د.ربيج علي

<[email protected]>

الوساطة .

نصت المادة 12 من ميثاق عصبة الأمم المتحدة على  ضرورة التزام الدول الاعضاء  على اختيار إحدى الطريقتين لتسوية المنازعات، إما عرض النزاع على التحكيم أو القضاء الدولي أو عرضه على مجلس العصبة كوسيط لحمل الطرفين على التفاهم والوصول إلى تسوية..

وحسب المادة 33 من ميثاق الامم المتحدة ،تنص على ضرورة سعي اطراف النزاع الى البحث عن طرق وأساليب سلمية لايجاد حلول واقتراحات للخروج من موضوع النزاع ،عن طريق المفاوضات والتحقيق الدولي أو الوساطة الدولية أو اللجؤ الى التوفيق و التسوية القضائية .

كما تشير اتفاقية لاهاي 1907 ،على ضرورة السماح لطرف ثالث / وسيط بلعب دورا  يعمل على تقريب وجهات النظر بين الاطراف المادة الثامنة ”  تتفق الدول المتعاقدة على التوصية بتطبيق الوساطة الخاصة عند سماح في حال نشوء خلاف خطير يعرض السلم الى الخطر ،تختارالدول التي حصل بينها خلاف دولة تكلفها بمهمة الدخول في اتصال مباشر مع الدولة التي اختارها الجانب الاخر وذلك لغرض الحيلولة دون انقطاع العلاقات السلمية .

 حيث يسعى الوسيط / دولة ، منظمة ، او شخصية دولية ، الى التحلي بالحكمة والشدة والسرية وعليه تعرف الوساطة بانها [ … الوساطة تتطلب تدخلا اكثر حدة ،  واكثر سرية  ، ولكن الدولة الوسيطة لا تكتفي بحضور الاطراف ، بل تقترح قواعد التفاوض وتتوسط مباشرة في المفاوضات بمعنى الكلمة ،وتجتهد لجعل الدولة المعنية تقوم بتنازلات متبادلة  ومن هذا التعريف نستنتج ان الوساطة ،هي مبادرة سلمية يهدف اصحابها الى بذل كل الجهود ،لايجاد طرق وسبل لحل النزاع بين الطرفين ،باستعمال الطرق السلمية والدبلوماسية لمنع استمرار الحرب و سقوط المزيد من الضحايا .

ويسعى الوسيط في البداية الى اقناع اطراف النزاع الى اعلان الهدنة بين الطرفين ثم توقيع على اتفاقية وقف اطلاق النار وهذا في حالة النزاعات المسلحة ،كما يسعى الوسيط في الخلافات السياسية الى اعادة بناء واسترجاع الثقة ثم المضي نحو تمهيد عملية لقاء اطراف الخلاف / النزاع للجلوس الى طالة الحوار المباشر .

الوساطة في العرف الدبلوماسي .

في الغالب يتم اللجوء الى الطرف الثالث (الوسيط) عندما يفشل اطراف النزاع في ايجاد حلولا لموضوع الخلاف ،ولعل احد الاسباب هو انقطاع عملية الاتصال بشكل مباشر ،بسبب حالة التوتر و حجم الخلافات التي في العادة ،تدفع الطرفين الى الغاء وقطع كل قنوات الاتصال المباشرة / كذلك غلق الحدود / طرد الدبلوماسيين / رفض لقاء او استقبال الوفود او تبادل الزيارات الرسمية بسبب

حالة الشد واللاثقة  بين الاطراف .

ولهذا يتم اللجوء الى طرف ثالث محايد ، والذي يكون محل اجماع بين اطراف النزاع او يكون مقترح / الوسيط من طرف مبادرة دولية او اقليمية ،ويحضى الوسيط بثقة اطراف النزاع ،ويعطى التفويض لوضع خطة او استراتجية / مع فريق العمل الذي يقوده لبذل كل الجهود و المساعي والزيارات من اجل نجاح مهمة الوسيط .

لكن بمجرد فقدان الوسيط / دولة او مبعوث اممي او شخصية دولية ، لثقة طرف او طرفي النزاع تصبح مهمة الوسيط شبه مستحيلة مما يدفع الى انسحاب الوسيط وترك المجال للبحث عن طرف ثالث جديد / وسيط جديد .

مهام ومسؤوليات الوسيط .

  تتحدد مهمة الوسيط من خلال طبيعة ومكانة وقوة الوسيط ومدى المامه بموضوع / النزاع / الخلاف الى جانب ثقة واحترام اطراف النزاع له ، ومع هذا يمكن ان نحدد مجموعة من المحددات الاساسية التي يمكن ان تلعب دورا في نجاح مهمة الوسيط في مهمته .

1 المركزالقانوني والاخلاقي للوسيط .

 ينظر الى تمتع الوسيط بموقع او مكانة قانونية واحد من محددات نجاح / الوسيط في مهمته ، ونجد هذه الحالات في النزاعات الدولية / الحروب الاهلية ،الحرب بين دولتين ، توترات واطلاق نار على الحدود ، حيث وبتوافق المجتمع الدولي عبر تنظيم الامم المتحدة يتم تعيين مبعوث أممي توكل اليه مهمة دور الوسيط او يتم تفويض اسم دولة (؟) ـ توكل اليها مهمة لعب دور الوسيط ،وبهذا يصبح المبعوث الاممي او الدولة (؟) يتمتع بالحصانة القانونية الدولية وبالاعتراف الدولي بما فيه اعتراف وقبول اطراف الصراع بدوره كوسيط ، وبالنسبة للمحدد الاخلاقي في الغالب يتمتع الوسيط بمؤهلات وخبرة بموضوع الخلاف الى جانب ذلك نجد اهمية سمعة واخلاق  الوسيط على اعتبار المحددات الشخصية للوسيط هي كذلك تلعب دورا في نجاح مهمته من خلال قوة الاقناع والصبر والحكمة و الاستماع بشكل دائم ومستمر لاطراف النزاع ،وهذه الصفات لايمكن ان تجتمع في شخص واحد الا اذا كان يتمتع باخلاق وسمعة طيبة على المستوى الدولي والاقليمي .

2المركز السياسي والاقتصادي للوسيط :

يعتبر المركز السياسي و الاقتصادي للوسيط ،محددا هاما يساعد في نجاح مهمة الوسيط ،ففرص النجاح تكون كبيرة عندما يتعلق الامر بدولة (؟) تكون تتمتع بموقع وقوة سياسية واقتصادية مرموقة على الصعيد الدولي ، مما يسمح لهذا الوسيط باستعمال كل الوسائل والطرق الدبلوماسية الناعمة / مساعدات اقتصادية ومالية لاطراف النزاع / المشاركة في عملية اعادة الاعمار / عودة اللاجئين / التعويضات للضحايا ، والكثير من المواضيع الخلافية التي تعترض المفاوضات بين الاطراف ،مما يجعل تدخل الوسيط لتذليل هذه المشاكل باستعمال قدرات وامكانيات دولته مثلا الولايات المتحدة الامريكية / المانيا / فرنسا / الصين …

وفي بعض الاحيان يتم توظيف المكانة السياسية الدولية للدولة الوسيط او الشخصية ،من خلال تحريك الالة الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية قصد الظغط على اطراف النزاع بضرورة تقديم المزيد من التنازلات ،وفي المقابل يفقد الوسيط / دولة او شخصية دولية هذه الفرصة ،عندما لايمتلك هذه المحددات السياسية والاقتصادية ومع هذا نجد العديد من الامثلة لدور العديد من الوساطات الدولية / الشخصيات نجحت في مهمتها بسبب قدرتها على اقناع اطراف النزاع للجلوس الى طاولة الحوار ،وكذلك اقناع الدول القوية سياسيا واقتصاديا بتقديم المساعدات والانخراط في المساعي الحميدة لانجاح الوساطة .

أنواع الوساطة :

الوساطة الفردية ،يقوم  بها شخص او دولة بشكل منفرد ، يكون القصد منها تحمل مسؤولية التوسط بين الدول المتنازعة ، شرط ان يتمتع الوسيط بخبرة وتجربة وسمعة دولية تؤهله الى ان يلعب دور الوسيط بشكل يسمح بوضع حد للنزاع واقناع الاطراف  بالجلوس الى طاولة الحوار .

الوساطة الجماعية :  الوساطة الجماعية هي نتيجة انخراط مجموعة من الدول في الوساطة لحل نزاع دولي ،ويندرج المسعى الدبلوماسي بطلب من اطراف النزاع / ويتم تكليف هذه الدول من طرف منظمات دولية او اقليمية .

الوساطة في قوانين المنظمات الاقليمية .

منظمة الوحدة الافريقية

المادة 21 فقرة 3 من بروتوكول الوساطة، المصالحة والتحكيم بمنظمة الوحدة الإفريقية  حيث اتفق الدول الاعضاء على ترك المجال للوساطة الدولية لحل النزاعات في القارة الافريقية  “إذا تم قبول المصالحة المقترحة من قبل الوسيط فهي تكون موضوع بروتوكول تسوية بين األطراف .”.

الجامعة العربية :

-تدعو  المادة 05 من ميثاق جامعة الدول العربية كافة الدول الاعضاء الى الامتناع عن  اللجوء إلى القوة لفض المنازعات بين دولتين أو أكثر من دول الجامعة، فإذا نشب بينهما خلاف  يتعلق باستقلال الدولة أو سيادتها أو سلامة أراضيها ولجأ المتنازعون إلى المجلس لفض هذا النزاع كان قراره عندئذ نافذا وملزما، وفي هذه الحالة الا يكون للدول التي وقع بينهما الخلاف، الاشتراك في مداولات المجلس و قراراته، ولتوسط المجلس في الخلاف الذي يخشى منه وقوع حرب بين دولة من دول الجامعة وبين أي دولة للجامعة أو غيرها للتوفيق بينهما، و تصدر قرارات التحكيم والقرارات الخاصة بالتوسط بأغلبية الاراء .

 أليات تسوية النزاعات الدولية. 

التوفيق “CONCILITION“:

الى جانب التفاوض و المساعي الحميدة ,يعتبر التوفيق وسيلة من وسائل التسوية السليمة للمنازعات الدولية و المتعارف عليه ,أن أطراف النزاع وفي مساعيهم لإيجاد حلول توافقية لموضوع النزاع يلجؤون الى  التوفيق من خلال :

1_تعيين  لجنة خاصة يعهد اليها مهمة التدقيق و التمحيص و البحث في مختلف جوانب موضوع النزاع والذي يفضي الى اعداد و تقديم تقرير مفصل يتضمن اقتراحات و حلول لتسوية النزاع بشكل نهائي

تعريف التوفيق:

“هو حل النزاع عن طريق إحالتة إلى هيئة محايدة تتولى فحص الموضوع و تحديد الوقائع و إقتراح التسوية الملائمة على الأطراف المتنازعة “

وينظر الى التوفيق على أنه أكثر من الوساطة لأنه (التوفيق) يقدم حلولا واقتراحات وتوصيات كل النزاع عكس الوساطة /الوسيط الذي يقتصر دوره على بذل الجهد لإقناع اطراف النزاع للجلوس الى طاولة المفاوضات و اسقاط الشروط المسبقة.

وكذلك التوفيق هو اقل من التحكيم , كون أراء لجنة التوفيق غير ملزمة مقارنة بأحكام و أراء التحكيم

كما أن اطراف النزاع  في الغالب هم يعينون أعضاء لجنة التوفيق , بمحض إرادتهم السيادية و ثم الإتفاق بين أطراف النزاع على  مهام وسلطات و إختصاص و القواعد الإجرائية التي تعمل بها لجنة التوفيق ,و يظل أسلوب التوفيق وسيلة سياسية دولية للتوفيق أو التقريب بين وجهات نظر الأطراف المتنازعة على أساس من الحلول الوسطى أو صيغ توازنية مصلحية يغلب عليها الطابع السياسي وفقا لملابسات التفاعل ما بين الأطراف أو  طبقا لحقائق توازن القوة الواقعة بينهما في لحظة اللجوء إلى وسيلة التوفيق من بين لوسائل السلمية لتسوية المنازعات الدولية 1

*التوفيق في المعاهدات الدولية :

1_المواد36-38  من ميثاق الأمم المتحدة ,الذي يعطي لمجلس الأمن الحق في تقديم توصيات من أجل التسوية السلمية للمنازعات التي من شأنها تهديد السلم و الأمن الدوليين وإن تلك التوصيات لا تغير في العادة تدابير إلزامية ,تدخل في إطار الفصل السادس .

2_ المواد 33_36_37 من الفصل السادس لميثاق الأمم المتحددة ,تجيز لمجلس الأمن أن يقدم توصيات بشأن التسوية السلمية للمنازعات كإرسال لجان تحقيق و تقصي و إجراء المصالحة / التوفيق .

3_ القانون  العام 1928 بشأن التسوية السلمية للمنازعات الدولية.

4_ المعاهدة الأمريكية للتسوية السلمية 1948.

5_ الإتفاقية الأوروبية للتسوية السلمية للمنازعات لعام 1957.

6_بروتكول عام 1964 بشأن لجنة الوساطة و التوفيق و التحكيم في ميثاق قانون المعاهدات .

7_معاهدة 1981 لإنشاء منظمة دول شرق الكاربي.

8_ إتفاقية فينيا لعام  1985 بشأن حماية طبقة الأوزون أحكاما حول ألية التوفيق لحل المنازعات الدولية

أمثلة عن التوفيق في العلاقات الدولية :

_ تقرير لجنة تشاكو “TCHAKO” لعام 1929 للتوفيق في نزاع (تشاكو)  .

_ لجنة التوفيق في النزاع بين فرنسا و سيامي عام 1974 .

_ لجنة التوفيق في النزاع الإيسلندي ـــ الـنرويجي حول مشكلة ترسيم الجرف القاري بين إسلندا و جزيرة جان مايان النرويجية.

  1. التحقيق:

    هو طريقة و آلية سياسية و دبلوماسية دولية ,لتسوية المنازعات الدولية ,يهدف الى تحقيق في صحة المعلومات         و الوقائع التي تثير النزاع ,وفي الغالب يعهد إلى لجنة تحقيق توكل إليها مهمة تحديد الحقائق و الخلفيات التي تقف وراء النزاع من خلال استعمال كل الوسائل و الإمكانيات المادية و البشرية الغير متحيزة , وتنتهي مهمة لجنة التحقيق بتقديم تقرير لأطراف النزاع ول يكون لهذا التقرير اي  صفة إلزامية في مواجهة أطراف النزاع.

ويتم استخدام التحقيق لتسوية اختلاف الأراء حول المسائل الواقعية من بين جميع طرق تسوية النزاعات ,وينظر الى معاهدة لاهاي لعام 1899 من اهم المعاهدات الدولية التي دعت الى استعمال التحقيق في تسوسة النزاعات .

وتعرف الاستاذة نازلي معوض التحقيق بأنه :” طريقة لتسوية المنازعات الدولية بالتحقيق في صحة الوقائع التي تثير النزاع”

التحقيق في المعاهدات الدولية :

  1. معاهدة لاهاي لعام 1899.
  2. اتفاقية لتسوية المنازعات في المحيط الهادي 1907.
  3. اعلان سانت بطرسبرج نوفمبر 1904.
  4. لجان التحقيق بموجب اتفاقية لاهاي 1907 .

امثلة عن لجان التحقيق:

  • حادثة نبك “دوجر” عام 1904 التي تضمنت اطلاقا عرضيا للنار على قوارب الصيد البريطانية من قبل سفن البحرية الروسية .
  • لجنة التحقيق للصليب الاحمر لعام 1962 بشأن التحقيق في النزاع البريطاني الدنماركي حول الصيد.