إدريس لكريني (**)

شهد العالم منذ بداية تسعينيات القرن الماضي مجموعة من التحولات والمتغيرات، بدأت بتفكّك الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين، واندلاع حرب الخليج الثانية… وفي هذه الأجواء المفعمة بالترقب والانتظار خرج الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، ليبشّر أن العالم يشهد نشوء «نظام دولي جديد»، حيث سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى استثمار حالة الفراغ الاستراتيجي التي خلفتها تداعيات رحيل الاتحاد السوفياتي، بعد زهاء نصف قرن من الاستقطاب الثنائي والصراع الأيديولوجي الذي زجّ العالم في كثير من الأزمات والنزاعات العسكرية والاقتصادية والسياسية… لتفرض قطبيتها على العالم من جانب واحد، مستثمرة في ذلك الكثير من المقومات التي لم تجتمع لغيرها من القوى الدولية الكبرى.

يحيل النظام الدولي إلى دلالات متعددة، فعلاوة على كونه يعبّر عن نمط لتوزيع القوى بين الفاعلين الأساسيين في العلاقات الدولية، فإنه يحمل في بعض أوجهه إشارة لسيادة العدل ووجود ضوابط تحكم التفاعلات الدولية في إطار ثنائي أو تعددي أو أحادي القطبية.

رغم الاستئثار الأمريكي في الشأن الدولي لأكثر من عقدين، على الواجهات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية… ما زالت هناك الكثير من الأسئلة المطروحة في صدد واقع ومستقبل النظام الدولي الراهن، ومواقف القوى الدولية الكبرى منه، وما إذا كان هناك تكريس للأحادية، أم توجه نحو التعدد أو الثنائية من جديد.

إن تكريس القطبية الأحادية في هذه المرحلة المتميزة من تاريخ العلاقات الدولية أسهمت فيه الكثير من العوامل في علاقة ذلك إلى جانب توجّه الولايات المتحدة إلى فرض زعامتها من جانب واحد، بعدما استنزفتها ظروف الحرب الباردة.. في حين لم تعبر القوى الدولية الكبرى التي كانت مرشحة لكي تؤدي أدواراً طليعية في خضمّ هذه التحولات، فاليابان لم تستطع التخلص من مشاكلها الاقتصادية والمالية المتنامية، ولم تتمكن بعد من طرح تصور واضح المعالم في صدد رؤيتها للمحيط الدولي وقضاياه الحيوية.

ورغم المكتسبات الاقتصادية التي حققها الاتحاد الأوروبي في العقود الأخيرة، فإنه لم يتمكن بعد من الانسلاخ عن التبعية للولايات المتحدة الأمريكية في صدد الكثير من القضايا الدولية الراهنة، كما أنه لم يفلح في صوغ سياسة خارجية موحّدة، وهو ما عكسه التباين في صدد التعاطي مع المشكلات المالية التي لحقت الكثير من الدول الأعضاء، إضافة إلى عدم القدرة على بلورة سياسة موحّدة وبنّاءة إزاء قضايا الهجرة واللجوء التي طرحت بحدة في السنوات الأخيرة.. بينما بدأ الشرخ يصيب الاتحاد مع قرار بريطانيا الانسحاب منه في الآونة الأخيرة وتوجه الإدارة الأمريكية الجديدة إلى التخلي عن الدعم الأمني والاقتصادي لهذا التكتل الواعد بقيادة ألمانيا الموحدة.

وقد ظلّت روسيا من جهتها منشغلة لسنوات بالإشكالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية التي تمخضت عن تفكك الاتحاد السوفياتي، حيث تعايشت في كثير من الأحيان مع التوجهات الأمريكية حيال مختلف الأزمات والقضايا الدولية والإقليمية… قبل أن تعود إلى الساحة الدولية عبر بوابة بعض الأزمات الدولية في الفترة الأخيرة، كما هو الشأن في الأزمة السورية.

أما في ما يتعلق بالصين، فقد ظلت منشغلة بمجموعة من الأولويات الداخلية في علاقتها باسترجاع بعض الأقاليم وتعزيز مسارات التنمية الداخلية، وهي رغم توجهاتها الحثيثة نحو تعزيز مكانتها الاقتصادية على الصعيد الدولي فإن طرح قطبيتها كفاعل سياسي دولي لم يتبلور بعد بصورة واضحة‏[1].

ومع ذلك ثمة الكثير من الأسئلة التي تطرح حول المكانة الدولية للصين، ومدى قدرتها على التأثير في مسار النظام الدولي الراهن، وفرض قطبيتها بصورة أكثر حضوراً، وبخاصة على مستوى الانخراط في إدارة قضايا وأزمات هذا العالم المتحوّل والمتسارع.

أولاً: النظام الدولي الجديد وواقع القطبية الأمريكية

تشير الكثير من الدراسات إلى أن فكرة «النظام الدولي الجديد» ظهرت أول مرة في خمسينيات القرن المنصرم، بعدما طالبت دول العالم الثالث بإقرار نظام عالمي يسمح بتجاوز تبعات الحرب الباردة وبتوسيع قاعدة الشراكة الدولية بعيداً من كل مظاهر الهيمنة والتوتّر، وهو ما تبلّر في عدد من المقررات والتوصيات التي أصدرتها حركة عدم الانحياز على امتداد ما يربو على نصف القرن.

ويعرّف أحد الفقهاء النظام الدولي بوصفه «مجموعة من الحقائق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تحكم علاقات المجتمع الدولي بكل أشخاصه ومؤسساته وبكل الأنساق القيمية والقانونية، التي تعبر عن هذه الحقائق والتي تنظم علاقات الدول بعضها ببعض وعلاقات الدول بالمجتمع الدولي ككل وعلاقات المجتمع الدولي بالطبيعة وآليات التنفيذ لهذه العلاقات»‏[2].

يهدف النظام الدولي أساساً إلى تحقيق نوع من الاستقرار في العلاقات بين الدول الرئيسية فيه، لأن ذلك هو الذي يحول دون نشوب حروب شاملة، وهناك شرطان رئيسيان لتأمين ذلك‏[3]:

الأول أن تكون علاقات القوة بين الدول الرئيسية تتصف بالتوازن.

والثاني أن تكون هذه الدول راضية عن هذا النظام أو غير مستاءة منه على الأقل، بحيث لا تحاول دولة رئيسية تغييره بالقوة أو تغيير موازين القوة فيه لمصلحتها، أي أن يكون هذا النظام قادراً على تأمين مصالح الدول الرئيسية فيه بحيث يمكنها من تحقيق ازدهارها وقوتها.

تضاربت مواقف وآراء الباحثين والمختصين في شأن حقيقة النظام الدولي الجديد ومدى اكتمال معالمه، بين اتجاه ينكر وجود هذا النظام بالمرّة وبين مُقرّ بوجوده، بينما برز رأي ثالث حاول التوفيق بين الرأيين السابقين، ورأى أن الأمر لا يعدو أن يكون سوى تحولات تعبر عن نظام دولي يتشكّل وما زال في مراحله الأولى.

تؤكد الممارسة الدولية أن المواقف والسلوكات الخارجية للدول، تظلّ بلا معنى بل مجرّد شعارات لا قيمة لها من المنظور الاستراتيجي، في غياب مقومات مختلفة تدعمها… كما أن ترسيخ المصالح الحيوية للدول تفرض تجنيد كل الإمكانات المشروعة الداعمة لسياستها وتوجهاتها الخارجية.

يظلّ الوزن والحضور الخارجي للدول رهين طبيعة السياسة الخارجية التي تنهجها الدول، وتحيل هذه السياسة إلى السلوكات والتدابير والبرامج التي تتخذها الدول على سبيل تحقيق أهدافها في النظام الدولي، فهي تنحو إلى خلق قدر من التوازن بين التزامات الدولة وامتلاك مختلف عناصر القوة التي تسمح لها بتحقيق أهدافها وأولوياتها على المستوى الخارجي.

يربط البعض هذه السياسة بكل السلوكيات السياسية الهادفة والناجمة عن عملية التفاعل المتعلقة بعملية صنع القرار الخارجي، فالسلوك السياسي الخارجي لأية وحدة دولية هو عبارة عن حدث أو فعل ملموس تقوم به هذه الوحدة بصورة مقصودة وهادفة للتعبير عن توجهاتها في البيئة الخارجية‏[4]، في حين يعرفها البعض الآخر بكونها عبارة عن برنامج عمل للتحرك الخارجي يتضمن تحديداً للأهداف التي تسعى الدولة إلى تحقيقها، والمصالح التي تحرص على تأمينها وصيانتها، والوسائل والإجراءات التي تراها ملائمة لذلك، وفقاً لما تعتنقه من مبادئ ومعتقدات، ويضيف الباحث إياه أن رسم السياسة الخارجية يبدأ ببيان الأهداف التي تسعى الدولة إلى بلوغها وفق ما تؤمن به من معتقدات، وتنتهي بتحديد الوسائل والإجراءات الكفيلة بتحقيق تلك الأهداف، وتعتمد هذه العملية على عنصرين رئيسيين: المعلومات المتعلقة برسم السياسة الخارجية وصانعو تلك السياسة‏[5].

تتلخص آليات تنفيذ السياسة الخارجية في السبل الدبلوماسية وتوظيف الإمكانات العسكرية‏[6] والاقتصادية والدبلوماسية. ويشير الكثير من الباحثين إلى أن العلاقات الدولية تخضع لمجموعة من المؤثّرات والمحدّدات التي تتحكّم في قوّة حضور الدول وفاعلية سلوكاتها في هذا الصدد، وهي عوامل تتنوع بين مقومات داخلية وأخرى خارجية.

فعلى المستوى الداخلي، يمكن الإشارة إلى حجم إقليم الدولة وتنوعه إضافة إلى عدد سكانها في تحديد سلوكاتها الخارجية، فالإقليم بمكوناته الطبيعية‏[7] والمناخية والمعدنية وتنوعه بين جبال وسهول ووديان وبحار، يمثّل عامل قوة لهذه الدول بمنظور الجيوبوليتيكا، والأمر نفسه يمكن أن يقال بالنسبة إلى عدد السّكان وما ينطوي عليه من نخب وكفاءات وعمالة، وتنوع مجتمعي بما يمثّله ذلك من ثراء ودعم لوحدة الدولة وقوتها في حال استثمار هذا المكوّن بصورة سليمة وبنّاءة.

كما لا تُخفى أهمية طبيعة النظام السياسي القائم داخل الدولة في هذا الشأن، ذلك بأن الاستقرار السياسي ودينامية المؤسسات، ووجود هامش من الحرية واحترام حقوق الإنسان، تدعم حضور هذه السياسة ونجاعتها أيضاً.

وعلى المستوى الخارجي، هناك العامل الاقتصادي بما يحيل إليه ذلك من صناعات متطورة في مستوى التنافسية الدولية، حيث تزايد حضور وأهمية هذا المقوّم في العلاقات الدولية خلال العقود الأخيرة، وأضحى أحد العناصر المهمة التي تحدّد سلوك الدول وحضورها، في عالم متشابك مبني على تبادل المصالح.

كما أن التطورات التقانية المذهلة أفرزت واقعاً دولياً جديداً سمح للدول المالكة لمقومات هذه التقانة لأن تكون مؤثرة، وخصوصاً مع تزايد استثمار هذه الأخيرة في المجالات العسكرية والتواصلية مع المحيط الخارجي والتأثير في الرأي العام الدولي وتوجيهه.

ولا تخفى أيضاً أهمية القوة العسكرية في هذا الصدد، ورغم أنها لم تعد في الأهمية والمركزية نفسيهما اللتين كانت عليهما في الماضي، إلا أنها ما زالت محدداً مهماً وأساسياً في تحديد الحضور المؤثر للدول خارجياً، فهذه القوة هي التي تدعم سيادة الدول وتضمن حمايتها من كل الأخطار الخارجية، بل إن امتلاك أسلحة استراتيجية طالما مثّل مدخـلاً لتحقيق السلم في العلاقات الدولية عبر أسلوب الردع الذي يحيل إلى امتلاك القوة العسكرية بالصورة التي تجعل الخصم يتردد في السبق بالاعتداء.

وتشير الممارسات الدولية إلى أن أهمية القوة العسكرية لا تكمن في مجرّد امتلاكها فقط، ولكن في حسن توظيفها في الأداء الدبلوماسي للدول، وفي المفاوضات المختلفة، وفي تحقيق السلم والأمن الدوليين أيضاً.

وعموماً يمكن القول إن مفهوم القوة في حقل العلاقات الدولية عرف تطوراً كبيراً، بموازاة مختلف التحولات والتطورات شهدها العالم؛ فبعدما ظلّ يقتصر على العوامل العسكرية والجغرافية والبشرية، ثم الاقتصادية في مرحلة لاحقة، انضافت إليه عوامل أخرى أكثر حيوية وأهمية من قبيل اعتماد التقانة الحديثة واكتساب المعلومات، والحضور الدبلوماسي الدولي، وفاعلية المؤسسات السياسية.

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة وما نتج من ذلك من غياب منافس قوي وعنيد، خلا الجوّ للولايات المتحدة الأمريكية لتبسط هيمنتها على الشؤون العالمية، وتعلن قيادتها وزعامتها لهذا العالم المتحوّل.

ولم تكد تمر سوى سنوات قليلة، حتى وضعت هذه الزّعامة محلّ تساؤل الكثير من الباحثين والمهتمين حول مدى قدرة هذه الدولة على الصمود باتجاه تثبيت وتدعيم زعامتها أمام ظهور مجموعة من التحديات والإكراهات، وتصاعد أدوار بعض القوى الدولية الكبرى.

والظاهر أن هناك إمكانات ومقومات فريدة، عسكرية وسياسية وثقافية واقتصادية مدعمة بقدرات تقانية هائلة وكفاءات بشرية مدرّبة ومتطورة، مستندة إلى مؤسسات سياسية وقانونية داخلية قوية وفعّالة، إضافة إلى إمكانات إعلامية واسعة ومؤثرة، اجتمعت لدى الولايات المتحدة بصورة استثنائية، وهو ما أسهم بصورة جلية في تثبيت حضورها الدولي الوازن والفاعل، واستفرادها بتدبير الشؤون الدولية في تجلياتها المختلفة.

وضمن هذا السياق، وباستحضار أهمية العامل العسكري، تخصّص هذه الدولة ميزانية سنوية كبيرة لاستثمارها في هذا المجال، وقد استطاعت بذلك أن تراكم ترسانة عسكرية ضخمة كمّاً ونوعاً، بدءاً بالأسلحة التقليدية ثم النووية، وصولاً إلى الأنظمة الدفاعية المتطورة، وهو أهلها لتكون أكبر قوة عسكرية في العالم.

ومعلوم أن أهمية العنصر العسكري كمقوم للزّعامة وبسط الهيمنة، لا يتأتّى عبر امتلاك هذه الإمكانات فقط، ولكن من خلال استثمار وتوظيف هذه القدرات في تحقيق المصالح وتدبير قضايا وأزمات دولية وإقليمية بصورة مباشرة أو غير مباشرة (عبر سياسة الردع)، وهو ما تنفرد به الولايات المتحدة الأمريكية إلى حد الآن مقابلة بعدد من القوى الدولية الكبرى، ذلك بأن امتلاك روسيا مثـلاً إمكانات عسكرية كبيرة، لا يعني بالضرورة أنها أضحت طرفاً مركزياً في العلاقات الدولية قادراً على تحقيق التوازن الدولي، كما هو الشأن بالنسبة إلى الاتحاد السوفياتي المنهار.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فهذه الدولة التي تملك إمكانات زراعية وصناعية وخدماتية كبيرة، فهي توظّف شركاتها العملاقة، وتستثمر بعض المؤسسات الاقتصادية العالمية التي تسيطر عليها كمنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في تدعيم وتفعيل مواقفها وسياساتها على الصعيد الدولي.

وعلى مستوى الحضور الدبلوماسي والسياسي على امتداد مناطق مختلفة من العالم، فهو حضور فعّال منذ نهاية الحرب الباردة، تعزَّز مع حرب الخليج الثانية، وتأكد في عدة أزمات وقضايا دولية متعددة أخرى، وبخاصة مع توجه هذه الدولة نحو توظيف مجلس الأمن بصورة غير مسبوقة في تكريس مصالحها وفرض منطقها في تدبير عدد من الأزمات والقضايا الدولية.

ومنذ زوال القطبية الثنائية، حرصت هذه الدولة على ترسيخ «نظام دولي جديد» بشّرت به في بداية التسعينيات من القرن الماضي، كونه يضمن لها تبوؤ مركز القيادة الدولية، مستثمرة في ذلك كل هذه الإمكانات المتاحة.

ففي الحادي عشر من أيلول/سبتمبر من عام 1990 وفي أجواء انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، وفي خضمّ تصاعد أزمة الخليج الثانية وما تلا ذلك من انتشار مكثف وحاشد للقوات الأمريكية في منطقة الخليج، أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، أن العالم يشهد بروز «نظام دولي جديد» مبني على التعاون والإخاء واحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان ومواجهة الأخطار المحدقة بالسلم والأمن الدوليين، وخالٍ من «الإرهاب» وتؤدي فيه الأمم المتحدة دوراً بارزاً وفعّالاً، «يكون العالم فيه أقوى في البحث عن العدالة، وأوثق في نشر السلام، عصر تكون فيه أمم العالم شرقاً وغرباً جنوباً وشمالاً، تحيى في رفاهية وانسجام»‏[8].

أسهم الغياب الملحوظ لمنافسين أقوياء، في تزايد تكريس هذه الزعامة ميدانياً لسنوات متعددة، فاليابان التي لم تستطع التخلص بعد من مشاكلها الاقتصادية والمالية، تفتقد تصوراً أو استراتيجيةً تدعم حضورها كقطب دولي وازن، أما الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من إنجازاته الكبرى، فهو ما زال يعاني بعض المشاكل الداخلية، ولم يتمكن بعد من بلورة سياسة خارجية موحدة إزاء قضايا دولية وجهوية متعددة. بينما انشغلت روسيا بدورها بالمشاكل التي أفرزتها المرحلة الانتقالية، بمختلف مظاهرها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية رغم بعض التحركات والمواقف المرحلية.

أما الصين فقد انشغلت لعقود بقضايا داخلية واستراتيجية أكثر أهمية وأولوية، ويبدو أنها ظلت ترفض المجازفة بالدخول في منافسة استراتيجية مع الولايات المتحدة بالنظر إلى التكلفة التي ستترتب على ذلك بما يستنزف قدراتها، مستفيدة في ذلك من التجربة السوفياتية السابقة في هذا الصدد، رغم استفزازها من قبل الولايات المتحدة في كثير من المحطات (تعزيز القدرات العسكرية لتايوان، وخرق المجال الجوي الصيني في استطلاعات تجسّسية…)، حيث فضّلت المهادنة والمرونة، على نحوٍ يوحي بأن الموعد المناسب لفرض قطبيتها على نحوٍ فاعل وقوي لم يحن بعد‏[9].

رغم توافر مجموعة من المؤهلات التي تمنح الولايات المتحدة مكانة متميزة ورائدة في المجتمع الدولي، فإن هناك عدداً من الإكراهات والتحديات التي تواجهها على نحوٍ جدي في هذا الشأن.

فعلى الصعيد الداخلي، بدأت تعتري الاقتصاد الأمريكي في السنوات الأخيرة عدة صعوبات من بينها الركود، إضافةً إلى الخطر الذي يفرضه تحدي نضوب مصادر الطاقة بهذا البلد، كما تراجعت نسبة ما قدّمته هذه الدولة من معارف وتقانة جديدة إلى العالم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد لوحظ في السنوات الأخيرة أن هناك سعياً حثيثاً لدى بعض الدول لتأكيد حضورها الدولي، فالصين تعرف تطوراً اقتصادياً مهماً تشهد عليه معدلات النمو القياسية التي فاقت كل التوقعات، بينما بدأت روسيا تتعافى من مشكلاتها الداخلية، وأصبحت تسعى من حين إلى آخر إلى تأدية أدوار متزايدة على الصعيدين الإقليمي(منطقة شرق أوروبا) والدولي (الأزمة السورية).

وعلى الجانب العسكري، تزايدت التحدّيات أيضاً، فهناك الكثير من الدول التي تمتلك ترسانة عسكرية مهمة ومتطورة، بينما تمكنت عدة دول من اختراق النادي النووي، كالهند وباكستان وكوريا الشمالية، وتسعى دول أخرى بإصرار شديد إلى امتلاك وتطوير ترسانتها التقليدية والاستراتيجية (أنظمة الصواريخ المتطورة، الأسلحة النووية…) كإيران.

وعموماً فالترسانة العسكرية الضخمة التي تمتلكها الولايات المتحدة لم تكن يوماً كفيلة بحماية الدول والإمبراطوريات من مخاطر الانهيار وضامنة لبقائها، وفي النموذج السوفياتي دليل قوي على ذلك.

وعلى الصعيدين السياسي والدبلوماسي، فإن إقدام هذه الدولة على ممارسة بعض التدخلات المنحرفة في مناطق مختلفة، واستثمار مجلس الأمن على نحوٍ منحرف في كثير من الأحيان، في سبيل تحقيق أهداف ومصالح خاصة، وعدم توقيع الكثير من المعاهدات والاتفاقيات الدولية المرتبطة بمجالات مهمة (نذكر ضمن هذا السياق، عدم توقيع بروتوكول كيوتو، ومعارضة إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة وكذا الانسحاب من مؤتمر دوربان حول التمييز العنصري…)، كلّها عوامل تؤجج الرفض الدولي لهذه الزعامة.

كانت الأحداث الإرهابية للحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، محطّة للتساؤل حول مستقبل القطبية الأمريكية، وحول مدى قدرة هذه الدولة على مواجهة التحديات والمخاطر غير الدولتية التي أصبح يفرضها عالم اليوم، وبخاصة على مستوى تطور الإرهاب وتصاعده… و«رغم أن هذه الهجمات أجّلت تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصّين، لمصلحة هدف القضاء على ما سمي «الإرهاب» وإسقاط صدام حسين، فإن واشنطن كانت تتابع بدقة الصعود الصيني المتزايد في قدراته العسكرية، ومحاولات بكّين زيادة نفوذها الاقتصادي في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، والذي استهدف بالأساس تأمين احتياجاتها من النفط»‏[10].

كما لا تخفى التداعيات التي خلفتها الأزمة المالية الأخيرة على النظام الدولي الراهن برمته، وبخاصة على خلخلة المقومات الاقتصادية للقطب الأمريكي وعدد من القوى الغربية… وهي المحطة التي برزت فيها القوة الاقتصادية المتنامية للصين.

ويشير البعض إلى أنه ليس من المبالغة القول إن «واشنطن» تعيش تخوفاً مستمراً من تنامي التنافسية الصينية، بل من استئثارها بوضع القوة العالمية الأولى في الأمد القريب‏[11].

عاد موضوع مستقبل الزعامة الأمريكية ليطرح على واجهة الأحداث الدولية بقوة في الآونة الأخيرة، مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ورفعه شعار «أمريكا أولاً»، بعدما رأى أن الحضور الأمريكي على الساحة الدولية أصبح مكلفاً وتعتريه الكثير من التحديات.

وفي ضوء هذه المتغيرات، تطرح الكثير من الأسئلة حول معالم النظام الدولي في المستقبل القريب، وما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية ستحافظ على ريادتها داخل هذا النظام، أم أنه سيتحول إلى نظام تعددي يفتح معه المجال أمام لاعبين دوليين جدد.

ثمة الكثير من الدراسات والأبحاث الأكاديمية التي ترى أن السلم والأمن الدوليين لا يتحقّقان مع تكريس الأحادية القطبية التي تفرض منطقها في توجيه الأحداث وتدبير القضايا وخدمة المصالح الخاصة، وتؤكّد أن السعي لخلق قدر من التوازن في العلاقات الدولية وفتح المجال أمام أقطاب متعدّدة لتؤدي أدواراً طليعية في هذا الصدد، يمكن أن يسهم في تجاوز الإكراهات والانحرافات التي تصيب عمل الأمم المتحدة والاقتصار على تطبيق القانون الدولي في مواجهة الدول الضعيفة، بما يعزز الاستقرار والسّلم العالميين مستقبـلاً.

إن تبوّؤ مكانة فاعلة في النظام الدولي مشروط بوجود إرادة سياسية في هذا الخصوص، وباعتماد الاستقلالية والرؤية الاستراتيجية في اتخاذ القرارات والمبادرات الخارجية، وامتلاك مقومات الريادة وحسن توظيفها خدمة للأهداف المتوخاة، علاوة على اعتماد سياسات مبادرة تتجاوز الانكفاء والحياد.

حقيقةً، إن الصين، بإمكاناتها البشرية والاقتصادية وبمقوماتها الطبيعية والاستراتيجية، شهدت تحولات إصلاحية كبرى منذ سبعينيات القرن الماضي، سمحت لها بتحقيق التنمية وتعزيز وضعها الاقتصادي وانفتاحها على محيطها المتغيّر بصورة سلسة. غير أن الهدوء والتدرج ما زالا يطبعان تحركها الدولي، ذلك بأن حرصها على تحقيق أولوياتها الكبرى، جعلها في الكثير من المناسبات تتبنّى مواقف دوليّة مهادنة وغير صدامية، وهو ما يعكسه موقفها داخل مجلس الأمن من حرب الخليج الثانية، ومساهمتها في مكافحة الإرهاب وقضايا الطاقة والحد من انتشار الأسلحة النووية والتلوث البيئي والأزمات الاقتصادية والمالية الدوليين.

تشير الممارسات الدولية إلى إن الواقع الدولي الراهن ما زال مرشحاً للتفاعل والتطور، كما أن انفراد الولايات المتحدة بالشأن الدولي يظلّ مرحلياً، نظراً إلى ما تعرفه الساحة الدولية من إشكالات وانحرافات على مستوى تطبيقات قواعد القانون الدولي أو إرساء نظام عالمي واضح المعالم، وهو ما يؤكد أن مكانة الصين كقطب دولي وازن، تفرض نفسها بقوة في المرحلة الراهنة، وخصوصاً أن هناك إقراراً من القوى الدولية الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية نفسها والاتحاد الأوروبي… بأهمية الصين كفاعل دولي وازن ومؤثّر وبضرورة دمجها في المؤسسات الدولية القائمة.

ثانياً: المكانة الدولية للصين.. المقومات والإكراهات

تتوافر للصين مجموعة من المقومات والمؤهلات التي تجعل منها إحدى القوى الوازنة على الصعيد الدولي، فعلاوة على إمكاناتها البشرية الهائلة المتعلمة والمدربة، وشساعة مساحتها، تشهد الصين تطوراً اقتصادياً مذهـلاً ومتسارعاً، كما أنها تحظى بمكانة دولية متميزة من حيث استثمار وتطوير التقانة الحديثة واعتماد الطاقة المتجددة كاختيار استراتيجي، علاوة على إنجازاتها على مستوى غزو الفضاء.

يدنو عدد سكان الصين من المليار ونصف المليار نسمة يعيشون بصورة مكثفة في المناطق الشرقية والشاطئية. وتحتل الصين بذلك موقع الصدارة عالمياً على مستوى المكوّن البشري، بما يمثل زهاء خمس ساكنة العالم، وهو ما ترى فيه مقوماً أساسياً يخدم التنمية في أبعادها المختلفة؛ كما تمتد الصين على مساحة جغرافية شاسعة ومتنوعة، الأمر الذي يجعلها تختزن مجموعة من الخيرات والثروات.

تتأسّس التنمية في الصّين على ثلاثة مقومات رئيسية هي الزراعة والصناعة والتطور العلمي والتقانة الحديثة. كما تقوم على استحضار المكون البشري في هذا الشأن. ويبدو أن الصين مقتنعة بأهمية وحيوية الاستثمار في هذا المكون بوصفه أساس كل تطور وتقدم، وهو ما دفعها نحو تطوير كفاءة الأفراد عبر اعتماد منظومة تعليمية وتدريبية متطورة، تقوم على توظيف التقانة الحديثة، وهو ما سمح لها بتطوير حياة الأفراد وتمكينهم من خدمات صحّية جيدة، مع السعي لامتصاص حدّة البطالة؛ الأمر الذي أدى إلى ارتفاع متوسط الدخل ومستوى العيش لديها بصور ملحوظة.

وعلى الجانب العلمي والتقاني، تبذل الصين جهوداً كبيرة لإدماج التقنيات الحديثة في مختلف القطاعات، وهو ما جعلها ضمن أرفع القوى الدولية الأكثر استثماراً في هذا المجال الحيوي، حيث تخصّص إمكانات مالية ضخمة في مجالات البحث العلمي واقتصاد المعرفة.

أما على المستوى الاقتصادي، فتستأثر الصين بنسب نمو قياسية عالمياً، وبأكبر الاحتياطيات النقدية في العالم، كما أن اقتصادها لم يتضرر كثيراً بتداعيات الأزمات المالية الدولية الأخيرة قياساً على عدد من البلدان الغربية، في حين تعدّ الصين كذلك أحد أهم الفضاءات الدولية جلباً للاستثمارات الخارجية، وهو ما يجعل اقتصادها ضمن أقوى الاقتصادات على مستوى العالمي بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

تمثّل الصين القوة الاقتصادية العالمية السادسة، بفضل صناعاتها الضخمة في مجال الصلب والحديد والتقانة الحديثة، بما فيها المرتبطة بغزو الفضاء. ولعلّ ما يبرز قوة الاقتصاد الصيني هو أن هذا البلد يعدّ ثاني أكبر مسهلك للطاقة في العالم بعد أمريكا، وتوظّف الصّين إمكاناتها المالية الضخمة في تعزيز استثماراتها الخارجية في مناطق مختلفة من العالم، بالصورة التي تجعل منها فاعـلاً اقتصادياً دولياً حقيقياً؛ وهي تمتلك ثاني أكبر احتياطي عالمي من العملة الصعبة، كما تعَدّ ثاني أكبر دولة من حيث استضافة الاستثمارات الخارجية بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

كما تمكنت الصين من نسج اتفاق يقضي بإحداث بنك الاستثمار الآسيوي (AIIB) بإمكانات مالية تفوق 100 مليار دولار‏[12] بمعية الأقطاب الاقتصادية الصاعدة كالهند وتايلاند وسنغافورة وماليزيا.. كإطار يدعم التنمية في المنطقة الآسيوية.

لقد نهجت الصين سياسة الانفتاح الاقتصادي منذ نهاية السبعينيات من القرن المنصرم، واتخذت من الانفتاح على البلدان النامية خياراً لها، وطوّرت إمكاناتها الاقتصادية بصورة ملحوظة، حيث أضحت منتوجاتها المختلفة تغزو الأسواق العالمية بفعل قدرتها التنافسية الكبيرة.

وعلى المستوى التجارة الدولية، تحتل الصين مكانة متميزة على الصعيد الدولي، وهو ما يعكسه التطور المذهل الحاصل على مستوى صادراتها من جهة، وحجم الفائض الذي تحقق على مستوى ميزانها التجاري من جهة أخرى.

وتتموقع الصين حالياً على رأس قائمة الدول الأكثر نمواً رغم تداعيات الأزمة المالية التي أرهقت الكثير من دول العالم، حيث يحقّق الاقتصاد نمواً سنوياً مطرداً وقياسياً يصل إلى 9 بالمئة. ونتيجة لهذا التطور المذهل أصبحت الصين تستورد أكثر من نصف استهلاكها من الطاقة.

بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين في عام 2014، نحو 17.617 تريليون دولار، تمثل نحو 16.32 بالمئة من حجم الناتج العالمي الإجمالي في العام نفسه، في حين قدّر تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، الصادر عن صندوق النقد الدولي في تشرين الأول/أكتوبر 2016، حجم الناتج المحلي الإجمالي للصين بنحو 21.269 تريليون دولار، تمثل نحو 17.9 بالمئة من حجم الناتج العالمي، مقابل 18.562 تريليون دولار للاقتصاد الأمريكي وهو ما يمثل نحو 15.6 بالمئة من الناتج العالمي‏[13].

وتشير بعض الإحصاءات إلى أن استهلاك الصين للنّفط بلغ خلال عام 2010 نحو 430 مليون طن، أي ما يناهز 10.60 بالمئة من مجموع الاستهلاك العالمي، وتحولت الصين بذلك من دولة مصدرة للبترول في ثمانينيات القرن الماضي إلى مستورد له.

وتتميز الصين أيضاً بأهمية وغزارة إنتاجها الزراعي، وخصوصاً على مستوى المزروعات الصناعية كالقطن وقصب السكر، كما تحتضن ثروة حيوانية هائلة. واحتياطيات مهمة من المعادن، كالزنك والرصاص والحديد والفوسفات. علاوة على مصادر الطاقة من غاز طبيعي وبترول وفحم حجري.

أما في ما يتعلق بالجانب العسكري، فتخصص الصين ميزانية مهمة لتطوير إمكاناتها العسكرية، وتشير الدراسات إلى وجود «تزايد مستمر في الميزانية العسكرية الصينية بواقع 10 بالمئة سنوياً، بما يجعلها تحتل المرتبة الرابعة عالمياً من حيث حجم الإنفاق العسكري»‏[14]، حيث بلغ إنفاقها في هذا الخصوص، ما يزيد على 150 مليار دولار خلال عام 2016، وهو ما يناهز ربع ما تخصّصه الولايات المتحدة في هذا الإطار.

وتملك الصين قدرات عسكرية ضخمة، بأكبر جيش مدرّب في العالم يقدر بنحو مليونين ونصف المليون عسكري وإمكاناتها النووية الكبيرة. وقد ولجت الصين النادي النووي منذ عام 1964، وأصبحت في الوقت الراهن تمثل قوة نووية دولية وازنة. إلى جانب كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا. غير أنها لم تصادق على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية إلا سنة 1992.

ورغم ذلك، يعتقد البعض أنه وفي مقابل اندفاع السياسة الخارجية الصينية في المجال الاقتصادي، لا تزال علاقاتها الأمنية والعسكرية محافظة ومترددة بصورة عامة‏[15]. كما تشير الكثير من الدّراسات والأبحاث إلى أن التفوق العسكري الأمريكي سيظل قائماً، رغم المكتسبات التي تحققها الصين في هذا الصدد، وهو ما يؤكده حجم الاستثمارات الأمريكية وتوظيف التقانة المتطورة في هذا الصدد، وتحكّمها في سوق تجارة السلاح على المستوى الدولي، علاوة على الانتشار العسكري الأمريكي على امتداد مناطق مختلفة من العالم.

تحظى الصين بحضور وازن داخل مختلف المؤسسات الدولية، بما يجعلها مؤثرة في مسارات العلاقات الدولية، فقد أسهمت في تأسيس مجموعة من هذه المؤسسات، كما هو الشأن بالنسبة إلى الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بينما حرصت على الانضمام إلى مؤسسات أخرى كمنظمة التجارة العالمية.

تتمتع الصين بالعضوية الدائمة داخل مجلس الأمن المسؤول الرئيسي عن حفظ السلم والأمن الدوليين، كما أنها تملك حق الاعتراض. وجدير بالذكر أن المجلس يحتلّ مكانة بارزة ضمن الأجهزة الرئيسية للأمم المتحدة، ذلك أن الميثاق خوّله اختصاصات وسلطات واسعة في سبيل تحقيق السلم والأمن الدوليين، فهو الذي يحظى بسلطة الإقرار بالحالات المهدّدة أو المخلّة بالسلم والأمن الدوليين أو وقوع حالات العدوان، كما يحتكر سلطة استعمال الوسائل الزجرية لمواجهة القائمين بهذه الأعمال، سواء في شقها المتعلق باستعمال القوة العسكرية أو بإعمال الضغوط الاقتصادية والسياسية.. الأخرى، كما أن قراراته تتميز بقيمتها القانونية وقوة نفاذها.

وبعدما ظلت الولايات المتحدة تعرقل انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، بذريعة عدم انخراط الصين في تحرير تجارتها، بادرت إلى الموافقة الرسمية على هذه العضوية عام 2011 بعد جولات ماراتونية من المفاوضات الشاقة.

نجحت الصّين إلى حد بعيد في توظيف الكثير من مقوماتها خدمة لتعزيز تواصلها وعلاقاتها بمختلف دول العالم وإعطائها بعداً استراتيجياً، قوامه تبادل المصالح، سواء تعلق الأمر بدول قوية أو صاعدة أو نامية.

وهكذا، التفتت الصين إلى الإمكانات المذهلة التي تكتنزها القارة الإفريقية، فسعت إلى تعزيز وجودها وتمركزها الاقتصادي في هذه القارة، سواء على مستوى حجم الاستثمار أو تصدير الأسلحة؛ فـفي عام 2009 تجاوزت الصين الولايات المتحدة أول مرّة تاريخياً لتصبح الشريك التجاري الأضخم لأفريقيا بأكثر من 100 مليار دولار تجارة متبادلة‏[16].

ودخلت الصين أيضاً في اتفاقات تجارية مهمة مع عدد من الأقطار في أمريكا اللاتينية كما هو الشأن بالنسبة إلى المكسيك.

وتعمل مجموعة البريكس (BRICS) التي تضم خمس دول تحظى بأسرع نمو اقتصادي عالمياً (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا)‏[17]، على بلورة جهود مالية واقتصادية تنتزع هيمنة الولايات المتحدة على المؤسسات الدولية ذات الصلة، حيث عملت في عام 2014 على إنشاء مصرف إنمائي يبلغ رأسماله إلى نحو مئة مليار دولار لتمويل المشاريع التنموية في الدول النامية.

تعززت العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية العربية مع الصين منذ بداية التسعينيات، فقد دعا قرار مجلس الجامعة العربية الصادر في أيلول/سبتمبر 1998 جميع الدول الأعضاء إلى تطوير علاقاتها المختلفة بهذه الدولة بصفة رسمية وعلى مستويات غير رسمية، وقد كان من حسنات هذا التعاون أن تمّ إحداث منتدى التعاون العربي – الصيني منذ سنة 2004 كآلية لدعم الحوار والتعاون ودفع التنمية والتقدم بين الطرفين.

وقد شكل هذا المنتدى آلية للتعاون وتنسيق العلاقات الاقتصادية والتجارية وتعميقها بين الجانبين، كما أسهم بصورة كبيرة في تعزيز علاقات الاستثمار وبناء علاقات استراتيجية بين الطرفين، وهو ما سمح بحدوث تطور قياسي في حجم المعاملات التجارية بين الجانبين. وقد أكد رئيس بعثة الجامعة العربية إلى الصين سنة 2011 المعاملات التجارية بين الصين والبلدان العربية ظلت تحافظ على نموها المتصاعد منذ إحداث هذا المنتدى، حيث انتقلت قيمتها من 36.7 مليار دولار أمريكي في سنة 2004 إلى 145.4 مليار في سنة 2010 بزيادة نحو 30 بالمئة كل سنة، مؤكداً أنه من المتوقع أن تصل إلى نحو 500 مليار دولار أمريكي خلال سنة 2020.

وقد تمخض عن هذا التعاون إحداث المجلس الأعلى لمؤتمر التعاون الصيني – العربي للطاقة في شهر آذار/مارس 2012. وتصل نسبة النفط الذي تستورده الصين من منطقة الشرق الأوسط إلى أكثر من 50 بالمئة من حجم صادراتها في هذا الصدد.

غير أن الصين بسياستها المهادنة وتحوّلها الهادئ، لم تكن في مستوى التحديات والإكراهات التي واجهت الكثير من البلدان العربية خلال فترة التسعينيات التي شهدت عدداً من الاعتداءات في العراق وفلسطين المحتلة وليبيا والصومال، وهو ما ترجمته مواقفها السلبية إزاء الكثير من القضايا والأزمات في المنطقة العربية داخل مجلس الأمن، حيث جاءت مواقفها في كثير من الأحيان مجارية للمواقف الأمريكية والغربية بوجه عام سواء داخل الأمم المتحدة أو خارجها‏[18].

أما في ما يتعلق بعلاقة الصين بالولايات المتحدة، فقد راوحت بين المدّ تارة والجزر تارة أخرى، بين طرف يسعى لتكريس زعامته وتأبيدها في إطار قطبية أحادية، وطرف ثان يطمح إلى فرض وجوده دولياً ضمن قطبية متعددة. في حين تشير الكثير من المعطيات والمؤشرات إلى أنها نجحت إلى حد كبير في بناء شبكة ضغط اقتصادية وازنة داخل أمريكا نفسها.

تحاول الصين بصورة هادئة وعقلانية تبوؤ مكانة دولية تليق بإمكاناتها المختلفة وبحضورها الدولي؛ فقد انخرطت بجدّ في مكافحة الإرهاب على الصعيد الدولي، سواء عبر جهود انفرادية أو من داخل مجلس الأمن الذي أصدر عدداً من القرارات في هذا الصدد (مثــلاً) أو من خلال المساهمة في تدابير وترتيبات إقليمية أو تنسيق وتعاون دوليين في هذا الخصوص.

ولا تخفى المساهمات التي تقوم بها كذلك على مستوى ترسيخ السلم والأمن الدوليين، وحضورها القوي في منطقة شرق آسيا على عدة مستويات بما يجعل من دورها أساسياً في تحقيق الاستقرار في هذه المنطقة الحيوية.

يلخص أحد الباحثين‏[19] أهم الأسباب التي تدعّم بروز نجم الصين في الساحة الدولية، في الآفاق التي فتحها رحيل الاتحاد السوفياتي أمام هذه الدولة لتؤدي أدواراً طليعية في النظام الدولي الجديد إلى جانب عدد من القوى الدولية كاليابان والاتحاد الأوروبي، كما أنها تمتدّ على موقع استراتيجي يربط شرق آسيا بشرق أوروبا وتتحكم بعدد من طرق الملاحة البحرية والجوية والبرية؛ علاوة على الرغبة الشديدة لدى النظام السياسي الصيني في الوصول إلى قيادة النظام العالمي، إضافة إلى التوافق الصيني الروسي في صدد مختلف القضايا الإقليمية والدولية.

يعتقد البعض أن الولايات المتحدة «تحاول دفع الصين إلى الانضمام إلى النظام العالمي القائم، يدفعها إلى ذلك عدة أسباب: الأول، هو وجود نظام عالمي ليبرالي مفتوح أمام أي دولة ترغب في الانضمام إليه. والثاني أنّ ذلك النظام، بقواعده ومؤسساته، سيُشكّل ملامح الصين أكثر كثيراً مما تُشكّل الصين ملامحه وتُغيّر قواعده. أمّا الثالث، فهو أن الفشل في ضمّ قوة كبرى بحجم الصين إلى النظام العالمي، سيُهدّد بالتأكيد بانهياره»‏[20].

أثارت المواقف الأخيرة للرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب تجاه الصين‏[21] الكثير من الأسئلة في الأوساط السياسية والاقتصادية والأكاديمية؛ وما إذا كان الأمر يشكل بداية تغيير جذري في ملامح السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الصين التي برزت ملامحها منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي.

ويعتبر أحد الباحثين‏[22] أن «التصعيد الذي يبديه «ترامب» بناء على نصائح مستشاريه؛ لا يعكس في واقع الأمر قلة خبرة؛ بقدر ما يبرز السعي المقصود نحو تغيير قواعد اللعبة بين البلدين، دون المسِّ بالإطار الاستراتيجي الذي يحكم العلاقات بين الجانبين منذ عقود؛ وخصوصاً أن كلا الطرفين سيخسر الكثير، إذا خرج التوتر عن نطاق السيطرة».

يرى عدد من المراقبين والمهتمين أن التطور المذهل الذي تشهده الصّين على عدة مستويات، يكوِّن أرضية ستسمح في المدى المتوسط بخلخلة النظام الدولي الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة، وهو التوجه الذي أصبحت تعيه هذه الأخيرة جدّياً.

ثالثاً: الصين ومستقبل النظام الدولي

تشير الكثير من المعطيات والممارسات إلى أن الصين تتّجه بصورة مرنة وملطّفة نحو المساهمة في التأسيس لنظام دولي متعدد الأقطاب، وتحاول في ذلك الموازنة بين علاقاتها المتينة مع القوى الدولية الكبرى كروسيا وأمريكا والاتحاد الأوروبي من جهة، وعلاقاتها المتميزة بالدول الصاعدة والنامية.

وتتلافى الصين أيّة مواجهة مباشرة مع الطرف الأمريكي في سبيل تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، فقد سبق لوزير الخارجية الصيني وانغ يي أن أشار إلى أن بلاده «لا تحاول بناء نظام منافس، بقدر ما تسعى إلى تأدية دور أكبر في النظام الدولي القائم»‏[23].

ثمة أولويات تركز عليها الصين في الوقت الراهن من شأنها دعم الدور الصيني الدولي في المرحلة المقبلة، فهي من جهة أولى تحرص على استقرار نظامها السياسي ودعم انفتاحه على المتغيرات الداخلية والخارجية في أبعادهما الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، إضافة إلى الاستمرار في تحقيق التطور والنمو الاقتصادي، مع الحرص على تحقيق وحدتها وتعزيز تواصلها وعلاقاتها بمحيطها الإقليمي والدولي.

ومع ذلك، لا أحد ينفي أن الصّين أضحت طرفاً وازناً في العالم اليوم، سواء على المستوى الاقتصادي والمالي، أو في ما يتعلق بتدبير مجموعة من القضايا الدولية الراهنة المرتبطة بمكافحة الجريمة الدولية المنظمة والأمراض الخطيرة العابرة للحدود وتلوّث البيئة وتصاعد الإرهاب الدولي وتعزيز السلام العالمي والحد من التسلّح… وخصوصاً مع تراجع الدور الأمريكي في السنوات الأخيرة، وفشله الملحوظ على مستوى تدبير قضايا مختلفة، سواء تعلق منها بالحرب على أفغانستان والعراق، وتحولات «الحراك العربي»، في حين أرخت تداعيات الأزمة المالية بصورة قاتمة على اقتصادها، بما خلّف تداعيات اجتماعية وسياسية صعبة. وهو ما دفع عدداً من القوى الدولية الأخرى، كما هو الأمر بالنسبة إلى اليابان وروسيا والهند والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الصين، بالسعي لملء هذا الفراغ والتأثير في مسار النظام الدولي.

يشير البعض‏[24] إلى أن الصين «اعتمدت سياسة خارجية ترتكز على تحقيق ثلاثة أهداف أساسية خلال القرن الحادي والعشرين، هي تعزيز التنمية الاقتصادية، وضمان أمن الدولة، وتحمل مسؤولية دولية حقيقية».

وعلى مستوى الحضور الدولي من داخل الأمم المتحدة، فالصين تستأثر بالعضوية الدائمة وتملك حق الفيتو داخل مجلس الأمن، بما يجعلها طرفاً أساسياً مؤثراً ضمن القوى المعنية بتدبير القضايا والأزمات الدولية الكبرى. كما ساهمت بقواتها ضمن عدد من عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام في مناطق مختلفة من العالم.

ورغم انشغالها بترتيب بيتها الداخلي على امتداد الفترة التي تلت نهاية الحرب الباردة، فقد حاولت الصين – أحياناً – بلورة مواقف متميزة وواضحة إزاء قضايا وأزمات دولية من داخل الأمم المتحدة بوجه عام ومجلس الأمن على وجه الخصوص (رفض الحرب على العراق من دون التمكّن من منعها). كما أدّت دوراً أساسياً في مسار المفاوضات المتصلة بالملف النووي الإيراني… وسمحت بتشبيك علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع عدد من دول العالم مع الحرص على سياسة التعايش السلمي.

وتشير الممارسة إلى أن الصين تنهج أسلوباً دبلوماسياً ذكيّاً في التعامل مع القوى الدولية الكبرى كالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، قوامه التعاون والتواصل والانفتاح، كسبيل لتجاوز أي رفض أو مواجهة للأدوار الطليعية التي أصبحت تحظى بها الصين إقليمياً ودولياً، وخصوصاً أنها تعلم جيّداً حجم القوة الأمريكية ومقومات ريادتها، كما تعي جيداً حجم الحضور الأمريكي في إدارة القضايا الدولية الكبرى.

عرفت العلاقات الصينية – الأوروبية تطوراً ملحوظاً في العقدين الأخيرين، وهو ما يعكسه تشابك العلاقات والمصالح الاقتصادية والتعاون على عدة واجهات، وخصوصاً أن معظم هذه الدول تدعم قيام صين موحّدة وتدعم الحل السلمي في هذا الصدد، ويبدو أن هذه العلاقات مرشحة للتطور أكثر نظراً إلى سعيهما معاً إلى تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الطرفين، ورغبتهما معاً في بناء نظام دولي سمته التعدّد.

وشهدت العلاقات الصينية – الروسية تطوراً كبيراً على مختلف الجوانب، فقد سبق لروسيا أن بادرت إلى إحداث المثلث الاستراتيجي الروسي – الصيني – الهندي كسبيل لإحداث قدر من التوازن في مواجهة الهيمنة الأمريكية والسعي لمنع هذه الأخيرة من إحداث مشروع الدرع المضادة للصواريخ لحماية الأراضي الأمريكية من «الاعتداءات المحتملة» من القوى «المارقة».

كما أن الصين تحتل مكان الصدارة ضمن مستوردي السلاح الروسي، علاوة على تنامي التعاون بين الجانبين في المجال التجاري والاقتصادي، وتنسيق المواقف والجهود في صدد عدد من القضايا، كما هو الشأن بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

وتنظر الولايات المتحدة الأمريكية بعين الحذر إلى تطور العلاقات الروسية – الصينية، الذي بدأ منذ نهاية الحرب الباردة، وتوِّج بتأسيس منظمة شنغهاي وحسم الخلافات الحدودية بين الطرفين وبلورة مواقف متقاربة إزاء عدد من القضايا والأزمات الإقليمية والدولية. ورغم تباين المصالح، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية من جانبها وبمعية بعض الدول الأوروبية تجاوز الصدام المباشر مع الصين، والسعي لإدماجها في النظام الدولي الراهن ومؤسساته المختلفة بأقل تكلفة.

ووجدت الصّين فرصة جيدة لاستثمار أحداث 11 أيلول/سبتمبر التي شهدتها الولايات المتحدة عام 2001 لتنخرط في الجهود والمبادرات الرامية لمحاصرة الإرهاب واجتثاثه في عدد من المناطق. أمام هذا التطور الحاصل في المكانة الدولية للصين، تناسلت الكثير من الأبحاث والدراسات التي تتحدث عن «عصر صيني قادم» في المدى المتوسط الذي لن يتجاوز منتصف القرن الحالي في أبعد تقدير.

وعلى مستوى العلاقات الأمريكية – الصينية، تزايد الاهتمام الأمريكي بالشأن الصيني على الواجهات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية، وهو ما يعكسه حجم الدراسات والتقارير والأبحاث التي تراكمها المراكز العلمية والمؤسسات الجامعية والأمنية الأمريكية في هذا الخصوص. ويرى البعض أنه «إذا كانت هذه العلاقات تراوح بين الصراع والتعاون، فإن الفترة الأخيرة للرئيس كلينتون اقتربت من الاتجاه الواقعي في التعامل مع الصين، حيث أقرّت إدارته بوجود قدر من التوافق في المصالح مع وجود مساحة من الخلاف لا يمكن تجاهلها»‏[25].

وتشير التقارير والمعطيات الإحصائية إلى أن الولايات المتحدة أضحت شريكاً اقتصادياً رئيسياً للصّين. وتشكل متانة وقوّة العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الطرفين حصناً منيعاً لمواجهة كل الأزمات والمخاطر المحتملة في المستقبل. رغم وجود بعض الصراعات الاقتصادية والاستراتيجية الهادئة في عدة مواقع، ففي الوقت الذي تشير بعض الآراء إلى أن الصين تحاول قدر الإمكان تقزيم الدور الأمريكي في منطقة بحر الصين الجنوبي الاستراتيجية، لا تتوقف الولايات المتحدة وبعض دول الاتحاد الأوروبي عن دعوة الصين إلى احترام التزاماتها المرتبطة بعضويتها داخل منظمة التجارة العالمية على نحوٍ كامل، وكذا احترام حقوق الإنسان وإجراء إصلاحات اقتصادية تدعم تحرير السوق، وتشجيع الاستثمارات، وتخليق الحياة العامة، وتبني إصلاحات سياسية أكثر جرأة.

تنظر الولايات المتحدة بقدر من الواقعية إلى التمدد الصيني، ورغم التعاون الحاصل بينهما على عدّة واجهات ومستويات، فإنها تحاول التضييق على هذا القطب الصاعد بسبل ملتوية وغير مباشرة… فهي تتحاشى حدوث صدام مباشر معه، لذلك تحرص على تحقيق مصالحها بطرائق مختلفة، بل تسعى إلى توظيف التأثير الصيني في آسيا لتدبير بعض الأزمات والقضايا التي تهمّ مصالحها الخاصة ومصالح الغرب بوجه عام، وخصوصاً في ما يتعلق منها بالمساعدة على التخفيف من حدة الأزمة مع كوريا الشمالية والحد من خطورة مشروعها النووي. وفي مقابل ذلك، تسعى الصين إلى الإفادة من التقدم التقني الغربي والأمريكي لمصلحتها، كما تستفيد من أسواقها المربحة على المستوى المالي والاقتصادي.

ثمّة الكثير من القضايا الخلافية بين الطرفين (الأمريكي والصيني)، وهي تتنوع بين قضايا اقتصادية وتجارية وسياسية وأمنية واستراتيجية… إضافة إلى مشكلات تتصل بالأمن الإلكتروني؛ فعلى مستوى التعاطي مع التهديدات البيئة، لا تخفي الصّين معارضتها للمقاربة الأمريكية لهذا الملف الحيوي، بالتأكيد أن الدول المتطورة والصناعية الكبرى تتحمل المسؤولية الرئيسية على مستوى تبعات التلوّث الذي تحدثه بسبب صناعاتها المتطوّرة.

وكثيراً ما عمدت الولايات المتحدة إلى توظيف الجانب الحقوقي في الضغط على الصّين، والمناورة في صدد عدد من الملفات المشتركة، كما هو الشأن بالنسبة إلى القضايا الاقتصادية بين الجانبين، كما عبّرت عن انزعاجها من المساعدات العسكرية والتقنية التي تقدمها الصين إلى عدد من القوى النووية الصاعدة، بالرغم من توقيعها الاتفاقية الدولية المتعلقة بحظر انتشار الأسلحة النووية، وهو ما تعتبره سلوكاً يُلهب التوتّر العالمي.

وتبدو قضية استقلال تايوان إحدى أهم النقط المعلقة بين الطرفين، نظراً إلى التوجه الأمريكي منذ منتصف القرن الماضي نحو إعطاء الدعم الكامل لهذا الانفصال، وخصوصاً بعد قيام الصين الشعبية عام 1949، وهو الأمر الذي يثير قلق الصين باستمرار، ويشوش فعـلاً على العلاقات بين الجانبين، وتعي الولايات المتحدة حجم القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي ستكتسبها الصين في حال عودة تايوان إلى سيادتها.

الجدير بالذكر أن استراتيجية الصين في ما يتعلق بالتعامل مع هذا الملف الحساس قد تحولت من المقاربة العسكرية إلى التعاطي السلمي الدبلوماسي. تتباين آراء الباحثين في صدد قدرة الصين على إزاحة الولايات المتحدة الأمريكية عن تزعم النظام الدولي الراهن، بين من يعدّ الأمر جدّياً بناء على الإمكانات البشرية والاقتصادية والعسكرية المتوافرة لهذا البلد، وبين من يعد أن هذه الأخيرة، رغم التقدّم الذي تحرزه في مختلف المجالات، تظل بعيدة كل البعد من الناحية الواقعية من مزاحمة الولايات المتحدة على قيادة هذا النظام.

وتنظر الولايات المتحدة إلى التصاعد في الأدوار الصينية بقدر من الحذر والترقب‏[26]، نظراً إلى تأثيراته الاستراتيجية في المكانة الأمريكية في عالم ما بعد الحرب الباردة؛ لذلك لم تخف خشيتها من هذا الأمر، حيث عبّرت عن رغبتها في دفع هذا القطب الصاعد إلى الاندماج في النظام الدولي الراهن من دون المس بأركانه ومقوماته، بما يدعم المكانة الريادية لأمريكا ويمدد حضورها الفاعل على الساحة الدولية.

سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى اتخاذ مجموعة من التدابير الاحترازية بصورة هادئة وناعمة، كما هو الأمر بالنسبة إلى فتح قواعدها العسكرية في عدد من المناطق الآسيوية التي ارتبطت فيها هذه القواعد بظروف الحرب الباردة وما واكبها من سياسة الاستقطاب والحروب بالوكالة.

وفي هذا السياق، سبق للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما أن أكد أن الولايات المتحدة «تريد أن ترى الصين ناجحة، لكن مع نموها، نريد منها أن تكون شريكاً في دعم النظام العالمي لا تقويضه»‏[27].

ويشير أحد الباحثين‏[28] إلى أن هناك ثلاثة مسارات لمستقبل العلاقات بين الطرفين (أمريكا والصين)، يمكن أن تؤثّر في مستقبل النظام الدولي، أولها يحيل إلى حدوث تقارب وتعاون سيحدث في المستقبل بين الطرفين، مع تعزيز علاقاتهما الاقتصادية والسياسية وتغليب لغة الحوار والاعتماد على الحلول الدبلوماسية في التعاطي مع القضايا الخلافية، بصورة تصب في مصلحتيهما معاً. وثانيها، يتصل بمسار سمته الصراع في حال عدم القدرة على التعامل بصورة معقلنة مع الملفات الخلافية، وخصوصاً مع توجه الصّين إلى فرض نفسها كقوة عظمى عبر تطوير إمكاناتها العسكرية وتعزيز تحالفها مع روسيا، بالصورة التي قد ترى فيها الولايات المتحدة عامل تهديد لأمنها القومي، بما يؤدي إلى مواجهة عسكرية. أما ثالثها، فيحيل إلى مسار واقعي يمتزج فيها الصراع والتعاون من دون حدوث تصادم مباشر، بفعل تشابك المصالح وتنامي البعد الردعي في هذه العلاقات.

من خلال استحضار المعطيات والمؤشرات السابقة، يبدو أن الحضور الصيني سيتقوى في الأمد المتوسط بصورة تجعل منه أحد الأقطاب الوازنة والفاعلة في الساحة الدولية.

ويذهب البعض أنه لا يمكن لأي من الدول قيادة العالم وحدها، ذلك أن «التدبير الأمثل لتفعيل عمل العولمة يكمن في أن تنضم الصين لأميركا باعتبارهما «شريكين لا غنى عنهما»، استناداً إلى تقارب المصالح لإنشاء نظام عالمي يعمل لمصلحة الجميع. وبالمقابل، سيتمثل الأمر الأسوأ بالنسبة للعالم في أن تكون الصين وأميركا قائدتين لكيانات معادية»‏[29].

في الحقيقة، نهجت الصين منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، بعد انهيار المعسكر الشرقي ونهاية الحرب الباردة، مواقف حيادية إزاء عدد من القضايا والأزمات الدولية الكبرى، حيث فتحت بذلك للولايات المتحدة باب التحكم في مسار العلاقات الدولية، غير أن هذا الدور الحيادي بدأ يتراجع على نحوٍ ملموس في السنوات الأخيرة وهو ما يترجمه موقفها من الأزمة الراهنة في سورية‏[30].

غير أن السياسة الانعزالية والحمائية التي طرحها الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب ضمن برنامج عمله، وإن كانت ستوفّر هامشاً للتحرك والتمدد أكثر أمام الصين، فهي ستكلّف هذه الأخيرة مجهوداً كبيراً وإمكانات ضخمة، في حال توجهها نحو ملء الفراغات الاستراتيجية التي ستخلفها السياسة الأمريكية الجديدة.

ويرى أحد الباحثين‏[31] أن أهم ما يميّز السياسة الخارجية الصينية، ثلاثة مظاهر بارزة، هي العمل على طمأنة القوى الدولية والإقليمية على الطابع السلمي لنهوضها الاقتصادي، وانخراط الصين المتنامي في المنظمات الدولية، وتعزيز روابطها الدولية من خلال دبلوماسية جديدة. وهي المظاهر التي تخدم هدف الصين في تقديم صورة إيجابية عن «الصين الجديدة» في محاولة لمحو تلك الصورة النمطية عن الصين الشيوعية غير المندمجة في الجماعة الدولية.

رغم التطور الذي تشهده الصين على مختلف الواجهات وتأثيراتها الواضحة في تطور النظام الدولي، فإنها تواجه تحديات لا تخلو من صعوبات، سواء تعلق الأمر بالتباين التنموي الحاصل بين جزء غربي يعيش ظروفاً طبيعية واقتصادية واجتماعية لا تخلو من صعوبات، وآخر شرقي يشهد تطورات تنموية مهمة على مختلف الجوانب، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية التي تتعرض لها المنتجات الصينية المختلفة. وما زال موضوع استقلال تايوان يمثل مشكلة حقيقية مؤرقة للصين وأحد العوامل التي تربك ريادتها، الأمر الذي دفع بالكثير من الباحثين والمهتمين إلى الإقرار بأن هذا الملف سيسمح بتأجيل صعود الصين كقطب دولي وازن في عالم متعدد الأقطاب.

ويرى عدد من الدول والمنظمات الدولية المعنية بقضايا حقوق الإنسان أن الصين تظل بحاجة إلى تطوير منظومة حقوق الإنسان، وبخاصة على مستوى حرية التعبير والتفكير والتظاهر السلمي، بينما يوجه لها النقد على مستوى دعم بعض النظم السياسية الشمولية، كما هو الشأن بالنسبة إلى كوريا الشمالية.

خاتمة

يرى الكثير من المراقبين أن التحولات الكبرى الجارية في الصين ستفرز حتماً مولد قوة عالمية ستؤثر في مسار ومعالم النظام الدولي. فمكانة الصين كقطب عالمي وازن تفرض نفسها بقوة في ظلّ التحولات الدولية الراهنة وما تشهده من انحرافات في عمل المؤسسات الدولية وتطبيقات مرتبكة لقواعد القانون الدولي، وإخفاقات النظام الدولي «الجديد» الذي بشّرت به الولايات المتحدة الأمريكية على المستوى السياسي والدبلوماسي والاقتصادي.

إن تموقع الصين في ريادة النظام العالمي يتطلب منها الاستمرار على وتيرة النمو الاقتصادي السريع نفسها، بما يدعم تحقيق الرّفاه للمواطن الصيني، وتعزيز تماسكها ووحدتها الداخليتين واستيعاب تحولات المحيط الدولي.

المصادر:

(*) نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 461 في تموز /يوليو 2017.

(**) إدريس لكريني: أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي، ومدير مختبر الدراسات الدولية حول إدارة الأزمات في جامعة القاضي عياض، مراكش – المغرب.