح بموجب الفقرة (1) منه للدول استيراد النفط والمنتجات النفطية التي يكون منشؤها العراق بما في ذلك المعاملات المالية وغيرها من المعاملات الاساسية المتصلة مباشرة بذلك ، بما يكفي لتوفير عائد بمبلغ لا يتجاوز مجموعه مليار دولار كل (90) يوماً ، رهناً بموافقة لجنة (661) لكل عملية يعتزم اجراؤها لشراء النفط والمنتجات النفطية من العراق ، وان تقوم الجهة المشترية بسداد مبلغ كل صفقة الى حساب الضمان الي سينشئه الأمين العام لأغراض هذا القرار([15]).

وبموجب الفقرة (6) من القرار ، أمر المجلس لجنة (661) برصد عمليات بيع النفط والمنتجات النفطية التي يصدرها العراق عن طريق خط أنابيب كركوك – يومورتالك ومن ميناء البكر العراقي لتحميل النفط وذلك بمساعدة مفتشين مستقلين يعينهم الامين العام. وقرر المجلس بموجب الفقرة (8) أن تستخدم الاموال المودعة في حساب الضمان للوفاء بالاحتياجات الانسانية للسكان العراقيين ولأغراض أخرى تشمل صندوق التعويضات ، التكاليف التي تتحملها الامم المتحدة فيما يتعلق بنفقات المفتشين والمحاسبين والأنشطة المرتبطة بتنفيذ القرار وتكاليف عمل اللجنة الخاصة ، وتكاليف الأنشطة الأخرى التي تقوم بها الامم المتحدة في العراق. كما سمح المجلس بموجب الفقرة (9) بأن يصدر الى العراق ما يلزم من قطع غيار ومعدات أساسية للتشغيل المأمون لخط أنابيب كركوك – يومورتالك في العراق رهناً بموافقة لجنة (661) على كل عقد من عقود التصدير([16]).

ان القرار (986) موضوع البحث ، لم يكن سوى لعبة سياسية ومناورة جديدة في العلاقات العامة ضمن الجهود الامريكية المستمرة لاحكام الحظر على العراق([17]). لقد احتاج الاستراتيجيون الامريكيون الى غطاء لاستمرار الحظر يبدو تخفيفاً ويعطي الانطباع بأنهم أصبحوا مهتمين بمعاناة الشعب العراقي ، فكان القرار المذكور الذي ابقى على القيود المفروضة للسيطرة على العراق وفرض الوصاية عليه والواردة في القرارين (706) و      (712) ، ودعا كلاً من روسيا وفرنسا الى الاعلان بعدم جدوى تبني قرار يكون مجرد أداة علاقات عامة تمكن الولايات المتحدة وبريطانيا من لوم العراق على الصعوبات التي تسببها العقوبات([18]).

فالقرار (986) يقتطع جزءاً كبيراً من الاموال المتأتية من تصدير النفط العراقي لصندوق التعويضات ولأغراض الامم المتحدة وهيئاتها ولنفقات متفرقة ، ويشير صراحة (بموجب الفقرة 6) الى ان القدر الأكبر من النفط والمنتجات النفطية يجري شحنه عبر خط أنابيب كركوك – يومورتالك ، وتصدر الكمية المتبقية من ميناء البكر ، اضافة الى أن آلية تنفيذ القرار هي آلية معقدة ، فبموجب القرار يتوجب على الجهة المصدرة للسلع الى العراق ابرام عقد مع الجانب العراقي ، ويعرض هذا العقد على السلطات الوطنية للبلد الذي ينتمي اليه المصدر بصيغة طلب تصدير الى العراق ، ويحول هذا الطلب الى المقر الدائم لسكرتارية لجنة (661) ، وتتم موافقة هذه اللجنة بالاجماع (قاعدة عدم الاعتراض) وبدون شفافية ، وعند منح الموافقة يرسل الملف الى الامم المتحدة التي تقدمه – للتظهير – الى البنك المركزي العراقي ، ثم تعيد ارساله الى نيويورك من أجل الدفع. عند ذلك فقط يرسل خطاب اعتماد ويصبح بامكان المصدر شحن المنتجات الى العراق([19]). يضاف الى ذلك ان نصوص وقرارات مجلس الأمن ومنها القرار (687) لا تخضع المواد الغذائية والادوية للعقوبات ، الا انه في اطار القرار (986) فان هذه المواد يجب أن تنتظر موافقة لجنة العقوبات (661). كما أعطى القرار امتيازات وحصانات لجيش من العاملين والخبراء والمفتشين والمحاسبين القانونيين الذين يعينهم الامين العام لأغراض تنفيذ القرار وطلب من حكومة العراق أن تتيح لهم حرية الحركة الكاملة وكل ما يلزم لهم من تسهيلات لتنفيذ القرار.

وبسبب هذه الشروط التعسفية التي استهدفت الدول المتنفذة في مجلس الأمن من خلالها فرض السيطرة والوصاية الدائمة على العراق([20]) ، كان رفض العراق لهذا القرار متوقعاً([21]) ، وبالفعل فقد ابلغ وزير خارجية العراق الامين العام في 15 أيار 1995 ان العراق لن ينفذ القرار لأنه يعترض، في جملة أمور، على نسبة النفط المقرر تصديرها عن طريق خط أنابيب كركوك–يومورتالك ، وعلى الطرائق المتعلقة بتوزيع المعونة الغوثية الانسانية في المحافظات الشمالية الثلاث([22]). وبقي موقف العراق على هذه الصورة لغاية 6 شباط1996([23]).

رابعاً-  مذكرة التفاهم

        على الرغم من الانتقادات التي وجهت للقرار (986) ، الا أن البعض يعتقد ان شروط القرار تبدو اقل تعسفاً عند مقارنتها بالشروط الواردة في القرارين (706) و (712). ذلك ان القرار (986) قد خول الامين العام صلاحية التوصل الى اتفاق مع العراق بشأن الجوانب الفنية لتنفيذ القرار([24]).

استناداً لذلك ، ولغرض تجاوز الفقرات التي تعارض سيادته ووحدته الوطنية الواردة بالقرار (986) ، وكإجراء مؤقت لتخفيف معاناة شعبه ، بدأ العراق في 6 شباط 1996 محادثات مع الامانة العامة للأمم المتحدة حول تنفيذ صيغة النفط مقابل الغذاء (Oil for Food) بما ينسجم مع القرار (986). وعقد الجانبان (6) جولات من المباحثات الفنية استغرقت ، بسبب مداخلات بعض أعضاء المجلس الدائميين ، نحو أربعة أشهر وقع الطرفان بعدها مذكرة تفاهم في 20 مايس 1996 بين حكومة العراق والامانة العامة للأمم المتحدة ، تم بموجبها الاتفاق على قواعد واجراءات خاصة بشراء وتوزيع الغذاء والدواء والحاجات الانسانية الاساسية الاخرى لشعب العراق([25]).

وهنا تجدر الاشارة الى ان مذكرة التفاهم هي ليست القرار (986)([26]) ، بل ان القرار (986) وأحكام مذكرة التفاهم الموقعة بين حكومة العراق والامانة العامة للأمم المتحدة ، يشكلان عنصرين يكمل أحدهما الآخر ، ويمثلان الاساس القانوني الذي قام عليه برنامج النفط مقابل الغذاء([27]) (Oil for Food) والذي يعد الاول من نوعه في العالم([28]).

جاء في الاحكام العامة ، ان المذكرة ليس فيها ما يمكن تأويله على أنه يشكل مساساً بسيادة العراق أو بسلامته الاقليمية ، وان الترتيب المنصوص فيها هو اجراء استثنائي ومؤقت. وتضمنت المذكرة أقساماً أخرى تتعلق بخطة التوزيع وانشاء حساب الضمان وبيع النفط واجراءات الشراء والتحقق ومراقبة التوزيع للمواد الغذائية والامدادات الاخرى للتأكد من استخدامها في الاغراض المقصودة ، والامتيازات والحصانات التي يتمتع بها موظفو الامم المتحدة ووكالاتها([29]).

وفي 18 تموز 1996 أقر الأمين العام خطة التوزيع المقدمة من حكومة العراق لشراء وتوزيع اللوازم الانسانية([30]). وعملاً بالفقرة (12) من القرار (986) التي طلب بموجبها مجلس الأمن من لجنة (661) أن تضع بالتنسيق مع الامين العام ما يلزم من اجراءات لتنفيذ الترتيبات الواردة بالقرار ، اعتمدت اللجنة في 8 آب 1996 مجموعة اجراءات للاضطلاع بمسؤوليتها على النحو المطلوب في الفقرة (12) تتعلق ببيع النفط وتصدير الامدادات الانسانية وقطع الغيار الى العراق([31]).

بدأ تنفيذ المرحلة الاولى للبرنامج يوم 10 كانون الاول 1996. وقد حرصت حكومة العراق على التقيد بأحكام مذكرة التفاهم باعتبارها اجراءاً مؤقتاً واستثنائياً يهدف الى التخفيف من معاناة شعب العراق من جراء الحصار وواصلت في الوقت نفسه الدعوة الى رفع الحصار كلياً. وتعاون العراق مع وكالات الامم المتحدة في مناقشة وتحديد احتياجات القطاعات التي تغطيها خطة التوزيع على أمل توفير هذه الاحتياجات ضمن الوقت المحدد لكل مرحلة من أجل تلبية الاحتياجات الملحة لشعب العراق([32]). الا أن البرنامج لم يحقق أهدافه لأسباب أهمها ما يلي:

1- عدم كفاية الايرادات

ان برنامج النفط مقابل الغذاء ليس برنامجاً انمائياً عادياً ولا برنامجاً انسانياً ممولاً من تبرعات بلدان أخرى أو منظمات متعددة الجنسيات، بل ان البرنامج يمول بأكمله من عائدات بيع المورد الطبيعي الرئيسي للعراق وهو النفط، ويهدف كتدبير مؤقت الى تلبية الاحتياجات الانسانية للشعب العراقي ، لذا لا يمكن لهذا البرنامج ولم يقصد به على الاطلاق ان يلبي جميع الاحتياجات الانسانية للشعب العراقي ، ولا يمكن له أن يعيد الهياكل الاساسية الاقتصادية والاجتماعية في العراق الى ما كانت عليه قبل عام 1990([33]).

في المراحل الثلاث الاولى للمذكرة كان على العراق أن يصدر ما قيمته مليارا دولار لكل مرحلة ، تستقطع منها فور ورود موارد النفط الى حساب العراق النسب التالية وتكون لها الاولوية في الاستقطاع  وليس لشراء المواد الانسانية([34]).

30%تذهب الى صندوق التعويضات.

2,2% النفقات الادارية لتنفيذ المذكرة.

0.8% نفقات اللجنة الخاصة وفرق التفتيش.

1% تذهب الى حساب العراق المعلق بموجب القرار (778).

والنسبة المتبقية البالغة 66% تخصص للاحتياجات الانسانية والتي أكد مراقبو الامم المتحدة عدم كفايتها. اذ أن تدهور البنى الاساسية في العراق يهدد باضعاف تأثير الامدادات المأذون بها فعلاً ، وان الحجم والاطار الزمني اللازمين للاضطلاع بمشروعات اعادة التأهيل الاساسية ، خاصة في مجال توليد الطاقة الكهربائية وتوزيعها ، يتجاوزان نطاق البرنامج الانساني([35]). وعلى هذا الاساس وبتوجيه من مكتب برنامج العراق أصدر مجلس الامن قراره المرقم (1153) في 20 شباط 1998 ، رفع بموجبه الحد الاقصى لمبيعات النفط العراقي الى (5.256) مليار دولار بدءاً من المرحلة الرابعة([36]).

ومهما تكن التحسينات التي يمكن اجراؤها في اطار البرنامج وتنفيذه، فان حجم الاحتياجات الانسانية هو من الضخامة بقدر لا يمكن معه تلبية هذه الاحتياجات من خلال القرار (986) والقرارات اللاحقة لا سيما القرار (1153). اذ ان التدهور الكبير الذي اصاب الهياكل الأساسية وحجم الاموال اللازمة لاصلاحه يفوق كثيراً حجم التمويل المتاح في اطار البرنامج. وعلى الرغم من زيادة المبلغ المأذون به للمرحلة الرابعة بموجب القرار (1153) ، لم يتم تحقيق أهداف البرنامج الانساني المعزز بسبب الافتقار الى الايرادات الناجم عن تدهور أسعار النفط في تلك المرحلة (9.8 دولار للبرميل الواحد) والتأخر في الحصول على قطع الغيار اللازمة للصناعة النفطية واندثار وقدم البنى التحتية النفطية بشكل عام ، فقد أشار تقرير فريق الخبراء المنشأ عملاً بالفقرة (12) من القرار (1153) الى ان صناعة النفط في العراق في حالة يرثى لها ، وان انتاجية حقول النفط المستغلة قد انخفضت بشكل خطير ويتعذر اصلاح بعضها ، وأشار الفريق الذي زار القطر للفترة 12-22 آذار 1998 ، الى ان الزيادة الحادة في الانتاج التي لا يواكبها انفاق على قطع الغيار والمعدات سيلحق ضرراً بالغاً بالصخور الحاوية للنفط وبشبكات خطوط الأنابيب وسيكون مخالفاً للمبادئ المرعية بشأن (حسن ادارة حقول النفط) وقدر الفريق ان الوصول الى مستويات الانتاج البالغة (3) ملايين برميل يومياً ، يتطلب نفقات كلية يبلغ مجموعها (1.2) مليار دولار([37]) . وفي زيارته الثانية للعراق للفترة 13-16 كانون الاول 1998 وصف فريق الخبراء التردي المستمر في قدرة العراق على انتاج وتصدير النفط. فقد استمر الانخفاض بمعدل سنوي يقدر بين 4-8% وتوقف عدد كبير من الآبار عن الانتاج في الشمال والجنوب نتيجة لنقص مرافق فصل المياه([38]) . ونتيجة لهذا التردي في قدرات العراق على انتاج وتصدير النفط اضافة الى انخفاض أسعار النفط الذي سبقت الاشارة اليه، لم يتوفر سوى (1.9) مليار دولار لتمويل خطة التوزيع الموسعة (المرحلة الرابعة) منها (300) مليون دولار لقطع غيار الصناعة النفطية والمتبقي لا يزيد كثيراً على المبلغ الموفر لكل من المراحل الثلاث السابقة والبالغ     (1.32) مليار دولار([39]).

ويضاف الى عدم كفاية الايرادات ، التوزيع غير المنصف لها ، فقد جاء بالفقرة (2) من قرار مجلس الامن المرقم (705) في 15 آب 1991 بأن لا تتجاوز التعويضات التي يتعين على العراق دفعها (30%) من القيمة السنوية لصادرات النفط([40]). وعلى الرغم من الطلبات المتكررة لتأجيل استقطاع هذه النسبة الى فترة مناسبة أو عدم اخضاع الزيادة التي طرأت على السقف المالي الى تلك الاستقطاعات([41]) ، الا انه منذ بداية البرنامج وحتى المرحلة الثامنة ، استمر الاستقطاع بشكل تعسفي حسب النسبة القصوى (30%) ، ورغم ان القرار   (1330) الصادر عام 2000 قد خفض هذه النسبة الى (25%) ، الا ان الاستقطاع ما زال عالياً جداً عندما تؤخذ بنظر الاعتبار الحاجات الملحة للشعب العراقي. أما التكاليف العملياتية والادارية لتنفيذ المذكرة ، فقد استمرت نسبتها البالغة (2.2%) كما هي بعد زيادة سقف العائدات رغم ان متطلبات الانفاق لم تزد كثيراً، ولهذا تراكمت المبالغ في هذا الحساب رغم الاسراف المفرط والانفاق غير المعقول من قبل مكتب برنامج العراق ، وبالرغم من أن تكاليف الاصول كالمكاتب والسيارات وأجهزة الحاسوب قد تم تغطيتها خلال المراحل الاولى لمذكرة التفاهم. والحال نفسه ينطبق على نفقات اللجنة الخاصة وفرق التفتيش البالغ نسبتها    (0.8%) فتضاعفت المبالغ المحولة الى هذا الحساب رغم ان جميع نشاطات اللجنة الخاصة قد توقفت جراء العدوان على العراق في 16 كانون الاول 1998 ولم يعد للجنة الخاصة (UNSCOM) ولا خليفتها (UNMOVIC) أي دور تقوم به في العراق ، ومع ذلك يستمر استقطاع تلك النسبة مما يشكل تراكماً غير مبرر للمبالغ في هذا الحساب ، اضافة الى أنه نهب واضح لثروات العراق([42]).

كما أسهم سوء الادارة المالية لمذكرة التفاهم في نهب وتلاعب كبيرين بالأموال ، وبالتالي عدم كفاية الايرادات لتغطية تكاليف شراء المواد والبضائع الضرورية لتحسين الوضع الانساني في العراق. فقد أشار تقرير الامين العام حول نشاطات مكتب خدمات المراقبة الداخلية والوارد في الوثيقة (A/55/436) الى خروقات مالية وادارية في حساب مكتب برنامج العراق ومكتب منسق الشؤون الانسانية التابع للأمم المتحدة ومكاتب وبرامج ووكالات الامم المتحدة العاملة في العراق لتنفيذ مذكرة التفاهم. فقد تم على سبيل المثال دفع مبلغ قدره  (1.97) مليون دولار خلافاً للقواعد الثابتة الى الشركة المتعاقدة مع الامم المتحدة لنشر وكلاء فحص على النقاط الحدودية العراقية بغية مراقبة دخول البضائع الى العراق ، كما تم انفاق مبلغ (1.4) مليون دولار لتغطية نفقات سفر لمدة (1800) يوم لموظفي شركة كتيكنا (Ctecna) بينما لم ينص العقد بين هذه الشركة وسكرتارية الامم المتحدة على الدفع عن مدة السفر ، كما أشار التقرير الى ان الاجراءات المالية والادارية لمكتب منسق الشؤون الانسانية في بغداد لم تكن فعالة وانه كانت هناك خروقات عديدة في اجراءات الشراء([43]).

أما نشاطات الوكالات الدولية المتخصصة التابعة للأمم المتحدة والتي تنفذ مذكرة التفاهم نيابة عن حكومة العراق في المحافظات الشمالية ، فتكشف عن الهدر الكبير لأموال العراق فقد تم ، على سبيل المثال ، رصد مبلغ (80) مليون دولار لبرنامج ازالة الالغام ، واتضح ان ازالة كل لغم واحد يكلف (22) ألف دولار (وهو أكثر من المعدل بـ 20 مرة) ، وهذه الكلفة العالية سببها عوامل عديدة منها جيش الخبراء العاملين في هذا البرنامج ورواتبهم وتحركاتهم وسياراتهم الفخمة وأجهزة اتصالاتهم التي بلغت (6) أجهزة لكل شخص اضافة لأجهزة الحاسوب والتجهيزات الاخرى، فخلال الفترة من تشرين الثاني الى كانون الاول 2000 فقط تلقت وزارة الخارجية طلبات منح تأشيرات دخول لـ (63) خبيراً دولياً للعمل في هذا المشروع ، اضافة الى جلب (28) كلباً الى العراق لهذا الغرض وما يترتب على ذلك من عمليات انفاق اضافية مثل تعيين مدرب وماسك لكل كلب وسيارة خاصة لكل كلبين واستيراد أطنان من الغذاء لهذه الكلاب. هذه الحقائق دعت الامين العام للإشارة الى ان عملية ازالة الالغام في شمال العراق ربما تمتد لخمس وسبعين سنة([44]).

ان الهدر وسوء الادارة المالية والتوزيع غير المنصف للعوائد قد أدت الى افراغ مذكرة التفاهم من محتواها الانساني وحولتها الى استنزاف مستمر لموارد العراق. فقد بلغت عوائد مذكرة التفاهم لغاية 14 شباط 2001 أكثر من (35) مليار دولار ، اقتطع منها (13.7) مليار دولار لصندوق التعويضات وتغطية نفقات الامم المتحدة ، وتسلم منها العراق بضائع وتجهيزات بقيمة (9.9) مليار دولار ، وبقي مبلغ (11.4) مليار دولار لدى بنك (BNP) الذي يمسك حساب العراق ، وهذا المبلغ يمثل قيمة العقود التي هي أما معلقة من قبل المندوبين الأمريكي والبريطاني أو معطلة لدى مكتب برنامج العراق أو تنتظر اصدار كتب الاعتماد([45]). أي أن العراق وبعد أكثر من أربع سنوات من عمل البرنامج الانساني ، لم يتسلم سوى ما يقارب (25%) من عوائد النفط بشكل سلع غذائية وامدادات انسانية ، وذهبت النسبة المتبقية (75%) بين صندوق التعويضات ونفقات الامم المتحدة ووكالاتها وعقود معلقة أو معطلة لأغراض سياسية.

2-  لجنة (661) وتعليق العقود

منذ انشائها بموجب الفقرة (6) من قرار مجلس الامن (661) بقيت لجنة العقوبات    (661) تحت سيطرة المندوبين الامريكي والبريطاني وليست تحت اشراف خبراء مستقلين([46]). فقد رفض المندوبان منذ عام 1990 طلبات من دول أخرى لتجهيز العراق بمواد انسانية أو معدات طبية ، واصبح ذلك الرفض نمطاً دائماً ، وكانت ذريعة (الاستخدام المزدوج) وسيلةً أخرى لدى المندوبين لحظر تصدير أية سلعة يمكن أن تساعد العراق في اعادة بناء اقتصاده المدمر او اعادة بناء خدماته الاجتماعية بحجة ان المواد المطلوبة تدخل في الصناعة([47]). وبموجب مذكرة التفاهم فان لجنة (661) هي الجهة الوحيدة التي توافق أو لا توافق على عقود شراء التجهيزات الانسانية ، وهذه اللجنة بتشكيلتها هي لجنة سياسية وليست لجنة فنية ويتحكم بقراراتها بشكل واضح المندوبان الأمريكي والبريطاني([48]).

ان لائحة الاجراءات التي وضعتها لجنة (661) في آب 1996 لتنفيذ خطة الشراء والتوزيع([49]) ، يفترض أن تسرع في عمليات الموافقة على العقود لغرض الاسراع بوصول التجهيزات الانسانية باعتبار ان برنامج النفط مقابل الغذاء قد أعد بكل تفاصيله بالاتفاق والتشاور مع الامم المتحدة ولأنه برنامج انساني هدفه تخفيف معاناة الشعب العراقي خاصة وان لجنة (661) قد وضعت نظام ملاحظة (Observation System) صارم ، حيث كلفت الامم المتحدة شركة سيبولت (Saybolt) الهولندية لملاحظة كميات النفط العراقي المصدر لكي يكون مطابقاً للعقود وبما لا يزيد عن السقف المالي ، كما كلفت شركة لويدز ريجستر البريطانية لملاحظة دخول البضائع الى العراق ، وأنشأت الامم المتحدة جهازاً من (151) موظفاً دولياً لملاحظة خطة توزيع البضائع على المواطنين والمنشآت العراقية ، ومع ذلك فقد أثبت الواقع ان تأثيرات المندوبين الأمريكي والبريطاني قد أعاقت التنفيذ السريع لمذكرة التفاهم([50]). حيث عمد المندوبان منذ البداية الى افراغ مذكرة التفاهم من أهدافها الانسانية للامعان في فرض الحظر على العراق ، وتمثلت هذه السياسة بوضع عقود البضائع تحت طائلة التعليق والتأخير لأغراض سياسية ، رغم ان هذه العقود قد لبت الشروط التي وضعتها الامانة العامة للأمم المتحدة ، وبالرغم من حقيقة كون جميع الاعضاء الآخرين في لجنة      (661) قد صادقوا على تلك العقود. ويستند المندوبان الامريكي والبريطاني في سياستهما هذه الى شتى أنواع الذرائع الواهية ومنها([51]):

  • طلب معلومات عن المستخدم النهائي للبضاعة.
  • التساؤل عن طريقة النقل.
  • طلب تفاصيل المواصفات الفنية.
  • الادعاء بأن البضائع لم تدرج في خطة التوزيع.
  • الادعاء بأن بعض العقود تتجاوز الكمية المثبتة في خطة الشراء والتوزيع.
  • طلب المزيد من المعلومات بشأن قطع الغيار.
  • طلب تفاصيل اضافية لبعض الفقرات المزمع تجهيزها.
  • طلب توضيح سبب ازدواجية اصدار وتقديم العقود.
  • طلب توضيح ميناء أو نقطة دخول البضاعة.
  • طلب معرفة كيفية مراقبة البضائع لحين وصول جميع ملاحظي الأمم المتحدة.
  • اختلافات التسعيرة.
  • تجهيز الشركات المجهزة لنماذج دوائية مجانية.
  • تعليق عدد من عقود الدواء المبرمة مع بعض الشركات بذريعة ان لهذه الشركات علاقة مع العراق.
  • ورفض عدد من العقود دون ذكر السبب.

كما علق المندوبان الأمريكي والبريطاني عدداً من العقود بحجة انها تخص مواد ذات استخدام مزدوج تخضع لأحكام القرار (1051) في حين يؤكد برنامج العراق عكس ذلك ، فقد علق المندوبان على سبيل المثال عقد شراء (ثيران حية) بذريعة انه ذو طبيعة مزدوجة الاستخدام([52]) ، كما تم تعليق عدد من العقود بدعوى امكانية استخدام مواد تلك العقود استخداماً مزدوجاً كالآليات الكبيرة ، سيارات الاسعاف ، المعدات الهاتفية ، قطع الغيار الخاصة بالسكك الحديد ، أقلام الرصاص الحاوية على الكرافيت ، معاجين الاسنان الحاوية على الفلور والمبيدات والأدوية البيطرية واللقاحات([53]). وتم تعليق عقود أخرى بذرائع مختلفة في الوقت الذي تمت فيه المصادقة على عقود تتضمن مواد مشابهة ولكن من منشأ آخر ، الأمر الذي يؤكد وجود دوافع سياسية وراء تعليق العقود.(*) والأمر الأكثر ضرراً هو ان المندوبين يعلقان بعض العقود التي تشكل مع عقود أخرى سبق اقرارها جزءاً من مشروع واحد([54]). وبذلك تساهم الادارة الامريكية والحكومة البريطانية في تعزيز الحظر على العراق وحرمانه من فرصة الانتفاع من البرنامج الانساني لاصلاح بنيته التحتية وتخفيف معاناة شعبه.

وعلى الرغم من القلق الذي أعربت عنه العديد من الحكومات وهو قلق آثاره ايضاً الامين العام في تقريره الى مجلس الامن في 2/2/1998 ، ورغم الاحتجاج الدولي ضد السياسة التي يمارسها المندوبان الامريكي والبريطاني في لجنة (661) بما في ذلك الاستقالات التي قدمها كل من السيد دنيس هاليداي (Halliday) والسيد هانس فون سبونيك         (Von Sponec) والسيدة (يوتا بيرغهاردت) ممثلة برنامج الغذاء العالمي في العراق ، وانتقاد قسم الشؤون الانسانية التابع للأمم المتحدة لنظام العقوبات في العراق والطريقة التي تدار بها الاستثناءات الانسانية من قبل لجنة (661) ورغم مناشدة مجلس الامن للجنة المذكورة بموجب الفقرة (9) من القرار (1330) ، الا ان اجراءات لجنة العقوبات ما زالت تتم خلف أبواب مغلقة وما زال تعليق العقود في تزايد مستمر([55]) ، والجدول التالي يبين عدد العقود المعطلة في المراحل العشرة لمذكرة التفاهم ومبالغها حسب القطاعات.

جدول رقم (6) أعداد العقود المعطلة في المراحل العشرة لمذكرة التفاهم

ومبالغها حسب القطاعات

القطاع عدد العقود المبلغ (مليون دولار)
التجارة 175 556.9
الصحة 260 662.6
الكهرباء 203 1374.0
الزراعة 200 299.2
الماء والمجاري 114 583.4
التربية 45 112.4
التعليم العالي 72 122.4
أمانة بغداد 54 159.3
الري 48 224.1
النفط 706 881.2
المواصلات 177 560.1
الاسكان 62 163.2
الصناعة 63 85.3
الاجمالي 2179 5784.1

المصدر: وزارة التجارة – العلاقات الاقتصادية الخارجية – شعبة مذكرة التفاهم ، ” العقود المعطلة “، نشرة دورية ، العدد الخامس عشر، أيلول 2001.

ان هذه العراقيل والخطوات البيروقراطية لا يمكن ان تقيم نظاماً فاعلاً لتغطية الاحتياجات الإنسانية لشعب العراق وتسهم في اصلاح البنية التحتية التي دمرها العدوان وتعالج أسباب الانهيار الاقتصادي الذي سببه الحصار الجائر. لذا كان من الطبيعي أن تكون نسب التنفيذ لخطط الشراء والتوزيع متدنية وكما في الجدول الآتي:

جدول رقم (7)

نسب تنفيذ المراحل الاولى والثانية والثالثة

لمذكرة التفاهم

المحافظات الخمس عشرة المحافظات الشمالية الثلاث
الغذاء 79% الأدوية 20%
الصحة 16% المعدات الطبية 38%
الماء 16% الماء 26%
الكهرباء 22% الكهرباء 2%
الزراعة 22% الزراعة 33%
التعليم 14% التعليم 20%
    اعادة توطين 20%
    ازالة ألغام 68%

المصدر:

United Nations, “Document No. S/998/823”, dated 1 September 1998.

ان برنامج النفط مقابل الغذاء ، وكما سبقت الاشارة هو تدبير مؤقت لتلبية الاحتياجات الإنسانية لشعب العراق لحين رفع العقوبات الاقتصادية. لقد ركز البرنامج على توفير الغذاء بالدرجة الاساس وكأن الإنسان يحتاج الى الغذاء فقط([56]). ان توفير الغذاء يعد أمراً ضرورياً ولكنه ليس كافياً لتلبية الاحتياجات الانسانية، ففي ظل الظروف التي يعاني منها العراق ، لابد من توفر المواد الاحتياطية وقطع الغيار ومواد ساندة ونظام نقل.. لرفع القدرة الانتاجية للعمل([57]) ، كما ان تحسين الحالة التغذوية يتطلب اجراء تحسينات مواكبة في القطاعات الأخرى.

واذا كان للبرنامج بعض النتائج الإيجابية في تحسين الوضع الغذائي ، فانه لم يكن كافياً لكي يلبي الاحتياجات الانسانية للشعب العراقي ، كما انه لم يسهم في اعادة بناء البنية التحتية التي دمرها العدوان. فقد اشارت السيدة (يوتا بيرغهاردت) التي كانت ممثلة برنامج الغذاء التابع للأمم المتحدة ومديرة المكتب الأقليمي للبرنامج في العراق واستقالت من منصبها في آذار 2000 احتجاجاً على استمرار فرض الحصار على العراق، الى أن العراق قد تسلم من خلال برنامج النفط مقابل الغذاء وعلى مدى ثلاث سنوات مواد غذائية وطبية وأدوات احتياطية بقيمة (6) مليارات دولار أي بمعدل ملياري دولار في السنة الواحدة. وبحساب تقريبي وعلى اساس ان عدد سكان العراق هو عشرون مليون نسمة ، تكون حصة الفرد الواحد مائة دولار في السنة يستقطع منها (75) دولار للمواد الغذائية فيكون المتبقي (25) دولار من حصة كل فرد في السنة للانفاق على اعادة اعمار البنية التحتية المدمرة نتيجة العدوان([58]).

كما سبقت الاشارة الى ان برنامج النفط مقابل الغذاء هو ليس برنامجاً انمائياً ، ولا يمكن له أن يعيد الهياكل الأساسية الاقتصادية والاجتماعية في العراق الى ما كانت عليه قبل عام 1990. لذا فان هذا البرنامج لم يسهم بشكل فاعل في اصلاح الاقتصاد العراقي وتحقيق التنمية لعدم كفاية الايرادات المتأتية من تصدير النفط اضافة الى سياسة تعليق العقود التي انتهجها المندوبان الامريكي والبريطاني في لجنة (661) لمنع حصول العراق على أية سلع يمكن ان تسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية. فقد دأب المندوبان على تعليق عقود المواد الاحتياطية وقطع الغيار والأجهزة والمكائن والمعدات والمستلزمات المختبرية والمبيدات والمضخات والمسلتزمات الطبية واللقاحات والمواد والمستلزمات التربوية والتعليمية والحاسبات الالكترونية والمواد الاخرى التي يحتاجها العراق في تحسين شبكات المياه والصرف الصحي والطاقة الكهربائية والنقل والمواصلات ومنشآت تصدير النفط([59]). وجميع هذه العقود هي ذات طابع تكنولوجي يسهم في اصلاح البنى التحتية وتحقيق التنمية الاقتصادية. وعلى الرغم من ان لجنة (661) قد وضعت نظاماً صارماً لملاحظة السلع بعد وصولها الى العراق للتأكد من استخدامها للأغراض المقصودة ، فقد بلغ عدد العقود المعطلة للمراحل العشرة (2179) عقداً. وعلى الرغم أيضاً من الوضع المتردي للمنشآت النفطية العراقية والتقرير الذي قدمه فريق الخبراء المنشأ بموجب القرار (1153) لهذا الغرض والسماح بموجب القرار المذكور بتصدير معدات وقطع غيار الصناعة النفطية بقيمة (300) مليون دولار الى العراق، بلغ عدد العقود المعلقة التي تخص هذا القطاع (706) عقود ، كون هذه العقود تمثل توريداً للتكنولوجيا الى العراق وهو أمر غير مسموح به من قبل لجنة        (661). وقد شخص ذلك مدير مكتب برنامج العراق مشيراً الى أنه (لا تتوفر في المتناول بصفة دائمة قطع الغيار والمعدات النفطية التي يطلبها العراق ، بل ويجب في بعض الحالات تصنيعها حسب الطلب ، وغالباً ما تستغرق وقتاً طويلاً للتسليم على النحو المنصوص عليه في العقود ذات الصلة المقدمة للموافقة عليها. ومع ذلك فقد صودفت مصاعب كثيرة في الحصول على الموافقة على الطلبات المقدمة الى لجنة مجلس الأمن المنشأة عملاً بالقرار 661 (1990). ولوحظ أيضاَ عدم الاتفاق في الطريقة التي توضع بها بعض قطع الغيار في قائمة الانتظار على حسب الموقع الجغرافي للمؤسسات المعنية)([60]) مما يمثل حظراً على توريد التكنولوجيا النفطية الى العراق.

ان برنامج النفط مقابل الغذاء يقوم على جملة من المتناقضات ولا يهدف الى اصلاح الاقتصاد العراقي([61]) . لقد عجز هذا البرنامج عن تلبية احتياجات شعب العراق ، فهو ليس سوى أداة دعائية تهدف الى تضليل الرأي العام([62]) واطالة أمد العقوبات الاقتصادية([63]). ومن خلاله فرضت الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا الحظر على توريد التكنولوجيا الى العراق لمنعه من اعادة إعمار بنيته التحتية وتحقيق التنمية الاقتصادية.

المصدر: رسالة ماجستير بعنوان الحظر التكنولوجي والتنمية الاقتصادية في العراق، من اعداد الباحث حمد خليل علي الحديثي 2002.