عرض: تامر نادي

من كتاب: الدراسات المستقبلية وفلسفة العلم – وندل بل

إن التغيير في تسارع مستمر، والمجتمع الصناعي بشكله التقليدي ينهار. وهو ما يلغي وجود تلك الأرض الصلبة و “يجذر المشكلة في الحقل المعرفي”. ويجعنا بحاجة لمعرفة المنطق وراء نتائجنا المتعلقة بالمستقبل وعمليات التفكير الرشيد والبراهين الموضوعية التي تستند عليها. المنطق في حد ذاته لا يكون محل فحص نقدي. في حالة اختفاء الأساس الإدراكية لنتائج المستقبليين لن نتمكن من الاختيار بين النتائج المتصارعة. وإذا كنا نسعى لتقييم صلاحية أي نتيجة يجب أن نفحص نقديا الفرضيات المؤسسة لها والأسس الامبيريقية والنظرية والمنطقية المنطلقة لتأييدها. والأكثر أهمية، طبيعة الاختبارات التي فشلت في دحضها.

المنهجيات – الأدوات البحثية المحددة والأساليب – في الدراسات المستقبلية أكثر تطورا عن الجانب المعرفي.

العلم والفن:

الدراسات المستقبلية فن بالأساس، أو “شكل فني يعتمد على العلم”. فالنشاط العلمي ينطوي على وضع عددا من الادعاءات المعرفية ويجتهد في إيجاد الأسباب الموضوعية لها. العلم يتطلب أن نتعمق بشدة في ماهية الأشياء. العلم آلي وقوي وعالي التقنية، عقلاني غير إنساني، ممنهج إمبريقي الخطوات تجريدي كليا، محدود بتفكير الفلسفة الوضعية الخطي المتحجر.

بينما “الفن” يشمل مهارة وقدرة، ويتعامل مع الجماليات. يقوم الفن على الحدس والإبداع والخيال والبصيرة والفهم الروحاني، يتطلب موهبة وقدرات استثنائية.

لكن من الأكيد أن الفن والعلم يتشاركان في خصائص كثيرة. يتأثر الفن بالعلم، والعكس، في أنشطته وخاماته ومواده وأدواته وحتى موضوعاته. ويستخدم الفنانون الأدوات والتطبيق المبادئ العلمية لحل المشكلات التقنية التي يواجهونها. يمكن للعلم والفن أن يُتعلما ويُمارسا من خلال التدريب والتفكير الواعي. ويعتمد انجاز كل عمل علمي عظيم على العبقرية والمثابرة والمهارة والحدس والإبداع أي على الفن.

الحقيقة:

الفارق بين العلم والفن هو أن الفن غالبا ما يكون إيهاماً، تحريف متعمد للواقع وربما نفياً له. وهو يحتوي على التعبيرية، فالفن غير مطالب بالتعبير عن الحقيقة، والفنان غير ملزم بأن يخبرك الحقيقة.

على النقيض، العلماء مجبرون على إخبار الحقائق، فالحقيقة جوهر المشروع العلمي. فروح العلم هي التزام العالم بالخصائص العلمية كالأمانة الفكرية والتكامل والشكل المنظم وعدم الشخصنة وانعدام المصلحة “الموضوعية”، اكتشاف وتأكيد الحقيقة هي المبدئ المركزي للعمل العلمي.

فالعمل العلمي يتطلب تعريفات صادقة وصالحة للواقع المعاش، ومعرفة صادقة وصالحة بالأسباب والتأثيرات. ويتطلب محاولة الإيفاء بكل المعرفة المطلوبة للدراسات. وتكون الاستنتاجات العلمية قابلة لاختبار النقدي. كما أن الخيال العلمي والكتابات الطوباوية تعد مصدرا مهما للأفكار التخيلية التي تسهم في إثراء البحث العلمي.

ولكن.. هل المستقبل ليس حقيقيا؟ قد يكون لأنه غير قائم الآن. لكن ذلك لا يعنى أن الدراسات المستقبلية ليست علماً. فنحن لا ندرسه بشكل مباشر، ولكن بشكل غير مباشر من خلال دراسة العناصر الواقعية والظواهر الحقيقية التي تؤثر فيه. فالحاضر والماضي قائمان بالفعل، وتساعد دراستهما على اختبار نتائجنا حول المستقبل المتاح والمحتمل وحتى المفضل. وبالتالي يكون أداتيًا في تحويل مستقبل مفترض لواقع فعلي.

إسناد الواقع على المستقبل:

تشمل الظواهر التي تدرس مستقبليا:

1- الصورة الحالية عن المستقبل والتوقع في شأنه “المعتقدات” وتوصيف الممكن.

2- معتقدات الأفراد “الخبراء” حول المستقبل الأكثر احتمالية. “دراسات دلفي”.

3- أهداف وقيم وسلوكيات الأفراد. “التفضيلات” أو المستقبلات المرغوبة.

4- نيات الفعل، ما تخطط لفعله، التوجهات، الخطط المستقبلية للمؤسسات.

5- الالتزامات الوعود.

6- معرفة الماضي: (التقاليد، تحليل الاتجاه، صياغة التفسيرات في شكل تنبؤ بصيغة شرطية، المماثلة التاريخية، الصورة السابقة للمستقبل).

7- معرفة الحاضر.

يمثل “الحاضر” وسيلة لاستكشاف المستقبل كونه يسهم في “تصميم المنظور” مع الأخذ في الاعتبار نيات الأفراد. كما يحدد “الاحتمالات الحالية للمستقبل” لكونها حقيقة متضمنة القدرات الاستيعابية للأفراد والمجتمع ككل للتغير والتطور. لذا يمكن دراسة الحاضر علميا.

 

العلم هو الحدس:

لا تختلف الكثير من الأحكام العلمية معرفيا عن العديد من التأكيدات حول المستقبل التي يقوم بها المستقبليون، فهي تسعى وراء الحقيقة، ومناهجها عرضة للخطأ وقابلة للتعديل. فالنظريات العلمية نفسها حدسية، وقد تذهب الافتراضات إلى ما وراء التوصيفات البسيطة والمتماسة للتفاصيل الامبيريقية للواقع غير المفسر.

تعود أهمية الدراسة المغايرة للواقع إلى قدرتها على قياس مدي تأثير متغير ما على الظاهرة، وما شكل تطور الظاهرة بدون تأثير هذا المتغير “لو لم يتم إنشاء السكة الحديد في أمريكا على الاقتصاد؟”. وهنا هو تحليل قائم على التخمين وحدس قائم على افتراض “ماذا لو؟”.

وفى كل الحالات فإن القواعد المستقبلية التي تحتوي على استدلالات مبنية على حقائق الماضي والحاضر يمكن اختبارها عمليا. وبالتالي فإن الدراسات المستقبلية علم يسعي وراء الحقائق، وتأكيداته جزء منها مبنى على الحدس والتنبؤات، لكن لها قواعد في المنطق العقلاني والموضعي. فمنهجية العلم هي “العقلانية التي تؤسس لقبول أو رفض فرضياتها ونظرياتها“.

الدراسات المستقبلية علم علمي/ قابل للتطبيق:

الفعل والقرار الإنساني الواعي وسيلة للتحكم في المستقبل الإنساني. وعندما نتكلم عن “العلم العملي” فإنه يعنى “تصور للإنسان كمشكلة للفعل الإنساني“. والتي من خصائصه “كنظرية للفعل الإنساني”: 1- تقديم اقتراحات إمبريقية غير مؤكدة تنظم في شكل نظرية. 2- تقديم معرفة مستخدمة بواسطة الأفراد. 3- تقديم بدائل للوضع الراهن. وجميعها محددة بقيم يختارها الفاعلون.

الدراسات المستقبلية علم اجتماعي متجاوز للتخصصات: وهو متنوع بتنوع العوالم المعاشة، وتأخذ الترابط المعقد للعالم في الحسبان، وتجتذب التفسيرات من أي حقل معرفي يمكن التعويل عليه في تفسير الظاهرة. وهناك حاجة ماسة إلى الشخص الذي يري الصورة الأكبر ويمكنه الربط بين الأشياء المختلفة، ويري الكل وليس بعض الأجزاء. فالدراسات المستقبلية علم اجتماعي متسع موحِد للتخصصات، تستدعي إعادة ترتيب المعرفة في مركب مصمم خصيصا وحزم شاملة تطبق مواقف تاريخية لأغراض تخطيطية.

من البارديم إلى المصفوفة متجاوزة التخصصات:

البارديم يعطي معنى مثال أو نمط أو نموذج، طريقة للرؤية، إطار للمراجعة، نظام ترميزي، خريطة معرفية. وتعدد المعاني بحيث يمكن تقسيمها إلى ثلاث أقسام: “بارديم ميتافيزقي، بارديم اجتماعي، بارديم المنشئ”. إلا أن مصطلح “مصفوفة التخصصات” يشير إلى “مجموعة الالتزامات” المعرفية والمشتركة والتي تخص أصحابها من الممارسين لحقل علمي وهو ما يقصد بمسمي “بارديمات”. وتشمل المكونات الرئيسية لهذه المصفوفة: “التعميمات الرمزية المشتركة لجماعة علمية، المخططات المشتركة، القيم المشتركة، المثل المشتركة”.

عناصر المصفوفة المتجاوزة للتخصصات للدراسات المستقبلية:

1- وجهة نظر تنطوي على تغيير الماضي واحتمالات اخلاف المستقبل عن الحاضر.

2- اعتقاد بأن التفكير المستقبلي يمكنه زيادة كفاءة العمل الإنساني.

3- إيمان باستخدام المعرفة في تكوين السياسات وتنفيذها.

4- هوية شخصية لدراس المستقبليات.

5- مجموعة من الافتراضات المشتركة.

6- الأهداف المشتركة

7- المثل والمناهج المشتركة

8- المفاهيم الرئيسية المشتركة

9- النظريات الصاعدة المتشابه للسلوك الإنساني والتغير الاجتماعي.

10- اتجاه نحو اتخاذ القرار الواعي والفعل الاجتماعي.

11- استخدام واسع للمعرفة بتخصصاتها المختلفة.

12- نظرية شاملة تفترضها ضرورة احتياج الفعل الاجتماعي إلى المعلومات.

13- الاهتمام بالآثار الاجتماعية للتغييرات وتداعيات السلوك الإنساني.

14- التفاني في فهم العمليات العامة للتغيير.

15- القيم المشتركة

الفصل الثاني:

ابستمولوجيا للدراسات المستقبلية: من الوضعية إلى الواقعية النقدية:

العلم يتشكل جزئيا من خلال التيارات الفكرية والتغير الأوسع في إطار بيئته الاجتماعية. وكان السياق الاجتماعي خلال الـ1960 و1970نات، والصراعات الفكرية داخل الجماعات العلمية والبحثية. فتطورت ثلاث نظريات معرفية “الوضعية، وما بعد الوضعية والواقعية النقدية”.

ما بعد الحداثة – المعادية للوضعية، بما أنها نظرية نقدية، فإنها واهية بالأساس ولا توفر قاعدة فلسفية سليمة لتطوير المعرفة، بل هي ذات شكل متطرف وتولد العدمية. ومن هنا فإن “الواقعية النقدية” تقدم فلسفة بديلة تمدنا بنظرية معرفية صالحة، وتوصف بأنها (ما بعد-ما بعد وضعية) ملائمة للبحث المستقبلي، وهي تسلم بأن المعرفة كلها حدسية. وبالتالي يمكن أن تندمج ابستمولوجيا الحقيقة ذاتها حول الحاضر والماضي، والمستقبل غير المبرهن.

خلال الستينات لم تقدم نظرية متماسكة معرفية، وتم توجيه النقد للجميع ومن الجميع – في حالة صدامية، وجميع الأسس الفكرية تم تقويضها. واستهين بـ”التفكير المستقيم” – وهو الفهم الرشيد العلمي للحقيقة الخارجية – وتم تصويره على أنه ركيك ومتشائم وأنه وصف “لديناصورات ابستمولوجية”. بينما اعتبر “التفكير الثمل” وهو حدسي وخبرة الحقيقة الداخلية، أنه يقود إلى التفاؤل والتوحد الكوني.

هوجمت النظريات والمفاهيم العتيقة وطرحت مفاهيم ونظريات جديدة لتحل محلها. وأصبحت كل التقاليد الفكرية موضع اشتباه باعتبارها أجهزة للسيطرة. بل تم التأسيس “لنظرية المعرفة الفوضوية” رغم أنه غير قابلة للقياس. وزاد الهجوم مع تعدد المهاجمين من الهيرمونطيقيين والبنيوين وما بعد الإمبريقيين والتفكيكيين…إلخ.

لذا نشأت الحاجة للدراسات المستقبلية لفهم ما يجري في المجتمعات المتغيرة اجتماعيا وأكاديميا، وللتوافق مع المستقبل الذي سيكون مختلفا عن الماضي. بينما احتفظت الدراسات المستقبلية ومناهجها الامبيريقية والمنطقية. كانت الدراسات المستقبلية تحاول البحث عن جذور معرفية في الوقت الذي تم فيه هدم كل الأسس وقطع كل الجذور. وكان العلم نفسه عرضة للتشكيك.

الوضعية:

منتقدو الوضعية قولون إنها تركز على الجوانب المنفصلة والملاحظات الظاهرة، أحادية البعد، ولا يمكنها طرح أسئلة عميقة، ولا أن يفكروا في بدائل راديكالية، فقد قيدوا أنفسهم وضيقوا أفقهم.

ورغم أنه يوجد 12 نسخة من الوضعية، لكن أهم ملامحها كنظرية في الرؤية المستقبلية، فقد بدأت الوضعية في الثلاثينيات “حلقة فيينا” و”جمعية برلين”، ولها 9 ملامح أساسية للرؤية المستقبلية:

1- العلم ناتجا، وبنية من المقولات الرقيمة واللغوية.

2- الاهتمام بالتبسيط، وتوضيح البنية والتماسك المنطقي لهذه المقولات.

3- بعض المقولات قابل للاختبار والتأكيد أو الخطأ من خلال الملاحظة الحسية للواقع.

4- العلم تراكمي على نحو ملحوظ.

5- العلم متجاوز الثقافات في الغالب.

6- العلم يقوم على نتائج منبتة الصلة عن شخيصة الباحث.

7- العلم يحتوي على نظريات وتقاليد بحثية قابلة للقياس.

8- العلم يشمل أفكار جديدة قد لا ترتبط بالأفكار القديمة.

9- العلم ينطوي على فكرة وحدة العلم، كل حقول العلوم هي علم واحد عن عالم حقيقي واحد.

“ما بعد الوضعية“:

“الثورة العلمية”: من 1300 إلى 1800، توصف هذه الفترة بأن لها بنية واحدة من الظواهر. رغم وكون هذه الثورة تتضمن سلسلة من لأحداث المهمة في تاريخ أوربا الحديثة.

في السبعينات كانت هناك ثورة على الوضعية من قبل الحدسيين، وهوجم التفكير الإمبريقي “الميكانيكي المادي”. وطولب بأن يستبدل “العقل الواعي للوضعيين” ويحل محله “مزيج من العمليات العقلانية والمؤثرة الدقيقة جدا حتى يمكن تحديدها” والتي توجد على هامش الوعي.

كانت هذه الثورة تميل إلى المثالية والرومانسية، وتقترب من الذاتية والنسبية، بينما تبتعد عن الواقعية والإمبريقية والموضوعية واليقين. وأهم ملامح هذه الثورة كما حددها “كون” في مرحلة تعددية البراديميات، تم تتبعها مرحلة براديم موحد.

في البراديم الموحد يكون “العلم المعتاد” يهيمن هذا البراديم على كامل الحقل ومجاله ويحدد مشكلاته وحلولها. قد يقع تطور كبير في الحقل، لكنها عملية تطهير على نطاق واسع.

تتبع هذه المرحة: مرحلة “بداية الشك” حين تتعاظم المتناقضات داخل البراديم. والذي ينتهي بالتشكيك في البراديم نفسه.

تقع الثورة العلمية في المرحلة التالية: حين يتم الصراع بين براديم جديد والبراديم القديم.

المرحلة الأخير: “عودة العلم المعتاد” عندما يصبح البراديم الجديد مهيمنا على الحقل. وتدور الحلقة من جديد. ويخلص كون إلى أن التغير العلمي ثوري بامتياز.

ملامح ما بعد الوضعية: الخصائص التسع لما بعد الوضعية:

1- بدلا من كون العلم نتاجاً، تم التركيز على العلم باعتباره نشاطا أو تاريخا تطوريا. الوضعية القديمة فلسفية أما الجديدة تاريخية.

2- بدلا من تبسيط الحقائق واختبار النظرية من خلال الملاحظة الاستدلالية، ما بعد الوضعية تقول بعدم وجود أي بنية استدلالية منظمة.

3- أصرت الوضعية على قابلية النظريات للاختبار، بعكس ما بعد الوضعية. أن الحقائق لا تطيح بالنظرية فلابد من وجود نظرية بديلة، أو نسخة جديدة من الحقائق أو حقائق مختلفة يتم من خلال صياغة النظرية، أو إطلاق البراديم الجديد، أو بالأحرى تخلق الحقائق الجديدة عالم جديد.

4- العلم ليس تراكميا، ولكنه يتطور بالقفزات الثورية.

5- العلم يحتوي على تحيزات ثقافية، والمعرفة العلمية مشبعة بالثقافة.

6- النتائج العلمية تتأثر بشخصية الباحث ووضعه الاجتماعي. ونفي التحيز أمرا مستحيلا.

7- المفاهيم بلا معنى إذا كانت معزولة، فمعانيها تأتى من السياق، وبالتالي إذا بدا تناقض مقولات نظريتان فالاختلاف في مضامين المفاهيم ودلالة استخدامها. وبالتالي كل براديم يحدد براهينه.

8- العلم يتضمن أفكار جديدة قد ترتبط أو لا بالأفكار القديمة

9- العلم لا يشكل وحدة. بل مكونات من “المعرفة” مختلفة كل منها متعلق بموضوع وجماعة معينة.

يري نقاد الوضعية أن المعرفة الصحيحة غير ممكنة عقلانياً. بينما زعم ما بعد الحداثيين المتطرفون المنتسبون لما بعد الوضعية أنه لا توجد سببية ولا حتمية ولا موضوعية ولا عقلانية ولا حقيقة. وأنه كما يقولون ” لا توجد قواعد للتحقق أو للبرهان الخارجي الذي يمكن الدفاع عنه”. وهدفهم “تسجيل احتمالية بناء أي “دعامة للمعرفة”)، ولك يكتفوا بنفي فكرة الحقيقة ولكن أيضا يرفضون فكرة المسؤولية الأخلاقية، ولا يوجد أي نظام “قيمي” أفضل من الآخر. وأن كل شيء – الحقيقة والخير -بنية إنسانية تحكمية.

في محاولة للتطوير قدمت أفكار من قبيل “المشاعر الذاتية” للباحث، و”التحقيق الطبيعي” وعدم وجود انفصام بين العارف والمعرفة، وبيم المسببات والآثار. لكنها كانت في الحقيقة تهدم المشروع العلمي كله، وتغرق في الذاتية وتنفي أن يكون الدافع وراء البحث العلمي هو أن نعرف شيئا حقيقيا بغض النظر عن ذواتنا”.

بنهاية التسعينات دخلنا إلى مرحلة جديدة “ما بعد-ما بعد الوضعية”، وكان الهدف هو تجاوز ما بعض الوضعية إلى نظرية معرفية ذات أسس اكثر سلامة وذات نتائج مفيدة.

وكانت ما بعد الوضعية رد فعل على الغرور المفرط للعلماء في قبول نتائج العلم، وأفادت أنها جعلتهم أكثر تواضعا وحذرا في تأكيد الحقائق، وأكثر فهما للطبيعة الجزئية والمؤقتة للمعرفة العلمية، وتأثير الافتراضات الثقافية غير الواعية في توجيه نتائج البحث. وساهمت في انفتاح أكثر على أن المعرفة التقنية قد لا تحتوي على كل الإجابات المطلوبة عند صياغة قرارات السياسة. وأخيرا شكلت هذه الاسهامات في وضع “نظرية بديلة للمعرفة” أو أساس للواقعية النقدية.

الفيزياء والغيبية: قدمت الفيزياء وبخاصة “ميكانيكا الكونتم” أداة قوية للهجوم على ما بعد الوضعية، ورفضن نكران السببية والاستمرارية والطبيعة الموضوعية للحقيقة، وهي الأمور التي أهدرتها ما بعد الوضعية.

الواقعية النقدية:

ملامحها الأساسية كونها تطور للوضعية:

1- العلم كيان من المقولات اللغوية والرقيمة يعبر عن طبيعة الحقيقة.

2- يتضمن العلم الاهتمام بالبنية المنطقية للمقولات وتماسكها، والعلم يستخدم لتحقيق أهداف البشرية.

3- يقوم على افتراض أنه – رغم تعدد أوجه الحقيقة وقصور قدرة الإنسان هن ملاحظتها وفهمها – فإن الحقيقة يمكن معرفتها من خلال حدود الحواس والعقل الإنساني. فالحقيقة “التي نعرفها” ليست مطلقة، وإنما قابلة للخطأ وحدسية وشرطية.

4- العلم تراكمي إلى حد كبير، وحتى القفزات العلمية “الثورات” تتضمن العديد من الاكتشافات الحالية.

5- العلم يواجه تهديد مصداقية بسبب التحيزات الثقافية التي تشوه الحقيقة.

6- العلم يواجه تهديدات لمصداقيته بسبب التحيزات الشخصية والاجتماعية للباحث.

7- يحتوي العلم على نظريات وتقاليد بحثية يمكن أن تتداخل فتظهر على أنها متناقضة فيما بينها، لكن يمكن اختبارها نقديا.

8- يتضمن العلم أفكارا جديدة متصلة او متقطعة عما سبقها. لكنها تسير جنبا إلى جنب في مساراتها.

9- قد يتضمن العلم وحدة أساسية للعلوم.

فالواقية النقدية تفترض أن هناك حقيقة، ويمكن اختبار صحة أو خطأ أفكارنا عنها. كما تدرك وجود الحدس ومحدودية المعرفة اليقينية.

تجعل الوضعية – واستمدتها الواقعية النقدية – فهم المجتمع في حد ذاته إشكالية، وبالتالي تجعل تعريفات الحقيقة الاجتماعية السائدة محل تساؤل. ويتم حل الجدل العام من خلال الاحتكام إلى الحقائق.

تدرك الواقعية النقدية أن كل علم له افتراضات مسبقة وأحكام نوعية، وأن لها سياق تاريخي يؤثر في العلم، وأن العلم عملية اجتماعية، وأن المعقولية هي في بعض الأحيان أفضل النتائج التي قد نحصل عليها في العلم، والتي يمكن تحقيقها بطرق مختلفة، ويمكن تعزيزها باستخدام مناهج وإجراءات واقترابات متعددة، وأن العلم يشجع على الخيال والإبداع والحدس والتبصر. وأن العلم لا يعترف باللايقينيات.

الواقعية ونظرية المعرفة:

تتضمن الواقعية النقدية فكرة “أنه على الرغم من أن مقولات الملاحظة قابلة للخطأ، فإنها تتعلق بالعالم الخارجي، وليس مجرد خبرات ذاتية.” ولكي تكون هناك معرفة سليمة، لا مجرد رأي، يجب أن تتوفر ثلاث شروط:

1- الاعتقاد بأن بعض الافتراضات صحيحة.

2- الافتراض يجب أن يكون صحيحاً.

3- أن يكون المرء قادرا على تسويغ صحة الافتراض. فالاعتقاد يكون معقولا إذا كان مبرراً أو مؤكداً.

إذا كانت المعرفة تعني الاعتقاد الصحيح المسوغ فقط، فإننا لن نمتلك معرفة يقينية. ولكنها تتضمن الاعتقاد الشكي. أو هي “معرفة حدسية” تقبل وقوع الحدس في خطأ.

فالمعرفة عند الواقعيين: هي أن يكون للمرء ما يبرر اعتقاده في صحة الفرض. وبالتالي يمكن أن تكون المعرفة الحدسية خاطئة، ويكون الخطأ واقع على “الاعتقاد” وليس على المعرفة.

يتبنى الواقعيون النقديون اقتراب “محاولة إظهار خطأ الاعتقاد“، فإذا وجدنا أن هناك سببا للاعتقاد بأن افتراضا خطأ، فإن اعتقادنا به غير مبرر. ولكن إذا فشلنا في إيجاد نقد، أي عدم وجود سبب لافتراض خطأ الاعتقاد، يكون الاعتقاد به مبرراً.

ولذلك عندما يقول الواقعيون النقديون أن البرهان يدعم افتراضا ما، فإن هذا لا يعنى أنه “يبرهن” عليه، أو حتى “يجعله أكثر احتمالا”. إنهم يعنون أنه يفشل في الدحض.

الواقعية الوجودية: هي “الاعتقاد بأن العالم الذي نعتقد معرفته، يوجد مستقلا عن معرفتنا به”. فالواقعية النقدية تفترض أن “العلاقة السببية توجد خارج العقل البشري”. فالواقع يوجد خارج البنى الإنسانية. وبالتالي فالحواس لها مكانتها لأنها مصدر “للاعتقاد المعقول”، فاعتقاداتنا معقولة لأنها تصمد أمام النقد. فالافتراضات غير المدحضة تعتبر مستحقة للاعتقاد.

والواقعية هنا نقدية لأنها تفترض أن القدرة الشعورية والفكرية للإنسان غير مكتملة، وبالتالي تفشل في إدراك العلاقات السببية بشكل دقيق. كما تفترض أن كل دعاوي الحقيقة متساوية وخاضعة للاختبار فلا يوجد “سلطة” تمتلك الحقيقة أو تعبر عنها.

العلم عند الواقعية النقدية مفهوم أعم من القياس الكمي، إنه يشمل العلوم الإنسانية ونماذج التحقق المعياري، والبحث عن الحقيقة بانفتاح واستخدام كل البراهين الممكنة.

تطور المعرفة:

الواقعية النقدية تطورية، لأنها تربط بقاء الجنس البشري بتطور المعرفة. كما أنها تري أن نمو المعرفة تطوري “التغير والانقاء والاستبقاء”، حيث تقدم الأفكار المتنوعة حول الواقع، ويتم وانتقاؤها بهدف الاقتراب من الحقيقة. كما أن القدرة على انتقاء المقولات الصحيحة بدقة حول السبب والنتيجة عملية عقلية تساهم في لقاء وتطور الأفراد والجماعات. والاحتكام إلى الملاحظة الواقعية جزء من إجراءات حل المشكلات التي تجعل الحياة الاجتماعية ممكنة.

الاختلاف بين الواقع والنص كواقع: إن تمثيلات الواقع تمثل بحد ذاتها واقعا، كما أن المقولات والنظريات التي تدعي تمثيل أو تجسيد بعض الواقع هي واقع في حد ذاتها. وبالتالي فإن بناء نماذج الواقع هي جزء من واقع جديد، وبالتالي يكون مشروعا أن ندرس هذه الوقائع الجديدة.

تشوهات الحقيقة: كلما كان ما نملكه من “خرائط” أو تصورات حول طبيعة الواقع أكثر دقة كلما استطعنا أن نكون أكثر نجاحا في تحقيق أهدافنا. ومن ثم فالافتراض بأن “عواقب اعتقاداتنا حول الواقع قد تكون حقيقية سواء كانت هذه الاعتقادات نفسها حقيقية أم لا” هو افتراص صحيح. كما أنه يمكن القول إن “الاعتقاد الخطأ عن الواقع قد يكون مدمرا”.

ومن التشوهات أيضا الكذب وعدم الأمانة، والتي تدمر الثقة وتصبح الحياة الاجتماعية مستحيلة. ويجب أن يكون هناك إيمان بوجود الحقيقة وإمكانية الوصول إليها حتى تستمر التفاعلات الاجتماعية.

الواقعية النقدية والمستقبل:

إذا المعرفة الحدسية ممكنة، وإذا كان تبرير افتراض ما يجعله صحيحاً، وإذا كان الاعتقاد بصحة افتراض ما يمكن تبريه بأنه معقول، وبالتالي فالفارق طفيف بين الاعتقادات بحقائق الماضي والحاضر والاعتقاد بالمستقبل. لذلك تقدم الواقعية النقدية على أنها قادرة على تقديم اعتقادات خاصة بالمستقبل.

تظل إشكالية أن الاستدلال القائم على الملاحظة لا تنطبق على ملاحظات المستقبل، والتي توصف بأنها تنبؤات غير علمية حتى تتم اختبارها من خلال ملاحظات “مستقبلية” جديدة. هناك محاولة لحل هذه الإشكالية بإحلال “المحتمل” محل اليقينى والمطلق. وتطبق التكرارات التفاضلية عن الاحتمالية بناء على سلسلة زمنية لأحداث الماضي.

بالنهاية، لا يوجد أي تنبؤ أو اعتقاد عن غير ملاحظة أكثر معقولية من الآخرين، كل ما هنالك أننا نقفز بالنتائج لتنظيم السلوك المستقبلي. إننا نفكر على نحو استنباطي.

الأطروحات: هي مقولة نتعامل معها على أنها صحيحة، على الرغم من أننا لا نعرف إن كانت كذلك بالفعل. فهي تتضمن مقولات عن المستقبل. فالأطروحة هي الناتج الأكثر احتمالا بالنسبة للمستقبل. فالمستقبليين يضعون احتمالات بديلة للمستقبل سواء كانت محتملة أو غير ذلك، ويحاولون تقييم احتمالية وأهمية أثر كل منها.

تعامل الأطروحة على أنها صحيحة على قاعدتي “كما لو” و”ماذا لو” من أجل أفعال التخطيط الطارئة أو الأفعال البديلة. فالأطروحة بالنسبة للمستقبليين هي مقولة عن إمكانية للمستقبل وتقدير لاحتمالية حدوثها، بصرف النظر عن مصدر موقعها.

المعرفة البديلة: نقص المعلومات أو الخطأ المعلوماتي عن الحاضر أو الماضي هو “القصور المعرفي”، بينما المعلومات التي تشكل بديلا متماسكا عن عوائق معرفة المستقبل تعرف بـ”بدائل المعرفة”، والتي هي أطروحات صمدت أمام المحاولات الجادة لتخطئتها، وبالتالي تمثل معرفة حدسية. كما أنها خاضعة باستمرار للمراجعات.

التوقعات الصحيحة افتراضيا مقابل الصحيحة نهائيا:

يتوقف التوقع على الظروف التي قد تتغير، ولذا قد يتحول التوقع الصحيح تماما ليصبح خطأ. هذا التوقع ذاته قد يسهم في إحداث تغير الظروف كما في حال التنبؤات المبدلة لذاتها. حيث إن صانع القرار في حاجة لمعرفة نتائج أحد التنبؤات لمساعدته في صنع القرار الأخير. لذا يمكن التفريق بين “التنبؤ الصحيح/ الخطأ افتراضيا والتنبؤ الصحيح/ الخطأ نهائيا”.

فالتنبؤ الصحيح افتراضيا هو تأكيدات مستقبلية تم تقييمها واخضاعها للدحض قبل الوقت التي تتعامل معه التنبؤات. فالتنبؤات الصحيحة افتراضيا هي التي صمدت أمام محاولات الدحض. أما التنبؤات الصحيحة نهائياً هي تلك التي تم تقييمها من خلال الملاحظة الظاهرة بعد مجيئ الوقت التي تتعامل مع التنبؤات.

لكن إذا تم تصميم قرار لتغيير مسار تنبؤ ما، حيث يتم تحويل الظروف لواقع جديد تؤيد تنبؤ كان أقل احتمالا ولكنه مرغوب. فالتنبؤ الأول كان صحيحا افتراضيا لكنه غير محدد نهائيا، بينما كان الآخر خطأ افتراضيا بينما كان صحيحا نهائيا.

وقد تصدر تنبؤات خاطئة عمدا لتوجيه الناس أو لكسب تأييد حول خطط أو قرارات محددة أو لتبرير تصرف ما. أي “التنبؤات المبدلة لذاتها” التي تؤدي إلى تغيير ظروف ومن تم تغيير في ذات التنبؤ.

بمجرد التوصل إلى التنبؤ وينقل إلى الآخرين يصبح هو نفسه جزءا من الواقع، كما في “خريطة الطريق”، حيث تصبح التنبؤات جزءا من البيئة الثقافية الحقيقية التي يتفاعل معها الناس.

ولا غور أن ملاحظة الواقع الحاضر نفسه قد تتضمن تخمينات عن الماضي او تنبؤات عن المستقبل. فبما أن ملاحظات الماضي قد تبنى على أسس خاطئة، فإن المستقبل قد يبنى على ملاحظات الحاضر ذات أسس خاطئة أيضاً.

التنبؤ يقود إلى السيطرة، والعكس: بعض الظواهر الاجتماعية “غير متبدلة”، بينما بعضها الآخر حيث يتم تصميمها عمدا من خلال الفعل البشري. فمعظم حياة الإنسان مصممة أو مخططة هندسيا عمداً. فالناس ينزعون إلى التنبؤ من خلال التحكم. فالتنبؤات جزء من آليات التسيير والتحكم الاجتماعية ومرتبطة بالنتائج والتغذية الراجعة.

فأدوات الفعل الاجتماعي – المؤسسات والنظم – مصممة من أجل تحقيق هدف، وهي تتطور من خلال تفاعلات الحياة اليومية. إن البحوث المستقبلية تهدف إلى زيادة التحكم الإنساني وذلك من خلال زيادة دقة التنبؤات. وبالتالي يؤدى زيادة التحكم الإنساني في تنظيم السلوك إلى زيادة دقة التنبؤات.

وهنا نظهر أهمية التنبؤات الصحيحة افتراضيا لأنها تقود على التحكم الإنساني، رغم أنها تؤدي إلى أن تصبح تنبؤات خاطئة نهائياً، لأن التحكم عدل الظروف لتفاديها.