على الرغم من الأصول غير الانجليزية للنظرية، إلا أنها قد اشتهرت بهذا الاسم “المدرسة الانجليزية” لتکون أحد أکثر النظريات المثيرة للجدل في حقل العلاقات الدولية، ذلک لما تعرضه من فروض تجد من النقاد أکثر ما تجد من الأنصار. فهي کنظرية عبارة عن مزيج أو مرکب من المداخل النمطية والعقلانية کما تعترف بالخصائص الأخلاقية للمجتمع الدولي. تبدأ المدرسة الانجليزية من ملاحظة الواقع والاعتراف بالتاريخ، ووجود تقاليد ثلاثة في العلاقات الدولية هي الهوبزية – الواقعية، والکنطية – العالمية، والجروتية – الدولية. ومصطلح “المجتمع الدولي” يشي بأن وحدة التحليل ليست الدولة القومية – الأمر الذي تشتهر به النظرية الواقعية – بل نجد أن الفاعل الدولي يعد بمثابة وحدة التحليل الأمر الذي يعني دخول الکيانات الدولية والفواعل من غير الدول إلى المعادلة. وتعترف المدرسة الانجليزية بأن الدول إنما تسلک سلوکاً أخلاقياً وقانونياً في علاقاتها ببعضها البعض، وعليه فإن سياسات القوة لا يمکن أن تفسر سلوک الدول ولاتمکن من فهم ظواهر العلاقات الدولية. ومن هنا تؤکد المدرسة الانجليزية على السلام وأنه الوضع الطبيعي لوجود الدول المشترک، على اعتبار أن مفهوم الأساس هو مفهوم المجتمع الدولي.

مقدمة:

 على الرغم من الأصول غير الانجليزية للنظرية، إلا أنها قد اشتهرت بهذا الاسم “المدرسة الانجليزية” لتکون أحد أکثر النظريات المثيرة للجدل في حقل العلاقات الدولية، ذلک لما تعرضه من فروض تجد من النقاد أکثر ما تجد من الأنصار. فهي کنظرية عبارة عن مزيج أو مرکب من المداخل النمطية والعقلانية کما تعترف بالخصائص الأخلاقية للمجتمع الدولي. تبدأ المدرسة الانجليزية من ملاحظة الواقع والاعتراف بالتاريخ، ووجود تقاليد ثلاثة في العلاقات الدولية هي الهوبزية – الواقعية، والکنطية – العالمية، والجروتية – الدولية. ومصطلح “المجتمع الدولي” يشي بأن وحدة التحليل ليست الدولة القومية – الأمر الذي تشتهر به النظرية الواقعية – بل نجد أن الفاعل الدولي يعد بمثابة وحدة التحليل الأمر الذي يعني دخول الکيانات الدولية والفواعل من غير الدول إلى المعادلة. وتعترف المدرسة الانجليزية بأن الدول إنما تسلک سلوکاً أخلاقياً وقانونياً في علاقاتها ببعضها البعض، وعليه فإن سياسات القوة لا يمکن أن تفسر سلوک الدول ولاتمکن من فهم ظواهر العلاقات الدولية. ومن هنا تؤکد المدرسة الانجليزية على السلام وأنه الوضع الطبيعي لوجود الدول المشترک، على اعتبار أن مفهوم الأساس هو مفهوم المجتمع الدولي.

المشکلة البحثية:

تکمن المشکلة البحثية في غموض السمات الرئيسية التي تميز المدرسة الانجليزية وتجعلها بمثابة النظرية المتميزة في مجال العلاقات الدولية. وهذا بسبب ندرة ما کتب– لاسيما في المکتبة العربية – في هذه النظرية المثيرة للجدل. ومن هنا يطرح البحث سؤالاً رئيسياً مفاده:

– ماهي أبرز السمات والخصائص المميزة للمدرسة الانجليزية؟

وعليه نجد أن هذا التساؤل الرئيسي يثير بعض الأسئلة الفرعية على النحو التالي:

– ما هو تعريف المدرسة الانجليزية وکيف جاءت هذه التسمية؟

– ما هي الفروض الأساسية للمدرسة الانجليزية؟

– ما هو المجتمع الدولي؟ ولماذا يطلق على المدرسة الانجليزية اسم نظرية المجتمع الدولي؟

– ما هي العناصر المکونة لنظرية المجتمع الدولي؟ وکيف ترتبط هذه العناصر ببعضها البعض؟

– من هو عضو المجتمع الدولي الذي تتم دراسته؟ وبکلمة أخرى ما هي وحدة التحليل في المدرسة الانجليزية؟

– ما هي أبرز الانتقادات الموجهة إلى المدرسة الانجليزية؟

هدف البحث:

 يهدف هذا البحث إلى التعريف بالمدرسة الانجليزية، والکشف عن الفروض الرئيسية لهذه النظرية، وتبيان أهم السمات المميزة لکتابات رواد هذا الفکر. ومن ثم إظهار مواطن الاتفاق أو الاختلاف مع النظرية التقليدية في العلاقات الدولية.ومن هنا يهدف البحث إلى الإجابة على کافة الأسئلة التي وردت في المشکلة البحثية.

منهج البحث:

بناء على ما سبق، يمکن أن نستخدم في هذا البحث المنهج المسحي وذلک بهدف الوصول إلى جل ما کتب في الإطار النظري للمدرسة الانجليزية. ومن ثم التمکن من إيجاد إجابات محددة على التساؤل الرئيسي في البحث وکذا التساؤلات الفرعية.

خطة البحث:

يمکن أن تسير الخطة البحثية على النحو التالي:

المبحث الأول: نشأة النظرية.

المبحث الثاني: المفاهيم الأساسية للمدرسة الانجليزية.

المبحث الثالث: الفروض الأساسية للمدرسة الانجليزية.

المبحث الرابع: الانتقادات الموجهة للمدرسة الانجليزية.

خاتمة تجمل أبرز ما ورد في البحث.

المدرسة الانجليزية في العلاقات الدولية: “دراسة في الأصول والمنطلقات النظرية”

المبحث الأول

نشأة النظرية

من الضروري بداية أن نناقش الصعوبات المرافقة لتسمية المدرسة الإنجليزية. فإن أخذ التسمية حرفياً يضلل القارئ إلى أبعد مدى، حيث أن عدداً من المؤسسين لهذه المدرسة لم يکونوا من الإنجليز تحديداً. إن المنتمين إلى المدرسة الإنجليزية يقطنون غالباً خارج انجلترا: في استراليا وويلز وکندا والنرويج وألمانيا وحتى في الولايات المتحدة( )، وجنوب أفريقيا.

 ويؤرخ البعض ظهور المدرسة الإنجليزية بالعام 1959، وبالتحديد عندما اجتمعت “اللجنة البريطانية لنظريات العلاقات الدولية”. ولکن مصطلح “المدرسة الإنجليزية” لم يظهر إلا في العام 1981، عندما استخدمه Roy Jonesفي بيان نتائجه واستخدم المصطلح بعد ذلک من هم من غير المدرسة الإنجليزية في العلاقات الدولية – لا سيما الواقعية – في انتقاد النظرية حيث قالوا أن المدرسة الإنجليزية هي اسم على غير مسمى. کما أن ترکيز المدرسة الإنجليزية ينصب على “التاريخ ونظرية المستوى العالمي” للعلاقات الدولية، ولم يکن لها أي اهتمام بالسياسة الخارجية البريطانية. ( )

 وبالتالي نجد أن المدرسة الإنجليزية هو اسم لمجموعة محللي علاقات دولية أوروبيين، ناصروا فکرة أن العلاقات بين الفاعلين الدول تتتشکل وفق مجموعة من الأنماط والقواعد والممارسات التي توطدت عبر مئات السنين من التاريخ الإنساني. هذه الأنماط والقواعد والممارسات تشکل مجموعة غير رسمية من الخطوط العامة للسلوک المقبول بين الدول والفاعلين من غير الدول. والفاعلون الذين يقبلون هذا السلوک هم جزء من مجتمع دولي تتشکل قواعده وأنماطه وسلوکه من التعاون والتکامل بين أعضائه.( )

 وعلى خلاف المدرسة السلوکية، تقدم المدرسة الإنجليزية مزيجاً أو مرکباً من المداخل النمطية والعقلانية، وهي باختصار ترکز على الخصائص الأخلاقية والسياسية والاجتماعية للمجتمع الدولي. ومصطلح المجتمع الدولي يعني أنه بغض النظر عن غياب السلطة المرکزية “السلطة العليا” إلا أن الدول تسلک سلوکاً قانونياً وأخلاقياً. وبالتالي لا يمکن فهم العلاقات الدولية وفق سياسات القوة کما يدعى الواقعيون. ( )

 ويرى أولئک الذين يرتبطون بالمدرسة الإنجليزية اليوم، أنها تحتل موقعاً متوسطاً في تخصص العلاقات الدولية إلى جانب البنائية، وهذا الموقع للنظرية يعطي مجموعة من المفاهيم والأفکار المختلفة، ويتجنب أسلوب التفکير التقليدى “إما هذا أو ذاک”.( ) وکتب Hadley Bull ما ساهم في تطوير المدرسة الإنجليزية فقال أن:

 (1) مادة العلاقات الدولية: ليست “علاقات ما بين الدول” أو التفاعلات بين “وحدات” أخرى. بل إن مادة العلاقات الدولية تتمحور حول إنشاء کيان عام هو “نسق دولي عالمى Global political system”. بحيث تتضمن الدول، وکذا المناطق regions والمؤسسات ومنظمات غير الحکومية NGOs والجماعات عابرة القومية بل والأفراد وکل الجماعات الإنسانية. ومن خلال تتبع علاقات بين الفاعلين والأنماط Patterns التي تنتج عن هذه التفاعلات وضع Bull على عاتق نظرية العلاقات الدولية، مهمة تعريف المفاهيم والتنظير لنمط علامات هذه المفاهيم.

 (2) أهمية الفهم التاريخى: فالمعرفة الأکاديمية تحتاج بلا شک إلى خلفية تاريخية، وضرب ـ Bull مثلاً بالولايات المتحدة وتفوقها على منافسيها فمن المهم فهم “لماذا” و “کيف” تحلت أمريکا بقوة استثنائية. لابد من فهم مؤسسات المجتمع الدولي “مثل القانون الدولي وميزان القوة” فهماً تاريخياً ووضع هذه المؤسسات في سياقها التاريخى.

 (3) أهميـة القيم: فلا مفر من القيم، فالقيم تعطي معلومة صحيحة عن أي من الموضوعات يجب أن يتم الاهتمام بها ودراستها. ( )

 واقترح Barry Buzan في کتابه “From International to World Society?” أن المدرسة الإنجليزية لا تزال تحتاج للتطوير وأنها تفتقر إلى الإطار التحليلي الذي يفسر الخصائص النمطية والبنيوية للنسق الدولي. ( )

 وتجدر الإشارة إلى کتاب Hedley Bull: “1977” “The Anarchic Society” والذي اهتم فيه بمفهوم النظامorder في العلاقات الدولية، لقد عرف النظام بوجه عام على أنه: “صورة النشاط الذي يُطوع بعض الأهداف الاجتماعية الأساسية في المجتمع، مثل تحقيق الأمن في مواجهة العنف غير المنظم “الإرهاب”، مع الحفاظ على مفاهيم السيادة والسلام حيث هما الحالة الطبيعية أو الأصلية بين الدول “لقد استخدم Bull هذه الأهداف وکيَّفها لتوضيح خصائص المجتمع الدولي international Society، حيث الدول ذات السيادة هي أعضاء هذا المجتمع، والسلام هو الوضع الطبيعي لوجودهم المشترک. لقد فرق Bull تفريقاً هاماً بين المجتمع الدولي والنسق الدولي، فالمجتمع الدولي يتصف بإجماع الدول على أنهم يمتلکون مصالح عامة مشترکة وأنهم مرتبطون ببعضهم البعض بقواعد عامة common rules ومؤسسات institutions. وبالرغم من افتقار المجتمع الدولي إلى السيادة الکاملة – على حد قول Bull – إلا أن العلاقات الدولية هي أکثر من مجرد مجموعة من الدول المتنافسة على مصالحها الذاتية. ويعرف المؤسسات على أنها: “مجموعات العادات والممارسات التي تُشکل لتحقيق الأهداف العامة وتشمل ميزان القوة، القانون الدولي، الديبلوماسية والحرب”. وبوجود القوى العظمى والدور الذي تقوم به، فإن هذه المؤسسات وکذا الأنماط مثل السيادة وعدم التدخل کانوا بمثابة “الضامن” للنظام القائم واستمراريته. وکان Bull متشککاً في إمکانية “تغير” هذا النظام طالما ظلت هذه الأنماط موجودة، ولکن “حقوق الإنسان” جاءت لتوازن تأثير السيادة وعدم التدخل.( )

المبحث الثاني

المفاهيم الأساسية للمدرسة الإنجليزية

نشير بدايةً إلى أن مفهوم الأساس لدى المدرسة الإنجليزية هو المجتمع الدولي، أي مجموعة من الفاعلين الدوليين الذين يتشارکون مؤسسات عامة. ويؤکد البعض على أن المدرسة الإنجليزية تجيب عن تساؤلين هما: من هو عضو المجتمع الدولي الذي تتم دراسته؟ وکيف يرتبط الأعضاء ببعضهم البعض؟( ) وللإجابة عن هذه التساؤلات ينطلق البعض من أفکار المدرسة الإنجليزية التي تدور حول ثلاثة مفاهيم أساسية وهي: النسق الدولي، المجتمع الدولي والمجتمع العالمي، ويختلف تعريف وخصائص کل منها عن الآخر، وفي بعض کتابات المدرسة الإنجليزية نجد أن تلک المفاهيم ما هي إلا انعکاس لکل من هوبز وماکيافيللي من جهة وجروتيوس من جهة أخرى وکانط من جهة ثالثة. بحيث يربطها البعض بتقاليد Wight الثلاثة في العلاقات الدولية: الواقعية، العقلانية، الثورية. وفيما يلى تفصل للمفاهيم الثلاثة الرئيسية في المدرسة الإنجليزية.

أولاً، النسق الدولي International System:

 ترتبط فکرة النسق الدولي بهوبز و ماکيافيللى والواقعية، وتدور حول “سياسات القوة” بين الدول، وتضع البنية Structure والعملية Process في قلب العلاقات الدولية التي تتسم بدورها بالفوضى. وهذا بالقطع يوازى ما جاء في الواقعية والواقعية الجديدة، وبذلک نجد أن جل تلک المفاهيم تُدرس خارج المدرسة الانجليزية. وتهتم في النهاية بالوضعية، والمادية، والعقلانية والنظريات البنيوية. ( ) يقول هيدلي بال Bull إن المجتمع الدولي المعاصر لايزال فوضوي حتى الآن، طالما لاتوجد حکومة عالمية تتمکن من فض النازعات بين الدول ذات السيادة. ( )

ثانياً، المجتمع الدولي International Society:

 يرتبط مصطلح المجتمع الدولي في کتابات المدرسة الإنجليزية بجروتيوس والعقلانية. ويطلق عليها البعض State-System “نسق الدولة” أو مجتمع ما بين الدول “مجتمع الدول” Interstate Society أو Society of States. ويتعلق الأمر هنا بالتحول المؤسسي Institutionalization للمصالح المشترکة وکذا الهويات بين الدول وإصلاح الأنماط المشترکة Shared norms، والقواعد rules والمؤسسات institutions وجعلها بمثابة القلب في العلاقات الدولية. وتتمثل الفکرة الأساسية للمجتمع الدولي في: أنه کما يعيش البشر والأفراد في مجتمعات يؤثرون فيها ويتأثرون بها في نفس الوقت “أى يشکلونها وتقيدهم”، فإن الدول أيضاً تعيش في مجتمع دولي يشکلونه ويتأثرون به. ( )

 ووفقاً لتعريف Bull، يظهر المجتمع الدولي عندما “تقوم مجموعة من الدول التي تدرک وجود مصالح وقيم شرکة معينة بينها، بتشکيل مجتمع. بمعنى أنها ترى نفسها ملزمة بمجموعة من القواعد المشترکة في علاقاتها ببعضها البعض، وتتشارک فيما بينها في أعمال المؤسسات المشترکة. ومن الجدير بالذکر أن هذا التعريف له استخدامات متعددة داخل المدرسة الانجليزية نفسها. فالبعض يرى أن هذا التعريف هو عبارة عن مجموعة من الأفکار الموجودة في أذهان رجال الدولة. ويرى آخرون أنه مجموعة من الأفکار الموجودة في أذهان المنظرين السياسيين، أو کما يرى الفريق الثالث أنها مجموعة ومن المفاهيم المفروضة من الخارج والتي تُعرف الهياکل المادية والاجتماعية للنظام الدولي.( ) وبذلک يدين المجتمع الدولي بالفضل إلى المؤسسات الرسمية وغير الرسمية التي تنظم سلوک الفاعلين وتسمح بالتعاون الدولي. ( )

 ويذهب Bull إلى أن هذا النظام يمکن أن يوجد بين دول لا تشعر أنها تنتمي إلى حضارة مشترکة، بل يکفي الاحتياج البراجماتي کي ينتج “الثقافة الدبلوماسية”، أي تلک المعاهدات والمؤسسات التي تحفظ نظام بين الدول التي تفرقها الثقافة والأيديولوجيا، ويضيف أن الثقافة الدبلوماسية ستکون أقوى إذا ما تم إرساؤها على “ثقافة سياسية دولية”، أي إذا اشترکت الدول في نفس النمط العام للحياة. ومثال ذلک مجتمع الدول الأوروبي في القرن التاسع عشر حيث قام على ثقافة سياسية دولية، ولکن مع توسع هذا المجتمع ليضم کل أجزاء العالم، تراجع الإحساس بالإنتماء للحضارة المشترکة. ومع ذلک تم قبول القواعد الأساسية للمجتمع الدولي، التي تطورت في أوروبا بداية، من قبل الکثير من المستعمرات السابقة، التي أصبحت الآن أعضاء متساوية السيادة في أول مجتمع عالمي للدول. ويعتبر هذا المثال الوحيد على الثقافة الديبلوماسية في الوقت الحالي.( )

 يقول Wight أن المجتمع الدولي هو “عقد اجتماعي” بين “المجتمعات” التي نشأت بدورها من خلال عقدها الاجتماعي. ولکن ولأن الدول هي کيانات تختلف اختلافاً جذرياً عن الأفراد من البشر، فإن هذا “المجتمع الدولي” لا يناظر – أو لا يماثل – المجتمع الداخلى. ويرى “Bull” أنه يجب أن تتم دراسة المجتمع الدولي بشکل مختلف. هذا الرأى يتماشى – إلى حد ما – مع الواقعية حول الفوضى الدولية وصورة النسق الدولي وآلية عمله. ولکن إضافة “العنصر الاجتماعي” يمنح الدول تصور لصورة النسق وهو ما يمنحها سلوکها أو کيفية تفاعلها، فإذا اشترکت الوحدات في هوية مشترکة “دين، نظام حکم، لغة” أو حتى مجموعة مشترکة من الأنماط norms والقواعد “مثل السلوک الدبلوماسى”، فإن الفهم الذاتي المشترک “intersubjective understanding” يشکل سلوکهم وهوياتهم، کما يُعِّرف الروابط في النسق الاجتماعي Social system.( )

 وتهتم الدول – فرادى – والمجتمع الدولي بحماية الأهداف الأولية، لکن النسق الدولي يتميز بسبب طبيعته بالفوضى. فهناک قواعد أولية تحکم مواطني الدولة وتحدد لهم سلوکهم، وهناک أيضاً قواعد ثانوية، تحدد کيفية وضع تلک القواعد الأولية وتفسيرها وتفعيلها “أى قواعد منشئة وقواعد منظمة”. وتتسع المؤسسات المرکزية بسلطة وضع القواعد الأولية والثانوية في الدول – داخلياً – ولکن في المجتمع الدولي تضع الدول قواعدها الأولية وکذا قواعدها الثانوية التي تحکم وضع القواعد الأولية وتفسيرها وتطبيقها، ويضاف إلى ذلک أن للمجتمع الدولي مجموعة مميزة من الأهداف الأولية. ومن الملامح المميزة للمجتمع الدولي أن عضويته مقصورة على الدول ذات السيادة “وليست للأفراد أو شرکات الأعمال”، وکذلک الاعتقاد بأن مجتمع الدول هو الشکل الشرعي الوحيد للتنظيم السياسي العالمي، وأن الدول ينبغى أن تحترم سيادة بعضها بعضاً. ويؤدى ذلک إلى کتابات – مثل کتابات Bull – حول النظام والعدل وکيف أن کليهما يصارع بعضه بعضاً.( )

 لقد فرق Bull بوضوح بين النظام order والعدالة Justice، حيث أن العدالة هي فکرة مثالية وذاتية “غير موضوعية”. وبالتالي قال بأنه “لا يوجد رؤية شخصية لما يجب أن يکون عليه السلوک العادل أو أي تحليل فلسفي لتعريفه”. واهتم بالأفکار التي يضعها الآخرون لما هو “عادل” من وجهة نظرهم لتحقيق متطلبات “التغير” – لا سيما من دول العالم الثالث – واختبر مدى اتساق ذلک مع النسق الدولي، ولکنه – Bull – لم يقر أي منهما. ( )

عناصر المجتمع الدولي:

 (1) الدول ذات السيادة، وهي أول العناصر الرئيسية للمجتمع الدولي، وهي الصفة الفريدة المتعلقة بالعضوية أي أن تنحصر العضوية في الدول ذات السيادة. ويتفرع من ذلک أمرين، أولهما أن تدعي الدول السيادة، وثانيهما أن يعترف بعضها بحق بعضها الآخر في الحصول على الامتيازات نفسها. إنه “الاعتراف” المتبادل الذي يدل على وجود “ممارسة اجتماعية”، فالاعتراف أساس في علاقات الهوية وهو الخطوة الهامة في بناء المجتمع الدولي. ومن الجدير بالذکر أن العضوية والاعتراف إنما يحددان – لا سيما في القرن التاسع عشر – من خلال “مقياس الحضارة”، بمعنى تحديد معايير الحکم الداخلي الذي يتوافق مع القيم والمعتقدات الأوروبية. وما نعنيه هنا هو مدى أهمية التمايز الثقافي بالنسبة إلى التجربة الأوروبية في المجتمع الدولي. فلم يتم الاعتراف بالصين عضواً شرعياً في المجتمع الدولي، وبذلک فقد رُفض منحها العضوية المتساوية. وإذا لم يعترف الغرب والصين بعضهما ببعض کأعضاء متساويين، فکيف يمکن حينئذ أن نصف علاقاتهما؟ وبالرغم من حدوث الکثير من “التفاعل” بين الصين والغرب، إلا أن ذلک کان مدفوعاً بأسباب استراتيجية واقتصادية. لکن الأهم هو أن أياً من الطرفين لم يکن يرى نفسه جزءاً من القيم و المؤسسات المشترکة نفسها، فقد قاومت الصين ولحقبه طويلة، وجود الدبلوماسيين الأوربيين على أرضها، إلى جانب رفضها لولايتهم القضائية خارج الحدود الأقليمية لدولهم بالرغم من وجود هذه السيطرة – فعلياً – منذ أمد بعيد عند القوى الأوربية. وبذلک کانت – وحتى العام 1942 – الصين جزءاً من منظومة الدول لکنها لم تکن عضواً في المجتمع الدولي.( )

 (2) الفاعلين من غير الدول: فالدول ذات السيادة ليست العنصر الوحيد في المجتمع الدولي، حيث تشير الملاحظة التاريخية إلى وجود شبکات ديبلوماسية على غرار الکنيسة الکاثوليکية والسلطات التي مُنحت إلى بعض الجهات الفاعلة من غير الدول، فکان لها الحق في شن الحروب أو احتلال الأراضي، حيث تم تسليمها إلى شرکات تجارية تنتمي إلى العصر الامبريالي. أضف إلى ذلک المنظمات الدولية غير الحکومية NGOs والتي يمتلک بعضها النفوذ السياسي وتشارک الأمم المتحدة في صياغة المعاهدات الدولية متعددة الأطراف. ( )

(3) المصالح المشترکة: کالتبادل التجارى أو حرية التنقل، أو مجرد الحاجة إلى الاستقرار. وکلما کانت مستويات الاعتمادية أعلى، زادت احتمالات إنشاء الدول للمؤسسات بهدف تحقيق المصالح والغايات المستقبلية. إلا أن استقلال الدول ذات السيادة يبقى عاملاً مقيداً لتحقيق الأهداف المشترکة. فعلى سبيل المثال، نجد أن معاهدة وست فاليا قد أرست قواعد من شأنها الإبقاء على نسق دولي يضم دول ذات سيادة. ولکن وقوع الحرب کان يعني انهيار “هذا النظام”، ويرى “Bull” أنه وبالرغم من وقوع الحربين العالميتين الأولى والثانية، إلا أنه قد تم احترام قوانين حرب معينة، وحتى بعد انتهاء الحرب، حدثت محاولة لبناء نظام عالمى جديد “order” مبني إلى حد کبير على القواعد والمؤسسات نفسها التي کانت فاعلة خلال حقبة ما قبل الحرب، وهذا دليل على أن عنصر “المجتمع” کان موجوداً دائماً في منظومة الدول الحديثة. وينتقد بعض الأکاديميين هذه الآراء جميعها. ( )

 توجد مجتمعات الدول لأن معظم المجتمعات ترغب في تقييد استخدام القوة، وإضفاء التحضر على علاقاتها الخارجية. وهنا يثور التساؤل: هل هناک بعض الدول أکثر ميلاً من غيرها لتحقيق قيم خاصة بالمجتمع الدولي وحماية مؤسساته أم أن الغلبة هي للدول التي تتطلع لفرض إرادتها على غيرها، ويرى کتاب المدرسة الإنجليزية أن المجتمع الدولي يمکن أن يکون متعدد الطوائف، وأن يضم تلک الدول ذات الثقافات ونظم الحکم المختلفة جذرياً، وهذه هي المهمة المرکزية للدبلوماسية من وجهة نظرهم. ولم يقتنع أصحاب المدرسة الإنجليزية بأن أعضاء المجتمع الدولي ينبغى أن تکون لديهم نفس الأيديولوجيا. تتعلق المسألة هنا بمدى تأثير “الداخل” على “الخارج”، بمعنى إلى أي حد تستطيع قيود حالة الفوضى التغلب على تلک التفضيلات، أى کيف يؤثر الداخل على الخارج وبالعکس. ومثال ذلک، کيفية تغير مبادئ الشرعية الدولية عبر القرون. فقد استبدلت مبادئ الحکومة الملکية بفکرة أن الشعب – أو الأمة – هي المالک الحقيقي لقوة السيادة، وأثناء ذلک تغيرت القواعد الحاکمة لعضوية المجتمع الدولي، إن تلک المبادئ للشرعية تحدد مساحة التقارب بين السياسات الدولية والداخلية فهي المبادئ السائدة – أو على الأقل المعلنة – داخل أغلبية الدول التي تشکل المجتمع الدولي، وکذلک علاقات تلک الدول ببعضها البعض. وتجدر الإشارة إلى أن هذه النقطة تحديداً تفسر الإدعاءات الأمريکية بأن الأعضاء الشرعيين للمجتمع الدولي يجب عليهم احترام حقوق الإنسان والالتزام بالديمقراطية. ( )

– أنواع المجتمعات الدولية:

 للمجتمعات الدولية نوعان وهما التعددية Pluralism والتضامن Solidarism، ويرتبطان تحديداً بالجدال حول النظام والعدالة، حيث صک Bull هذين المصطلحين، وتحولا لمفهومين محورين للجدال النمطي في المدرسة الانجليزية.

(1) التعددية Pluralism :

 يشير المصطلح إلى الخلاف المجتمعي إزاء محورية مفهوم الدولة، حيث الإعلاء من شأن السيادة وعدم التدخل وذلک في سبيل احتواء ودعم استمرارية التنوع الثقافي والسياسي. وهذا يعني الحفاظ على الوضع الراهن والإبقاء على النظام. يقول Bull أن التعددية تؤکد على أن النسق غير العادل لا يحقق الاستقرار وبالتالي فإن النظام يشکل حالة العدالة في هذه الحالة. ( )

 يکون إطار العمل المؤسسي في المجتمع الدولي التعددي Pluralist international Society موجهاً نحو حرية الدول والحفاظ على النظام فيما بينها. ويتم الامتثال للقواعد لأنها مثلها مثل قواعد المرور لا يکلف الالتزام بها شيئاً نسبياً، لکن الفوائد الجماعية الناجمة تکون کبيرة. وتقوم القواعد والمعايير التعددية بإعطاء هيکل للتعايش المشترک، مبني على الاعتراف المتبادل بالدول بوصفها عضواً في المجتمع مستقلة وذات حقوق متساوية، وهذا الهيکل مبني أيضاً على المساعدة الذاتية self-help وهو مبني کذلک على حرية الدولة في تعزيز أهدافها الخاصة والمرهونة بحد أدنى من القيود. وبکلمة أخرى، فإن المدرسة الإنجليزية کانت ترى أن القوى العظمى والحروب المحدودة وتوازن القوى هي بمثابة “مؤسسات”. ومن خلال هذا المصطلح، کان Bull وغيره يشيرون إلى الممارسات التي ساعدت في الحفاظ على النظام الدولي العام، وهي ممارسات تطورت عبر قرون عدة. فعلى سبيل المثال، إذا کان ميزان القوة ضرورياً للحفاظ على حرية الدولة، فينبغي إذاً لقوى الوضع الراهن أن تکون مستعدة للتدخل لکبح القوة المتنامية للدولة التي هددت التوازن العام. ( )

(2) التضامنية :Solidarism

 لقد کان نقاد التعددية يتهمونها بأنها لا تفي بالوعود. وتشير استمرارية الحروب بين الدول طوال القرن العشرين إلى أن معايير السيادة لم تکن کافية لردع الدول ذات الأطماع. علاوة على ذلک، فقد کانت قاعدة عدم التدخل – التي کانت أساسية في التعددية- تخول النخب الدولية إلى أن تسيء معاملة مواطنيها. وبالتالي توجه البعض نحو تصور مختلف عن المجتمع الدولي تقوم فيه القيم للجميع مثل حقوق الإنسان التي تضع حدوداً على ممارسة الدولة لسيادتها. وهذه الفکرة يلخصها مصطلح التضامنية “solidarism”، حيث أن الروابط التي تربط الأفراد بمجتمع الجنس البشرى الکبير هي أعمق من القواعد والمؤسسات التعددية التي تفرق بينهم. ( )

 ما الذي يشير إليه هذا المصطلح؟ يعرف Bull التضامن على أنه: “القوة الجماعية للقوانين الدولية ووصاية مبدأ حقوق الإنسان”. وتختلف التضامنية عن الکوزموبوليتانية في أن الأخيرة ما هي إلا ترتيبات مؤسسية لإنتاج أو توليد قيم عالمية، فهم يؤمنون بأن الحکومة العالمية هي أفضل صورة. وعلى العکس من ذلک فإن التضامن ما هو إلا امتداد لمجتمع دولي وليس تحولاً عنه. ومثلها مثل التعددية، فإن التضامنية تُعرف بالقيم والمؤسسات المشترکة وتقوم من خلال قواعد وقوانين شرعية، ولکنها تختلف في مضمون هذه القيم ونوعية القواعد والمؤسسات، فالقيم لدى المجتمع الدولي التضامني، يمثل الأفراد فيها حجر الأساس في الحقوق الأساسية basic rights. وهذا بدوره يتطلب تحديث أنماط السيادة بحيث تحمل أعضاء المجتمع الدولي واجب ومهمة التدخل لحفظ وحماية هذه الحقوق. ولکن Bull کان متردداً بشأن أمثلة التضامنية، فقال إن فرض حقوق الإنسان بالقوة إنما يشکل خطراً على “النظام الدولي” وبالتالي فإن الوصول إلى حالة global solidarism إنما يشکل تهديداً أکثر من کونه فائدة. ( )

– مستويات المجتمع الدولي ومؤسساته: ( )

(1) مجتمع سياسات القوة A Power Politics inter-state Society

 ويعرف على اعتباره علامات عداء في الأساس “وهي الأصل في العلاقات الدولية” واحتمال نشوب الحرب، وبذلک فإنه يمنح مساحة ضئيلة أو صغيرة للمؤسسات الأولية “Primary institutions”. البقاء هو الهدف الأساسى للدول “ولا توجد قيم مشترکة”( ). ولا وجود للمؤسسات الثانوية في هذا المجتمع. ومجتمع سياسات القوة يحتاج إلى وسائل اتصال سلطوية حتى لو کان ذلک “لصنع” الأعداء، وکذا في الدبلوماسية. وتشير التجربة التاريخية إلى وجود بعض المؤسسات مثل “الملکية”.

(2) مجتمع الوجود المشترک A Coexistence interstate Society

 ويعرف على أساس نموذج وست فاليا لنسق توازن القوة حيث الأخير هو مبدأ تنظيمي مقبول لدى القوى العظمى، الحرب والقانون الدولي. وما سبق کله هو بمثابة مؤسسات أساسية للمجتمع الدولي. وهذا هو مجتمع Bull التعددي، ويقارب تجربة التاريخ الأوروبى الحديث حتى 1945. وبمصطلحات “وظيفية”، فإن هذه المؤسسات الکلاسيکية تغطى وسائل متطورة وهي الاتصال السلطوى “الرسمى” أي “الديبلوماسية” والعضوية “أي الدول ذات السيادة”، وحدود استخدام القوة “أي الحرب وميزان القوة وإدارة القوى العظمى”، الملکية “أي الإقليم”، الاتفاقيات “أي القانون الدولي”. وفي سياق “العضوية” فإن الاستعمار هو خيار متاح لمثل هذا المجتمع حيث يقدم محلاً للتوسع خارج منطقة “القلب”. بذلک يمکن للمجتمعات الدولية الإقليمية أن تتواجد بصورة مجتمع عالمي أصغر، يتميز بدرجة أقل من کثافة شبکة الأنماط والقواعد والمؤسسات. ( )

(3) المجتمع التعاوني A Cooperative interstate society

 ويُعرف المجتمع التعاوني على أنه: التطورات التي تلي مجتمع الوجود المشترک، فيتعدى ذلک النموذج مجتمع الوجود المشترک وهو بذلک يحوي مجموعة غنية من المؤسسات الثانوية. وليس من الصعب تصور أن کل من السيادة والملکية “الإقليم” والقومية والديبلوماسية والقانون الدولي لا يزالون يحظون بالأهمية، وذلک على الرغم من بعض التعديلات والتفسيرات أو بکلمة أخرى”إعادة النظر في طبيعة هذه المؤسسات”. وبالنظر إلى الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والجدل حول النسق الدولي الأحادي والمتعدد، نجد أن إدارة الدول الکبرى لا تزال تحظى باعتبار. وتتميز المجتمعات التعاونية بتطور في العضوية، وفي المؤسسات المعنية بالاتفاقيات، وتضع قيوداً أقوى على استخدام القوة. ومن شأن مجتمعات مثل هذه المجتمعات أن تقلل من حدوث الحرب “کمؤسسة”.

(4) المجتمع التوافقي A Convergence interstate society

 ويقوم على أساس تطوير مدى واسع من “القيم المشترکة” الموجودة في مجموعة الدول، مما يجعل هذه الدول تتبنى سياسات متشابهة، وأشکالاً قانونية واقتصادية متماثلة. وهذا لا يوظف فقط مؤسسات قوية تشمل کل الوظائف، بل أيضاً يحدد وبدقة ظروف العضوية membership. ومن الجدير بالذکر أن ما يحدد نوع هذا المجتمع هو نموذج الاقتصاد السياسي Model of political economy الذي تتوافق عليه الدول الأعضاء: ديمقراطية ليبرالية، ثيوقراطية إسلامية، مونارکية “ملکية” وراثية، امبراطورية، شيوعية شمولية وهکذا. هذا الخيار يحدد الممارسات Practices والنظم القانونية التي تُعـرِّف المؤسسات. وقد تظل بعض المؤسسات التعددية قيد العمل، على الرغم من أن بعض المؤسسات لا يقل دورها کالحرب وميزان القوة.

ثالثاً، المجتمع العالمي World Society:

 وهو العنصر الثالث في ثلاثية المدرسة الانجليزية، ومفهوم المجتمع العالمي يوازي مفهوم المجتمع الدولي، إلا أن هناک فارقاً أساسياً واحداً وهو أنه “يشير إلى المصالح والقيم المشترکة التي تربط جميع أجزاء الوطن البشري المشترک human community. إن تعريف المجتمع العالمي يشمل کل ما هو خارج المجتمع الدولي، مثل: مطالب الأفراد بحقوق الإنسان، مطالب السکان الأصليين بالحکم الذاتي وحاجة المؤسسات عبر القومية إلى اختراق سيادة الدول، باختصار هي الثقافة الکوزموبوليتانية. ومن مؤشرات ذلک الأهمية المتزايدة للقيم عبر القومية المتأصلة في المفاهيم الليبرالية للحقوق والعدالة. إذ يمکن للهويات عبر القومية أن ترتکز إلى أفکار تتسم بالکراهية والتعصب. ومثال ذلک في مجموعة کبيرة من استفتاءات الرأي العام العالمي التي أظهرت أن أقوى الولاءات السائدة هي للعقائد الدينية وليس للدولة.( )

 فإذا کان المجتمع الدولي يرکز على الدول کأعضاء، فإن المجتمع العالمي يصل إلى ما وراء الدولة باتجاه صورة المواطنة العالمية، وبالرغم من أن فکرة المجتمع العالمي تشکل تحدياً لفکرة المجتمع الدولي، إلا أن الأخيرة هي الأفضل والأکثر وضوحاً من وجهة نظر کثيرين. فالمجتمع العالمي يمثل التباساً بل وعائقاً للتفکير في البنية الاجتماعية للنسق الدولي Social structure for international system. والسبب الرئيسي في ذلک هو فشل المدرسة الانجليزية في التفريق بين نظرية نمطية ونظرية عن الأنماط، ولذلک تتبع المدرسة الانجليزية تفسير Wendt البنائي لأن الأخير قد أخذ بکل من: القراءات الاجتماعية البنيوية للمجتمع الدولي ورفض النماذج التقليدية في العلاقات الدولية. ( )

 ويرى کثيرون أن مفهوم المجتمع العالمي کان الأقل حظاً في المدرسة الإنجليزية، فهو لم يحظ بالاهتمام الکافي ولا بتطوير مفاهيمي مناسب. ويرى Buzan أن: (1) تحتاج المدرسة الإنجليزية إلى توضيح فکرة المجتمع العالمي إزاء غيرها من المفاهيم. (2) لن يتم تطوير للمدرسة الإنجليزية إلا بتقوية وتوضيح فکرة المجتمع العالمي الذي هو أحد أعمدة هذه المدرسة. (3) يمکن استخدام مفهوم المجتمع العالمي في إثراء مفهوم العولمة Globalization. ويرى Little أن مفهوم المجتمع العالمي هو من: “أکثر المفاهيم غموضاً في المدرسة الإنجليزية”. فنجد أن هناک توافق مفاهيمي في ربط النسق الدولي بالواقعية وبهوبز، وکذا في ربط المجتمع الدولي بالعقلانية وجريتوس، لا يوجد في ذلک أى صعوبات في الفهم. ولکن ربط المجتمع العالمي بالثورية وکانط يدق نواقيس عديدة: فالثورية Revolutionismخارج النطاق وبعيدة عن کل ما يمکن شرحه عن المجتمع الدولي. وليس من الواضح کيف تلائم أفکار Kant هذه الصورة. فنجد على سبيل المثال مفاهيم تجتمع معاً لتشکل فکرة المجتمع العالمي، مثل العابر للقومية أو الأيديولوجيات العالمية. ولکن ذلک لا يتوفر لدى المجتمع العالمي، والأسوأ من ذلک، فإن المجتمع العالمي يفتقر إلى نسق عالمي يميزه “World System” ويکمله، على خلاف کل من المجتمع الدولي والنسق الدولي اللذين يشکلان مجموعة واضحة ومتمايزة تفرق بين “الأنساق الفيزيائية – المادية” و”الأنساق الاجتماعية – غير المادية”. ( )

 ويحاول البعض تفسير مدلول مصطلح المجتمع العالمى فيقولون أنها فکرة تهتم بالأفراد والمنظمات غير الحکومية، والشعب العالمى Global population ککل، وتعتبرهم محور اهتمام الهويات الاجتماعية العالمية. وتعني الثورية التي يرتبط بها اسم المجتمع العالمي: أشکال المواطنة العالمية، ويرى البعض أن ذلک قد يشمل الفکرة الشيوعية ولکن Waever يؤکد أنها اليوم تعني الليبرالية فقط. ويرتبط ذلک التفسير بقول Halliday القاضي بأن المدرسة الانجليزية لا تولي الاهتمام الکافي للثورة revolution. وهذا الرأي يقترب من فکرة العبر قومية. إن المجتمع العالمي لا يرکز على ماهية الدولة، ولکنه يعطي أهمية للعنصر عبر القومي، ولا يرکن بالکامل إلى الأفراد. ( )

 ومن هنا يمکن القول بأن المجتمع العالمي يهدف بوضوح إلى نسق “لا” دولي – مبني اجتماعياً، ولکن ما هو الجزء المادي؟ يرى البعض أن العبر قومية transnationalism ترتبط بالمجتمع العالمي کما ترتبط بالمجتمع الدولي وبنفس الدرجة، وهذا لا يضيف شيئاً ولا يوضح شيئاً، ويقترح Bull فکرة نسق سياسي عالمي a world political system ليقوم بدور المکون المادي للمجتمع العالمي، بحيث يتکون من تفاعل الدول بالإضافة إلى الفاعلين من غير الدول. ولم يذهب Bull إلى أبعد من هذه الفکرة فقال إنه لا داعي لإضافة أية تعقيدات. لقد ترک منظرو المدرسة الانجليزية کل المفاهيم التي لا يريدون الخوض فيها في المجتمع العالمي وکأن هذا المفهوم هو مکان للأفکار المسکوت عنها. ( )

 مشکلة أخرى تواجه المجتمع العالمي، قوامها الخلاف على طبيعة العلاقة بين المجتمع العالمي والمجتمع الدولي. إن العودة إلى تاريخ هذه العلاقة يؤکد على أن المجتمع العالمى “في صورة ثقافة مشترکة” هو متطلب سابق للمجتمع الدولي. يقول Wight في ذلک: “لابد لنا أن نفترض أن نسق من الدول states-system – مثل المجتمع الدولي – لن يبدأ بالفعل إلا إذا کان هناک درجة من الوحدة الثقافية Cultural unity بين أعضائه. ولقد قَبِل Bull بوجود مظهر عام مشترک للحالات التاريخية الأساسية للمجتمعات الدولية وهي: “وجود هذه المجتمعات الدولية على خلفية ثقافية مشترکة أو حضارة مشترکة”. ومعظم الأمثلة التاريخية المسجلة من اليونان القديمة وحتى أوروبا الحديثة تدعم هذه الفکرة، بمعنى ضرورة وجود ثقافة مشترکة لنصل لمرحلة المجتمع الدولي. وفي حالة توسع المجتمع الدولي “الأوروبى” فإن دول من ثقافة مختلفة قد تنضم لهذا المجتمع، الأمر الذي يثير أسئلة حول کيفية “تفاعل” الأنماط والقواعد rules والمؤسسات الداخلية الموجودة في حضارات مختلفة، وما إذا کانت مختلفة، وما إذا کانت الأنماط الدولية “international norms” دائمة تحت هذه الظروف أم لا. ( )

 نخلص مما سبق إلى أن ما يفرق بين المجتمع الدولي والمجتمع العالمي هو مستويات الدولة والفاعلين من غير الدول، ومدى الاختلاف بينهما. کما أن الفرق بين المفاهيم “المادية” و”الاجتماعية” يتماشى مع الخطوط الأساسية لکل من النسق الدولي والمجتمع الدولي، ولابد أن تفرق هذه المفاهيم “المادية والاجتماعية” بين النسق العالمي world system والمجتمع العالمي world society. أضف إلى ذلک تزايد الحاجة غلى توضيح الفروق “الاجتماعية” بين المجتمع الدولي والمجتمع العالمي وکذا تطبيقات تلک المفاهيم في سبيل فهم “التعددية” في مقابل “التضامنية”. وأخيراً فإن وحدات التحليل التي تُعرف “المجتمع العالمي” من الأفراد والفاعلين عبر القوميين، وسواء کان من الممکن اعتبارهم يتفاعلون معاً أم لا، أم هم مجرد مفاهيم نظرية، إلا أنه من الضروري إبقاؤهم منفصلين عن بعضهم البعض. ( )

التقاليد الکلاسيکية الثلاثة لنموذج المدرسة الانجليزية

– جرويتوس

– العقلانية

– المجتمع الدولي

– المحافظة/ التعددية

– التقدم/ التضامنية – هوبز أوماکيافيللى

– الواقعية

– النسق الدولي

– تعظيم القوة/ الامبريالية

– الهدف الأمنى/ الدفاعى

– کانط

– الثورية

– المجتمع العالمي

• العالمية

• التطور

 يظهر هذا الشکل التوضيحى التقاليد الثلاثة للمدرسة الإنجليزية والمفاهيم الأساسية المرتبطة بها. ( )

وتجدر الإشارة إلى أن هناک ثلاثة محاور تميز اتجاه المجتمع الدولي عن غيره من الاتجاهات:

فإما أن يکون المجتمع الدولي:

(1) مجموعة من “الأفکار” في أذهان ولغة الفاعلين الدوليين.

(2) مجموعة من “الأفکار” في عقول المنظرين السياسيين.

(3) مجموعة من مفاهيم تعرف البنى المادية والاجتماعية في النسق الدولي في سبيل تحليل النسق الدولي تحليلاً أکاديمياً.( )

 هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نجد بعض المفاهيم التي تفسر أفکار المدرسة الانجليزية ومنها: مجتمعات المستوى الأول ومجتمعات المستوى الثاني، والمؤسسات الأولية والمؤسسات الثانوية، وفيما يلى تفصيل ذلک:

• مجتمعات المستوى الأول والمستوى الثانى:

 مجتمعات المستوى الأول هم أفراد البشر، وهم يمثلون اللبنة الأولى أو المادة الأولية في علم الاجتماع وکل ما يندرج تحت مسمى المجتمع العالمي “world society” هو من مجتمعات المستوى الأول. أما مجتمعات المستوى الثاني فهم ليسوا الأفراد بل هم المجموعات المستمرة من البشر “مثل الدول States” التي تتکون بدورها من هويات وفاعلين هو أکثر من مجرد مجموع عددي لأجزائه. وکما سبقت الإشارة، فإن المدرسة الإنجليزية ترفض المناظرة بين ما هو “داخل” الدولة والمجتمع الدولي ( )، فهي تراه بشکل مختلف. ومصطلح مجتمعات المستوى الأول والثاني ليس شائعاً، ولکن فکرة مجتمع دولي تتطلب القبول بشئ مثل مجتمعات المستوى الثاني. ومن منظور المدرسة الإنجليزية، فإن العلاقات الدولية تهتم بمجموعات المستوى الثاني وهو موضوع يهمله علم الاجتماع.

• المؤسسات الأولية والمؤسسات الثانوية:

 ويمثل هذا المصطلح قلب فکر المجتمع الدولي. ويرتبط بالإستخدام الشائع للمؤسسة، الذي يمکن أن يفهم إما في (1) سياق محدد على اعتبار منظمة أو منشأة تختص بأشياء معينة. أو(2) في سياق عام على اعتباره مجموعة من الأعراف والقوانين وأنماط العلاقات في مجتمع معين.

 – المؤسسات الأولية: ويقصد بها الأعراف والقوانين أو نمط العلاقات في مجتمع معين. إنها ممارسات عميقة ومترابطة بشکل تبدو عليه أنها “ظهرت” ولم “تصمم” – فکرة الآلية أو التلقائية – هذه الممارسات ليست فقط مشترکة بين أعضاء المجتمع الدولي ولکنها تعتبر السلوک المشروع ( ) بينهم “Legitimate behavior”.( ) تتعلق المؤسسات الأولية بالهوية المشترکة لأعضاء المجتمع الدولي والتي يعرفون بها ليس فقط الشخصية الأساسية ولکن أيضاً بأنماط السلوک المشروع في علاقاتهم ببعضهم البعض.

 فعلى سبيل المثال، نجد أن مبادئ وست فاليا المکونة من السيادة والملکية، ميزان القوة والحرب و الدبلوماسية القانون الدولي وإدارة القوى العظمى للنسق بالإضافة إلى القومية، قوى السوق کلها بمثابة مؤسسات أولية، يمکن أن نجد المؤسسات الأولية أينما وجدت الدول.

– المؤسسات الثانوية: وهي تلک التي تهتم بالمؤسسات الليبرالية والتي ترتبط بالإستخدام التنظيمي للمصطلح. وهذا بدوره ينتج أشکالاً محددة من المجتمع الدولي “في معظمها ليبرالية” وهي ترتيبات بين حکومات تصممها الدول وتشکلها لخدمة أهداف وظيفية محددة، وهذا يشمل: الأمم المتحدة، البنک الدولي، منظمة التجارة العالمية، نظام الحد من انتشار الأسلحة النووية. ظهرت المؤسسات الثانوية کجزء من الحداثة الصناعية في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. ( )

نخلص مما سبق إلى أن المدرسة الإنجليزية تؤکد على مايلي: ( )

1-إن المجتمع الدولي هو فوضوي ولاشک، طالما لايوجد حکومة عالمية تدير الصراع بين الدول ذات السيادة.

2-فيما عدا حالة الفوضى الدولية، يعترف المجتمع الدولي بدور المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، التي تنظم السلوک بين الفاعلين في النسق الدولي.

3-تجيد المدرسة الإنجليزية تتبع تتبع نشأة الفاعلين وممارساتهم عبر التاريخ، الأمر الذي يسمح للمحللين بتفسير کيفية ظهور سلوک معين – مثل الامبريالية – ليکون السلوک السائد في النسق الدولي

المبحث الثالث

الفروض الأساسية للمدرسة الإنجليزية

 لاشک أن المدرسة الانجليزية تضع فروضاً أساسية تشکل إطارها النظري، فيما يلي تفصيل لهذه الفروض: ( )

الفرض الأول:

 يمکن فهم العالم على أنه مجتمع فوضوى أو دولي International or anarchic society حيث أنه يتکون من “الدول” وفاعلين من “غير الدول” في آن. والتأکيد هنا على مفهوم المجتمع “Society” والذي لا يقبله الواقعيون حيث يؤکدون على الفوضوية.

 الفرض الثاني:

 يلعب مفهوم النظام “order” في المجتمع الفوضوى دوراً هاماً في النظرية. فالنظام لا ينتج ببساطة من القوة وميزان القوة ولکنه ينشأ عن قبول القواعد والقوانين والترتيبات المؤسسية التي تتصف بأنها مصالح رشيدة سواء للدول أو لغيرها من الفاعلين. وعلى غرار الواقعيين الکلاسيکيين، فإن أنصار المدرسة الإنجليزية يدرکون أهمية کل من القوة “المکون المادي” وکذا الأفکار والقيم والأنماط.

 وکما نلاحظ نجد أن الواقعيين والليبراليين والليبراليين الجدد المؤسسين يستخدمون مفهوم الرشد “العقلانية” کفرض أساسى في نظرياتهم. ولکن المدرسة الانجليزية تنظر للعقلانية بصورة مختلفة. فکما يقول جرويتوس “أبو القانون الدولي” فإن عقلانية المدرسة الانجليزية تعنى القواعد rules والقوانين laws والترتيبات المؤسسية التي تنشؤها الدول لتوفير درجة من النظام order في مجتمع دولي فوضوى. وعلى عکس ما يؤکده الواقعيون من تعريف للبنية وفق درجة القطبية “polarity” أو توزيع القوة، فإن البنية لدى المدرسة الإنجليزية تقترب من الإطار المؤسسى المبني على القواعد المتفق عليها.

 الفرض الثالث:

 تعترف المدرسة الإنجليزية بأخلاقيات کانط Kantian والفهم الأخلاقي ولکن ذلک يوازنه النظرة البراجماتية للمجتمع الفوضوى الذي تظل القوة والمصلحة فيه أمران مهمان.

 يقول البعض إن المدرسة الإنجليزية بذلک هي بمثابة “حل وسط” middle way فهي تختلف عن الواقعية والمثالية في أنها تعترف بأهمية المؤسسات وقدرتها على التحديث moderate واحتواء المخاطر الموجودة في الحياة الدولية الفوضوية. ( ) ولکن قراءة في أدبيات المدرسة الإنجليزية تشي بأنها تقترب من المثالية. ( )

 نخلص مما سبق إلى أن المدرسة الإنجليزية هي مدرسة في العلاقات الدولية ترى العالم مکون من فاعلين دوليين اتفقوا على معايير مشترکة تجعل من سلوکهم أمراً قابلاً للتنبؤ. وبذلک يتشارک الفاعلون مؤسسات عامة تمثل الأنماط والقواعد والممارسات التي تحکم سلوک أعضاء المجتمع. أضف إلى ذلک أن الأعضاء الذين ينتهکون مؤسسات المجتمع المدني يُعاقبون من قبل الأعضاء الآخرين، بحيث يتراوح العقاب من التحذيرات الشفهية إلى التدخل العسکري المباشر.) )

وفيــمــــا يلي تفصيل للأفکـــــار الأساســــــية في المدرســــــة الإنجليــــــزية، وهي تتمحور حول فکرة Martin Wight عن التقـــاليد الثلاثة وفکرة Hedley Bull عن المفاهيم الأساسية للمدرسة الإنجليـــزيــــــة. يقول Wight أنه ومن خلال تاريخ نسق الدول الحديثة نلاحظ وجود ثلاثة تقاليد متنافسة:

 1- الهوبزية أو الواقعية Hobbesian or realist tradition والتي تصف العلاقات الدولية بأنها حالة حرب الکل ضد الکل، وهي حالة صراع تامة بين الدول وفي سبيل تحقيق المصلحة التي تتميز بأنها مباراة صفرية zero-sum game، بمعنى أن ما يکسبه طرف يخسره الطرف الثانى بالکلية. والنشاط الدولي من وجهة نظر هوبز هو الحرب فقط والسلام ما هو إلا الأوقات التي لا حرب فيها، فالحرب هي الأصل في العلاقات الدولية.

 2- الکانطية أو العالمية Kantian or universalist tradition فهي تذهب إلى النقيض وتأخذ السياسة الدولية ليس إلى الصراع بين الدول بل إلى روابط عبر قومية تربط الأفراد ببعضهم البعض، هؤلاء الأفراد الذين هم مواطنو الدول. والموضوع الأهم في العلاقات الدولية من وجهة نظر Kant هي العلاقة “بين” الدول relationship among stares والتي ترکز بدورها على العلاقة بين الأفراد في کل اجتماع للنوع الانسانى. وفي مجتمع يضم کل النوع الإنساني “کافة البشر” فإن المصلحة بينهم واحدة وثابتة، وبالتالي فإن السياسة الدولية – وفق هذا المنظور – ليست مبارة صفرية کما يدعى هوبز، ولکنها تعاون تام وکامل بين البشر.

 3- الجروتية أو الدولية Gratian or internationalist tradition: وهي رؤية تقف في منتصف المسافة بين الهوبزية والکانطية، فالجروتية تصف السياسة الدولية في صورة مجتمع من الدول “Society of States”. أى أنه على خلاف الثقافة الهوبزية نجد أن الجروتية لا تدخل الدول في صراعات مسلحة ولکن صراعاتهم محدودة وتنظم بواسطة قواعد عامة common rules ومؤسسات institutions، وکذلک نجدها على خلاف الکانطية تقبل الدعوى الهوبزية بأن الدول أو السيادات Sovereigns هم الواقع والکيانات الأساسية في السياسة الدولية وليس الأفراد. فالدول هم أعضاء المجتمع الدولي وليس أفراد المجتمع الإنساني human beings. وتفهم الجروتية السياسة الدولية على أنها ليست بالصراع التام بين الدول ومصالحها ولا هي بالمصالح المتطابقة تمام التطابق، ولکنها عوضاً عن ذلک ترى أن السياسة الدولية هي مباراة a game تحتمل المکسب والخسارة. والنشاط الدولي الرئيسي لدى جروتيوس ليس الحرب بين الدول ولا هو صراع أفقي بين الدول “عابر للدول” ولکنه التجارة trade أو لنقُل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الدول economic & social intercourse. ووفق المنظور الجروتي للسلوک الدولي فإن الدول تلتزم في التعامل مع بعضها بالقواعد والمؤسسات في المجتمع الذي هم جزء منه. والالتزام بالقانون هو جزء من العقيدة الجروتية کما هو قبول الآخر والتعاون معه. ( )

المبحث الرابع

الانتقادات الموجهة للمدرسة الإنجليزية

تواجه المدرسة الانجليزية العديد من الانتقادات يمکن أن نورد بعضها على النحو التالي:

1- تعمل الفروض الأساسية للمدرسة الإنجليزية على تمييع مفهوم السيادة في العلاقات الدولية.

2-في الوقت الذي تعترف فيه نظريات العلاقات الدولية – في غالبيتها – بالدولة على اعتبارها الفاعل الأساسي في العلاقات الدولية، نجد أن المدرسة الإنجليزية تعلي من شأن الفاعلين من غير الدول مثل منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحکومية والشرکات متعددة الجنسيات. ومن خلال قوانين حقوق الإنسان والأنماط، تعلي من شأن الأفراد وتضعهم في مرتبة تعلو الدولة.

3- المدرسة الإنجليزية هي تصور أوروبي خالص، حيث نشأت الدولة في أوروبا ومن ثم صدرت فکرة الدولة القومية للعالم کله، وهي بالتالي قصة نجاح أوروبية، وهي تتجاهل بذلک أحداث السيطرة والاستعمار وحتى الإخفاق في المجال الدولي، وهي تضع العالم “ضد” الغرب، وهذا کله يثير التساؤل: کيف ستنضم الدول غير الأوروبية إلى المجتمع الدولي، وکيف ستقبل أوروبا الدول غيرالأوروبية کأعضاء في المجتمع الدولي؟ ( )

4- کيف يمکن بناء أسس نمطية “أنماط” لمجتمع دولي مکون من دول لها العديد من الثقافات ما بين إسلامية وهندوسية وکونفوشيوسية وأفريقية، جنباً إلى جنب مع الحضارة والقيم الغربية؟( ) ولکن البعض يقارع هذه الحجة بأن المدرسة الإنجليزية تسمح بعقد مقارنات بين المجتمعات الدولية الإقليمية المختلفة والتي قد تختلف اختلافاً ظاهراً في الفاعلين والمؤسسات.( )

خـاتـمــة

انتهينا في هذا البحث إلى التعريف بماهية المدرسة الانجليزية، وبأهم الفروض الرئيسية وکذا مادة هذه النظرية ومفهوم الأساس فيها. کما لاحظنا مواطن الاتفاق والاختلاف بينها وبين النظريات التقليدية – لاسيما الواقعية – وهو الأمر الذي يفسر وجود العديد من الانتقادات الموجهة إلى المدرسة الانجليزية. فالنظرية الانجليزية هي مزيج من مداخل نمطية وأخلاقية وهي تبذل الکثير في سبيل التنظير لخصائص المجتمع الدولي. ولا تعترف هذه النظرية بسياسات القوة، بل تؤکد على أن السلام هو الوضع الطبيعي للعلاقة بين الدول، الأمر الذي يعرضها للعديد من الانتقادات. أضف إلى ذلک أن الدولة ليست بمثابة الفاعل الرئيسي بل نجد مکاناً ومکانةً للفواعل من غير الدول مثل المنظمات الدولية غير الحکومية والشرکات متعددة الجنسيات بل والأفراد في بعض الأحيان. والمجتمع الدولي يتصف بإجماع الدول على وجود مصالح مشترکة، وبالتالي فهم يرتبطون بقواعد عامة ومؤسسات تجعل سلوک الدول – وغيرها من الفاعلين الدوليين – أمراً قابلاً للتنبؤ.