قضايا اقتصادية

النفط المحرك الرئيسي لتوجهات الصين نحو الشرق الأوسط

برزت الصين على مدى السنوات القليلة الماضية كقوة اقتصادية عالمية كبيرة لا يمكن تجاهلها، فهي تعد أكبر اقتصاد في العالم من ناحية القوة الشرائية، والثاني بعد الولايات المتحدة الأمريكية من حيث القيمة السوقية، بسبب التوسع الاقتصادي السريع للصين في فترة وجيزة. ويظهر ذلك على المؤشرات الاقتصاد الكلية حيث ارتفع نصيب الاقتصاد الصيني من أقل 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في 1995 إلى أكثر من 15% منه مع نهاية عام 2016.

ولو نظرنا الى الصين نجد أنها محل اهتمام وبؤرة التركيز الرئيسية لنشاط القوى في الشرق الأوسط خاصة بعد استحواذها على ثلثي الاحتياطي العالمي من النفط الخام وذلك إلى جانب العديد من الثروات.

تنظر الصين إلى الشرق الأوسط، المليء بالثروات الطبيعية، على أنها منطقة صراعات، ويبدوا أن هذه النظرة قد تغيرت مؤخرا ويظهر ذلك جليا من انتهاجها سياسات مختلفة تجاه المنطقة باعتبارها منطقة استهلاكية لا يستهان بها، بما يعني فتح أسواق جديدة لصادرات الصين، ومن جهة اخرى لتأمين احتياجاتها من النفط بعد التسارع المستمر في استهلاكها للطاقة ومشتقاتها بعد أن اصبحت المستهلك الأول عالميا.

تطور الاقتصاد الصيني

وصل معدل نمو  الاقتصاد الصيني عام 2017 حوالي 6.9% متخطياً المعدل المستهدف من قبل الحكومة الصينية لنفس العام البالغ 6.5% بفضل نمو حجم التجارة البينية ومبيعات التجزئة التي بلغت 2.96 تريليون دولار عام 2016.

حجم التبادل التجاري بين الصين والعالم الخارجي عام 2016

المنطقة حجم التجارة بالمليار دولار النسبة إلى الإجمالي
أوروبا 696.3 17.6%
أمريكا الشمالية 660.9 16.7%
جنوب شرق أسيا 468.3 11.8%
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 264.3 6.7%
أمريكا اللاتينية والكاريبي 225.3 5.9%
الدول العربية 205.4 5.2%
أفريقيا 178.9 4.5%

المصدر: بيانات مجمعة من موقع وزارة التجارة الصينية https://goo.gl/TctGzZ

استطاعت الصين الوصول إلى معدلات مرتفعة للناتج المحلي الإجمالي للفرد فوق الـ 40 ضعفاً من 155 دولاراً عام 1978 إلى نحو 6400 دولاراً عام 2015، ومن المتوقع بحلول عام 2030 أن تكون الصين صاحبة أكبر اقتصاد في العالم بعد أن فقدتها لنحو 130 عاماً.

• التعاون الاقتصادي الصيني الشرق أوسطي:

بدأ التعاون التجاري بين الصين والشرق الأوسط عامةً والدول العربية خاصةً منذ 6 عقود إلى أن أصبحت الصين اليوم ثاني أكبر شريك تجاري للعالم العربي وأكبر شريك تجاري لتسع دول عربية، أما عن حجم التبادل التجاري بين بكين ومنطقة الشرق الأوسط، فقد تضاعفت عشر مرات منذ عام 2003  من 20 مليار دولار إلى ما يزيد عن 200 مليار دولار ومن المتوقع أن تصل إلى ما يقرب 500 مليار دولار بحلول عام 2020.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية فقد بلغ إجمالي حجم الأعمال التجارية بين الصين والدول العربية في عام 2016 حوالي 205.4 مليار دولار أمريكي تستحوذ الإمارات وحدها علي 23.4% من حجم هذا التبادل، وبلغت قيمة الصادرات الصينية إلى الدول العربية 100.84 مليار دولار أمريكي بينما بلغت الواردات الصينية منها ما قيمته 70.3 مليار دولار أمريكي.

وتعتبر السعودية والإمارات من أسرع الأسواق نمواً تجاه الصادرات الصينية وفق تقدير صندوق النقد الدولي يبلغ نسبة نمو أسواق الدولتين تجاه الصادرات الصينية خلال الفترة من 2016  إلى 2030 نسبة 11%.

• النفط محرك لتنامي العلاقات الصينية الشرق أوسطية:

تسعى الصين بقوة كبيرة لتأمين احتياجاتها من النفط والغاز من الدول العربية في ظل نمو حجم الطلب على الطاقة الذي يستمر في النمو بشكل كبير، وهذا يجعل الصين حريصة على تطوير علاقاتها مع الشرق الأوسط خاصة الدول العربية المنتجة والمصدرة للطاقة وفى نفس الوقت تعد الدول العربية سوقاً استهلاكياً وعلى سبيل المثال تعد مصر وإيران وتركيا أسواقاً ضخمة من حيث عدد السكان.

من الملاحظ أن الصين تسعى دائما لتنويع مصادرها من النفط، إلا أنها تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط الذي يمثل حوالي 5 مليون برميل يومياً عام 2017، وقابلة للزيادة في الأجل الطويل، ويرجع ذلك إلى أن الشرق الاوسط تعتبر أكبر منطقة منتجة للنفط تغطي احتياجات الطلب العالمي عليه خاصة في الدول العربية النفطية، وراجع أيضاً الى ارتفاع نسبة واردات الصين من النفط سنه تلو الأخرى؛ حيث كانت نسبة اعتمادها على الاستيراد في عام 2016 بنحو 75- 80% بعد ما كانت 64.4% وقابلة للزيادة خلال العشرين سنة القادمة.

ويمكن توضيح واردات الصين من النفط الخام خلال الفترة 2010– 2016 من خلال الجدول التالي:

ألف برميل يومياً

المنطقة 2010 2011 2012 2013 2014 2015 2016 %من الاجمالي 2016
الشرق الاوسط 2260 2607 2700 2940 3222 3414 3660 48.1%
أفريقيا 1414 1201 1290 1281 1355 1282 1346 17.7%
الأمريكتان 413 464 546 549 658 842 1033 13.6%
دول الاتحاد السوفياتي/أوروبا 521 610 718 748 815 1005 1257 15%
إجمالي الواردات 4781 5062 5417 5656 6715 6715 7609 100%

المصدر: وزارة التجارة الصينية  https://goo.gl/TctGzZ

أما عن إمدادات النفط من أوبك والعالم وتوقعات ذلك خلال الفترة 2015– 2030 يمكن توضيحها من خلال الجدول التالي:

مليون برميل يومياً 2015- 2030

البيان 2015 2020 2025 2030
أوبك (الشرق الأوسط) 28.7 30.4 32.3 33.4
الشرق الأوسط من إجمالي أوبك% 73.4 77.6 78.2 77.9
إجمالي أوبك 39.1 39.2 41.3 42.9
أوبك من الإجمالي العالمي% 42.4 41.9 43.2 44.2
خارج أوبك 53.2 54.3 54.4 54.2
إجمالي الإنتاج العالمي 92.3 93.5 95.7 97.1
الطلب العالمي 92.5 95.9 98.2 99.8

المصدر: وكالة الطاقة الدولية، توقعات الطاقة العالمية ( تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)

ومما لا شك فيه عندما حدث انخفاض لأسعار النفط عام 2015 أصبح ذلك فرصة للصين حيث أنها تعتبر من أكبر مستوردي النفط، وبالتالي خفض ذلك من فاتورة التكاليف عليها بمثابة النصف، وذلك على الرغم من توقع الخبراء أن الصين ستعتمد بنسبة 80%  على استيراد النفط عام 2035 مع ارتفاع حصة استهلاكها للنفط من 18% إلى 20% لتسبق الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك مع الأخذ في الاعتبار أن الصين حاولت على مدار 25 سنة  الماضية توسيع العلاقات الاقتصادية خاصة بجانب الطاقة مع الشرق الأوسط.

• اتجاهات الاستثمارات الصينية إلى أين؟

ستواصل الصين في عام 2018 مسعاها للمحافظة على النمو وتعطشها لشراء السلع ولكن هذا يزيد من خطر الائتمان الناتج عن اقتراض الجهات والشركات الحكومية في الصين، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الفائدة على مستوى العالم وتعزيز قيمة الدولار، وهذا يسبب تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج واستنزاف احتياطات البلاد من العملات الصعبة ما يدفع اليوان إلى الانخفاض، مع الأخذ في الاعتبار أن المستثمرين سيتوجهون إلى السندات العاجلة لسهولة الاحتفاظ بها، أما عن المستثمرين في الشرق الأوسط فسيتوجهون إلى تنويع استثماراتهم ومحاولة التوجه إلى الاستثمار في أسهم دول مجلس التعاون الخليجي مع ارتفاع أسعار النفط.

وطبقاً للبيانات التي وردت في تقارير معهد “أمريكان إنتر برايز” فقد بلغت استثمارات الصين خلال الفترة 2005- 2017 بواقع 1.5 تريليون دولار، ويتركز أكثر من 62% منها في الدول التي تطل على طريق الحرير البحري ( أفريقيا، الشرق الأوسط، دول جنوب آسيا المطلة على البحر،  دول الآسيان، وأوروبا) ومعظمها قريب من 3 مضائق تعدها بكين استراتيجية لمصالحا الحيوية هي ؛ مضيق ملقا ومضيق هرمز ومضيق باب المندب مرورا بقناة السويس.

ومما لا شك فيه أن الصين تتجه إلى طرق أخرى للحصول على مزيد من الأموال من المؤسسات التي أطلقتها الصين أخيراً مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وصندوق طريق الحرير، وصندوق البريكس، وهذا من المتوقع زيادة الاستثمارات الصينية في المستقبل مع نفس اتجاه التجارة العالمية.

ويمكن من خلال الجدول التالي توضيح الاستثمارات الصينية حول العالم خلال 2005 – 2017 ، وذلك كما يلي:

المنطقة حجم الاستثمارات (مليار  دولار ) % من الإجمالي
جميع دول العالم 1485.91 100.00
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا( لا تشمل فلسطين، لبنان، جزر القمر، جيبوتي، الصومال) 171.71 9.45
دول طريق الحرير البحري (أفريقيا، الشرق الأوسط، دول جنوب آسيا المطلة على البحر، دول الآسيان، أوروبا) 927.3 62.40
دول شبه الصحراء الأفريقية 252.61 17.00
أمريكا الشمالية 215.65 14.51
أمريكا الجنوبية 136.5 9.19
شرق آسيا 192.81 12.98
جنوب آسيا (لا تشمل مملكة اليونان) 102.6 6.90
أوروبا 227.84 15.33
أستراليا 92.84 6.25
جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق (لا تشمل أرمينيا، أوكرانيا، بلاروسيا ودول البلطيق ) روسيا، وتركيا 101.22 6.81

المصدر The China Global Investment Tracker

نجد أن الصين تسعى لبذل مزيد من الجهود لتطوير علاقاتها بالشرق الأوسط خاصة بالدول العربية في مجالات الاقتصاد المختلفة وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والسياسية.

كما أن الحكومة الصينية أعلنت استثمار 60 مليار دولار في مشروعات تنموية هذا بالإضافة إلى 10 مليار دولار لتنمية الطاقة الإنتاجية، وبالتالي يساعد ذلك في توفير فرص تدريب لكوادر بشرية تعمل على كفاءة عالية في هذه المجالات المختلفة مع توفير فرص للمنح الدراسية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

ونجد أن هناك تبادل مصالح بين كلاً من الصين والشرق الأوسط في سياق توسع مصالح الصين العالمية وتزايد نفوذها خاصة فى المنطقة العربية؛ حيث أن المصالح التي تسعى العرب إلى تحقيقها كما يلي :

العمل على تشجيع التنمية الاقتصادية والاجتماعية الذي يساعد على تحقيق الاستقرار السياسي ويعالج المشاكل التي تواجهها معظم الدول العربية مثل البطالة والفقر وارتفاع معدلات البطالة وغيرها.

تطوير التعاون العربي الصيني بما يحقق التوازن مع وجود أمريكا ويحافظ على وجود الطاقة التي هي عامل أساسي في التصور الصناعي، مع الاستفادة من التجربة الصينية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي الذي يساعد في تحقيق الرفاهة الاجتماعية المطلوبة .

تحجيم اتجاهات الهيمنة الأمريكية المعاصرة وفقاً للتوجهات الاقتصادية العالمية الجديدة، مع ضرورة التنسيق الفعال بين الطرفين بما يساعد في دعم العرب للصين فيما تسعى تحقيقه.

وإجمالاً للقول؛ على الرغم من أن علاقة الشرق الأوسط مع الصين تكاد تبدو مختلفة من حيث النوعية والطبيعة عن علاقة بكين بالدول الأوروبية مثل اليابان، إلا أن الصين تسعى إلى تفعيل العلاقات الصينية- الشرق أوسطية بشكل إيجابي مثل نقل التكنولوجيا الصينية إلى الدول العربية، مع تفعيل آليات التعاون المشترك في القطاعات الأساسية للاقتصاد من صناعة وزراعة وتجارة والاهتمام بقطاع الطاقة (آلية النفط).

وتعد كلاً من الصين والدول العربية تنتمى الى الدول النامية في السبعينات ولكن الصين انتهجت أسلوب تنموي متسارع والأن أصبحت مثل يحتذى به؛ حيث أن اقتصاد الصين نما بمعدل 6.9% عام 2017 متجاوزاً مستهدفات الحكومة بفضل التوجهات التي سعت الصين إليها خاصة نمو التجارة الخارجية.

وأشار مكتب الإحصاء إلى أن الإنتاج الصناعي زاد بمعدل 6.2% على أساس سنوي في ديسمبر 2017، وزادت مبيعات التجزئة 9.4% خلال نفس الفترة، أما بالنسبة للاستثمارات في الأصول الثابتة في الصين ارتفعت بواقع 7.2%.

وتسعى دائما الحكومة الصينية وصانعو السياسات الاقتصادية لاحتواء المخاطر المالية وإبطاء تزايد عبء اليوان الذي سيؤدي بالطبع إلى إعاقة النمو الاقتصادي وتخطي الدين في الصين 270% من الناتج المحلي الإجمالي .

ولذللك نجد أن الدول العربية لديها فرصة لتعزيز التضامن والتعاون مع الصين وذلك له تأثير كبير على الصعيد الدولي، ويمكن القول إن العلاقات الاقتصادية بين الصين والعالم العربي بدأته عُمان ثم انتقل الى السعودية ومصر والسودان إلى أن وصل الى معظم الدول العربية بل وأصبحت السواق العربية سوقاً واسعاً تسع المنتجات الصينية.

المصدر

1- المستقبل العربي، العلاقات العربية– الصينية (ملف 3)، العدد 461، مركز دراسات الوحدة العربية، يوليو 2017, ص 82, ص 90 , ص 124 – 128.2- عاهد مسلم المشاقبة ,البعد السياسي للعلاقات العربية– الصينية وآفاقها المستقبلية، العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 41، ملحق 1، 2014.3- موقع وزارة التجارة الصينية 4- التوسع الاقتصادي يسيل لعاب الصين على نفط الشرق الأوسط، وكالة الأناضول التركية، بتاريخ 1/12/2017، 5- خضر سعادة خروبي، الصين فى الشرق الأوسط: مفاتيح الاقتصاد وبوابات السياسة، موقع الأخبار، بتاريخ 26 فبرير 2018، 6- مصالح جمهورية الصين الشعبية وأهدافها فى منطقة الشرق الأوسط والرؤية المستقبلية لدورها حتى عام 2030 , 7- فيدير غويرينى , اتجاهات الاستثمار العالمي فى 2017 ,موقع آراء حرة , بتاريخ 23 فبراير 2017 , 8- مايا جريديني، كيف تحول اقتصاد الصين إلى ثاني أكبر اقتصاد عالمي؟ بتاريخ 4 سبتمبر 2016، أحمد يونس، الصين تعلن استثمارات 60 مليار دولار فى أفريقيا في افتتاح مؤتمر تعاون دول “طريق الحري” بالخرطوم، جريدة العرب الدولية الشرق الأوسط، بتاريخ 22 نوفمبر 2017، رقم العدد 14239،

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock