أ. بسام أبو عليان
محاضر بقسم الاجتماع ـجامعة الأقصى

في الانتفاضة الأولى (1987-1993)، التي عرفت بمسميات أخرى (ثورة المساجد، وانتفاضة الحجارة). ـ لم تتفق القوى الفلسطينية على تسميتها، ولا تاريخ انطلاقتها كعادتها، فالاختلاف على كل شيء سمة السياسة الفلسطينية ـ. على أية حال، كانت تعتبر الكتابة على الجدران في الانتفاضة الأولى وسيلة إعلام حزبي، اعتمدت عليها التنظيمات الفلسطينية؛ لإيصال الأخبار إلى الجمهور الفلسطيني، في وقت لم توجد فيه قنوات فضائية متعددة المذاهب والمشارب كيومنا هذا، ولا شبكة إنترنت جعلت الكرة الأرضية قرية كونية صغيرة، ولا مواقع تواصل اجتماعي تحوَّل فيها كل فرد إلى مراسل إخباري ومصور صحفي. فقد استخدمت الكتابة على الجدران في حينه لأغراض متعددة، كإحياء مناسبات دينية ووطنية وحزبية، زف خبر عن نجاح عملية فدائية، نعي شهيد، الإنباء عن إعدام متخابر مع العدو الصهيوني، الإعلان عن إضراب تجاري، كتابة شعارات حزبية… إلخ.

في هذه المقالة لم أخصص حديثي عن ظاهرة الكتابة على الجدران في الانتفاضة الأولى. فهي تعتبر ضرورة في وقتها، وإحدى وسائل مقاومة المحتل الصهيوني الذي سعى دومًا إلى كتم وإخراس الصوت الفلسطيني بمحاصرة إعلامه، والسعي الحثيث لإيصال الرواية الصهيونية في تغطية الأحداث من خلال الإعلام الصهيوني الناطق بالعربية (الإذاعة، والتلفزيون). لكني أتحدث عن ظاهرة سلبية منتشرة في الأماكن العامة في مجتمعنا. علمًا، أنها ليست ظاهرة خاصة بالمجتمع الفلسطيني فحسب، بل موجودة في كل المجتمعات. أتحدث عن ظاهرة “الخرابيش على الجدران”. حيث تجدها على مقاعد وجدران الفصول والقاعات الدراسية في المدارس والجامعات والكليات والمعاهد، وجدران المساجد، والمراحيض العامة، ودواوين العائلات، والمستشفيات، وغيرها.

“الخرابيش على الجدران” ليست مجرد خرابيش فقط، بل تحمل دلالات نفسية، واجتماعية، وثقافية، وسياسية مستوحاة من ثقافة المجتمع. تعبر عن كبت في نفس الفرد، لا يستطيع الإفصاح عنه صراحة في البيئة الأسرية، أو البيئة التعليمية، أو البيئة الاجتماعية، أو البيئة السياسية. يأتي في مقدمة دوافع “الخرابيش على الجدران” المحرمات الاجتماعية والقيود السياسية التي تربى عليها الأفراد.

تستخدم الخرابيش على الجدران لأغراض متعددة. مثلًا: تستخدم في المؤسسات التعليمية كوسيلة للغش، أو التنفيس عن مشاعر الطلبة السلبية التي لم يقدروا التعبير عنها وجاهًا بحق مدير المدرسة أو المدرس المتشدد والمعنِّف، أو المدرس الذي لا يحسن التدريس، أو المدرس الذي لا يحسن معاملة طلبته، أو صعوبة المنهج الدراسي، أو صعوبة الامتحانات. أحيانًا تكون الخرابيش ذات صبغة هجومية حادة، أو انتقاد لاذع جارح، أو ساخر. وتكون الخرابيش بكتابة أبيات شعرية وعبارات عن الحب والغزل في الأماكن المختلطة من الجنسين. بحيث يتحول الجدار إلى دفتر حوار على شكل سؤال وجواب، أو بيت شعر يقابله بيت شعر آخر، أو اتهام يقابله اتهام آخر، أو شتيمة تقابلها شتيمة أسوأ. بعضها يصل إلى حد الاقتتال الجداري، ـ إن جاز التعبير ـ. أحيانًا تستخدم الخرابيش على الجدران لدوافع سياسية؛ لكتابة شعارات سياسية قد تكون هجومية وناقدة أو مؤيدة ومحابية للسلطة الحاكمة، أو كتابة شعارات حزبية تعكس الانتماء الحزبي لكاتبها. أحيانًا لا يكون للخرابيش أي دافع من الدوافع السابقة، إنما لشغل وقت الفراغ ولحظات الانتظار، أو ممارسة هواية الرسم، أو ممارسة نوع معين من الخطوط. يوجد صنف آخر من “الخرابيش تحمل عبارات وألفاظ خادشة للحياء، عبارات قذرة بقدر قذارة المكان الذي كتبت فيه (المراحيض العامة)، فلا يخفى على أحد حالة هذه المراحيض وما تعاني منه. حيث الرائحة النتنة، وتدني مستوى النظافة، إن لم يكن انعدامها. كاتب العبارات الخادشة للحياة اختار البيئة المناسبة له ولعباراته!

إن الخرابيش على الجدران لا تعكس مظهرًا حضاريًا البتة، ولا تحافظ على نظافة الأماكن العامة. أحيانًا يتعمد بعض الأشخاص الكتابة على جدران طليت حديثًا بعبارات تافهة! هذا السلوك السيئ وغير الحضاري يجب محاصرته؛ كي نتخلص منه. من سبل علاجه: القيام بعملية توعية وتثقيف بكل الوسائل والأساليب الممكنة موجهة إلى الأبناء، والطلبة، وعامة الناس من خلال مؤسسات التنشئة المختلفة بدءًا بالأسرة، مرورًا بالمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، والمساجد. ومن سبل العلاج أيضًا وضع كاميرات مراقبة في الأماكن العامة التي يكثر فيها الخرابيش لمعرفة أصحاب هذه العادة السيئة ومعاقبتهم بفرض غرامات مالية، أو إلزامهم بتنظيف الجدار وطلائه على نفقته الخاصة.