Print Friendly, PDF & Email
النظرية البنائية في حقل العلاقات الدولية

ظهرت البنائية في العلاقات الدولية في نهاية الثمانينات كانتقاد للاتجاهات التي كانت سائدة في العلاقات الدولية، كان Nicholas Onuf أول من استعمل المصطلح في كتابه world of our making) ) حيث ركز على انتقاد أعمال الواقعية البنيوية “[1].

و أيضا مع المقال المرجع لـ Alexandr Wendt الملقب بأبي البنائية ، الصادر سنة 1992 و المعنون بـ ( Anarchy Is What States Make of It: The Social Construction of Power Politics) [2] .

حيث تزامن ظهورها مع نهاية الحرب الباردة، التي شكلت عقبة فشل أمام العديد من النظريات وخاصة النظرية الواقعية باتجاهيها، في التنبؤ بنهاية هذه الحرب بطريقة سلمية،كما ساهمت هذه الحرب في إضفاء الشرعية على النظريات البنائية لأن الواقعية والليبرالية أخفقتا في استباق هذا الحدث كما أنهما وجدتا صعوبة كبيرة في تفسيره، بينما تمتلك البنائية تفسيرا له، خصوصا ما يتعلق بالثورة التي أحدثها ميخائيل غورباتشيف في السياسة الخارجية السوفيتية باعتناقه أفكارا جديدة “كالأمن المشترك”[3].

زيادة على ذلك، وبالنظر إلى التحدي الذي تتعرض له الضوابط التقليدية بمجرد تحلل الحدود، وبروز القضايا المرتبطة بالهوية، فإنه ليس من المفاجئ أن نجد الباحثين قد التجؤوا إلى مقاربات تدفع بمثل هذه القضايا إلى الواجهة وتجعل منها محور الاهتمام.

إن القضية المحورية في عالم ما بعد الحرب الباردة هي بروز قضايا جديدة على مستوى أجندة السياسة العالمية وخاصة صعود البعد الثقافي في العلاقات الدولية وتزايد الصيحات الدولية حول تنامي دور هذا البعد ( القيمي)، ورغم أن التحليل البنائي لا يستبعد متغير القوة، إلا أن البنائية ترتكز بالأساس على كيفية نشوء الأفكار والهويات، والكيفية التي تتفاعل بها مع بعضها البعض، لتشكل الطريقة التي تنظر بها الدول لمختلف المواقف، وتستجيب لها تبعا لذلك.

كذلك بروز قضايا الأقليات، والإرهاب والتنظيمات الإرهابية، أو مايعرف بالفاعل الخفي، وتركيزه على قوة الخطاب الموجه إلى المجتمع المدني سواء الوطني أو الدولي، واللعب على مستوى النعرات الذاتية والانتماءات الثقافية للأفراد، بالإضافة إلى تزايد التركيز على الشعور بالهويات في عالم مابعد الحرب الباردة، خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وظهور النزاعات العرقية التي كانت سمتها الأساسية دور الهويات داخلها وشعورها بضرورة ممارسةدورها في السياسة العالمية كفاعل مستقل، وبالتالي إعطاء الصيغة الجديدة للتفاعل العالمي داخل النظام الدولي،والذي يشهد بروز العديد من الفواعل.

عموما النظريات البنائية : متعددة حتى داخل المنظور الواحد، و يوجد هناك أكثر من اتجاه داخل هذا “البرادايم”.و يبدو أن العامل الابستومولوجي هو المؤشر الرئيسي للتمييز بين هذه الاتجاهات المختلفة. و هنا قد نجد البنائيين الوضعيين أو كما يسمون ” البنائيون الحداثيون Constructuvist Modernists” أمثال Alexandr Wendt ، و “البنائيين النيوكلاسيين”، أمثال F. Kratochwill ، N.Oneuf، E.Adler إلى جانب Peter Katzenstein . و معظم هؤلاء يميلون إلى تبني ابستومولوجية وضعية. أما “البنائيون بعد الحداثيون” أو “بعد-البنيويون”، أمثال: Rechard Ashley، David Campbell، J. Der Darian إلى جانب R B. J Walker فهم يتبنون ابستومولوجية بعد وضعية[4].

لكن عموما ما يجمع هؤلاء المنظرين هو أن كل من الاتجاهين المذكورين داخل المنظور البنائي كونهما جاءا كرد فعل على الإتجاه السائد (الواقعي، الليبرالي) حيث يتحدث الجميع- داخل المنظور البنائي- عن المعايير، والهوية، والعوامل المثالية. وكما ذكر “جيفرى شيكل” ، فإن معارك الحركة البنائية مع النظريات السائدة ليست معرفية و لكنها وجودية[5].

في الوقت الذي تميل فيه كل من الواقعية والليبرالية إلى التركيز على العوامل المادية فإن المقاربات البنائية تركز على تأثير الأفكار، وبدلا من النظر إلى الدولة كمعطى مسبق والافتراض أنها تعمل من أجل بقائها، يرى البنائيون أن المصلحة والهوية تتفاعل عبر عمليات اجتماعية (تاريخية) كما يولون أهمية كبيرة للخطاب السائد في المجتمع، لأن الخطاب يعكس ويًشكلً في الوقت ذاته المعتقدات والمصالح، ويؤسس أيضا لسلوكيات تحظى بالقبول. إذن، فالبنائية تهتم أساسا بمصدر التغير أو التحول. وهذه المقاربة حلت بشكل كبير محل الماركسية كمنظور راديكالي للشؤون الدولية. “[6].

بالإضافة لهذا فعجز كل من الواقعية و اللبرالية على تقديم تفسير مقبول فتح المجال للبنائية كمنظور بديل لتفسير التحولات في هذه المرحلة.

ومن وجهة نظر بنائية، فإن القضية المحورية في عالم ما بعد الحرب الباردة هي كيفية إدراك المجموعات المختلفة لهوياتها ومصالحها. ورغم أن التحليل البنائي لا يستبعد متغير القوة، إلا أن البنائية ترتكز بالأساس على كيفية نشوء الأفكار والهويات، والكيفية التي تتفاعل بها مع بعضها البعض، لتشكل الطريقة التي تنظر بها الدول لمختلف المواقف، وتستجيب لها تبعا لذلك. ومن خلال ما سبق، يتضح أن معرفة ما إذا كان الأوروبيون ينظرون إلى أنفسهم بمنظور وطني أم بمنظور قاري، ينطوي على أهمية تحليلية كبيرة، وينسحب الأمر ذاته عما إذا كان الألمان واليابانيون سيعملون على إعادة النظر في ماضيهم، بحيث يتبنون أدوارا خارجية فاعلة، وعما إذا كانت الو.م.أ. ستعتنق أو سترفض هوية تقضي بأن يلعب الأمريكيون دور دركي العالم. “[7]. ومهما يكن، فإن الموضوع المشترك بين كل هذه الاتجاهات يتمثل في قدرة الخطاب على صياغة الكيفية التي يحدد بها الفاعلون هويتهم ومصالحهم وبالنتيجة يقومون بتعديل سلوكاتهم. “[8].

إذا يبدو أن البنائية بهذا البناء النظري المقدم حاولت أن تكون بمثابة حلقة وصل أو Bridge Gaps تملأ الفراغ الناجم عن الانتقال من مرحلة الفلسفات الوضعية ممثلة في النظريات العقلانية إلى مرحلة ما بعد-الوضعية ممثلة في المقاربات التهديمية Deconstructuvism أو التأمالية Reflectivism (النظريات النقدية و ما بعد حداثية أو ما يطلق عليها البعض المقاربات الراديكالية كونها اعتمدت على قطيعة مع مستويات البحوث الوضعية، وتبرز هذه السمة أكثر بالنسبة البنائيون الحداثيون Constructuvist Modernists” خاصة مع كتابات Alexandr Wendt و بالخصوص على مستوى منهج البحث لديه المعتمد على المعطيات التجريبية Emperical Data كما سنوضح ذلك لاحقا.

لذا فالبنائية هي محاولة تركيب أكثر من أنها شكلت تحدي أو انتقاد لأبحاث neo-neo synthesis [9]( الواقية الجديدة والليبرالية الجديدة)

لذا يعتقد البعض أن الأهمية النظرية للبرنامج البنـائي تكمن في مــواقفه الإبستمــولوجية و الأنطولوجية و المعيارية الوسطية[10]، إذ تمثل البنائية تصورا وسطيا.

ويوضح الشكل التالي موضع البنائية المتوسط بين الاتجاهات النظرية الوضعية والمابعد وضعية[11]:

Constructivist projects,

see also Baylis and Smith 1997, Patomäki and Wight 2000]

اعتمادا على تصور و إدراك Alexandr Wendt فإن البنائية تنطلق من الافتراضات الأساسية التالية لتقديم فهم أو إدراك أكثر عمقا للسياسة الدولية، و تتمثل هذه الافتراضات في[12]:

– الدول هي الوحدات الأساسية للتحليل.

– البنى الأساسية للنظام القائم على الدول، مبنية بشكل “تذاتاني” Intersubjective.

– هويات و مصالح الدول، تتشكل في معظم أجزائها بفعل البنى الاجتماعية، أكثر ماهي موجودة بشكل منعزل ضمن النظام.

لكن يثار النقاش حول وحدوية الدول و مركزيتها في التحليل لدى البنائيين، فليس كل البنائيين يتبنون هذا الطرح فبالإضافة للدول كفواعل أساسية في النظام الدولي تعتبر المنظمات الدولية الحكومية و الغير حكومية و باقي الفواعل غير الدول Non-state actors بمثابة فواعل إلى جانب الدولة و لكن تختلف في مدى تأثيرها على فعاليات السياسة الدولية و صياغتها، و يعتبر هذا بمثابة تنويع على الطرح الواقعي في هذا المجال. بالإضافة إلى هذا فالدولة عند البنائيين لا يتم معالجتها من منطلق الطرح الواقعي كمعطى مسبق بل من خلال اعتبارها ظاهرة اجتماعية تتكون بفعل الضرورة التاريخية.

و انطلاقا من هذه الافتراضات تحاول البنائية تبني نظرة أو تصور أكثر اجتماعية و أكثر إرادية، أي عكس المفاهيم المادية و الحتمية للتصورات الواقعية البنيوية[13].

[1] ) حمايدي عز الدين، دور التدخل الخارجي في النزاعات العرقية، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في العلاقات الدولية، جامعة قسنطينة ،دورة2005، ص 34.

[2] ) عمار حجار.، السياسة الأمنية الأوروبية تجاه جنوبها المتوسط، مذكرة لنيل شهادة الماجسيير في العلاقات الدولية، جامعة باتنة، دورة جوان 2002. ص 40.

[3] ) ستيفن وولت ،العلاقات الدولية: عالم واحد، نظريات متعددة،ترجمة زقاغ عادل و زيدان زياني، نقلا عن httpm//Yahoo Small Business – Cheap Domains, Web Hosting, Website Builder, Ecommerce Solutions zeggagh/polreview.html ،2005.

[4]) عمار حجار.، السياسة الأمنية الأوروبية تجاه جنوبها المتوسط، مرجع سبق ذكره ،ص 40.

[5]) فضيلة محجوب،القوة الثابتة للواقعية بعد الحرب الباردة،نقلا عن: http://www.ahram.org.eg/acpss/ahram/2001/1/1/READ104.HTM

(1 ستيفن وولت ،العلاقات الدولية: عالم واحد، نظريات متعددة،مرجع سبق ذكره.

[7] ) المرجع نفسه.

[8] ) المرجع نفسه.

[9] ) Toru Oga, From Constructivism to Deconstructivism: theorising the Construction and Culmination of identities, http://www.w3.org/TR/REC-htm.

[10] ) عمار حجار.، السياسة الأمنية الأوروبية تجاه جنوبها المتوسط، مرجع سبق ذكره ،ص 45.

[11] ) Toru Oga, From Constructivism to Deconstructivism: theorising the Construction and Culmination of identities,Ibidem.

[12] ) عمار حجار.، السياسة الأمنية الأوروبية تجاه جنوبها المتوسط، مرجع سبق ذكره ،ص 40.

المبحث الثاني : دور الأفكار و الهويات في صياغة سلوكات الفواعل

– من حيث نظرتها للعلاقات الدولية :ترى البنائية أن العلاقات الدولية عبارة عن مجتمع دولي Global Society، لتتفق بذلك مع هندلي بولHendley bull. الذي يرى – هو الآخر- أن العلاقات الدولية عبارة مجتمع فوضوي، غير أن البنائية ترى – عكس هندلي بول – أن الفواعل ليست فقط الدول بل كذلك المنظمات الدولية، و التي لا يمكن اعتبارها مجرد امتداد لسياسة الدول بل فواعل ذات شخصية مستقلة عن أعضائه، بالإضافة إلى الفواعل العبر وطنية و الحركات الاجتماعية المختلفة من بينها الحركات العرقية و الوطنية .

كما أن المجتمع الدولي -حسب البنائية- لا يمثل حاصل جمع هذه الفواعل بل هو كائن آخرother entitiy يؤثر و يتأثر بأجزائه[1]. لتتفق في هذا الإطار مع الواقعية البنيوية حول الطبيعة الفوضية للنظام الدولي.

عموما النظرية البنائية حسب Alexandr Wendt تطرح ثلاث اقتراحات أنطولوجية أساسية كالتالي[2]:

1- أهمية الأفكار إلى جانب القوة المادية في تشكيل البنيات.

2- دور الهويات و تأثيرها على سلوكات الوحدات و مصالحها.

3- التداخل بين البنية Structure و الفاعل Agent.

1- أهمية الأفكار إلى جانب القوة المادية في تشكيل البنيات:

يبرز في هذه النقطة الاختلاف في النظرة الأنطولوجية للبنائية مقارنة بالواقعية من حيث تصورها لمفاهيم البنية و المصالح أو السلوك، فعكس العقلانيين ( الواقعيين، التعددين و الشموليين)، فإن البنائيون يعتقدون أن الواقع هو ذو طبيعة تذاتانية و موجود نتيجة الاتصال الاجتماعي الذي يسمح بتقاسم بعض المعتقدات و القيم. أي أن الواقع المادي و ا الاجتماعي موجود كنتيجة للمعنى و الوظائف التي يعطيها له الفاعلون. فالإدراك أو الفهم الجماعي و المعايير تمنح الأشياء المادية معنا يساعد على تكوين الواقع[3].

مفهوم البنية لدى البنائيين: تعتبر مفهوم متميز فعكس الواقعية البنيوية التي ترى أن البنية تتحدد وفق بيئة مادية جامدة ضمنها يتكون و يتخذ الفعل مكانا، و هذا ما يعطي مفهوما تموضعيا Positional للبنية، فإن البنائية الاجتماعية حسب Alexandr Wendt تقدم نموذجا تحوليا Transformational ينظر إلى البنية كأفكار ، خطابات و كمصادر مادية، و خاصة كممارسات العناصر المكونة لهاو تحولاتهم المحتملة[4]، لذا فقد تجوز البنائيون بهذا التصور كون البنية هي التي تفرض على الفواعل سلوكاتهم وفق قانون و مبدأ الحتمية حيث ينظر إليها حسب الواقعيين من منظور بيئي احتوائي يتبلور سلوك الفاعلين كرد فعل عليها يذهب البنائيون إلى اعتبارها محال عمل يملك في ظله الفاعلون حرية اتخاذ القرار وفق تصوراتهم المبنية على أساس معتقداهم و قيمهم الاجتماعية و هنا يمكن أن تتبلور تذاتانية الواقع لديهم.

لذا فالبنائية في هذا الجانب لم تقضي بصفة جذرية- حال المقاربات الراديكالية- على الطرح الواقعي كون البنيات ذات تكوين مادي جامد بل حاولت توسيع مفهوم البنية ليشمل بالاضافة إلى المكونات المادية ( القوة العسكرية الجغرافية السكانية…) مكونات ذات طبيعة معنوية من خطابات و أفكار.

و عليه، فالبنية حسب النظرة البنائية الاجتماعية، تتضمن العناصر التالية[5] :

– مجموعة القواعد، المعارف، الطموحات /الآمال ذات الطبيعة التذاتانية ( أي تعبر عن وضعية مشتركة من قبل مجموعة الفاعلين) و هي ضرورية لفاعلاتهم.

– المصادر المادية و التي تحضى بمكانة ثانوية، و لا تتخذ معنى أو لا تبرز قيمتها الفعلية، إلا في سياق اجتماعي تذاتاني.

– ممارسات (و أفعال) الفاعلين بناء على العنصرين السابقين.

وعلى مستوى التحليل وفق المعطيات من الواقع العملي لتفاعلات الوحدات و الفواعل داخل النظام الدولي، حاولت البنائية تقدم تفسيرات و تحاليل مقبولةتنبثق من خلالها دور الأفكار و أهميتها في تحديد طبيعة الواقع و صياغته، و التأثير على ممارسات الفاعلين فيه: التغير السلمي داخل الإتحاد السوفيتي بفعل تغير الأفكار و قيم النخب الحاكمة، لذا يرى البنائيين أن الحرب الباردة هي تذاتانية أكثر منها مادية[6] ، مثلا: القدرة النووية لكل من الو.م.أ و الاتحاد السوفييتي تطرح بشكل مختلف بالنسبة لأوروبا الغربية[7]: ( حسب إدراكها و أفكارها) ، كذلك التحول السلمي للاتحاد السوفييتي بفعل اعتناق الأفكار الجديدة ” New Thinking” الذي حول الغرب من عدو يجب القضاء عليه إلى طرف قابل للتعايش و هذا بفعل الأفكار و القيم التي تبنتها النخبة الحاكمة آنذاك مع غورباتشوزف و سياسته الانفتاحية على الغرب و النموذج الرأسمالي الذي تبلورت معالمه في البيروسترويكا الجديدة و إعادة صياغة السياسات العام داخل الاتحاد السوفييتي.

و تعتبر قضية البنية الفوضوية للنظام الدولي أيضا من أهم نقاط الاختلاف بين التحليل البنائي و الواقعي و تصورهم للتفاعلات الدولية داخل الفوضى، فبالرغم من أن كليهما يتفقان على الطبيعة الفوضوية للنظام غير أن الفوضى لا تحتل نفس القيمة التحليلية بنفس الشكل لكل منهما، ففوضوية النظام الدولي ليست هي سبب كل شيء كما يعتقد الواقعيون. فالبنية الاجتماعية و إدراكها الجماعي هي فقط القادرة على إدراك أو تأويل نتائج الفوضى أو آثار فوضى النظام[8].

و من حيث الظاهر نجد أن منطق الفوضوية حاسم: فالدول هي العناصر الفاعلة الرئيسية الموجودة في بيئة المساعدة الذاتية والتي تكون فيها المعضلة الأمنية ملحة. و يفترض أن الدول تتصرف بشكل عقلاني من حيث إدراكها للمصلحة الوطنية، لكنها ليست غير مهتمة كلياً بالقواعد والمعايير. لذا فإن التعايش بين الصراع والتعاون ممكن بل هو قائم ضمن الوسط الاجتماعي ذاته. ويجادل المنشقون قريبو العهد عن هذا الخطاب ( ويشار إليهم في بعض الأحيان بصفتهم “تأمليين”) بأنه لا يوجد “منطق” متأصل للفوضوية. فالمفاهيم التي تبدو منحدرة منها – المساعدة الذاتية، سياسة القوة، السيادة – هي في واقع الأمر مؤسسات منشأة اجتماعياً وليست سمات أساسية للفوضوية. فالفوضوية هي، في واقع الأمر، “ما تفهمه منها الدول” (Wendt, 1992). وبهذه الطريقة بدأ التفكير الجديد في مجال العلاقات الدولية يشكّك بالوضع الابسيمولوجي (المعرفي) والاونتولوجي (الوجودي) للنظرية التقليدية ويجادل بأن افتراض الفوضوية ينطوي على قصر نظر ولا تاريخي وينطوي على خدمة ذات متأصلة. وهو بشكل خاص يعطي امتيازاً للدولة لا للناس أو الأفراد ومن خلال الإصرار على التمييزات الثنائية للفوضوية – عام/ خاص، داخلي/ خارجي، الذات/ الآخر… الخ – فإنه يشوه الحقيقة من خلال التهميش والاستبعاد والإسكات. فهو يغفل من منظوره قطاعات كبيرة من الحياة الاجتماعية التي يجب أن تلقى الاهتمام من الذين يدرسون العلاقات الدولية. و الخلاصة، إن النزعة للنظر إلى الفوضوية بوصفها الوضع الأساسي للعلاقات الدولية يقوض غموضها المتأصل ويبالغ في تقدير قدراتها التفسيرية[9].

يعتبر البنائيون أن الفوضى هي أقرب من أن تكون مزيجا مهيكلا ناتجا عن ممارسة الفاعلين أنفسهم و الذين يوجهون و يتحكمون ( حسب مصالحهم و هوياتهم) في القواعد و المصادر المتاحة من قبل بنية معينة، و يساهمون بهذا في تشكيل و إنتاج هذه الفوضوية و لكن كذلك المساهمة في تحويلها أو تغييرها[10].

و عليه فالعالم همو نتاج مانفعله نحن فلا وجود للحتمية – كون الدول و الفوضى هي معطى مسبق يتشكل بمعزل عن الفواعل بداخله و يفرض عليها- بل المسؤولية، فالترتيب و التوزيع المادي للعالم يشكل بفعل الأفكار و المعتقدات، فالفوضى إذا هي نتاج ما تصنعه الدول و ليست قانون مسبق، فحسب A.Wendt :Anarchy is what state make it ، فانظام الدولي السائد خلال الحرب الباردة ميزته الفوضوية بفعل تصور و إدراك الأطراف لها ( تذاتانية) و بمجرد تحول هذا التصور بفعل أفكار جديدة زالت بنية الفوضى داخل النظام -كما أسلفنا الذكر- ، لذا يؤكد البنائيون على أنه حتى في ظل فوضى النظام فإننا نحن الذين نتبع قواعدنا و منظومتنا و نحن الذين نغير في ممارسات من سبقنا أو نتبع خطابهم.

و خلاصة القول :الفوضى هي بنى اجتماعية و ليست طبيعة للنظام الدولي.

2 – دور الهويات و تأثيرها على سلوكات الوحدات و مصالحها:

اقتحمت الحداثة والنظريات النقدية مجال العلاقات الدولية مثل الحمى. والآن، يبدو أنه جاء دور الحـــركة البنائية حيث يتحدث الجميع عن المعايير، والهوية، والعوامل المثالية. وكما ذكر “جيفرى شيكل” ، فإن معارك الحركة البنائية مع النظريات السائدة ليست معرفية و لكنها وجودية[11].

يرى A.Wendt أن الهوية هي أساس و قاعدة المصالح [12] ، يرى البنائيون: أن المصلحة والهوية تتفاعل عبر عمليات اجتماعية (تاريخية) كما يولون أهمية كبيرة للخطاب السائد في المجتمع، لأن الخطاب يعكس ويًشكلً في الوقت ذاته المعتقدات والمصالح، ويؤسس أيضا لسلوكيات تحظى بالقبول[13].

و يصبح السؤال المحوري هنا هو كيفية إدراك المجموعات المختلفة لهوياتها ومصالحها.

هذا و ترفض البنائية الفصل بين البيئة الداخلية و الدولية في تحليل سلوك الفواعل السياسية، و يظهر ذلك جليا في رفضها المفهوم الكلاسيكي للمصلحة interest فالمصلحة لا تنبع فقط من طبيعة المجتمع الدولي بل ومن طبيعة البناء القيمي و الاجتماعي للوحدات السياسية[14] ، فالمصلحة لم تعد -حسب البنائيين- تتحد خارج السياق الاجتماعي للفواعل و بمعزل ضمن النظام الدولي أي باعتبارها معطى مسبق تمليه بنية النظام الدولي الفوضوي. و يشير البنائيون أن الهوية لا تتحدد فقط بناءا على دور البنية ذات البعد المادي حسب اعتقاد الواقعيين بل هي نتاج تفاعلات مؤسسات ، معايير و ثقافات، و بالتالي فإن المسار Process و ليس البنية هو الذي يحدد الكيفية التي تتفاعل بها الدول[15].

فالهويات و المعايير و الثقافة عناصر تلعب دور مهم في السياسة العالمية[16] ،فقد شهدت العشرية الأخيرة من القرن العشرين تزايد الاهتمام بتصور الثقافة، وقد تزامن ذلك مع بروز الاتجاه البنائي الذي يركز على أهمية الأفكار والضوابط. فقد استعمل كل من “توماس بيرقر” و “بيتر كاتزنشتاين” المتغيرات الثقافية لتفسير نزوع ألمانيا واليابان بعيدا عن السياسات العسكرية التي تعتمد على الذات. كما قدمت “إليزابيث كير” تفسيرات ثقافية للعقائد العسكرية التي سادت بريطانيا وفرنسا، في فترة ما بين الحربين. أما “لين جونستون” فقد قامت بتقصي حالات الاستمرارية في السياسة الخارجية الصينية فيما تعتبره “واقعية ثقافية” متجذرة. في حين تعتبر التحذيرات الجريئة التي أطلقها “صامويل هنتنغتون” حول “صدام الحضارات” إحدى أعراض هذا الاتجاه التفكيري، حيث يستند طرحه على القول بأن الانتماءات الثقافية الواسعة أصبحت الآن تحل محل الولاءات القومية. لكن وبالرغم من أن هذه الأعمال وغيرها تقارب للثقافة في مفهومها الواسع، غير أنها أبعد من أن تقدم لنا فهما كاملا حول كيفية تفعيلها، والمدى الذي يمكن أن تأخذه آثارها، إلا أن المقاربات ثقافية-التوجه أصبحت جد شائعة في الخمس سنوات الأخيرة. يعتبر هذا الاتجاه وجها من أوجه الاهتمام الواسع بالقضايا الثقافية في الأوساط الأكاديمية (وضمن النقاش العام على حد سواء). كما أنه وفي جانب منه يعتبر ردة فعل على تصاعد حدة النزاعات الإثنية والوطنية والثقافية منذ انهيار الإتحاد السوفييتي[17]. ( تأثير البعد الثقافي على قيام و تزايد حدة النزاعات العرقية و الإثنية التي يعود أسبابها إلى الاختلافات في التركيبة الثقافية و الهوية للأطراف المتنازعة تفسير المقاربة الأولية للنزاعات العرقية تعتقد أن الخلاف العرقي هو في حد ذاته السبب الأولي للنزاع و أن الجماعات العرقية هي الفواعل الأساسية في هذه النزاعات، فهي تستقي سلوكها النزاعي من القيم العرقية ( الهوية)، و تعبر عن وجودها بالخط الذي يفصلها عن الجماعات الأخرى و يزيد سلوكها النزاعي كلما زاد انتماؤها إلى الجماعة في هذا الإطار، يرى “هنتغتون “أن الثقافة هي المصدر الجديد للنزاعات على المستوى الدولي ويقول في هذا الصدد:« غالبا ما تحدث نزاعات جدية هي في الحقيقة نزاعات قديمة مع أطراف جدد هم في حقيقة الأمر أطراف قدامى، تحمل ألاما جديدة هي في حقيقة الأمر أعلام قديمة». يعني هذا أن التراكمات الحضارية الثقافية تكون خزان يغذي النزاعات بين الدول[18] .

فقد أكّد “هنتغتون” أن:

إن فرضيتي هي أن المصدر الأساسي للصراع في هذا العالم الجديد لن يكون ايديولوجيا في المقام الأول أو اقتصادياً في المقام الأول. فسوف تكون الانقسامات الكبيرة بين البشر والمصدر السائد للصراع ثقافية ( الهوية). وستبقى الدول الوطنية أقوى العناصر الفاعلة في الشؤون العالمية، لكن الصراعات الرئيسية لسياسة العالمية سوف تحدث بين الأمم وجماعات من حضارات مختلفة. وسوف يكون صدام الحضارات خطوط معارك المستقبل.”[19].

و نشير في هذا الصدد إلى كتاب” الهوية والسياسة الخارجية في الشرق الأوسط” لمجموعة من المؤلفين ،حاولوا دراسة وتحليل السياسة الخارجية لدول الشرق الأوسط على المقاربة البنائية في العلاقات الدولية إذ وضع المحررون إطارا نظريا يستند على مفاهيم مستمدة من البنائية والتفريق بين الهوية و الايدولوجيا والعلاقة بين السياسة الخارجية والهوية. وقد اشتق منظرو العلاقات الدولية فكرة البنائية من علم الاجتماع والذي بدوره يفترض أن التراكيب الاجتماعية هي ممزوجة بالعناصر المادية والمعيارية والتي تشكل هوية ومصالح اللاعب[20].

والهدف من هذا الكتاب هو فهم كيف أن الهوية الوطنية التي يتم اختيارها من قبل النظام السياسي تؤثر على السياسة الخارجية أو كيف تؤثر السياسية الخارجية على الهوية. ويتناول “مارك لينش” في الفصل الثاني المصالح والهوية الأردنية. و يبين مارك المعاني للهوية، وهوية الجماعات السياسية في الأردن، وأهمية المساحة العامة public sphere وتطورها في الأردن، والتغير في الهوية الأردنية. وببساطة تشكل الهوية أساس مدركات التهديد والفرص والمصالح. فحالما تتحدد هذه الهوية فسيتابع اللاعبون في المجتمع مصالحهم الخاصة تبعا لذلك. وهوية الجماعات السياسية في الأردن، كما يبين مارك لينش، هي الوطنيون الأردنيون، والوطنيون الفلسطينيون، والليبراليون، والإسلاميون، والقوميون و الهاشميون وكل هذه الجماعات تتصارع وتتنافس لتشكيل الهوية الوطنية وما يتناسب مع مصالحها. وحتى العوامل الخارجية تحاول التأثير على الهوية الأردنية، فعلى سبيل المثال، تقوم إسرائيل بإدعاء أن الأردن هو فلسطين وأن الأردن هو حليف ضمني لإسرائيل. و يجادل لينش أن العلاقة بين الهوية والمصالح هي راسخة في المساحة العامة. فيوفر وجود مساحة عامة مفتوحة (وسائل الإعلام) فرصة النقاش العام والذي بدوره قد يحدث تغيرات في المصالح والهوية. وقد خضع تطور المساحة العامة في الأردن الى مد وجزر. وامتد من سيطرة الدولة بعد الإنقلاب الفاشل عام 1957، ووجود قانون الأحكام العرفية بعد حرب عام 1967، وبخاصة القمع الشديد في الثمانينيات، واللبرلة في عام 1989، وإعادة السيطرة على الأمور بعد معاهدة 1994. [21]وفي كل هذه المدة عانى الأردن من التناقض بين متطلبات الهوية (اسرائيل دولة عدو) والمصلحة (اسرائيل شريك). تاريخيا لا يمكن القول أن الأردن تتبنى وجهة النظر العربية بأن اسرائيل هي دولة عدو (خلافا لرأي الجمهور الأردني) وعلى العكس من ذلك أبدى الأردن رغبة وحماسا لتطوير العلاقة الاستراتيجية مع اسرائيل وساهم في لعبة التوازنات فيما يتعلق بالمصالح والفرص[22].

كتب “مايكل بارنت” عن الهوية الاسرائيلية وعملية السلام. وقد تفحص بارنت الهويات الاسرائيلية المختلفة ومكونات كل واحدة منها وعلاقة ذلك بعملية السلام. ومن الواضح بأن عند اسرائيل أزمة في الهوية بسبب التنوع والتعدد الثقافي لمجتمع اسرائيل. إلا أن ما يربط بين هذه الهويات هو الإيمان بوجود هوية مشتركة ومصير واحد فيما يتعلق بالمشروع الوطني الاسرائيلي. والهويات الموجودة والتي تعكس تعددية ثقافية هي: العلمانيون، والوسط، والمتدينون، والتنقيحيون، واليساريون. الا ان الهوية العريضة تعتمد على أربعة مكونات هي: المحرقة، الدين، الليبرالية، والوطنية. ويتعرض بارنت الى تشكل الهويات الاسرائيلية المتعددة الا ان المثير هو ربط ذلك بالعملية السلمية. ويقول محقا بان الطريق الى عملية السلام ليس فقط حول الاراضي وانما حول مسألة الهوية. وهناك أربع قضايا متعلقة بالهوية وهي أساسية لعملية السلام. أولا: التجانس الثقافي والحضاري، ثانيا أثر العامل الخارجي على تشكيل السياسة الخارجية لدولة اسرائيل (حماس والولايات المتحدة مثلا)، وثالثا، قدرة الحكومة الاسرائيلية على تسويق اطار امني ناتج عن عملية السلام، وأخيرا التغيرات الكونية والتي تسمح لإحداث تغيرات كبيرة في السياسة الخارجية. وبناء على ذلك فانه يمكن القول أن خطة شارون الأخيرة بشأن الإنفصال عن الفلسطينيين هي بسبب الرغبة في الحفاظ على هوية الدولة وطابعها اليهودي من خطر ثنائية القومية.

أما “ستيفن سايدمان” فقد تناول القضايا النظرية للهوية والسياسة الخارجية. وبإختصار فان سايدمان يقول أن الهويات الموجودة داخل دول الشرق الاوسط هي متشابهة الا ان القادة يختارون الهويات التي تناسبهم من هذه القائمة من أجل تسهيل تحقيق أجندتهم الخاصة. ويبدو أن هناك اجماع بين مؤلفي الكتاب على عدد من القضايا[23]:

1) يقوم القادة بالتأكيد عل هوية محددة من قائمة مفتوحة والى حد ما متشابهة مع الكل

2) لا توجد قوى وحيدة لتحديد الهوية وانما مجموعة من اللاعبين مثل القائد والاعتبارات الداخلية والصراعات الداخلية حول هذا الموضوع

3) تؤثر الهويات على السياسة الخارجية لكن لا يوجد اجماع على مدى ذلك. ويقدم “سايدمان” ثلاثة أجوبة على ذلك: أولا: تستخدم الهوية كأداة لتعبئة الناس وحشد التأييد. ثانيا: تستخدم بعض الأنظمة الهوية من اجل زعزعة أنظمة الحكم في دول أخرى. ثالثا: تستخدم الهوية لتحديد المصالح والأخطار وبالتالي لرسم سياسة خارجية.

و في إطار تقييم إسهام هذا الكتاب افقد قد دراسة نظرية أثبت من خلالها مدى نجاعة التحليل البنائي في فهم سلوكات الفواعل الخارجية فقد قدم إطارا ابستومولوجيا و أنطولوجيا مختلفا عن الأطر الأخرى المعروفة والمتداولة بين المختصين والباحثين.و بين كيف أن السياسة الخارجية للدول لا تتحدد خارج المسار القيمي للمجتع الداخلي، أي بفعل بنية النظام الخارجية -حسب الواقعيين- ، بل إن الهويات الداخلية تتصارع بفعل قيمها لتحدد طبيعة السلوك الخارجي.

3 – التداخل بين البنية Structure و الفاعل [24]Agent:

العامل – البنية Agent – structure

مصطلح يقترن بمشكلة مستوى التحليل ويشير إلى أفضل طريقة لتصور العلاقة بين الدولة والفاعلين والنظام الدولي. وقد تم استيراد الطابع الذي ينطوي على الإشكال لهذه القضية من النظرية الاجتماعية وتم إدخالها في العلاقات الدولية من قبل الكسندر وندت Alexander Wendt 1987. وهو يدور حول حقيقتين بديهيتين: “(1) البشر ومنظماتهم هم فاعلون غائيون تساعد أعمالهم على إعادة إنتاج وتحويل المجتمع الذي يعيشون فيه و(2) يتكون المجتمع من علاقات اجتماعية تنظم التفاعلات بين هذه الأعمال الغائية”. و”المشكلة” هي كيف (1) يتصل العامل بالبنية (2) والعكس بالعكس. إن خصائص العوامل والبنيات كلتيهما تمتان بصلة إلى أوصاف السلوك الاجتماعي، لكن السؤال المركزي، كما أشار سميث (Smith) وهوليس (Hollis)، هو كيف يتم الجمع بينهما في تفسير واحد للسلوك الدولي. هذا النقاش الفلسفي – المنهجي يوجد بالدرجة الأولى في نقد الواقعية الجديدة، ولا سيما في كتاب كيه. ان. والتز (K. N. Waltz) المعنون “نظرية السياسة الدولية” (Theory of International Politics) . في هذا العمل يقول والتز إن “بنية” النظام الدولي هي التي تقيد احتمال التعاون بين الدول والتي بالتالي تولّد معضلة الأمن وسباقات التسلح والحرب.

ولهذا السبب، فإن الدراسات “الاختزالية” لـ “العوامل” (أي فرادى رجال الدولة، أو صفة الدول) لا يمكن أن تكون مرضية ولا بد أن تكون ثانوية بالنسبة لنظريات النظام الدولي (وحيد القطب أو ثنائي الأقطاب أو متعدد الأقطاب) حيث إن هذه البنية هي التي تؤثر في سلوك الدولة. وقد أصبحت الآن قضية كيفية تصور العامل والبنية وكيفية إدراك علاقتهم من أجل وضع “نظرية كاملة” للسياسة العالمية، هذه القضية هي الآن في قلب النقاش بين المُنظِّرين الدوليين التقليديين والنقديين.

[1] ) حمايدي عز الدين، دور التدخل الخارجي في النزاعات العرقية،مرجع سبق ذكره،ص 34.

[2] ) Toru Oga, From Constructivism to Deconstructivism: theorising the Construction and Culmination of identities,Ibidem.

[3] ) عمار حجار.، السياسة الأمنية الأوروبية تجاه جنوبها المتوسط، مرجع سبق ذكره ،ص 43.

[4] ) المرجع نفسه.

[5] ) المرجع نفسه.

[6] ) المرجع نفسه.

[7] ) Toru Oga, From Constructivism to Deconstructivism: theorising the Construction and Culmination of identities,Ibidem.

[8] ) عمار حجار.، السياسة الأمنية الأوروبية تجاه جنوبها المتوسط، مرجع سبق ذكره ،ص 43.

[9] ) الفوضى،نقلا عن: http://elibrary.grc.to/ar/penquin/page_1_8.htm

[10] ) عمار حجار.، السياسة الأمنية الأوروبية تجاه جنوبها المتوسط، مرجع سبق ذكره ،ص 43.

[11] ) فضيلة محجوب،القوة الثابتة للواقعية بعد الحرب الباردة، مرجع سبق ذكره.

[12]) Toru Oga, From Constructivism to Deconstructivism: theorising the Construction and Culmination of identities,Ibidem.)

[13] ) ستيفن وولت ،العلاقات الدولية: عالم واحد، نظريات متعددة،مرجع سبق ذكره.

[14] ) حمايدي عز الدين، دور التدخل الخارجي في النزاعات العرقية،مرجع سبق ذكره،ص 34.

[15] ) عمار حجار.، السياسة الأمنية الأوروبية تجاه جنوبها المتوسط، مرجع سبق ذكره ،ص 45.

[16] )المرجع نفسه.

[17] ) ستيفن وولت ،العلاقات الدولية: عالم واحد، نظريات متعددة،مرجع سبق ذكره.

[18] ) حمايدي عز الدين، دور التدخل الخارجي في النزاعات العرقية،مرجع سبق ذكره،ص 23.

[19] ) صدام الحضارات، نقلا عن: http://elibrary.grc.to/ar/penquin/page_3_3.htm

[20]) حسن البراري، الهوية والسياسة الخارجية في الشرق الأوسط، نقلا عن: www.alghad.jo،2005.

[21] ) المرجع نفسه.

[22] ) المرجع نفسه.

[23] ) المرجع نفسه.

[24] ) العامل – البنية، نقلا عن : http://elibrary.grc.to/ar/penquin/page_1_3.htm

المبحث الثالث:

المواقف الإبستمولوجية البنائية الوضعية – الما بعد وضعية

حسب الكثير من الدارسين فإن قوة الإسهام البنائي تبرز من خلال الجانب الابستيمولوجي . و البنائية تنطلق من انتقاد الاعتقاد الوصفي القائم على فكرة الحقيقة الموضوعية the objectif truth و التي يمكن التوصل إليها أو لمعرفتها من خلال البحث العلمي . فالعالم حسب البنائية ليس شيئا موضوعيا موجودا في مكان ما ، بل هو شيء في دواتنا .

كما يمكن الإشارة إلى أن النظرية البنائية مثلت نقلة نوعية في الجانب الابستيمولوجي ، إذ أنها حاولت الربط بين الأساس الابستيمولوجي لكل من الوضعين و ما بعد الوضعين ، من خلال تشكيل ما يعرف بالجسر الرابط بينهما the bridge gap [1] . إذ كثيرا ما توصف البنائية دون غيرها من الإسهامات النظرية في الاتجاه الحديث أو الاتجاه التكويني في نظرية العلاقات الدولية ، بأنها بمثابة العودة إلى العقيدة الوضعية في التفكير في إطار الجدل القائم بين الوضعين و ما بعد الوضعين . فالبنائية و على غرار أهم روادها Alexander Wendt تؤكد على التفكير الفلسفي لكن في حدود معقولة ، ذلك أن الجانب الفلسفي هو الكفيل بتحليل العديد من أجزاء الظاهرة الدولية و التي تعتبر في حقيقة الأمر ميتافيزيقية مثل الشعور الحضاري و الدين ، بالإضافة إلى حقوق الإنسان في العلاقات الدولية و كذا الشعور بالذات لدى العرقيات . لذلك يعتقد ما بعد الوضعيون على غرار التجربة البنائية بأن البعد الفلسفي مقبول و لكن على اشتراط ألا يتعارض مع الواقع ، أي أن بناء النظرية الفلسفية لا يجب أن يفنده الواقع .وإلا لأعطية الأولوية للواقع على النظرية .

فالبنائية تؤكد على أن دراسة الظواهر الدولية تستلزم وضعها في إطارها الاجتماعي و الثقافي و التاريخي لا مناقشتها بعيدا عن أطرها التي تطورت في ظلها* . فشعار البنائية :

Must contextualize the international phenomen

كما أن الواقع حسب البنائية هو مبنى اجتماعيا و مرتبط بمفهوم كل شخص له . و لذلك تعتمد البنائية بعض الأسس الابستيمولوجية :

1- المعرفة مؤقتة و مبنية اجتماعيا و ذاتيا .

2- تحدث عملية التعلم من خلال النقاش و التربية في التجارب السابقة، و التربية المسماة في علم الاجتماع بالتنشئة الاجتماعية.

3- الحقيقة الحالية في حالة زئبقية متحركة . فالواقع غير ثابت .

4- المعايير المختارة لتقيم المعرفة تكون خاضعة دوما للتنقيح و التغيير.

إن الجديد الذي جاءت به البنائية على المستوى الابستيمولوجي هو الجمع بين الجانب الصلب و الجانب اللين من الظاهرة ، أي بالجمع بين بين القوة و الثقافة ، و بين الهوية و المصلحة .فحسب البنائية لم تعد النظرة التقليدية الصلبة للظاهرة تسيطر ، فلا وجود لمفهوم القوة بعيدا عن تأثيرات العامل الثقافي ، كما لا يمكن تجاهل الصراع بين المصلحة و الهوية في تحديد إدراكات و تصورات الدولة و مواقفها . فقد عانى الأردن و لمدة طويلة من الزمن من التناقض بين نوازع الهوية العربية الإسلامية ( إسرائيل دولة عدو تمثل عقيدة في المنظومة الإدراكية الأردنية ) و بين دواعي و متطلبات المصلحة الوطنية ( ذلك باعتبار إسرائيل شريكا استراتيجيا بالنسبة للأردن )[2].

كثيرا ما تركز النظرية البنائية من الجانب الفكري على الخطاب السائد داخل المجتمع و الذي يساهم بشكل كبير و فعال في فهم سلوكات الدول *.مثلا : أن البعد الأيديولوجي في السلوك الأمريكي في العراق كانت توجهه بعض النوازع و الأفكار الراسخة في ذهن الأمريكي. كرسالة الرجل الأبيض التي يؤمن بها الفرد الأمريكي ، بالإضافة إلى العقيدة الأرثوذكسية المتطرفة التي يؤمن بها جورج بوش.

ومن جهة أخرى تبرز قوة الإسهام الابستيمولوجي للبنائية من خلال تركيزها على ثنائية الفاعل و البنية وليس الفصل بينهما كما يعتقد الواقعيون الذين ركزوا على طبيعة الفاعل و أهملوا البنية ، أو البنيوية التي ركزت على مفهوم البنية و أهملت الفاعل هي الأخرى، و هذا ما يطلق عليه البنائيون بالتكوين المتبادل Mutual constitution [
[1] ) Toru Oga, From Constructivism to Deconstructivism: theorising the Construction and Culmination of identities,Ibidem.

*) ترجع فكرة إرجاع الظاهرة إلى بيئتها و ظروفها إلى Max Weber، حيث دعا بضرورة وضع الظاهرة الاجتماعية في إطارها و ظروفها عند التحليل.

[2] ) حسن البراري، الهوية والسياسة الخارجية في الشرق الأوسط،مرجع سبق ذكره.

*) للإشارة فإن فكرة التركيز على الخطاب السائد و الاهتمام به و تحليله ، تطورت فيما بعد لتأخذ شكل منهج يستعمل في دراسة و تحليل السلوكات الدولية .و هذا ما أكده( Alexander Wendt) في مقاله (البعد الحضاري الانساني في العلاقات الدولية ).

[3] ) عمار حجار.، السياسة الأمنية الأوروبية تجاه جنوبها المتوسط، مرجع سبق ذكره ،ص 41.

المبحث الرابع : المنهج التجريبي و تقنية تحليل الخطاب

إن الأساس المنهجي في التحليل هو حاصل تطور النظرة الابستيمولوجية على الفواعل ، و بالتالي فنضج الأساس الابستيمولوجي يجعل منه أداة منهجية مقبولة في نظرية العلاقات الدولية كمنهج تحليل . و بالتالي فالأساس الابستيمولوجي للبنائية انعكس على المنهج الذي حاولت تطويره .

فالبنائية استعملت المنهجية العلمية أو ما يعرف بالمنهج السلوكي في اثبات أفكارها و ذلك عن طريق الأدوات العلمية . كما ركزت أساسا على وضع ما يعرف بالهيكل النظري Theoretical Framwork [1] ، و الذي من خلاله يمكن فهم ثم شرح ظهور القيم الخاصة و كذا الأفكار و الخطابات .

كما أن المنهج البنائي في مجال فهم السياسة الدولية يطرح الأسئلة التالية :

1- ما هي الديناميكيات التي يكشفها التاريخ و حاضر الأحداث الدولية ؟

2- ما هي معتقدات و ادراكات الفاعلين ؟

3- ما هي مواقفهم تبعا لذلك من قضايا التعاون و الصراع ؟

4- ما الذي يمكن القيام به للتأثير على ادراكات الذات و الآخرين و المعتقدات و الهويات ؟

منهج المعطيات التجريبية Empirical Data :

حاول A.Wendt استخدام منهج تجريبي يثبت من خلاله صحة التحليل البنائي و مدى قدرته على التعامل مع الواقع و مختلف التفاعلات بالاعتماد على الفرضيات الأساسية للبنائية، فبعد النقد اللاذع الذي وجهه الباحثون الوضعيون أمثال: كيوهان، كرازنر، ميرشهايمر للبنائية على مستوى مناهج البحث لديها، كونها لا تملك الأدوات و المناهج القادرة على قياس الأفكار و الهويات و تأثيرها على سلوكات الفواعل داخل النظام الدولي و شرح ظهور و تراجع القيم الخاصة و الأفكار و الخطابات ، و كذلك افتقادهم إلى منهج واضح حول بحث و فحص التحولات في عالم السياسة[2]، و في هذا السياق جاءت مساهمات A.Wendt الذي حاول قياس ظهور و تراجع الهويات من خلال اللجوء إلى دراسات تجريبية.

تقنية تحليل الخطاب Discourse analysis

لكن هذه المحاولة المنهجية لـ A.Wendt ووجهت بالرفض حتى داخل المنظور البنائي و خاصة من طرف David Campbell ، الذي عاب على A.Wendt منهجه التجريبي، و حاول الاعتماد على تقنية تحليل الخطاب Discourse analysis كمنهج بديل على المعطيات التجريبية في تحليل الهويات، فقد فسر David Campbell الهويات من خلال اعتماده على الخطابات و تحليل مضمونها ، و المقصود بالخطاب هنا من جهة يشير حسب بعض البنائيين إلى محتوى خطابات الزعماء التي يلقونها على الجماهير، فالخطاب مهم في حد ذاته، و تحليل الخطاب يعطيه معنى، و ذلك عن طريق القراءة المتأنية للكلمات و النظر في الحجج المقدمة التي تأتي في شكل بلاغي منهجي في تعريف الأمن مثلا[3].و هذا يفيدنا كثير في تحديد معالم الهويات و تمييزها عن الأخرى.

و من جهة أخرى يشير إلى ذلك الخطاب السائد داخل المجتمع و الذي يعبر عن مجموع القيم و المعتقدات المشكلة لهوية جماعة معينة من الأفراد، و من خلال هذه التقنية عرف و فسر Campbell الهوية على أساس الاختلافات، حيث أن الهويات تتكون عن طريق الاختلاف بين ما هو داخلي Inside و بين ما هو خارجي Outside، و قد فسر من خلال هذه التقنية ظهور الهويات في البلقان حيث يقول بأن الإثنية الصربية هي الداخل، و الآخرون هم الخارج Serbian ethnicity inside and others ( musilmans) outside[4].

[1] ) Toru Oga, From Constructivism to Deconstructivism: theorising the Construction and Culmination of identities,Ibidem.)

[2] ) Ibid.

[3] ) Ibid.

[4] ) Ibid.