محمد عبدالرحمن عريف

    هو جمال عبد الناصر حسين خليل سلطان المري ولد في 15 يناير 1918 في منزل والده -رقم 12 شارع قنوات- بحي باكوس بالإسكندرية قبيل أحداث ثورة 1919 في مصر. وهو من أسرة صعيدية عربية قحطانية، حيث ولد والده في قرية بني مر في محافظة أسيوط، ونشأ في الإسكندرية، وعمل وكيلاً لمكتب بريد باكوس هناك، وقد تزوج من السيدة “فهيمة” التي ولدت في ملوي بالمنيا، وكان جمال عبد الناصر أول أبناء والديه. وكان والداه قد تزوجا في سنة 1917، وأنجبا ولدين من بعده، وهما عز العرب والليثي.

    سافرت الأسرة في كثير من الأحيان بسبب عمل والد جمال عبد الناصر. ففي سنة 1921، انتقلوا إلى أسيوط، ثم انتقلوا سنة 1923 إلى الخطاطبة. التحق عبد الناصر بروضة الأطفال بمحرم بك بالإسكندرية، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية بالخطاطبة في الفترة ما بين سنتي 1923 و1924، وفي سنة 1925 دخل جمال مدرسة النحاسين الابتدائية بالجمالية بالقاهرة، وأقام عند عمه خليل حسين لمدة ثلاث سنوات، وكان جمال يسافر لزيارة أسرته بالإسكندرية فقط أثناء العطلات الدراسية. كان عبد الناصر يتبادل الرسائل مع والدته، ولكن الرسائل توقفت في أبريل 1926، وعندما عاد إلى الخطاطبة علم أن والدته قد ماتت قبل أسابيع بعد ولادتها لأخيه الثالث شوقي، ولم يملك أحد الشجاعة لإخباره بذلك. وقد قال عبد الناصر في وقت لاحق “لقد كان فقداني لأمي في حد ذاته أمرًا محزنًا للغاية، فقد كان فقدها بهذه الطريقة، وعدم توديعي إياها صدمة تركت في شعورًا لا يمحوه الزمن، وقد جعلتني آلامي وأحزاني الخاصة في تلك الفترة أجد مضضًا بالغًا في إنزال الآلام والأحزان بالغير في مستقبل السنين   جمال عبد الناصر وتعمق حزن عبد الناصر عندما تزوج والده قبل نهاية هذا العام.

    بعد أن أتم جمال السنة الثالثة في مدرسة النحاسين بالقاهرة، أرسله والده في صيف 1928 عند جده لوالدته فقضى السنة الرابعة الابتدائية في مدرسة العطارين بالإسكندرية. التحق جمال عبد الناصر بالقسم الداخلي في مدرسة حلوان الثانوية وقضى بها عامًا واحدًا، ثم نقل في العام التالي (1930) إلى مدرسة رأس التين بالإسكندرية بعد أن انتقل والده للعمل في الخدمة البريدية هناك. وقد بدأ نشاطه السياسي حينها، فقد رأى مظاهرة في ميدان المنشية بالإسكندرية، وانضم إليها دون أن يعلم مطالبها، وقد علم بعد ذلك أن هذا الاحتجاج كان من تنظيم جمعية مصر الفتاة، وكان هذا الاحتجاج يندد بالاستعمار الإنجليزي في مصر، وذلك في أعقاب قرار من رئيس الوزراء حينئذ إسماعيل صدقي بإلغاء دستور 1923، وألقي القبض على عبد الناصر واحتجز لمدة ليلة واحدة، قبل أن يخرجه والده.

    انتمى ناصر إلى الطبقة الشعبيَّة التي عاشت أوضاعًا أصعب بكثير من أوضاع الطبقة الثرية النُخبويَّة، لِذا لم يكن راضيًا عن الأثرياء وأصحاب النُفُوذ، وكبُر امتعاضه من هذه الفئة مع مُرور السنوات. أمضى ناصر معظم وقت فراغه في القراءة، وخاصة في سنة 1933 عندما كان يعيش بالقرب من دار الكتب والوثائق القومية. قرأ القرآن، وأقوال الرسول محمد وحياة الصحابة، والسير الذاتية للزعماء القوميين نابليون، أتاتورك، أوتو فون بسمارك، وغاريبالدي والسيرة الذاتية لونستون تشرشل.

    كان ناصر متأثراً إلى حد كبير بالقومية المصرية، التي اعتنقها السياسي مصطفى كامل والشاعر أحمد شوقي، ومدربه في الكلية الحربية، عزيز المصري، الذي أعرب عبد الناصر عن امتنانه له في مقابلة صحفية سنة 1961. وقد تأثر ناصر بشدة برواية “عودة الروح” للكاتب المصري توفيق الحكيم، التي قال فيها توفيق الحكيم أن الشعب المصري كان فقط بحاجة إلى “الإنسان الذي سيمثل جميع مشاعرهم ورغباتهم، والذي سيكون بالنسبة لهم رمزا لهدفهم”. وكانت هذه الرواية هي مصدر إلهام لعبد الناصر لإطلاق ثورة 1952.

جدل حول ناصر والناصرية

    هو ثاني رؤساء مصر، والأول في قائمة الأكثر إثارة للجدل، فهناك حالة من التطرف الشديد في الحديث عنه، سواء كان هذا حديثًا إيجابيًا أو سلبيًا، بداية من الحركة التي قادها في 23 يوليو (تموز) 1952 والتي يختلف عليها المعارضون لها والمؤيدون من حيث أنها تعتبر ثورة أم انقلابًا عسكريًا، إلى فترة حكمه للبلاد وتقييمهم لها، ولكن أيًا كان رأيك في جمال عبد الناصر فلا أحد ينكر أنه صاحب شعبية كبيرة في الوطن العربي لا أظن أن أحدًا قد اقترب من شعبيته تلك حتى الآن، ولا أحد ينكر أنه كان حلقة مهمة من حلقات التاريخ المعاصر التي ما زالت أصداؤها موجودة حتى وقتنا الحاضر.

    هنا علينا النظر إلى التجربة الناصرية باعتبارها درسًا من دروس التاريخ، ينبغي الاستفادة منه، وعلى ما أذكر فإن أديسون قال ذات مرة: (أنا لم أفشل ألف مرة، ولكن اكتشفت ألف طريقة لا تصنع المصباح الكهربي)، وينطبق الحال في رأيي على التجربة الناصرية، فهي لم تفشل في إيصال مصر لبر النجاح والتقدم، ولكن علمتنا أن هذا الطريق لن يصل للنجاح والتقدم، والفشل الحقيقي سيكون كما قال أينشتين (أن نتصرف بغباء ونعيد الشيء نفسه بنفس الأسلوب وبنفس الخطوات وننتظر نتائج مختلفة).

     كتاب (فلسفة الثورة) بقلم جمال عبد الناصر، طبعة قديمة تعود إلى عام 1954، طبعة دار المعارف، ومن تقديم كمال الدين حسين أحد الضباط الأحرار، والذي كان وزير التربية والتعليم في ذلك الوقت، ويبدو أنها كانت تدرس في المدارس وقتها.

    ما هو هذا الكتاب؟ هو كما يقول جمال عبد الناصر في المقدمة: «خواطر عن الثورة»، ليست محاولة لتأليف كتاب، ولا هي محاولة لشرح أهداف ثورة 23 يوليو وحوداثها، إنما هي شيء آخر تمامًا، إنها محاولة لاستكشاف النفوس، لكي نعرف من نحن وما هو دورنا في تاريخ مصر المتصل الحلقات، ومحاولة لاستكشاف أهدافنا والطاقة التي يجب أن نحشدها لنحقق هذه الأهداف، ومحاولة لاستكشاف الظروف المحيطة بنا، لنعرف أننا لا نعيش في جزيرة يعزلها الماء من جميع الجهات، إنها مجرد محاولة لاستكشاف الميدان الذي نحارب فيه معركتنا الكبرى من أجل تحرير الوطن من كل الأغلال.

    لقد اندهش توفيق الحكيم في (عودة الوعي) عندما قرأ في بعض الصحف العالمية أن كتاب «فلسفة الثورة» تتولى توزيعه في الخارج جهتان في نفس الوقت، هما السفارة المصرية، والسفارة الإسرائيلية، وبالطبع كان غرض السفارة الأخيرة من ذلك إفهام العالم أن زعيمًا من طراز هتلر قد ظهر في العالم العربي. والكتاب ينقسم إلى ثلاثة أجزاء، الجزء الأول يتحدث عن بذور الثورة ومقدماتها، ولماذا قام الجيش (والجيش بالذات) بها، وما هي أسبابها والحوادث التي أدت إلى يوم 23 يوليو.

    أما الجزء الثاني فيختص بالجواب عن سؤالين، هما: ما الذي تريده الثورة؟ وما هو الطريق إليه؟ أما الجزء الثالث فيتحدث عن مصر وعلاقتها بمحيطها العربي والإسلامي والأفريقي، وكيفية تسخير ذلك المحيط في إنشاء قوة ذات أثر في توجيه السياسة الدولية.

    بالبحث عما كتب عنه في وقتها، ورد فعل الناس عليه، نجد كتابًا من تأليف عباس العقاد اسمه «فلسفة الثورة في الميزان»، وهو كتاب صغير لا يتعدى العشرين صفحة، أظنه كان مقالًا نشر وقتها في أحد الجرائد. يتحدث العقاد في البداية عن شعار الثورات ودلالتها على أهدافها، وكيف أن كل شعار لثورة من ثورات التاريخ لم يرفع عبثًا، وإنما كان مقصودًا به معنى وهدفًا محددًا، فتحدث عن الشعارات التي رفعتها الثورات الفرنسية، والتركية، والصينية، وأخيرًا المصرية. ثم يأتي الحديث عن كتاب فلسفة الثورة فيتفق العقاد مع عبد الناصر في الكثير ولا يكاد يختلف معه في شيء، وذكر عدة مقتطفات من الكتاب وعلق عليها.

   من بين تلك المقتطفات كانت الفقرة التي يقول فيها عبد الناصر: «كان من السهل وقتها وما زال سهلًا حتى الآن أن نريق دماء 10 أو 20 أو 30، فنضع الرعب والخوف في كثير من النفوس المترددة، ونرغمها على أن تبتلع شهواتها وأحقادها وأهوالها». ثم يتابع: «ولكن أي نتيجة كان من الممكن أن يؤدي إليها هذا العمل؟ كان من الظلم أن يفرض حكم الدم علينا دون أن ننظر إلى الظروف التاريخية التي مر بها شعبنا والتي تركت في نفوسنا جميعًا تلك الآثار». فعقب العقاد على تلك الفقرة قائلًا: «نعم يكون ذلك ظلمًا، ويكون أكثر من ظلم؛ لأنه يصيب من لم يصبه العقاب، فيضاعف داء الشك والحذر ويبطل فائدة العلاج». وضرب مثالًا على كلامه يقول: (رجل تكلفه أن يعدو على خط واحد إلى مسافة ميل، فإنه ليعدو على ذلك الخط في مدى ساعة أو أقل، ثم تكلف ذلك الرجل نفسه أن يعدو فوق جدار يعلو على الأرض عدة أمتار، فإن لم يسقط بعد خطوات، فإنه لن يصل قبل ساعات، فماذا تغير في الحالين؟ لم يتغير الرجل ولم يتغير الحيز الذي يجري فيه ولم تتغير المسافة، وإنما تغيرت الحالة النفسية فتغير معها كل شيء).

    يحكي الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، في مذكراته تحت عنوان “فلسفة الثورة” عن بدايات فكرة الثورة فيقول بعد الهزيمة الكبيرة في حرب فلسطين عام 1948: “إن اليوم الذي اكتشفت فيه بذور الثورة في نفسي أبعد من حادث 4 فبراير 1942 الذي كتبت بعده خطابات إلى صديق أخبره.. ما العمل بعد أن وقعت الواقعة وقبلناها مستسلمين خاضعين خانعين؟”.

أثر الهزيمة على الجيش والمصريين

   يتحدث عبدالناصر، عن طبيعة الاستعمار والورقة التي يلعب بها على جسد الشعوب: “الحقيقة أن الاستعمار يلعب بورقة واحدة في يد التهديد فقط، ولكن لو أنه أحس أن بعض المصريين ينوون التضحية بدمائهم ويقابلون القوة بالقوة لأنسحب كأي إمرأة من العاهرات.. وطبعًا هذا حاله وتلك عادته، أما نحن.. أما الجيش فقد كان لهذا الحادث تأثير جديد على المعنوية فبعد أن كنت ترى الضباط لا يتكلمون إلا عن الفساد أصبحوا يتكلمون عن التضحية والاستعداد لبذل النفوس في سبيل الوطن، والواقع أن هذه الحركة وهذه الطعنة ردت الروح إلى الأجساد وعرفتهم أن هناك كرامة يجب أن يستعدوا للدفاع عنها، كان هذا درسًا قاسيًا”.

صراع عبدالناصر مع نفسه وشكه الذي سيطر عليه

    كان السؤال الذي يسيطر على عقل جمال عبدالناصر لسنوات طويلة.. هل ما قام به الجيش صحيحًا أم لا: “لطالما ألح على خاطري سؤال هو.. هل كان يجب أن نقوم -نحن الجيش- بالذي قمنا به في 23 يوليو 1952؟، لقد قلت إن ثورة 23 يوليو كانت تحقيقًا لأمل كبير راود شعب مصر منذ بدأ في العصر الحديث يفكر في أن يكون حكمه في أيدي أبنائه، وأن تكون له نفسه الكلمة العليا في مصيره”. ويتابع عبدالناصر: “وإذا كان الأمر كذلك، ولم يكن الذي حدث يوم 23 يوليو ثورة شعبية أو تمردًا عسكريًا فلماذا قدر للجيش دون غيره أن يحقق هذه الثورة؟.. لقد آمنت بالجندية طول عمري والجندية تجعل للجيش واجبًا واحدًا وهو أن يموت على حدود وطنه، فلماذا وجد جيشنا نفسه مضطرًا للعمل في عاصمة الوطن لا على حدوده، مرة أخرى دعوني أنبه على أن الهزيمة في فلسطين أو الأسلحة الفاسدة أو أزمة نادي الضباط لم تكن المنابع الحقيقية التي تدفق منها لسيل، لقد كانت كلها عوامل مساعدة على سرعة التدفق”.

لماذا وقع على الجيش هذا الواجب؟

    في النهاية وفي كل مرة يفكر فيها عبدالناصر في إجابة لهذا التساؤل يقول: “هذا السؤال طالما ألح على خواطري، ألح عليها ونحن في طور الأمل والتفكير والتدبير بعد يوليو، وألح عليها في مراحل كثيرة من التجربة بعد 23 يوليو، ولقد كانت أمامنا مبررات مختلفة قبل 23 يوليو تشرح لنا لماذا يجب أن نقوم بالدور الذي قمنا به، كنا نقول.. إذا لم يقم الجيش بهذا العمل فمن يقم به؟. وكنا نقول (كنا نحن الشبح الذي يؤرق به الطاغية أحلام الشعب، وقد آن لهذا الشبح أن يتحول إلى الطاغية فيبدد أحلامه هو).

   يضيف عبدالناصر: “الأهم من كل ما كنا نقوله، ما كنا نشعر به أننا كنا نشعر شعورًا يمتد إلى أعماق وجودنا بأن هذا الواجب واجبنا، وأننا إذا لم نقم به فإننا نكون قد تخلينا عن أمانة مقدسة نيط بنا حملها، ولكن اعترف أن الصورة الكاملة لم تتضح في خيالي إلا بعد فترة طويلة من التجربة عقب 23 يوليو، وكانت تفاصيل هذه التجربة هذ عينها تفاصيل الصورة”.

عبدالناصر يتحدث عن خذلان الشعب

   لم يكن الشعب المصري مؤيدًا بشكل كبير -وفق مذكرات ناصر- لهذه الحركة في بداياتها، فيقول عبدالناصر، في مذكراته: “وأنا أشهد أنه مرت علي بعد يوم 23 يوليو نوبات اتهمت فيها نفسي وزملائي وباقي الجيش بالحماقة والجنون الذي صنعناه في 23 يوليو، لقد كنت أتصور قبل 23 يوليو أن الأمة كلها متحفزة ومتأهبة ولا تنتظر إلا طليعة تقتحم أمامها السور فتندفع الأمة ورائها صفوفًا متراصة منتظمة تزحف زحفًا مقدسًا إلى الهدف الكبير”.

   وفقًا لحديث عبدالناصر، خاب ظنه ولم يكن الشعب على مستوى تطلعاته: “كنت أتصور دورنا على أنه دور الطليعة وكنت أظن أن دورنا هذا لا يستغرق أكثر من بضع ساعات ويأتي بعدها الزحف المقدس للصفوف المتراصة المنتظمة إلى الهدف الكبير، بل قد كان الخيال يشط بي أحيانًا فيخيل لي أني أسمع صليل الصفوف المتراصة وهدير الوقع الرهيب لزحفها المنظم إلى الهدف الكبير، أسمع هذا كله ويبدو في سمعي من فرط إيماني به حقيقة مادية، وليس مجرد تصورات خيال”.

    كما يتحدث الرئيس الراحل عن يوم 23 يوليو 1952 والمفاجأة التي وجدها بخلاف توقعاته: “ثم فاجئني الواقع بعد 23 يوليو.. قامت الطليعة بمهمتها واقتحمت سور الطغيان وخلعت الطاغية، ووقفت تنتظر وصول الزحف المقدس للصفوف المتراصة المنظمة إلى الهدف الكبير، وطال انتظارها -لقد جاءتها جموع ليس لها أخر، ولكن ما أبعد الحقيقة عن الخيال- كانت الجموع التي جاءت أشياعًا متفرقة وفلولًا متناثرة وتعطل الزحف المقدس إلى الهدف الكبير، وبدت الصورة يومها قاتمة مخيفة تنذر بالخطر”.

الصراع الداخلي

   يوضح عبدالناصر، أن هذا الخذلان كان له أسبابه الخاصة وهي انشغال المصريين بالصراع الداخلي بينهم وخاصة فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية: “لم أجد مصريًا يقول كلمة إنصاف في حق مصري آخر، وذهبنا لطلب النصيحة من أصحابها فلم نجد الكثير، واعترف أن هذه الحالة سببت لي أزمة نفسية كئيبة، ولكن التجارب فيما بعد وتأمل هذه التجارب واستخلاص معانيها الحقيقية خففت من وقع الأزمة في نفسي وجعلتني ألتمس لهذا كله أعذارًا من الواقع عثرت عليها حين اتضحت أمامي -إلى حد ما- الصورة الكاملة لحالة الوطن، وأكثر من هذا أعطتني الجواب عن السؤال الذي قلت إنه لطالما راودني وهو.. هل كان يجب أن نقوم نحن الجيش بالذي قمنا به في 23 يوليو؟.. والجواب نعم ولم يكن هناك مهرب أو مفر، وأنا الأن أستطيع أن أقول إننا نعيش في ثورتين وليست ثورة واحدة”.

الثورة الثانية

   يفسر جمال عبدالناصر، ما حدث على أنه لكل شعب من شعوب الأرض ثورتان، ثورة سياسية، يسترد بها حقه في حكم نفسه بنفسه من يد طاغية فرض عليه، أو من جيش معتدِ أقام في أرضه دون رضاه، وثورة اجتماعية تتصارع فيها طبقاته ثم يستمر الأمر فيها على ما يحقق العدالة لأبناء الوطن الواحد: “لقد سبقتنا على طريق التقدم البشري شعوبًا مرت بالثورتين ولكنها لم تعشهما معًا وإنما فصل بين الواحدة والثانية مئات السنين، أما نحن فالتجربة الهائلة التي امتحن بها شعبنا هي أن نعيش الثورتين معًا في وقت واحد”.

علاقة عبد الناصر بالمصريين

    لقد عرف ناصر بعلاقته الحميمة مع المصريين العاديين، على الرغم من أن محاولات اغتياله كانت لا مثيل لها بين خلفائه. وكان ناصر خطيبًا ماهرًا، فأعطى 1359 خطبة بين سنتي 1953 و1970، وهو رقم قياسي بالنسبة لأي رئيس مصري. كتب المؤرخ إيلي بوده أن من الثوابت في شخصية عبد الناصر “قدرته على تمثيل الأصالة المصرية، في الانتصار أو الهزيمة”. وساهمت الصحافة الوطنية أيضًا في تعزيز شعبيته، خاصة بعد تأميم وسائل الإعلام الرسمية. وبالرغم من كثرة الانتقادات التي وجهت لناصر من قبل المثقفين المصريين في أعقاب حرب الأيام الستة وحتى وفاته في سنة 1970، كان عامة الناس يزدادون تعاطفًا معه، أثناء حياته وبعد وفاته، وفقًا لبوده. حتى يومنا هذا، يعتبر ناصر شخصية بارزة في جميع أنحاء الوطن العربي، ورمزًا للوحدة العربية، وشخصية هامة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. ويعتبر أيضًا مدافع عن العدالة الاجتماعية في مصر. وتقول مجلة التايم أنه على الرغم من أخطائه وأوجه القصور لديه، أضفى ناصر شعورًا بالقيمة الشخصية والكرامة الوطنية، التي كان المصريون والعرب لا يعرفونها منذ 400 سنة.   

    من جملة الانتقادات الداخلية التي وجهت لعبد الناصر كانت إطلاق يد المشير عبد الحكيم عامر، الذي يتهمه كثيرون بعدم المسؤولية والاستعلاء. في هذا السياق يتهم عامر بأنه كان مسؤولًا عن هزيمة (نكسة) يونيو/ حزيران عام 1967 وعن فشل الوحدة مع سورية، وعن فشل مشاريع الوحدة مع العراق واليمن جنبًا إلى جنب مع أنور السادات بسبب تصرفات الجيش في سورية واليمن التي عدت كتصرفات قوات غازية ومحتلة ذات طبيعة عنجهية.

    نعم كان من الممكن خلال تصرفاته وخطبه، أن يكون قادرًا على تجسيد الإرادة الشعبية العربية، فلقد استوحيت العديد من الثورات القومية في الوطن العربي من أفكار ناصر. حيث كانت إنجازات عبد الناصر غير مسبوقة بالنسبة للزعماء العرب الآخرين. فمدى مركزية ناصر في المنطقة جعلت إحدى أولويات الرؤساء القوميين العرب إقامة علاقات جيدة مع مصر، من أجل كسب شعبية بين مواطني بلادهم. وكان نظام سيطرة الدولة الخاص بناصر قدوة لجميع الدول العربية تقريبًا، ومنها الجزائر وسوريا والعراق وتونس واليمن، والسودان، وليبيا. فنجد أحمد بن بلة، أول رئيس للجزائر، ناصريًا. وأصبح عبد الله السلال (أحد حلفاء ناصر) ملك اليمن الشمالي. وحدثت انقلابات أخرى متأثرة بناصر، كتلك التي وقعت في العراق في يوليو/ تموز 1958 وسوريا في سنة 1963. ومعمر القذافي الذي أطاح بالنظام الملكي الليبي في الفاتح من سبتمبر/ أيلول سنة 1969، واعتبر ناصر بطل وسعى لخلافته في “زعامة العرب”. وأيضًا في سنة 1969، العقيد جعفر النميري، المؤيد لناصر، استولى على السلطة في السودان. وانتشرت أفكار عبد الناصر القومية في جميع أنحاء الوطن العربي، وخاصة بين الفلسطينيين، وفي جنوب اليمن، والخليج العربي، والعراق.

وفاة عبد الناصر

    بعد انتهاء القمة يوم 28 سبتمبر/ أيلول 1970، عانى عبد الناصر من نوبة قلبية. ونقل على الفور إلى منزله، حيث فحصه الأطباء. توفي ناصر بعد عدة ساعات، حوالي الساعة السادسة مساء. كان هيكل، السادات، وزوجة عبد الناصر تحية في فراش الموت. وفقًا لطبيبه، الصاوي حبيبي، كان السبب المرجح لوفاة عبد الناصر هو تصلب الشرايين، والدوالي، والمضاعفات من مرض السكري منذ فترة طويلة. وكان ناصر يدخن بكثرة، هذا بالإضافة إلى تاريخ عائلته في أمراض القلب التي تسببت في وفاة اثنين من أشقائه في الخمسينات من نفس الحالة. بالرغم من كل ذلك فإن الحالة الصحية لناصر لم تكن معروفة للجمهور قبل وفاته. بعد الإعلان عن وفاة عبد الناصر، عمت حالة من الصدمة في مصر والوطن العربي. حضر جنازة عبد الناصر في القاهرة في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول من خمسة إلى سبعة ملايين مشيع. حضر جميع رؤساء الدول العربية، باستثناء العاهل السعودي الملك فيصل. بكى الملك حسين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات علنا، وأغمي على معمر القذافي من الاضطراب العاطفي مرتين. وحضر عدد قليل من الشخصيات غير العربية الكبرى، منها رئيس الوزراء السوفيتي أليكسي كوسيغين ورئيس الوزراء الفرنسي جاك شابان دلماس

     جاء مسجد عبد الناصر في القاهرة، مكان دفنه. بعد أن بدأ الموكب بالتحرك، أخذ المشيعون يهتفون: “لا إله إلا الله، ناصر هو حبيب الله … كلنا ناصر”. حاولت الشرطة دون جدوى تهدئة الحشود، ونتيجة لذلك، تم إجلاء معظم الشخصيات الأجنبية. وكان المقصد النهائي للموكب هو مسجد النصر، الذي تم تغيير اسمه فيما بعد ليصبح مسجد عبد الناصر، حيث دفن عبد الناصر.

    بسبب قدرته على تحفيز المشاعر القومية، “بكى الرجال والنساء، والأطفال، وصرخوا في الشوارع” بعد سماع وفاته، وفقًا لنوتنغ. وكان رد الفعل العربي عامة هو الحداد ، وتدفق الآلاف من الناس في شوارع المدن الرئيسية في جميع أنحاء الوطن العربي. ونظم سعيد السبع مسوؤل التنظيم الشعبي الفلسطينى مسيرة مسلحة للفدائيين الفلسطينيين في طرابلس، لبنان، كما انطلقت مسيرة ضخمة في بيروت وقتل فيها أكثر من عشرة أشخاص في نتيجة للفوضى، وفي القدس، سار ما يقرب من 75.000 عربي خلال البلدة القديمة وهم يهتفون “ناصر لن يموت أبدا”. شريف حتاتة، السجين السياسي سابقا، والعضو في جامعة ولاية أريزونا في عهد جمال عبد الناصر، قال أن: جمال عبد الناصر أعظم إنجاز لعبد الناصر كان جنازته. إن العالم لن يرى مرة أخرى خمسة ملايين من الناس يبكون معًا جمال عبد الناصر.

    جاءت وفاة عبد الناصر غامضة فهل هي وفاة أم تسميم؟، هناك الكثير من الروايات التي تحدثت عن تسميم الرئيس جمال عبد الناصر، إلا أن أكثر ما اثار الجدل هو تصريح القيادي الفلسطيني عاطف أبو بكر المنشق عن تنظيم فتح المجلس الثوري جماعة صبري البنا، عندما صرح لقناة العربية ببرنامج الذاكرة السياسية مع الصحفي طاهر بركة أن الرئيس عبد الناصر تعرض للتسميم خلال زيارته الخرطوم يوم الثاني من يناير/ كانون الثاني 1970 لافتتاح معرض الثورة الفلسطينية وأن صبري البنا مع جعفر النميري كانوا وراء تسميم الرئيس جمال عبد الناصر. وقد عُرض في البرنامج صورة لمجموعة من ضباط الموساد على راسهم مايك هراري متنكرين بوصفهما صحافيين، في مؤتمر قمة اللاءات الثلاثة الذي عُقد في الخرطوم عام 19670.