دراسات سياسية

انقلاب 1966 في سوريا.. وصراع البعثيين على السلطة

د.محمد عبدالرحمن عريف

انقلاب شباط/ فبراير 1966 بقيادة صلاح جديد

   بدأت الأحداث بين 21 و23 شباط/ فبراير، حيث تم فيها الإطاحة بحكومة الجمهورية العربية السورية واستبدالها. وقد تم عزل القيادة القومية الحاكمة لحزب البعث العربي الاشتراكي من السلطة بواسطة اتحاد من اللجنة العسكرية للحزب والقيادة القطرية تحت قيادة صلاح جديد. نشر قادة الانقلاب بيانًا قالوا فيه أنهم يسعون “لتطبيق برامج الحزب ومقرراته علميًا ورفع مستوى المعيشي لعموم الشعب العربي السوري”، وخلافًا للإدارة التي كانت قائمة بالتقارب مع العراق، فإن القادة الجدد عمدوا إلى بدأ المفاوضات مع نظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر للوصول إلى اتفاقية دفاع مشترك، أفضت في تشرين الثاني/ نوفمبر 1966 إلى ابرام إتفاقية للدفاع المشترك بينهما.

   جاء مبرات الانقلابيين، أنه قد حدث الانقلاب بسبب تصاعد الصراع على السلطة بين الحرس القديم للحزب، ممثلًا بميشيل عفلق، صلاح الدين البيطار، ومنيف الرزاز، والفصائل الشابة التي تلتزم بموقف بعثي جديد.

   في 21 شباط/ فبراير، أمر أنصار الحرس القديم في الجيش بنقل منافسيهم. وبعد ذلك بيومين، قامت اللجنة العسكرية، مساندة الفصائل الأصغر سنًا، بانقلاب شمل قتالًا عنيفًا في حلب، ودمشق، ودير الزور، واللاذقية. ونتيجة للانقلاب، فر المؤسسون التاريخين للحزب من البلاد وأمضوا بقية حياتهم في المنفى. وكانت حكومة جديد هي الإدارة الأكثر راديكالية في تاريخ سوريا.

   الواقع أن لكل ذلك جذور، فمنذ أن استتبت الأمور بيد رجالات البعث، حتى قاموا بإزاحة كل الأحزاب السياسية الأخرى المناوئة لحكمهم، وقرروا التفرد بالسلطة ونصبوا من أنفسهم أولياء شرعيين على الشعب السوري ومقتدراته، لكن مالبث أن نشئ خلاف بين أبناء البعث أنفسهم، ورغبة كل جناح من أجنحة البعث بالاستئثار بالسلطة، ما أدى إلى تفاقم المشاكل داخل الحزب انتهت بتنفيذ انقلاب شباط/ فبراير 1966.

   نعم لقد انقسم حزب البعث منذ توليه السلطة إلى تياران رئيسيان وهما التيار اليميني ومعظمه من البعثيين المدنيين من أعضاء القيادة القومية، وكان أبرزهم رئيس الدولة الفريق أمين الحافظ ورئيس الوزراء صلاح البيطار والأمين العام للحزب ميشيل عفلق (مؤسس حزب البعث) وآخرون كان منهم شبلي العيسمي ومنيف الرزاز وأحمد أبو صالح والوليد طالب وكثيرون كانوا يشكلون “القيادة القومية” في الحزب. أما التيار الآخر فهو التيار اليساري أو “المجموعة العسكرية” وقد غلب عليه ما عرف في ما بعد “القيادة القطرية” في الحزب. وقد برز من هذه القيادة من العسكريين رئيس الأركان اللواء صلاح جديد والرائد سليم حاطوم والعقيد عبد الكريم الجندي وآخرون.

  لقد عقد الحكام السوريون الجدد مؤتمرًا قطريًا استثنائيًا لحزب البعث في دمشق بعد انقلاب 23 فبراير/ شباط 1966 لمناقشة الأسباب المؤدية للانقلاب. وقد تقرر معاقبة جميع أولئك الذين اتخذوا مواقف تقوم على ولاءات طائفية أو اقليمية أو عشائرية معاقبة شديدة، وخاصة إذا كانوا من أعضاء الحزب.

  لقد أُعلن أن “حركة 23 شباط” لم تكن فقط ردًا على ما يسمى “بالعقلية اليمينية الدكتاتورية” لأعضاء القيادة القومية المخلوعة واللواء أمين الحافظ، ولكن قصد بها أيضًا وضع حد للمناورات الطائفية. وقد رفضت بشدة الاتهامات الموجهة ضد أولئك الذين تقلدوا زمام السلطة في 23 فبراير/ شباط، بأن سلطتهم مستندة على الروابط الطائفية والإقليمية بحجة أن الإنقلاب تم بمعرفة أفراد “من جميع المحافظات السورية”. وقيل أن الأمر ذاته ينطبق على أولئك الذين قبض عليهم أو طردوا من البلاد والذين عرفوا بأنهم ليسوا “جماعة منفصلة” وليسوا أعضاء في “طائفة دينية معينة”، وإن كانت تشكيلات الكتل الطائفية والإقليمية والعشائرية لعبت دورًا هامًا في الصراع على السلطة بين المعسكرين الرئيسيين المتعارضين في الشهور التي سبقت الانقلاب.

  هنا من الملفت للأنظار أنه في نهاية المؤتمر القطري الاستثنائي لم يتم إعادة انتخاب اثنين من أبرز وأهم الضباط الدروز بالتنظيم العسكري في القيادة القطرية الجديدة 156، وهما (حمد عبيد وسليم حاطوم)، اللذان كانا من أعضاء القيادة القطرية السورية المؤقتة التي تقلدت زمام الحكم رسميًا في 23 فبراير/شباط 1966 لقد فقد حمد عبيد مركزه البارز في الحزب (وفى الجيش) نتيجة الموقف الذي اتخذه بعد فترة وجيزة من انقلاب 23 فبراير/شباط 1966، وكان عبيد وزيرًا للدفاع بوزارة يوسف زعين التي استقالت في 22 ديسمبر/ كانون الأول 1965 اثر حل القيادة القطرية السورية، واعتقد أن لديه الحق في استعادة مركزه السابق بالحكومة كمكافأة لدعمه لجديد ضد الحافظ منذ سبتمبر/ أيلول 1965، ذلك عندما عين لأول مرة وزيرًا للدفاع، إضافة إلى أن الحافظ والقيادة القومية قد تم الإطاحة بهما الآن. ومع افتقاد عبيد لمؤهلات القيادة والإشاعات التي كانت تتردد حول فساد سلوكه، بات واضحًا أن وزارة الدفاع بأهميتها لن تسند إليه ثانية، وخاصة وأن مساندته لجديد لم تعد ذات أهمية لذلك، فإن تعيين حافظ الأسد وزيرًا للدفاع في 23 فبراير/ شباط 1966 (حتى قبل إعلان مجلس الوزراء الجديد) قد قوبل بالنقد الشديد والرفض من قِبل حمد عبيد الذي، بالتالي، تورط في مشكلات مع النظام الجديد.

بداية التخطيط للانقلاب المضاد في نفس العام  بقياد سليم حاطوم

  بعد فترة وجيزة من الانقلاب حث أنصار أمين الحافظ حمد عبيد، الذي خاب أمله، على خلق أوضاع في حلب تساعد على القيام بانقلاب مضاد من جانبهم بيد أن خطط الانقلاب المضاد هذه باءت بالفشل وتم القبض على عبيد ومعظم المتورطين في الانقلاب من قِبل أنصار النظام الجديد. وقد ضعف وضع سليم حاطوم في الحزب بسبب النقد الشديد للوحشية التي تم بها اتخاذ أمين الحافظ سجينًا.

   رغم أن سليم حاطوم كان له “نصيب الأسد” في تنفيذ انقلاب 23 فبراير/ شباط 1966، إلا أنه لم يكافأ على دوره الفعال والحاسم، بل أيضًا فقد اعتباره في الحزب. وقد شعر بأنه خدع من قِبل صلاح جديد، الذي أيده في الانقلاب، كما شعر بأنه ظلم لعدم منحه الوظائف العسكرية والسلطة التي اشتهاها. كل هذا جعله على استعداد للتآمر ضد النظام الجديد الذي كان قد سبق وساعده في الوصول للسلطة. وعلى أمل تحقيق طموحاته أخيرًا، بدأ حاطوم في بناء تنظيم عسكري خاص به، حيث كانت غالبية الضباط الصغار من جبل الدروز وكانوا في معظم الحالات أعضاء بطائفة الدروز. وبالإضافة إلى بعض الضباط الدروز البارزين مثل المقدم طلال أبو عسلي، قائد وحدات الجيش السوري على الجبهة مع إسرائيل وأمين فرع الحزب العسكري المتطابق، فإن القيادة ضمت بعض الأشخاص من غير الدروز، مثل مصطفى الحاج علي، القائد السني لجهاز المخابرات العسكرية، وهو من حوران، المحافظة السورية الجنوبية المتاخمة لجبل الدروز وفى القطاع المدني، اتصل حاطوم بأعضاء ما يسمى بجماعة الشوفيين والتي كانت تتشكل أساسًا من الدروز. وجماعة الشوفيين هذه (والتي تعرف أيضًا في نشرات حزب البعث بالمنشقين).

  لقد كانت إحدى جماعات حزب البعث السوري تحت قيادة حمود الشوفي (درزي من السويداء) الذي شغل منصب الأمين العام للقيادة القطرية السورية في الفترة من سبتمبر/ أيلول 1963 حتى فبراير/ شباط 1964 ولعب فيها دورًا هامًا في إعادة بناء الجهاز المدني لحزب البعث في سوريا. وقد تمتعت جماعة الشوفيين باتجاهات ايديولوجية قوية، وبالذات بالأفكار الماركسية، كما كان لها العديد من الاتباع في الكثير من فروع الحزب السورية. بيد أن اتباع تلك الجماعة كانوا أكثر عدداً في فرع الحزب بمنطقة مسقط رأس حاطوم جبل الدروز.

   الحقيقة أن موقفهم المتسم بالنقد تجاه معظم قادة اللجنة العسكرية قد أدى إلى تصفية بعض أعضاء جماعة الشوفيين البارزين (بمن فيهم حمود الشوفي) من حزب البعث في 1964 و1965 وفى عام 1966 كان هناك لا يزال بعض أنصار الجماعة داخل جهاز حزب البعث بالنظام الجديد، حيث قام سليم حاطوم بتمثيلهم لحد ما في الجيش. ويرجع تاريخ علاقة حاطوم بجماعة الشوفيين إلى عام 1963 عندما أخذوا يفقدون السلطة داخل الحزب واختاروا حاطوم كي يكون قائدهم العسكري وربما يكون انحدار العديد من أبرز أعضاء جماعة الشوفيين من جبل الدروز، شأنهم شأن سليم حاطوم، قد حثهم على التعاون معه، رغم عدم تمسكه بوجهة نظر ايديولوجية محددة وواضحة.

   لكن تنظيم حاطوم العسكري وتنظيم القيادة القومية المخلوعة افتقدا القوة القادرة على اسقاط نظام جديد والأسد، ولأسباب تكتيكية بحتة قرر حاطوم وأعضاء المكتب العسكري بقيادة فهد الشاعر التعاون معًا، وظل التنظيمان العسكريان منفصلين عن بعضهما البعض، بينما تعاون قادتهما معًا إلى حد ما وقد عقدت عدة اجتماعات بين ممثلي الجماعتين، حيث وضعت خطة بهدف الإطاحة بالنظام القائم ونظرًا للعلاقة السابقة بين حاطوم والقيادة القومية التي اطيح بها بمساعدته، فإنه بات واضحًا أن كلتا الجماعتين تعاونتا فقط بهدف تخلص الواحدة من الأخرى فيما بعد.

انقلاب البعثيين السوريين على أنفسهم في أيلول 1966  

  بناءً على ما أسلفنا، فقد احتدم الصراع فيما بين هذين التيارين، وانتهى بتنفيذ انقلاب شباط/ فبراير 1966 الذي أزاح أعضاء القيادة القومية عن السلطة (الحافظ وعفلق وغيرهم) ووضع السلطة بيد القيادات العسكرية (جديد وحاطوم والجندي وغيرهم) ، إلا أن الأمور لم تنتهي هنا فما هي إلا شهور حتى حدثت الخلافات داخل أعضاء القيادة القطرية أنفسهم، ونفذ الرائد سليم حاطوم انقلاب فاشل على أعضاء القيادة القطرية عندما قام باعتقال مجموعة من أعضاء القيادة القطرية التي كانت تزور الجبهة يوم 8 أيلول/ سبتمبر 1966، استمر الوضع كذلك الحال من تخبط داخل القيادة التي قادت انقلاب شباط، عدة أشهر حتى قررت في النهاية تشكيل حكومة جديدة تحقق أماني الشعب السوري.

  لقد عاشت البلاد في هذه الفترة بكساد اقتصادي كبير، وبحالة تخبط سياسي، ولقد دعى رجالات الانقلاب هذه المرحلة بمرحلة العودة إلى الأصول، الأصول التي بني عليها حزب البعث، وحادت عنها قياداته السياسية، وأصدر حزب البعث بهذه المناسبة بياناً يبين أهمية انقلاب شباط جاء فيه “أن ثورة 8 اذار/ مارس ثورة حقيقية على التخلف والتجزئة وحربًا على الاستعمار والرجعية وانتصارًا لإرادة جماهير الشعب الكادحة على مستغليها وتحقيقًا لأهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية. وتابع البيان أن حزب البعث الذي فجر هذه الثورة وخاض معارك قاسية مع أعداء الشعب لحمايتها كان يتوقع أن يلجأ أولئك الأعداء إلى التسلل خلف الصفوف والاستعانة بمن ركبوا المد الثوري دون قناعة أو إيمان، ومن خلال نزعات التسلط والفردية ومن خلال المترددين الجبناء والمرتبطين فكريًا وتاريخيًا مع مدارس الاحتراف السياسي.

   اشار البيان المؤقت للقيادة القطرية المؤقتة لحزب البعث أن قوى الرجعية والتخلف حاول أن تنفذ إلى قلب الثورة لتحرفها عن طريقها الحتمية وتقودها إلى هاوية الحكم الفردي واسلوب المساومة والارتماء، وإن استطاعت هذه القوى أن تنفذ إلى الحزب عن طريق فردية امين الحافظ وتخاذل محمد عمران ويمينة صلاح البيطار وانانية ميشيل عفلق، وتمكنت من جر الحزب خلال الاشهر الأخيرة إلى حافة التمزق والضياع فإن الحزب الذي حمى ثورته من كل خصومة لم يكن غافلًا عن تآمر هؤلاء”.

 نعم هي محاولة انقلاب، تم تصنيفها على أنها فاشلة، إذ تمت بقيادة سليم حاطوم وأحبطها وزير الدفاع والحاكم الفعلي «حافظ الأسد»، واستطاع إطلاق سراح مجموعة ممن احتجزهم الانقلابيون، وكان منهم نور الدين الأتاسي وصلاح جديد وهرب «حاطوم» وشركاه إلى الأردن.

 

الوسوم

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock