من المسلم به أن لدراسة النظم السياسية في العالم المعاصر أهمية كبرى، وذلك لأن العالم به اليوم بعد تفكك الاتحاد السوفيتي ما يقرب من مائتي دولة مستقلة، لكل منها نظامها السياسي وقانونها الدستوري، ولم يحدث أن وصل عدد الدول في العالم إلى هذا الرقم في أي عصر من العصور السابقة .

وإذا كانت دراسة القانون الدستوري، هي دراسة للنظام السياسي من الزاوية القانونية، فقد أجمع المفكرون والكتاب المعاصرون على أن الاقتصار على دراسة النصوص الدستورية لم يعد كافيا لدراسة النظام السياسي، وذلك لأن الجانب القانوني ليس سوى أحد جوانب النظام السياسي، وعلى ذلك فقد تطورت دراسة هذه المادة خلال العقود الخمسة الأخيرة من دراسة لا « القانون الدستوري ، إلى دراسة ل « القانون الدستوري والنظم السياسية ،).

إن أي نظام Institution هو مجموعة القواعد الاجتماعية المتعلقة بمجال ما، وهذه القواعد تشتمل على قواعد قانونية كما تشتمل على عادات اجتماعية. وعلى ذلك فان أي نظام هو خليط من تلك النصوص القانونية وهذه العادات الاجتماعية. وينطبق ذلك على النظم بصفة عامة، ولكنه يصطبغ بأهمية خاصة في مجال النظم السياسية.

وسبب ذلك يرجع الى أن القواعد غير المدونة في شكل نصوص قانونية في مجال النظم السياسية كثيرة جدا، كما أن النصوص الدستورية لا تطبق بشكل جامد، لأن الحكام الذين يضعون أو يساهمون في وضع نصوص الدستور يسهل عليهم في أغلب الأحيان التحلل منها أو الخروج عليها. ولذلك فان هنالك ظاهرة عامة في جميع الدول، وهي اختلاف النظام السياسي المطبق من الناحية العملية عن النصوص الدستورية المكتوبة.

وتختلف الهوة بين النصوص وبين التطبيق باختلاف الدول، حتى إن الدستور يفقد في بعض الدول صفته كقانون وتنزل فيمته إلى مجرد البرنامج، بينما يحتفظ الدستور بصفته القانونية إلى حد كبير أو صغير في دول أخرى.

ولذلك فقد میز الفقهاء بين نوعين من الدساتير: دساتير لها قيمة القانون، وأطلق على الدستور من هذا النوع اسم « الدستور والقانون »Constitution – Loi ،ودساتير لها قيمة البرنامج، وأطلق على الدستور من هذا النوع اسم « الدستور البرنامج ، – programme Constitution . وقد ترتب على ذلك نتيجة مهمة وهي أن التشابه في النصوص الدستورية لا يؤدي إلى تشابه النظم السياسية المطبقة عمة، فكثير من دول أمريكا اللاتينية نقلت دساتيرها عن دستور الولايات المتحدة الصادر سنة ۱۷۸۷، ومع ذلك، فالاختلاف كبير بين النظام في الولايات المتحدة ونظم دول أمريكا الجنوبية والوسطى؛ فالنظام الامريكي نظام ديمقراطي رئاسي متوازن، ومن ثم فهو نظام مستقر، إذ لم تقم ثورة أو بحدث انقلاب في الولايات المتحدة منذ وضع دستورها سنة ۱۷۸۷، وإنما يتم تغيير الحكام بطريقة سلمية، بينما تعتبر أغلب نظم دول أمريكا اللاتينية نظمأ دكتاتورية غير ديمقراطية، ولذا تهزها الانقلابات العسكرية بين الحين والآخر.

ومن ناحية أخرى، فقد نقلت كثير من دول العالم الثالث – ومن بينها سورية . دساتيرها عن الدستور الفرنسي الصادر سنة ۱۹۵۸ والمعروف بدستور الجمهورية الخامسة، ومع ذلك فإن النظم السياسية السائدة في دول العالم الثالث هذه، تختلف تماما عن النظام السياسي الفرنسي، بسبب اختلاف النظام الاقتصادي والاجتماعي ودرجة التقدم في هذه الدول عن النظام الاجتماعي والاقتصادي ودرجة التقدم الموجود في فرنسا.

نخلص مما تقدم إلى أنه لا يمكن تفسير النظام السياسي لدولة ما إلا بالرجوع إلى نظامها الاقتصادي والاجتماعي ودرجة تقدمها و العقائد السائدة فيها والقيم و التقاليد الثقافية لشعبها، ولا يكفي مجرد الرجوع إلى النصوص الدستورية المرونة لفهم طبيعة النظام، بل يتعين دراسة ظروف المجتمع الذي تطبق عليه هذه النصوص .

وهكذا، فإذا كان القانون الدستوري يقتصر على دراسة النصوص التي تحويها الوثائق الدستورية الجامدة والتي تنظم طريقة مزاولة الحكم في دولة ما، فإن النظم السياسية تذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تعالج كيفية سير المؤسسات الدستورية في الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المحيطة بها.

 

Print Friendly, PDF & Email