Print Friendly, PDF & Email

تكاد صفة الإجماع تطبع مختلف الدراسات والتقارير التي تناولت موضوع السياسة الخارجية الفرنسية تجاه العراق؛ من حيث الاتفاق على خصوصية و استثنائية مواقف الدبلوماسية الفرنسية تجاه تطورات المسألة العراقية مذ حرب الخليج الثانية عام 1991، بالنظر للمفارقة الحاصلة بين واقع مواقفها الأقرب للرؤية العراقية، ومرجعياتها | التاريخية، الحضارية والأيديولوجية التي كان يفترض لها أن تحول دون ذلك. لكن هذا الاتفاق يؤول تدريجيا نحو التضاؤل إذا ما تعلق الأمر بمحاولة إيجاد تفسير موضوعي مقنع لحقيقة السلوك الفرنسي؛ إذ غالبا ما يتنحى | الاستحقاق العلمي جانبا فاتحا المجال أمام التحليل الذاتي الأقرب للتبرير الأيديولوجي، فتضمر في ضوء ذلك محاولة | الإجابة الموضوعية عن بعض الأسئلة الجوهرية.

الهدف المركزي لهذا البحث هو محاولة تجاوز النقص السابق، بتقديم وفحص مقاربة أكثر حيادية؛ تلك المرتكزة على النظرية. فالنظرية يمكن أن تكون أكثر وسيلة حيادية للبحث والتحقيق؛ من حيث أنها تسمح بتنظيم | الملاحظات الكثيرة، وتبرر الأدوات المستخدمة ، و تقدم معلومات مرتبة، مما يتيح للباحث وضع مقولات مؤصلة صياغات جديرة، و تفسيرات أكثر دقة وعمقا .

فالبحث -إذن- يعي بمحاولة إيجاد تفسير لما بدا أنه تناقض في سلوك السياسة الخارجية الفرنسية تجاه | العراق منذ حرب الخليج الثانية، ولذلك فموضوعه لا يمتد أساسا نحو تأريخ، عرض أو تقييم هذه السياسة، بل أنه | يتخذ منها كمعطی مسبق -تؤكده الدراسات السابقة – وظيفة البحث هي تفسيره. لذا فهو لا يسعی من حيث المبدأ – للإجابة عن أسئلة مثل من صنع هذه السياسة؟ أو من اتخذ قراراتها؟ أو ما هي نتائجها في السياسة الدولية؟ إلا في حدود ما يخدم الإجابة عن السؤال لماذا جاءت بهذا الشكل؟ و لأجل ذلك، فإن منهجية البحث تتخذ من السياسة الخارجية الفرنسية تجاه العراق کمتغير تابع تشكله مجموعة من المتغيرات المستقلة هي القوة، المنفعة، و الهوية.

خدمة لهذا المطلب، سيقسم البحث وفقا للخطة التالية. يعين الفصل الأول بتقديم ثلاث مقاربات رئيسية | التفسير السياسة الخارجية، كل منها مشتق عن مدارس نظرية كبرى في العلاقات الدولية ، و تحديدا، مناقشة رؤى | الواقعية الجديدة، الليبرالية النفعية، و البناية حول السلوك المفترض للفاعل في سياسته الخارجية. ويقدم الفصل الثاني | رؤية عامة مختصرة عن السياسة الخارجية الفرنسية، ويوضح إمبريقيا من خلال المقارنة – مميزاتها العامة في السياق، العالمي، الأوربي، والعربي. ويفحص الفصل الثالث ويقيم المحاورة النظرية السابقة في تفسيرها الأهداف السياسة الخارجية الفرنسية تجاه العراق، بطرح و اختبار مجموعة من الفرضيات المتعلقة بالاعتبارات النظرية و الإمبريقية وأخيرا يركب بين الاستبصارات التي تقدمها المقتريات الثلاث.