Print Friendly, PDF & Email

محمد عبدالرحمن عريف

إنه المستشرق والمؤرخ برنارد لويس صاحب أول مخطط مكتوب لتقسيم المنطقة وصاحب نظرية أن الاستعمار للشعوب العربية نعمة تخلصهم من آفة الجهل والتخلف التي أرستها فيهم الأديان السماوية ولاسيما الاسلام. فمع اندلاع الحرب العالمية الثانية استدعي لويس للخدمة في الجيش البريطاني وبالفعل خدم في جهاز الاستخبارات. وهو الأمر الذي لا يمكن ان يستبعده كل من يقرأ كتاباته عن ضرورة إحياء الاستعمار الانجليزي للمنطقة وأنه علي الولايات المتحدة أن تضع في اعتبارها تجربة الاستعمار الانجليزي للمنطقة وأن تبني عليها فيما يتعلق بمخططاتها بالشرق الأوسط الجديد الذي ترنوا إليه.

تخرج عام 1936 من الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS)، في جامعة لندن، في التاريخ مع تخصص في الشرق الأدنى والأوسط. حصل على الدكتوراه بعد ثلاث سنوات، من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية متخصصاً في تاريخ الإسلام. اتجه لويس أيضاً لدراسة القانون، قاطعاً جزءاً من الطريق نحو أن يصبح محامياً، ثم عاد إلى دراسة تاريخ الشرق الأوسط 1937. ألتحق بالدراسات العليا في جامعة باريس السوربون، حيث درس مع لويس ماسينيون وحصل على دبلوم في الدراسات السامية عام 1937.

يمتد تأثير لويس إلى ما وراء العمل الأكاديمي، ليبلغ الناس. فهو باحث رائد في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي الشرق أوسطي، ومعروف ببحوثه الشاملة في الأرشيف العثماني. ابتدأ مهامه البحثية بدراسة عرب القرون الوسطى، لا سيما تاريخ السوريين. ولكنه اضطر لتغيير اختصاصه بعد اندلاع الصراع العربي الإسرائيلي واتجه إلى الدراسات التركية نتيجة منع معظم الدول العربية من دخوله لأراضيها للدراسة والبحث التاريخي لأنه يهودي. وعدت محاضرته الأولى التي كرست للنقابات المهنية لدى مسلمي القرون الوسطى العمل الأكثر إعتمادية عليه لما يناهز الثلاثين سنة. انتقل لويس لدراسة الدولة العثمانية، فيما يواصل البحث في التاريخ العربي من خلال الأرشيف العثماني.

لقد أدت سلسلة الأبحاث التي نشرها لويس على امتداد بضعة سنوات لاحقة إلى تثوير تاريخ الشرق الأوسط عبر تقديمه صورة واسعة للمجتمع الإسلامي، تشمل الحكومة والإقتصاد والجغرافيا السكانية. حيث برز لويس خلال منتصف ستينيات القرن العشرين كمعلق وخبير على الشؤون الحديثة لمنطقة الشرق الأوسط وتحليله للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وانتشار ظاهرة الإسلام الجهادي التي جعلته شهيراً وأثارت له كثيراً من الجدل.

كان لويس من الناقدين اللاذعين للاتحاد السوفيتي، وواصل لويس السير على خطا التقليد الليبرالي المتبع بالخوض في الدراسات الإسلامية التاريخية. وتجلت آراءه الماركسية التي كان مؤمناً بها في البداية على أول كتاب من تأليفِه والذي حمل عنوان “أصول الإسلام السياسي”، وقد نبذ لويس الماركسية فيما بعد وتخلى عن آراءه هذه. أما أعماله اللاحقة فكانت ردة فعل على مدرسة العالم الثالث الصادرة عن اليسار السياسي، والتي أصبحت من مدارس الفكر الرئيسية في الأوساط الأكاديمية لمجال الدراسات الشرق أوسطية.

 دعا لويس إلى توطيد وتقوية أواصر علاقات العالم الغربي مع دولتين من دول المنطقة وهما تركيا وإسرائيل والتي عدهما هامتان ولا سيما في ضوء المد الشيوعي السوفيتي آنذاك في الشرق الأوسط. ولدولة تركيا الحديثة مكانة خاصة من وجهة نظر لويس إزاء المنطقة بأكملها بسبب جهودها للانضمام إلى دول العالم الغربي المتقدمة. وكان لويس زميلاً شرفياً في معهد الدراسات التركية (ITS)، وقد مُنِحت له هذه العضوية على “تميزه في العمل البحثي الحائز على الاعتراف عموماً… وخدمته المديدة والمتفانية في مجال الدراسات التركية”.

يعتبر أحد أبرز منكري الإبادة الجماعية الأرمنية حيث تغير موقفاً جذرياً من الاعتراف بوقوع المجازر التي أودت بحياة أكثر من مليون ونصف إنسان، ما أدى إلى رفض تسمية ما حدث بالمجزرة واعتبارها “أعمال مؤسفة أودت بحياة أتراك وأرمن على حد سواء”. أدى موقفه هذا إلى محاكمته في فرنسا حيث قررت المحكمة كونه مذنباً بتهمة إنكار مذبحة الأرمن وتغريمه مبلغ رمزي قدره فرنك فرنسي واحد.

لويس هو صاحب أول مخطط مكتوب ومدعم بالخرائط لتقسيم المنطقة, حيث وضعه في عام 1980 في أعقاب تصريحات أدلى بها مستشار الأمن القومي الأمريكي بريجيسينكي قال فيها إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة الأمريكية من الآن فصاعداً هي كيف ستسعر نيران حرب خليجية ثانية تستطيع من خلالها تصحيح حدود سايكس بيكو في المنطقة. في هذه اللحظة كلفت وزارة الدفاع الأمريكية لويس شخصياً لوضع مخطط التقسيم ومنذ هذا الحين وهو مدرج على رأس السياسات المستقبلية للولايات الأمريكية المتحدة. وجاء في هذا المخطط تقسيم 18 دولة عربية إلى مجموعة دويلات صغيرة تعيش إلى جانب دولة اسرائيل الكبري.

سمعنا سابقًا عن هذا المخطط، وربما كان هذا هو الحال الأقرب لحال منطقة الشرق الأوسط عندما تتردد من حين لآخر تسريبات حول المساعي الغربية بقيادة الولايات الأمريكية المتحدة والكيان الإسرائيلي لتنفيذ مخطط لتقسيم المنطقة إلى عدة دويلات صغيرة وضعيفة على أساس عرقي وطائفي ومذهبي في سبيل تحقيق حلم دولة اسرائيل الكبري والسيطرة على الأماكن الغنية بالنفط والثروات الطبيعية. وقد تجددت خيوط هذا الحديث سابقًا عندما نشرت صحيفة نيويورك تايمز خريطة تظهر فيها خمس دول بالشرق الأوسط وقد قسمت إلى 14 دولة وفقًا لاعتبارات قبلية وطائفية..

الواقع أن الخرائط أظهرت تقسيم سورية إلى ثلاث دويلات، هي: دويلة للعلويين على الساحل، ودويلة كردية في الشمال، ودويلة للسنة. والسعودية تم تمزيقها وتفكيكها إلى خمس دويلات، شمالية، وشرقية شيعية، والحجاز، وجنوبية إسماعيلية، ودويلة الوهابية في الوسط، وتم تقسيم اليمن إلى دويلتين: شمال، وجنوب، وتقسيم ليبيا إلى ثلاث دويلات.

حتى لا يفسدوا عملية التنفيذ تعمدت نيويورك تايمز إخفاء خريطة تقسيم مصر والسودان، ولكن الخريطة سربت من قبل وقتلت شرحًا وتفسيرًا. فخريطة برنارد لويس تشير إلى تقسيم مصر إلى أربع دول هي: مسيحية في الصحراء الغربية وعاصمتها الإسكندرية، ونوبية في الجنوب، وإسلامية في الدلتا، وسيناء والصحراء الشرقية التي سيتم ضمها لإسرائيل الكبرى.

اعتمد برنارد لويس في التقسيم على الطوائف والأعراق والمذاهب، وكان الغرض من التقسيم هو مزيد من التفتيت حتى لا تكون للمسلمين دولة واحدة كبيرة أو قوية. وبالنظر لهذه الخرائط الآن نجد تفسيرًا لكل ما يجري خلال العقدين الأخيرين، ونفهم لماذا تستخدم أمريكا الأقليات والطوائف في العالم الإسلامي ضد الأغلبيات وإثارة القلاقل للوصول إلى الهدف النهائي وهو تفتيت المنطقة.