محمد عبدالرحمن عريف

    هو من خاض جميع حروب مصر الحديثه بلا استثناء مقاتلًا حاملًا للسلاح وجنديًا محاربًا قبل أن يكون قائدًا لأهم واخطر المواقع في جميع المعارك والحروب التي خاضها فهو.. اللواء ا.ح/عبد المنعم خليل مواليد محافظه المنيا في صعيد مصر عام 1921. على مدار خدمته الطويله في القوات المسلحة المصرية تولى القيادة من منصب قائد فصيلة عقب تخرجه من الكليه الحربية مرورًا بقيادة وحدات أكبر وصولًا لقيادتة الجيش الثاني الميداني مرتين في اخطر واهم الفترات التى مرت على الجيش الثاني الميداني في تاريخه مرة في حرب الاستنزاف والمرة الأخرى في الجزء الثاني من حرب اكتوبر، ولمن لا يعرف قوام الجيش الميدانى فهو لا يقل عن 40 الف فرد كانوا في يوم تحت امرته وهم في نفس الوقت امانة في عنقه وتقع على عاتقه مسئوليتهم جميعًا.

الحرب العالمية الثانية

   يبدا ويحكى تفاصيل مشاركته في أولى معاركه كمقاتل في القوات المصرية المشاركه في الحرب العالمية الثانية في اعمال دفاعية من تامين وحراسه قواعد عسكرية ومنشأت للحلفاء ثم مشاركته في حملة فلسطين 1948-1949 فيما عرف فيما بعد بحرب فلسطين من قيامه بانشاء معسكر الاعداد بالرجال والتدريب في العريش والمشاركه في اعمال التامين لمنشئات الحلفاء واعمال الحراسة العامة وتعزيز قناة السويس لحماية الملاحة بها كما شارك في توزيع القوات المصرية على الحدود الغربية لحراستها وللدفاع عن مرسى مطروح  وكيف أن مصر تبعًا لمعاهده 1936 ابدت استعدادًا للتعاون التام مع بريطانيا عند نشوب الحرب في اوروبا 1939 وتوتر الموقف الدولي بأن اعلنت في 2 سبتمبر 1939 الاحكام العرفية في البلاد وفرضت الرقابه على المواصلات الخطية واللاسلكية وعلى الصحافة كما قطعت مصر علاقاتها الدبلوماسيه مع المانيا. كما قطعت في 11يونيو 1939 علاقاتها الدبلوماسيه مع ايطاليا واتخذت اجراءات امن واسعة النطاق لتامين الدولة ضد أى أعمال تخريب قد تقوم بها العناصر الايطالية المتطرفة خاصة وأن مصر كان بها جاليه ايطالية تقدر بنحو 60 ألف ايطالى حينذاك.

    كلها تفاصيل يحكيها اللواء خليل بدقة متناهية وبترتيب وعرض رائع يحسد عليه. ويينتقل شريط الذكريات لأول مواجهه فعليه بين العرب اليهود وبالنسبه اليه بين المسلمين واليهود . ففلسطين -أرض الميعاد-،مسرى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو اسمها الذي نطلقه عليها. يروي هنا تفاصيل بداية الرحلة إليها من محطه القطار تفاصيل لحظات الفراق اما إلى لقاء مقرون بالنصر او وداع ثمنًا لشهادة يرجونها جميعهم هم (الصاغ /محمد فؤاد الدجوي، اليوزباشى/محمد السيد عبد الرحمن، واليوزباشى /محمد حمدي عبيد، والملازمين الاوائل/ أحمد سليمان وأحمد سالم ومحمود ممتاز محمد وابراهيم كامل وعبد الغني فرحات).. وغيرهم من الضباط وضباط الصف والجنود والمتطوعين كلهم ذهبوا لتلبيه نداء العروبه في حرب لم تكن في الحسبان وتم الزج بهم فيها لاغراض في نفوص مريضه، ولم يتم الاستعداد لها مع عدو لا يعرفون عنه سوى اسمه وصفاته التي خبرهم بها دينهم الذي يؤمنون به حق ايمانه، ذهبوا حاملين اسلحتهم في يد وارواحهم في الأخرى غير مبالين بأي شيء.

    يروى لحظت الوصول للعريش وكيف دخلت القوات المصرية لغزة في عربات لنقل الخضار لمتعهد محلى يدعى “بامية” هكذا هو اسمه، وكيف بدأت القوات العربيه الهجوم من جميع الاتجاهات وكيف بدات القوات المصريه الهجوم وتستولي على مستعمره تلو الأخرى وكيف أنه كان منوطًا به نقل خرائط لمواقع القتال بلغت نحو 5000 خريطه تزن 3 طن ملئت لوري بحمولتها، نيط به تسليمها لمركز القياده العامه للقوات المصريه بغزة برئاسة اللواء الموواوي الذي انتقل لمستعمره دير سنيد التي دخلتها قواتنا يوم 24 مايو 1948 بعد معركه عنيفه. وكيف أنه قابل الصاغ وقتها “صلاح سالم” والذي اخبره بوصول الخرائط وكيف رد عليه بحدته وعصبته المعروفه “مين قال إننا عاوزين خرائط” وكيف أنه وقتها بات مع الخرائط في اللوري المحمله بها للصباح حتى يجد من يتسملها منه ويضعها في مخزن ربما تكون لا تزال به حتى الان.

   يروى معركه تلو الأخرى تخوضها مصر تاره وبالاشتراك مع المتطوعين تاره اخرى من مدينة لأخرى ومن تحرير مستعمره لأخرى.. من نصر إلى نصر حتى ايقاف القتال الأول في 11 يونيو 1948 وقرار مجلس الأمن وقتها، وزياره الملك فاروق لغزه صباح يوم 6 يوليو 1948 وكيف أنه في اليوم التالي مباشره كعادتهم نقض اليهود اتفاق وقف اطلاق النار وفتحوا على القوات المصرية التي استانفت القتال في يوم 8 يوليو 1948 وكيف تدهور الموقف فاسرائيل يظهر لها في بر وسماء المعركه اسلحه غريبة عن ميادين القتال في الشرق الاوسط وقتها وطبعًا حصلت عليها من الغرب وكيف أن تخبط القياده المصرية في قراراتها واوامرها ادى إلى بدء مسلسل هزائم، وتخلت القوات المصرية عن المدن المحرره، وكيف أن الدعم اللوجستي والاستراتيجي للقوات المحاربه انعدم تقريبًا واستبدل بما هو معروف لنا “صفقه الاسلحه الفاسده”  وتفاصيل حصار الفالوجه واسباب كثيرة ادت في النهاية إلى هزيمه الجيش المصري في حرب فلسطين كما نعرفها وخساره مصر والعرب 15 الف شهيد وحوالى 30 الف جريح معظمهم من مشوهي الحرب والعاجزين عن القتال وبهذا خسرت مصر والعرب خيره شبابها وجنودها في حرب خسرتها بالتبعية.

هنا حلل خليل اسباب انتصار اسرائيل في هذه الجوله من الصراع العربي الاسرائيلى في عده نقاط وهي:

-قدرة اسرائيل الفائقة على التعبئة ولم تصل القوات العربيه إلى درجة مماثلة في التعبئة.

-تفكك العرب سياسيًا وعلى جبهة القتال ولم يحققوا مبدا تجميع القوى.

-لعب المخابرات الاسرائيلية دورًا هامًا في هذه الحرب التي كانت تعرف فيها الكثير من التفاصيل الدقيقه عن الجيوش العربيه من تسليح وقدره قتالية وقادة هذه الجيوش في الوقت الذي لم يكن يعرف فيه العرب شيئًا عن الجيش الاسرائيلي.

حرب 1956.. العدوان الثلاثي

   في هذا الجزء يتناول خليل ذكرياته مع قيام حركة يوليو وحرب 1956 وحرب اليمن والتي كان شاهدًا علي الأحداث ومشاركًا فيها في مستويات قياديه بارزة. تناول حركة يوليو ومشاركته في الأحداث عبر تأمين هوائيات بث الاذاعة المصرية في منطقة ابو زعبل رغم أنه لم يكن منتميًا إلى الضباط الأحرار، ولم يدعي يومًا الانتماء لهم في حين أن بعض الساسه والضباط ادعوا في مذكراتهم انتماءهم للضباط الأحرار رغبة في اطفاء هالة علي تاريخهم إلا أنه أثر ألا يدعي لنفسه دورًا ليس له وشاهد وشارك في البناء الأول للجيش المصري على العقيدة السوفيتية، وتحول مصر إلى السلاح السوفيتي بدلًا من الاسلحة الانجليزية التي كانت في الجيش المصري.

    ينتقل للجوله التالية من الصراع العربي الاسرائيلي وصراعه هو الشخصي مع اليهود وهو العدوان الثلاثي على مصر سنه 1956 حيث أنه في هذه الفترة كان رئيسًا لقسم التكتيك بالكلية الحربية مصنع الرجال وهو مركز هام جدًا في تشكيل ضابط المستقبل تكتيكًا وفكريًا. وكمشاهد على الاحداث ومشاركًا فيها يروي تلك الأحداث التاريخية التي مرت على مصر من بعد تأميم قناة السويس مما اعطي الدول الاستعمارية فرصة لكي تحاول ان تعود لمصر مرة اخرى.

     يروي موجزًا لتلك الأحداث بعقليه مدرس التكتيك في الكليه الحربيه، فيتناول توزيع القوات المصريه في ذلك الوقت: قوه الجيش المصري في الدلتا والقاهرة وهي عبارة عن فرقيتين مشاة وفرقة مدرعة (الرابعة) ولهم مجهود جوي مخصص لهم، اما في سيناء فهناك قوات في مواقع دفاعية ثابتة في مثلث رفح والعريش وابو عجيلة وفي كل منها ما يقدر بلواء مشاه وتلك الألوية الثلاث تشكل الفرقة الثالثة مشاة والتي كان مقر قيادتها في العريش ضمن نطاق اللواء الرابع مشاه والذي شرف بالخدمة به حتي منصب رئيس اركان اللواء.

    في غزة فهناك مجموعتين فلسطينيتين يشكلون لواء مشاه مدعم بضباط صف وقيادة مصرية، اما في شرم الشيخ فهناك حامية مخصصة لحماية المنطقة مكونة من كتيبة مشاة وكتيبة حرس وطني وبعض الاسلحة المعاونة الاخرى ومعها الفرقاطة رشيد. وفي تحليله للقتال في العدوان الثلاثي، يركز لعدد من الدروس المستفادة في تلك الحرب التي انتصرنا فيها سياسيًا على مستوى العالم ولم ننهزم عسكريًا كما يتصور ويروج البعض.

حرب اليمن

    متجاوزًا سنوات له امضاها كمدرس في الكليه الحربية وقائدًا لوحدات عسكريه بارزة فيبدأ حديثه بأن ثورة اليمن بدأت في 26 سبتمبر 1962، وطلب مجلس قياده الثورة هناك مساعدات عسكرية مصرية وبعد اربع ايام فقط بدأت مصر في الاستجابه لنداء العروبة في دعم ثورة تطيح بالملكية والتخلف في اليمن وتدفعه دفعًا إلى مستوى دولة كدول العالم المختلفه. فأرسل المشير عامر اللواء اركان حرب علي عبد الخبير ومعه عدد من ضباط الصاعقة والمظلات إلى اليمن لدراسة الموقف ومقابلة اعضاء مجلس قياده الثورة ومعرفه نوع وحجم الدعم المطلوب لهم.

    بعد دراسة الموقف ايقن اللواء عبد الخبير أن الموقف يحتاج إلى دعم من قوات مصرية إلى اليمن وبدأ يُكون قياده صغيرة لتعاونه في تنفيذ مهمته واختار اللواء سعدي نجيب رئيسًا لأركانه واختارني (العقيد عبد المنعم خليل) رئيسًا لعمليات القوات والعقيد نوال سعيد مديرًا للامداد والتموين والعقيد محمد تمام مديرًا للتنظيم والادارة، وسافرنا إلى اليمن في 18 اكتوبر 1962 بعد اقل من شهر من قيام الثورة فعليًا. وكان مقر القياده عبارة عن منزل ريفي متواضع في صنعاء قرب مبنى قياده الثورة برئاسة المشير السلال، والذي كان يزورنا يوميًا (وفي بعض الأوقات عدة مرات في اليوم الواحد) حاملًا رشاشه الشخصي من نوع تومي ومعه حرسه الخاص وكان طلبه اليومي لنا قصف قبائل محددة بالطيران لانها لم تتجمهر (أي لم تعلن ولائها للثورة والجمهوريه بعد) وبدأت تصل قوات الصاعقة والمظلات وهي القوه المناسبة للعمل في المناطق الجبليه في اليمن، فتم على سبيل المثال ارسال كتيبة صاعقة إلي صرواح والكتيبه 77 مظلات إلى عمران وكتيبة صاعقة إلى صنعاء وطلب السلال ارسال قوات إلى مأرب عاصمة مملكة سبأ السابقه، وتم اسقاط سرية صاعقة إلى مأرب لكنها تعرضت للشرود نظرًا لعدم وجود خرائط واضحة ومحددة لنقاط الاسقاط، وبذلنا مجهودًا كبيرًا لجمع تلك السريه مرة أخرى.

    في 28 اكتوبر حضر المشير عامر لتفقد الأوضاع، ولمعرفة احتياجات القيادة من قوات، حيث بدأت طلبات الثورة اليمنية في الزيادة وتطلب ذلك وجود قوات اكثر، وبعد هذا المؤتمر تعين الفريق انور القاضي قائدًا للقوات المصرية في اليمن، وبدأت القوة المصرية تتحول من مجرد قوات مظلات وصاعقة إلى قوات مشاة وقوات مدرعة وتواجدت بعض الأسراب القاذفة من القوات المصرية بعد ذلك.

     هكذا تورطت مصر في حرب اليمن وتحولت السرايا إلى كتائب ثم إلى لواءات وتطلب ذلك جسرًا جويًا وبحريًا هائلًا لنقل الجنود والمعدات …………….. والذهب. حيث كانت القبائل تعلن ولائها للثورة والجمهورية بطريقتين اما بالقوة او بالذهب وكانت قبائل كثيرة تقبل الذهب وتعلن ولائها للثورة وبعد عدة ايام تنقلب إلي الملكيه مرة اخري وتقطع خطوط امداد قواتنا وبالطبع الذهب لم يعد مرة اخرى.

     وللتدليل على حجم القوة المصرية التي وصلت اليمن خلال اواخر عام 62 إلى عام 63 فقط نعطي بعض الأرقام. وصل إلى اليمن 130 ألف بندقية (تسليح 130 الف جندي) 5 الاف مدفع رشاش متنوع 130 مدفع مضاد للدبابات 90 مدفع هاون خفيف 16 مدفع مضاد للطائرات (رغم أن القوة المعادية لا تملك اكثر من بنادق عتيقة) 20 مليون طلقه (مختلف الأعيرة) 8600 لغم مضاد للدبابات (!!!!) وتطلب ظروف القتال الصعبة في اراضي قاسية إلى وجود طائرات اليوشن وطائرات هليكوبتر مي 4 ومي 6 والتي يمكنها نقل العربات والمعدات إلى المناطق الوعرة وكما ذكرت سابقًا فقد تطلب الموقف دعم جوي من قواتنا الجوية مما تطلب انشاء قيادة جوية لتنسيق الهجمات الجوية والنقل الجوي وعمليات الابرار.

     جاءت الحاجه إلى الطائرات القاذفه من طراز تي يو 16، ووافق المشير على تخصيص عدد من الطائرات التي تقوم بالاقلاع من مصر وضرب مناطق محدده لها في اليمن والعودة إلى مصر مرة أخرى في رحلة طويلة ومرهقة. وكان يقود سرب القاذفات العقيد محمد حسني مبارك، واصطلحت القياده لفظ مبارك ككلمة سر كوديه لتلك الطائرات وكثيرًا ما اوصلت برقيات إلى المشير راسًا من القيادة في صنعاء اطلب {مبارك} وكنا نسعد برؤيته في الجو ولا نراه على الأرض ولم نكن نعرفه شخصيًا.

    أذكر أول طلعة لمبارك كانت يوم 7 ديسمبر 1963 ثم تكررت بعد ذلك حسب الطلب وشاء الله سبحانه وتعالى أن التقى بالرجل “العقيد طيار وقتها/ محمد حسنى مبارك” بعد ثماني سنوات في اثناء اجتماع الرئيس السادات بالقاده والضباط يوم 12 مايو 1972 وعلى الغذاء بالكلية الجوية في بلبيس وتتابعت اللقاءات بعد ذلك سواء في اجتماعات المجلس الاعلى للقوات المسلحة ولجان الضباط حيث كان ترتيب جلوسي في المجلس بجواره دائمًا وكذا اللقاءات في جولاتي على القيادات والقوات ووحدات القوات المسلحة المصرية بصفتي رئيسًا لهيئه تدريب القوات المسلحة.

خيانة الحلفاء

    كان المشرحة ينقصها القتلى قامت بعض القبائل التى اعلنت ولائها للثورة بالتمرد والخيانة ومهاجمة القوات المصرية واليمنية ومنها تمرد قبيلة ارحب: ففى اوائل رمضان تمردت قبيلة أرحب وقامت قوة مصرية مكونة من 3 دبابات ومعها فصائل مشاة ورشاشات بالتقدم تجاه بيت مران في أرحب بقيادة الرائد إبراهيم العرابي (لاحقًا قائد الفرقة 21 المدرعة في حرب اكتوبر ورئيس اركان حرب القوات المسلحة في عهد المشير ابو عزالة) لفك حصار القوات اليمنية والتي كان يقودها النقيب حمود بيدر من اعضاء مجلس قيادة الثورة اليمني وتم تخليص القوة اليمنية والسيطرة على المنطقة بعد قتال مرير..

تمرد قبيله جيحانه

     يكمل خليل وفي الأيام الأولى من رمضان وكنت اشغل منصب رئيس عمليات القوات العربية باليمن- عندما كان موقف القبائل مظلمًا ومحيرًا وإذا بالمشير عامر يطلبني ويقول لي “قبائل جيحانة قلبت وقطعت طريق الامداد الرئيسي لقوات واحنا بنستبشر بيك يا منعم وعليك فتح الطريق واختار ما تشاء من قوات والعقيد طيار ايوب ومعك لمعاونتك في استطلاع المنطقه “فنزلت وركبت مع العقيد طيار أيوب طائرته الصغيرة ذات المقعدين وطاف بي فوق المنطقة وتمكنت من استطلاع بعض الدروب والوديان التى تلتف حول الموقع المحتمل أن يكون العدو قد احتلها وقطع منها الطريق. وبالفعل كونت قوة من 3 دبابات ت54 من القيادة المصرية وعربة مدرعة تسمى روسية الصنع وفصيلة مشاة وبعض الرشاشات من التقدم مع الفجر على طريق صنعاء جيحانة وتم نصب الأكمنة لحماية القول المصري وتم التقدم واقتحام القرية ثم بعد تامين القرية والسيطرة عليها بدأنا عملية فتح وتامين طريق رايده بناء على تعليمات المشير عامر ايضًا الذى قال لي أن القول الاداري المتجه إلى الشمال تعرض لكمين وبعد ارسال قوة نجدة بقياده المقدم الهجان والتي استاطاعت التقدم والعبور والوصول إلى رايده إلا أن الطريق لازال تحت سيطره المتمردين وامرني بأن اتوجه إلى هناك وأن اعزل قائد الكتيبة وأن اتولى القيادة ومعي ما اشاء من اسلحه وقوات، إلا أني وافقت بعد أن اقنعته بعدم عزل قائد الكتيبه لأنه قائد كفأ وأنا اعرفه جيدًا وأنه سيكون تحت اشرافي في تنفيذ المهمة. غير أنه اجدر مني على قيادة وحدته قمت بعدها بالاستطلاع الجوي للمنطقة المطلوب التحرك إليها مع العقيد طيار ايوب وكذا المناطق المجاورة وتمكنت من رؤيه العربات المعطلة والمدمرة وكذا قول اخر كبيرًا معطلًا ايضًا في منطقة مجاورة.

   

   من المواقف التي لا تنسى ففي يوم 22 فبراير 1963 وفي رمضان ايضًا جائني شخص يحمل بندقيه اليه على كتفه وحياني تحيه الاسلام وعرفنى بنفسه إنه الرائد حمود من الجيش اليمني عندما كنت متوجها لتولي قياده القوه التي جمعتها للتحرك إلى منطقه المعمر لاتخاذها كقاعدة، قائلًا لي أنه على علم تام بهذه المنطقة وعرض علي المساعدة فى الاستطلاع والقتال والحقيقه أننى شككت فيه هل هو عدو أم صديق؟ الله وحده يعلم وهو بالطبع لم يكن معه ما يثبت او يدل على شخصيته ولكني قابلته بمودة وثقة وقلت في نفسي ربما تكون العناية الالهية قد ارسلته لي في الشهر المبارك.

الجولة المصرية الاسرائيلية الثالثة يونيو 1967

   هنا ينتقل خليل من حرب اليمن إلى سنوات النكسة فيتكلم واصفًا الأجواء قبل واثناء هذه النكسة. بعد عدوان سنه 1956 وضعت القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية الخطة الدفاعية “قاهر” للدفاع عن سيناء والحدود الشرقيه لمصر وبدات القوات المسلحه التدريب على مهامها في هذه الخطة مع التجهيز والاعداد لتنفيذها وبنيت الخطة على اساس منع العدو من الاختراق والوصول إلى قناه السويس وتدمير قوة العدو التي تنجح في الاختراق توطئة للقيام بالهجوم المضاد وبدا عام 1967 بخطه جديده للتفتيش على وحدات القوات المسلحة المقاتلة والادارية.

    لقد قامت هيئة تفتيش القوات المسلحة بتنفيذ الخطة وكان يراس كل مجموعه تفتيش احد الفرقاء اول وكان يقدم تقريره راسًا إلى المشير عامر، وكانت توزع الملاحظات على الافرع الرئيسية للقوات المسلحة والهيئات والادارات للاصلاح والامداد وحل المشاكل والحقيقه كانت هناك بادرهة اصلاح وكنت في هذا الوقت قائدًا لقوات المظلات المصرية وقد عادت معي معظم وحداتي من اليمن وشعرت فعلًا باهتمام القيادة العامة باستكمال النقص واعداد قوات المظلات ورفع كفائتها القتالية. ونشطت ادارة الشئون المعنوية للقوات المسلحة في الاعداد المعنوي للقوات وكانت كثرة النشرات والمجلات التى تصدرها مثار تكهنات الضباط وللاسف ركزت هيئه تفتيش القوات المسلحة في مرور مندوبيها على الوحدات على اهمية هذه الكتب والنشرات واللوحات والشعارات وعلى جميع حجرات التوجيه المعنوي وخصصت لها اكبر الدرجات في بند الاعداد المعنوي للقوات مما دعا القادة على جميع المستويات إلى تركيز اهتمامهم على عمل ديكورات وزينات في صالات التوجيه المعنوي وكانت كمعارض او حفل عرس ولا تفتح إلا في اثناء التفتيش والزيارات الرسمية للقادة الكبار وكانت الوحدات تتسابق فيما بينها كمباريات مسابقات كاس العالم في كرة القدم وكانت مضرب الامثال وتعليقات الضباط والجنود وكان القادة يمولون هذه المعارض من اموال كناتين الوحدات كبند رئيسي للمصروفات حتى تظهر بالمظهر اللائق للوحدة وينال القائد بها ثقة رؤسائه والحقيقة أن المعنويات كانت مرتفعة في الوحدات العائدة حديثًا من اليمن لسبب اخر ألا وهو الاجازات والريالات اليمنية والتي كانت تطبع على اوراقًا مالية في اخر ايامها.

    في يوم 14 مايو 1967 اعلنت حالة الطوارئ في القوات المسلحه ورفعت درجه الاستعداد إلى الحالة القصوى وبدات هيئة التنظيم والادارة في استدعاء الاحتياط وعقدت مؤتمرات لاستكمال النقص في الافراد والمعدات والتسليح والذخائر في كل وحدات القوات المسلحه وصدرت الأوامر بتنفيذ تعليمات الدفاع الجوي السلبي والايجابي بالانتشار والوقاية للوحدات والمعدات والعربات وبدات عملية اعداد القوات المسلحه لشئ ما وفى مساء يوم 19 مايو 1967 استدعيت بصفتي قائدًا لقوات المظلات إلى القيادة العامة للقوات المسلحه وقابلت الفريق انور القاضي رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة واللواء بهى الدين نوفل نائبه حيث كلفت بناء على تعليمات المشير عامر بمهمه لم تكن في الحسبان ولم تكن في الخطة العامة للقوات المسلحة سواء الخطة الدفاعية او الهجومية بالنسبة لقوات المظلات وكانت المهمة تامين منطقه شرم الشيخ بغرض حرمان العدو من الاستيلاء عليها على أن تكون القوات في مواقعها قبل أول ضوء من يوم 20 مايو 1967 وقابلت الفريق أول محمد فوزى رئيس هيئه اركان حرب القوات المسلحه لتأكيد المهمه وطلب مني المرور على الفريق أول صدقى محمود قائد لقوات الجويه والدفاع الجوي لتنسيق خطه التحرك الجوي إلى منطقه شرم الشيخ هذه الليله.

    قبل غروب شمس يوم 28 مايو 1967 هبطت طائرة فى مطار شرم الشيخ وعليها كتيبة صاعقة بحرية بقيادة المقدم هلودة الذي اخبرني أنه كان في مهمة إلى مطار الغردقه إلا أن الاوامر تغيرت في الجو بأن يهبط في مطار شرم الشيخ وكانت مشكله ايواء هذه الوحدات واعاشتها من المشاكل الكثيرة التي واجهتني كقائد منطقة منفصلة وظهرت اثارها الخطيره لاحقًا. وكانت منطقه شرم الشيخ ميدانًا لزيارة كبار رجال القوات المسلحة لفترات قصيرة للتعرف على مطالبي وتحقيقها بناء على اوامر المشير عامر شخصيًا ولقد تغيرت خططي يومًا بعد يوم بل أكثر من مرة فى اليوم الواحد.

    في يوم 22 مايو 1967 وصلتني برقية من المشير عامر تفيد بأن انتظر منه رسالة هامة سيرسلها مع العميد بحرى اح محمود عبد الرحمن فهمي مدير مكتب المشير للشئون البحرية الذي وصل إلى مطار شرم الشيخ بطائرة خاصة وسلمني تعليمات المشير عامر تفيد بمسئوليتي الشخصية في قفل خليج العقبه ضد مرور السفن حتى ولو كانت في حراسة سفن مقاتلة وشرح في رسالته اسلوب الإنذار أولًا ثم اسلوب المنع الفعلي في ما بعد التحذير والانذار ولقد استدعى هذا الامر اجراء تعديلات حتمية في بعض الخطط لأن هذا معناه الحرب واحتمال الاشتباك الفعلي مع القوات المعاديه برًا وبحرًا وجوًا وقد قمت باجراء التعديلات الضرورية للخطة وتم تنظيم التعاون بين قواتي والقوات البحرية ومجموعة التعاون الجوي وفي اليوم التالي مباشرة فوجئت بعودة العميد محمود مرة أخرى حاملًا تعديلًا اخر معناه باختصار “لا تقفل” ففى اقل من 24 ساعة تصدر الأوامر اقفل.. لا تقفل نصت التعليمات الجديدة على أنه لا اعتراض على مرور السفن الإسرائيلية إذا كانت في حراسة سفن مقاتلة اسرائيلية مقاتلة أو اجنبية ولا اشتباك مع السفية المحروسة او السفينة الحربية الحارسة لها حتى ولو كانت السفن المحروسة ترفع العلم الاسرائيلي.

الاثنين 5 يونيو 1967

    مرت الساعات الأولى من صباح 5 يونيو 1967 دون أن ندري ونحن في مواقعنا في شرم الشيخ عن احداث هذا الصباح الخطير شيئًا وجائت اشاعات ربما تكون قد سمعت من الاذاعات بأن اسرائيل قامت بضربة جوية مركزة بقواتها الجوية على جميع مطاراتنا في الدلتا وما حولها ودمرت كل طائراتنا ومطاراتنا بها، وكان موقفنا في منطقة مسؤوليتي في قطاع شرم الشيخ عاديًا ولم تظهر أي طائرات معادية او صديقة في الجو وعلمنا أن مطار الغردقه دمر أيضًا ولهذا لم تصل الطائرة الهليكوبتر المخصصة لأعمال قائد المنطقه للاستطلاع والتحركات الداخلية وكان موقف معنويات رجالي عاديًا وكانت الأمور تسير بطريقة هادئة ولكن الاذاعات المختلفه بدات تحمل الينا اسوأ الأخبار وحاولت أن اخفى ما بداخلي من حزن والم ومرارة عن رجالي حتى لا يشعر رجالي بشيء غير عادي، واقول لنفسى هل تستطيع اسرائيل هدم هذا البناء الضخم من مطارات وطائرات واسلحة ومعدات ثم معنويات بهذه القدرة والسرعة؟!.

    بعد ظهر يوم 5يونيو 1967 وصلتنى برقية من المشير عامر يقول فيها “إن موقف الطيران سيء “واشاع هذا النبا الرسمي الأول كل الياس في نفوسنا جميعًا وبالطبع لا يمكن اخفاء هذه الانباء عن الرجال، وكان كل تفكيري بعد هذا ينحصر في اهمية الدفاع الجوي السلبى أى الانتشار والوقاية في مناطق تحقق ذلك لحماية رجالي ومعداتي واسلحتي وبدات امر على وحداتي طوال يوم 5 يونيو اوصيهم جميعًا بالاستعداد للقتال في اى لحظة مع الاخفاء والوقاية واصدرت اوامري إلى كل الأفراد والوحدات الواقعة تحت قيادتي بأن يكون لديها اكتفاء ذاتي لثلاثة أيام على الأقل من كل المهمات الضرورية من أكل ومياه واسلحة وذخيرة للأفراد وزيوت ووقود وشحوم للمعدات.

    كانت ليلة 5/6 يونيو 1967 ليلة رهيبة في تاريخ حياتي قضيتها في مركز قيادتي المتقدم في جبل عايدة لأكون على راس قواتي الضاربة والاحتياطية وكان القلق والخوف هو المسيطر علي. ويتطور الموقف بسرعة عجيبه ولا ندري حقيقة ما يحدث او ما سيحدث لمصر الغالية عامة وللقوات المسلحة خاصة ومع الساعات الاولى من صباح 6 يونيو 1967 جائت اخبار من الاذاعات تفيد أن الدول العربيه بدات تعلن الحرب على اسرائيل وكان كل همي حمايه قواتي وتأمين رجالي والاطمئنان على درجة استعداهم وعلى الاكتفاء الاداري للفرد والمعدة والعربة والسلاح.

   قبل غروب يوم 6 يونيو 1967م وصلتني برقية من القاهره تحمل توقيع مسعد الجنيدي ضابط الشفرة بالقيادة العامة تفيد بالاستعداد لتلقي برقية هامة من المشير عامر وبعد حوالى 20 دقيقة طويلة مملة وصلت برقيه المشير عامر تقول “الرجوع الليلة بقواتك إلى غرب القناة على مرحلتين وليلتين المرحلة الأولى إلى الطور والمرحلة الثانية إلى غرب قناه السويس “ومطلوب برقية مني توضح قراري للعودة إلى غرب القناة وكانت الساعه قد تعدت السادسه بقليل واقترب موعد الغروب فأصدرت أوامري الشفهية للقادة بالاستعداد للتحرك إلى غرب القناة الليلة بأقل حمولة ممكنة مع التأكد من الاكتفاء الذاتي للقتال وللمعيشة لثلاثة أيام على الأقل وتدمير كل المعدات التي لا نستطيع سحبها معنا او دفنها في الجبال وعدت إلى مركز القيادة الرئيسي في شرم الشيخ ومعي رئيس عملياتي المقدم محمود عبد الله.

     وصلنا إلى الطور فجر يوم 7 يونيو 1967 وهناك على الطريق قابلنا الرائد الشهاوي من قوات المظلات والذي رسمت له خطة التحرك والايواء في الطور يوم 7 يونيو على نصف فرخ فلوسكاب او اقل ليهدي الوحدات إلى اماكنها في الانتشار بالطور ونجح في ذلك. ولما وجدت أن وحدات كثيره قد وصلت الطور والنهار لم يبدأ بعد، اصدرت اوامري لبعض الوحدات بالاستمرار في التحرك إلى غرب القناه راسًا واتباع الانتشار قبل الظهر حتى المساء في منطقه ابو زنيمة او أى مناطق يجدها القائد مناسبة لتحقيق الوقاية نهارًا وسعدت بصلاه الفجر في مسجد الطور مع زملائي وكانت المياه متوفرة ولكن المنازل كلها مهجورة ومع أول ضوء يوم 7 يونيو 1967 مررت على الوحدات المنتشر في الطور لتاكيد تفهم المهام وتنظيم الدفاع عن منطقه التجمع الجديدة واتباع الانتشار واعادة الملئ وسحب ما نحتاج إليه من مواد اعاشة من تكديسات الشئون الادارية بالطور ويؤسفني أن أقول أنه لم يكن هناك أحد من المسؤولين في الطور لا رئيس المدينة ولا احدًا من الأهالى وحاولت الاتصال بالقاهرة من تليفون رئاسة المدينة ولم يكن يعمل وحتى قائد القاعدة الادارية لم اجده ولم اجد بالطبع لا ضباطًا ولا جنودًا ووجدت التكديسات الهائلة في القاعدة الادارية كما هي ولم يتخذ أى اجراء بالتخلص منها بالحرق او النسف.

    وصلت إلى السويس حوالي السادسه صباح يوم 8 يونيو 1967 واتصلت بالمشير من الترنك المدني وكانت اوامره لي عجيبة جدًا ومحيرة فقد طلب مني تولي قيادة اللواء المدرع المفروض وجوده في منطقه الشط شرق المعبر بدلًا من قائده وأكد علي أن اعزله من القيادة واقود هذا اللواء في اتجاه ممر متلا فورًا للقضاء على قوات المظلات الاسرائيلية التي يقال أنها اسقطت او هبطت هناك لقفل الممر وايقاف انسحاب قواتنا!!.

سنوات الاحماء للمعركه الفاصلة “حرب الاستنزاف 1967-1970م”

   يتحدث خليل عن حرب الاستنزاف ويقول: بعد 10 يونيو 196 وبعد قبول الرئيس عبد الناصر تولي المسئولية مرة أخرى كانت أولى قراراته هي تعيين الفريق أول محمد فوزى قائدًا عامًا للقوات المسلحة المصرية وبدا القائد الجديد في تنفيذ تعليمات وتوجيهات القائد الاعلى والتي تشمل الأتي:

-سرعة بناء خطوات الصمود العسكري امام العدو ومنعه من استغلال نجاحه عسكريًا.

-العمل على سرعة تماسك القوات المسلحة مع الشعب والحكومة.

-عدم قبول الهزيمة العسكرية والعمل في الاتجاه السلمي والدبلوماسي الذي يسعى إلى انسحاب اسرائيلي من الاراضي العربية التي احتلتها في يونيو 1967.

-التعاون والارتباط الوثيق بالدول العربية جميعًا.

-توطيد الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفيتي ومحاولة اشراكه في اعادة بناء القوات المسلحة.

-الواجب العسكري للقوات المسلحة هو استرداد الأرض بالقوة وتحرير الأرض وهذا يتطلب اعادة مقدرتها الدفاعية بالتدريج لتنفيذ هذا الواجب.

   بالفعل ابتداءًا من يوم 9 يونيو 1967 بدا الاتحاد السوفيتي بامداد مصر بالاسلحة والمعدات وفي يوم 16يونيو 1967 وصل وفد عسكري سوفيتي بقيادة الجنرال لاشينكوف للمساعدة في استقبال المعدات والاسلحة من الموانئ البحرية والجوية وتوزيعها على وحداتنا التي بدات عملية اعادة التجمع والتنظيم وانشاء خط الدفاع الأول غرب قناة السويس وكان هذا الوفد بداية لوصول عدد أكبر من الخبراء السوفييت الذي تحول اسمهم بعد ذلك ليكونوا مستشارين عسكريين.

معركة رأس العش

   بعد ثلاثه اسابيع فقط من قرار وقف اطلاق النار الذي فرضته الأمم المتحدة بعد حرب الأيام الستة اندلع القتال بين القوات المصرية والقوات الاسرائيلية للسيطرة على مدينة بورفؤاد والمنطقة المحيطة بها على الضفة الشرقية لقناة السويس. في أول يوليو 1967 ارسل اللواء ا.ح/أحمد اسماعيل قائد الجيش عناصر من الصاعقة والمهندسين إلى الضفة الشرقية عند منطقة رأس العش حوالى 12كم جنوب بورفؤاد لزرع الألغام والحيلولة دون تقدم أى قوات اسرائيلية شمالًا وقد وقعت القوة الاسرائيلية في حقل الالغام وانفجرت معظم دباباتها فاحدثت خسائر كبيرة في الأرواح الاسرائيلية نتيجة انفجارات الألغام وشدة نيران قوة الصاعقة وقصفات مدفعية قطاع بورسعيد ومدفعية بعض القطع البحرية المصرية المتمركزة بالميناء وتعتبر هذه أول معركة حربية بعد يونيو 1967 بين القوات المصرية والقوات الاسرائيلية.

   قبل نهايه عام 1968م بدأت القوات المصرية تنتقل إلى مرحلة الدفاع الايجابي النشط واستنزاف قوة العدو ومعداته لاعادة الثقة بالنفس ورفع الكفاءة القتالية لقواتنا وبسبب هذا واشتداد حرب الاستنزاف اضطرت اسرائيل لتطوير عقيدة عسكرية اسرائيلية جديدة مناسبة للتعامل مع هذا الموقف قادها الجنرال حاييم بارليف رئيس الاركان الاسرائيلي بزيادة حجم قواته في سيناء وزيادة التحصينات الدفاعية.

   بدا عام 1969 بتطوير التجهيزات الهندسية باستخدام المعدات الميكانيكية وتمكنا من انشاء مواقع تبادلية وهيكلية للاسلحة والمعدات ولبعض المواقع الهامة والقيادات واعطى وزير الحربية لقادة الجيوش سلطات تكسر الروتين في سبيل امن القوات والمعدات والاسلحه وقال: لن اعترض على اى اجراء يتم من قائد الجيش شخصيًا يعود على الوزير بتكاليف ولكن هدفها وقاية. وقتها كنت قد توليت قيادة الجيش الثاني الميداني على طول خط المواجهة الشمالي من بورسعيد شمالًا حتى حدود فايد جنوبًا وهي النقطة التي يتسلم فيها منا الرايي الجيش الثالث الميداني.

    استمرارًا لمسلسل استنزاف قدرات العدو وقواته وفي نفس الوقت تحطيمًا لروحه المعنوية قمت بالتحضير والتنسيق والتنفيذ لعمليات استنزافية ضمن الخطة العامة للقوات المسلحة لهذا الغرض ومن هذه العمليات: عمليه دان افيدان: فقد نجحت قوات الجيش الثاني الميداني في اواخر عام 1969 في الحصول على اول اسير ضابط اسرائيلي في قطاع جنوب الاسماعيليه واسمه “دان افيدان” حيث تمكن خمسه افراد من اللواء 117 التابع للفرقه الثانية مشاة من اسره وحمله سباحة إلى الضفة الشرقية للقناة رغم ثقل وزنه وطول شعر ذقنه ويومها قال انا ضابط كنتين ولست مقاتلًا وماليش دعوه وتم حمله بمعرفة افراد الدورية على نقالة مبتكرة من البطاطين وعبروا به القناة سباحة إلى الضفة الغربية وتم عمل الاسعافات اللازمة له في السرية الطبية للواء 117 حيث كان قد اصيب في فخذه من انفجار اللغم بسيارته الجيب وكان لهذا الحادث اثر كبير في قوات الجيش الثاني خاصة والقوات المسلحة عامة

عملية أول مايو1970

   قام الجيش الثاني الميداني تحت قيادتي بدفع كتيبة صاعقة إلى الضفة الشرقية للقناة في منطقة كم 18 جنوب بورسعيد وهاجمت موقعًا حصينًا للعدو واتخذته قاعدة للكمائن والاغارات لمدة 24ساعه ونجحت في اسر 2 من افراد العدو الجرحى مات احدهما قبل العبور والاخر مات بعد العبور غربًا، وتم تسليم جثته للصليب الأحمر الدولي حسب التقاليد العسكرية وكم كنا نتمنى أن يبقيا احياء لتكون هدية عيد العمال هذا العام ذات معنى.

الجولة الأخيرة والحاسمة 1973

   مرت فترة الثلاث سنوات منذ وقف اطلاق النار 8 اغسطس 1970 ثم وفاة الرئيس عبد الناصر ثم تولى الرئيس السادات سدة الحكم بفكر واستراتيجية وتوجه مختلف وإن كان الهدف واحدًا حتى معركة العبور اكتوبر 1973 بمراحل شتى فتارة تصعيد للموقف السياسي واخرى تهدئة اللهجة السياسية وتارات حالات جمود في الموقف فيما وصفه الرئيس السادات بحالة اللاسلم واللاحرب إلا أن القاسم المشترك بين كل هذا أن كل ما تم كان جزءًا من خطه خداع استراتيجية شديدة الدهاء وضعها ونفذها بحرفية شديدة الرئيس الشهيد محمد انور السادات.

    كان اللواء خليل وقتها قد ترك قيادة الجيش الثاني إلى رئاسة هيئة تدريب القوات المسلحة ومنها إلى قيادة المنطقة المركزية العسكرية ضمن حركة تنقلات في ارجاء قيادات القوات المسلحة كافه تمت بتوجيهات الرئيس السادات عام 1972، وابرز هذه التنقلات الكثيرة، اقالة الفريق أول فوزى القائد العام للقوات المسلحة وتعيين الفريق صادق ثم تلاه المشير أحمد إسماعيل قائدًا عامًا لها وتعيين الفريق طيار محمد حسنى مبارك قائدًا للقوات الجوية.

     بعدها يدعو الرئيس السادات لاجتماع شامل للقيادات حضره شحصيًا اضافة إلى كل قادة القوات المسلحة واستمع فيه إلى تقارير الجهات المختلفه فيؤكد وقتها الفريق أول أحمد إسماعيل القائد العام للقوات المسلحة أن الموقف اصبح عند نقطة الصفر فالفرق متقارب بين القوتين الأعظم في المعركة وأنه لا أمل في حل الموقف سلميًا ويأتي تقرير المخابرات ويؤكد على نجاح خطة الخداع الاستراتيجي على المستوى العسكري ويبقى المستوى الشعبي والسياسي ويأتي دورها بالتنسيق مع وزارتي الاعلام والخارجية ويتحدث اللواء ا.ح/محمد عبد الغنى الجمسي رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة معلنًا أنه تمت المرحلتان الأولى والثانية من مراحل تجميع وتعبئة القوات بنجاح وتتبقى المرحلة الثالثة والتى سوف تتم على خطوات لرفع درجة الاستعداد للقوات المسلحة على خطوات والذي يندرج ضمن خطة الخداع العسكري وانه سوف يتم من أول أكتوبر 1973 مشروع تعبوي استراتيجي لاستدعاء الاحتياط والغاء الفرق التعليمية، وأنه لم يعلن توقيت الهجوم حتى الان والخطط سوف تنزل تدريجيًا إلى الافراد ويأتى الدور على قائد القوات الجوية الفريق طيار محمد حسنى مبارك ويؤكد بأنه لا تعديل في الخطة الموضوعة واتمام تنسيق الضربة الجوية المركزة مع سوريا وهي الضربة الأولى ثم تأتى بعدها الضربة الثانيه بعد ساعتين.

    ينتقل الحديث إلى الفريق محمد علي فهمي قائد قوات الدفاع الجوي أن انتقالات كتائب الصواريخ تسير حسب المخطط لتوفير حماية التجمع الرئيسي للقوات البرية في العمليات الهجومية ويتدخل في الحديث الفريق فؤاد ابو ذكري قائد القوات البحرية أنه لا تغيير في الخطة والقوات اخذت مواقعها وبدأت فعلًا الغواصات في التحرك لتنفيذ مهامها، ومن قائد إلى اخر من الأعلى رتبة إلى الأقل كل حسب قطاعه ومهامه ودوره المحدد له في الخطة إلى أن عاد الحديث مرة أخرى إلى الرئيس السادات الذي أكد على ثقته الكاملة في ابناءه ورجاله في القوات المسلحة وثقته في الله سبحانه وتعالى بأن النصر آت كما وعدنا عز وجل.

    انتهى الاجتماع باتخاذ القرار بالبدء في الاستعداد النهائي للمعركة بعد أن تمت مراجعة الخطة ودور كلا فيها وتحددت ساعة الصفر سعت 1400 يوم 6 اكتوبر 1973 ويأتي اليوم الموعد بعد مرور 10 اشهر من العمل في صمت وسرية تامة وبدهاء الذهاب ومكر الثعابين ويثبت ذلك أن كل هذا تم تحت سمع وبصر العدو دون أن يفطنوا لما يدبر.

    شاء الله أن احضر فيها مرحلة التنفيذ الفعلي وهي بداية من قبل غروب شمس يوم 16 اكتوبر 1973 كقائد للجيش الثاني الميداني بعد غياب عن رجالي به لأكثر من 654 يومًا هي فترة غيابي عنهم وفي نفس الوقت اشتياقي إليهم. فمنذ صباح هذا اليوم وصلتنا انباء تفيد بتسلل 7 دبابات للعدو غربًا من عند منطقه الدفرسوار ولم اصدق نفسي ساعتها فبعد النصر الكبير الذي حققناه ابتداء من يوم 6 اكتوبر 1973 وايام 7و8 إلى فترة الوقفة التعبوية والتي طالت بلا داعي مرورًا بقرار تطوير الهجوم شرقًا والذي جاء باوامر من الرئيس السادات شخصيًا والذي كان قرارًا سياسيًا محضًا ولم يكن عسكريًا في شيء والذي تسبب في تدهور الموقف ابتداءًا من ليله 13 اكتوبر 1973 ويوم 14و15حتى صباح 16 اكتوبر.

   لقد كان الموقف حرجًا وما زاد من حيرتي وسخطي هو أن هذا الاختراق لم يحدث إلا في قطاه الجيش الثاني الميداني والذي تشرفت بقيادته سنوات طوال بداية من عام 1969 حتى 5 يناير 1972 وأعلم يقينًا قدرات قادته وشجاعة رجاله.

    هنا نقف عند هذه النقطه من كلام خليل ونقتبس جزءًا من مقال لجمال حماد المؤرخ العسكري في مجلة أكتوبر الاسبوعية والذي كان عنوانه “مازق قيادة الجيش الثاني بعد مرض سعد مأمون وتحولات المعركة” وفي المقال سرد احداث هذا المازق كما سماه هو واوضح حقائق الموقف بأمانة وقال: “رغم اعترافنا بكفاءة اللواء عبد المنعم خليل وقدراته العسكرية والذهنية ورغم اقتناعنا بصفاته الشخصية ومؤهلاته التي جعلت منه قائدًا ناجحًا ومحبوبًا في مختلف المناصب التي تولاها، فإن تعيينه قائدًا للجيش الثاني بهذه الطريقة المفاجئة وارساله رأسًا من القاهرة إلى ميدان القتال ليتولى قيادة الجيش في اخطر مرحلة من مراحل الحرب دون أن يكون له أى اتصال سابق بمجرى العمليات في ساحة القتال أو يكون على دراية بالموقف المتدهور الذي بات عليه أن يواجهه هو خطأ كبير بلا شك وفيه اجحاف باللواء عبد المنعم خليل وتاريخه لأنه لا يعني سوى أنه قد ارسل ليواجه الفشل الذي لم يرض أحد من القادة الكبار أن يواجهه”.

     هنا يقول خليل عدت لمتابعة الموقف ومحاولة السيطرة واحتواء الموقف وتنفيذ اوامر القائد العام للقوات المسلحة بارسال اللواء تيسير العقاد لقيادة قوات راس الشاطئ بعد أن لامني على أنني لم افعل ذلك منذ وصولي وساعتها ذكرته بشخصي بأنني عبد المنعم خليل ولم يمض على وصولي للقيادة إلا ساعة واحدة فقط على الرغم من أني اوضحت إليه بأنني في حاجة إلى اللواء تيسير العقاد معي إلا أنه قال لي عندك اللواء تيسير اللواء فاروق سالم رئيس العمليات وهو في الصورة وبالطبع كان لا مفر من تنفيذ الأوامر في حين أن الواضح والجلي من الموقف أن موقف القيادة في قوات رأس الشاطئ غير واضح فالمفروض أن يتولى القيادة أقدم القادة وبالفعل كان العميد عبد رب النبي الأقدم وتولى القيادة إلا أنه اصيب واخلى الخلف وتولى قيادة الفرقة العميد انور حب الرمان فظهرت مشكلة قيادة قوات الفرقتين لتنظيم التعاون بين قيادتين غير متعاونتين.

   ينتهى عام 1973 بمفاجئة عجيبة وهي تعيين اللواء الجمسي رئيسًا للاركان بدلًا من الفريق الشاذلي اعتبارًا من 20 اكتوبر 1973 وكانت المفاجئة الثانية والأهم بالنسبه لي وهي تعييني مساعدًا لوزير الحربية وقائدًا للدفاع الشعبي والعسكري.

   يبقى في النهاية أن اللواء خليل حصل على وسام بطل الجيش الثاني ووسام نجمة الشرف العسكرية في حرب أكتوبر 1973 والذي يعد أعلى وأرفع وسام عسكري من فئته.