محمد عبدالرحمن عريف

   في مجلة الجيل عام 1953 كتب البكباشي “حسين الشافعي” عضو مجلس قيادة الثورة وأحد أعضاء محكمة الثورة مقالًا قال فيه: أعود بالذاكرة إلى ما قبل 23 يوليو 1952 عندما كان الضباط الأحرار يجتمعون في الخفاء ويتكلمون في همس وسرية، ويعملون في الظلام من أجل التخلص من حكم فاسد. وكان رجال العهد الماضي يعتقدون أن ما يقوم به مجموعة الضباط الأحرار لا يعدو بعض المنشورات التي ينشرها حفنة من الضباط. لم يفطن رجال العهد الماضي إلى حقيقة خطر الضباط الأحرار إلا رجل واحد هو حسين سري عامر الذي كان يسعى لتولي وزارتي الحربية والبحرية ليقضي على الضباط الأحرار بطريقته الخاصة بعد أن وصفهم بشوية عيال وأنه قادر أن يلبسهم طرح إذا تولى الأمر وأصبحت بيده السلطة. إلا أنه كانت فكرة تولي حسين سري هذه السلطة هي التي عجلت بحركة 23 يوليو 1952 وقد قامت الثورة وجميع اقطاب العهد الماضى من الفاسدين أصبحوا أمام محاكمات الثورة، ولكي نجمع الأدلة ولنقيم الحجة واضحة في المحاكمات كان يجب علينا أن ننتظر حتى يبدأ المتآمرون في التنفيذ ـــ وهذا ثابت في تسجيل اجتماعاتهم ـــ ثم ننتظر حتى يضعوا خططتهم موضع التنفيذ. أما عن الضباط الذين حوكموا أمام محكمة الثورة أوضح أنه لم يكن هناك أي عداء شخصى مع أحد منهم وأي عضو في المجلس.. بل العكس فهناك من احتضنته قيادة الثورة وقدم له كل المزايا. ومن توفيق الله تعالى أن الأحكام كلها كانت بالسجن لتحمل معنى التأمين للحركة في حجز هذه العناصر التي تبغي الفتنة في القوات المسلحة بعيد عن أي نشاط يسيء للبلاد ونأمل أن تنهض البلاد وتستقر حتى تتحقق العدالة ويتفرغ الجميع إلى الإنتاج.

   هي كلمات أحد أعضاء حركة الضباط الأحرار، له دورا بارزًا في حركة 23 يوليو 1952، تمتع بخبرة سياسية كبيرة، تولى مهام وزارة الحربية، ثم وزارة الشؤون الاجتماعية، أسس الاتحاد الاشتراكي، رأس محكمة الثورة، وشغل منصب نائب رئيس الجمهورية، خلال الفترة من (1963 : 1975)، ولد حسين الشافعي بمدينة طنطا، فى الثامن من فبراير عام 1918، كان والده مهندسًا فى بلدية طنطا، ثم المنصورة، وجده كان عمدة كفر طه شبرا في مركز قويسنا بمحافظة المنوفية.

   “الشافعي” تلقى تعليمه في مدرسة الفرير الفرنسية، وكانت تُسمَّى باسم القديس لويس، لمدة 3 سنوات، ثم التحق عام 1926 بمدرسة القاصد الابتدائية في طنطا، استمر في تعليمه الثانوي في المدرسة الثانوية بالمدينة نفسها، لكنه أتم تعليمه الثانوي في مدرسة المنصورة الثانوية عام 1934. التحق الشافعي، بالكلية الحربية عام 1936، وكان عبدالمنعم رياض ضمن دفعته، أما جمال عبدالناصر، التحق بالكلية في الدفعة التالية، وفيها تعارفا، كما تعرف أيضًا على زكريا محيي الدين وأنور السادات، وتخرج عام 1939، ليلتحق بسلاح الفرسان، وبقى فيه حتى قيام حركة يوليو 1952. أثناء حرب فلسطين عام 1948، كان الشافعي منتدبًا في الإدارة العامة للجيش، حينما حوصرت القوات المصرية في الفالوجة، وكان عبدالناصر وآخرون ضمن المحاصرين، وكانت علاقة الشافعي، توسعت مع العديد من الضباط من خلال وجوده في إدارة الجيش، مسؤولاً عن الضباط وتنقلاتهم، وإثر نتائج الحرب، بدأ الشعور بالغليان يسود بين ضباط الجيش.

    بدأت علاقة الشافعي بتنظيم الضباط الأحرار، في أول سبتمبر عام 1951، وكان عبدالناصر يمر على إدارة الجيش، والتقى الرجلان على السلم الخارجي، ولم يكن الشافعي، يعرف أن ناصر على رأس التنظيم، وتحدث إليه عما آلت إليه الأحوال في مصر، أخذ عبدالناصر يسمع كلام الشافعي دون أي تعليق. وفي نفس اليوم، زار الشافعى ثروت عكاشة وعثمان فوزي وأبلغاه بمسؤوليته عن قيادة سلاح الفرسان، في يوم الثورة بمدرعاته، ودباباته، أُنهى انتداب الشافعي في إدارة الجيش يوم 20 أكتوبر 1951، وعاد بعدها لسلاح الفرسان، وبدأ في تجنيد الكثيرين لصالح الثورة، حيث تولى قيادة الكتيبة الأولى للمدرعات التي أطاحت بالملكية ليلة 23 يوليو 1952، وكان عمره آنذاك 34 عامًا.

الوحدة مع سوريا عام 1958

    يقول نائب رئيس الجمهورية في رأى غريب: كانت الطعم الذي وضع بذكاء شديد جدًا جدًا من أجل أن تبتلعه مصر، ثم يتم الانفصال، فتخرج مصر من خندقها/ وتضرب وتهان سياسيًا، وتأخذ لطمة كبرى بدون ذنب اقترفته، ويرمي كل ذلك على القيادة السياسية متمثلة في جمال عبدالناصر، فالوحدة كانت أول صفعة سياسية استدرجت إليها مصر، لكي تتلقى هذه اللطمة الكبرى، لأنه أصبح النيل منها من الداخل صعب، فاستدرجت إلى الخارج، وأنا دائمًا كنت أردد بأن جمال عبدالناصر لابد أن تكون نهايته من الخارج لأنه قائد وطني، فلابد أن يقضى عليه من الخارج، بعكس الوضع مع أنور السادات الذي نفذ فيه قضاء الله بين جنود القوات المسلحة، في يوم 6 أكتوبر 1981، الذى كان يوافق بالتقويم الهجرى الذكرى الرابعة لزيارته للقدس، وخطابه فى الكنيست تحت أعلام اسرائيل ومصر في حالة حرب معها.

حسين الشافعي في مذكراته عن نكسة يونيو 67

   إن الانتقال بالقوات المسلحة من الاعتبار السياسي الذي فرضه نجاح الثورة إلى الوضع الطبيعي لها لم يكن من المهام السهلة، وأخذ عدة مراحل، وكانت حرب 67 هي العملية الجراحية الفاصلة التي وضعت نهاية لهذا التداخل… لم يكن هناك مجال في هذه المرحلة للاستحياء أو المجاملة أو المساومة أو أنصاف الحلول… فبقدر ما كانت هزيمة 1967 مؤلمة بقدر ما دفعت في النفوس الهمة والعزيمة والتصميم… ولم أشعر منذ بداية الثورة بهذا الشعور الذي شعرت به بعد 67، فالمرارة التي كانت تنتابنا كانت كالنار تذيب الحديد بصلابته، وأزالت الغشاوة من على أعيننا، وحررت القلب والنفس، فأصبحت أكثر انطلاقًا وصفاء.. لا تقيدها حساسيات، ولا تحول دون اندفاعها أيه اعتبارات وشكليات تراكمت مع الأيام، فتجددت مع النفوس ثورياتها، وسقطت الحواجز، وانفكت القيود، وعاشت الأمة وقد أيقظتها الصدمة في صراع نفسي ومعنوي هائل، لكنها حزمت أمرها متشبثة بالقائد، على الرغم من حجم الهزيمة، بعدما استمعت إلى خطاب التنحى الذي كان بمثابة استفتاء عام، وطرح للثقة، وتجديد للعزم، فأسقط الشعب بوقفته هذه الهدف الأول الذي كان يسعى المتآمرون وأعوانهم إليه، وهو إسقاط جمال عبدالناصر ونظامه، الذي كان وجوده واستمراره هو العدو الحقيقي الذي يهدد مصالحهم.

حوار حسين الشافعي حول الثورة والإخوان

   حسين الشافعي يعرض هنا انطباعه ورأيه في جماعة الإخوان ومؤسسها الأول الإمام حسن البنا، ومدى أن حركة الجيش قد التقت مع دعوة الإخوان المسلمين.. من خلال هذا السؤال: ما رأيكم الشخصي في دعوة الإخوان المسلمين؟ وهل ترون أن حركة الجيش المباركة قد التقت مع دعوة الإخوان المسلمين؟ قيام جماعة الإخوان المسلمين – التي تعبرون عن رأيها وعن رسالتها وهدفها- هذه الجماعة التي كان قيامها ضرورة تطلبها البلاد في وقت انعدم فيه الوازع الديني، وأصبحت الوصولية هي الهدف، والأنانية هي المنطق، والإباحية والحياة التافهة التي تتركز في الاستمتاع الرخيص هي كل ما يُفكر فيه شباب الأمة جميعًا، وقد كان لتقصير المسئولين من علماء الدين في قيامهم برسالتهم- ليبصروا الأمة بما يحييها- سببًا آخر في ضرورة هذا القيام وهذا الظهور. وقد كان العلماء لهم بعض العذر، فإن العلة قديمة قدم الاستعمار، فقد كان المستعمر يرى في الدين قوةً روحيةً يجب أن تدفع القوى المادية، لتستعذب العمل والفداء والاستشهاد في سبيل الله، فسعى المستعمر ليفصل بين هذه القوة وتلك، ويخلق طبقةً تُسمَّى رجال الدين، لا حول لها ولا قوة في أمور الأمة، حتى كان الشعب حائرًا في أمره، لا يعرف عالمًا يرشده ولا حاكمًا يقومه؛ لأن هذا العالم منطوٍ على نفسه، وهذا الحاكم لا يعرف من أمر ربه شيئًا.

   في هذا الجو وفي تلك الظروف تحتَّم قيام جماعة تُبصر الناس أمر دينهم، وترسم للحاكم والمحكوم الطريق السليم، وليست في قيامها أية بدعة أو خارقة للعادة، ولم تكن حرب فلسطين هي اللقاء الأول بين الجيش والإخوان الذين تطوعوا في تلك الحرب، ولكن اللقاء كان قبل ذلك فإن الأحرار كانوا يتلمسون الخلاص في كل مجال ومضمار، واعتبروا أن دعوة الإخوان هي المدرسة التي يجب أن ينشأوا بين جدرانها. هذا هو رأيي في دعوة الإخوان المسلمين أما عن النصف الآخر من السؤال، وهو عن مدى التقاء دعوة الإخوان وحركة الجيش فأقول لك: “إن دعوة الإخوان وحركة الجيش ملتقيتان، وليس في ذلك شك؛ إذ إن هدف كلتيهما هو الإصلاح، وإن كان هناك اختلاف بسيط في المنهج، فالمعروف أن للإصلاح طريقين.. طريقًا قصيرًا، وآخر طويلاً، ولكلٍ مميزاته ومعوقاته، والطريق القصير مؤداه أن نضرب أولاً ثم نربِّي، والطريق الطويل مؤداه أن نُربي أولاً ثم نضرب.

    لقد اختار الجيش الطريق القصير فضرب ضربته القاضية، موجِّهًا إياها إلى الفساد المتركز في القصر والحكم والحزبية والإقطاعية، وهاهو آخذ في تربية الشعب وتوجيهه، وينبغي الانتفاع بالوقت، ومحاولة إحياء الأمل من جديد في نفوس الشعب، بعد أن كاد يتلاشى تلاشيًا أبديًّا، وسرعة التخلص من الفساد قبل أن يستشري فيصبح لدى الشعب طبيعة مألوفة لا يفكر في التخلص منها، أما معوقات هذا الطريق فتتلخَّص في أن الإصلاح سيقوم على شعب لم ينل حظه وافرًا من التربية الصحيحة والتوجيه السليم. ومميزات الطريق الطويل تتلخص في أن الإصلاح يقوم على أساس سليم؛ لأن أمامه شعبًا قويًا نال حظه الوافر من التربية السليمة، وهذه التربية السليمة ستجعل الشعب يتجاوب مع صيحات الإصلاح دون تأخر أو تواكل أو مروق، وأما معوقات هذا الطريق فإنها عكس لمميزات الطريق القصير تمامًا. ولكن الهدف لحركة الجيش ودعوة الإخوان واحد، وهو الضربة القاضية التي تحطم طواغيت الفساد حتى تدعها هشيمًا تذروه الرياح، ولما أن ضرب الجيش ضربته كان طبيعيًّا أن تتجاوب معه دعوة الإخوان التي كانت تمهد لهذه الضربة بتربية الشعب المسلم، وثمة اختلاف وجيز، وهو أن حركة الجيش استوعبت كل أفراد الشعب، بَيد أن دعوة الإخوان قد استوعبت الغالبية الساحقة من أبناء الوطن فحسب.. إلا أن حركة الجيش ودعوة الإخوان يلتقيان أيضًا عند الهدف من تجمعاتهما؛ إذ إن كلتيهما تسعى لتحرير الوطن وإقامة الإصلاح فيه على أسس سليمة متينة.

ذكريات الشافعي.. أيام السادات

     عن هذا اليوم يقول حسين الشافعي: كان السيد ممدوح سالم وزير الداخلية وقتها قد طلب مقابلتي، وتحدد له الساعة الواحدة ظهر للقائي، لكنه تأخر عن موعده خمس دقائق، فقمت أصلي الظهر، وأثناء صلاتي شعرت بأن الباب قد فتح، وكان الداخل هو ممدوح سالم وخلفه جمع غفير من رجال الصحافة والإعلام وكاميرات التليفزيون بكشافاتها القوية، واصلت صلاتي وهو ظل واقفًا ينتظر انتهائي من الصلاة، وما ان انتهيت من الصلاة حتى وقفت ولم أصافحه، وقلت له لن أضع يدي في يدك قبل أن تقدم تفسيرًا لي عما حدث في قضية الفنية العسكرية، وشرحت له ما عرفته وقصة الشريط الذي سمعته، وقلت له أنت وسيد فهمى المسئولان عما حدث، فلم أجد إجابه لديه، ووجدت أنه لا فائدة من الكلام معه، فقلت له انت طالب مقابلتي ليه؟ فقال لي إن السيد الرئيس في نيته تعيين نائب جديد للرئيس، وقال لي قبل أن يعرف أحد هذا الكلام اذهب وبلغ هذا الكلام للسيد حسين الشافعي، فقلت له وبتبلغني ليه؟ هو بحكم الدستور ومن سلطته له أن يعين نائبًا أو أكثر وإذا كان يرى ضرورة تعيين نائب آخر فهذا يخضع لتقديره، جاي تبلغنى ليه؟ فارتبك وقال ما تكلمه في التليفون، فقلت له هو اللي طلب منك ولا دي من عندك؟.. فازداد ارتباكًا.. ثم قال لي أنتم زملاء وليه هتدخلوني في موضوع أنا مش أده، فقلت له دا كل اللي عندك؟ اتفضل.. ثم خرج. وفي نشرة أخبار الخامسة بالراديو مساء ذلك اليوم سمعت خبر تعيين الفريق طيار حسني مبارك نائبًا لرئيس الجمهورية، وممدوح سالم رئيسًا للوزراء، وتجاهلوا اسمى تمامًا، فلم يصدر قرار ببقائي ولم يصدر قرار بإقالتي، ولذلك أنا أسمي هذا التصرف بالقرار الجبان، وأتحدى أن يأتي أحد بقرار إنهاء خدمة حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية، أو قرار إقالة أو استقالة ولذلك فأنا قانونًا مازلت نائبًا لرئيس الجمهورية.

قصة الشافعي مع قضية الفنية العسكرية

    يحكيها حسين الشافعي قائلًا: في أحد الأيام من عام 1974عنوان وصلة وأثناء انعقاد محاكمة صالح سرية، وجدت شابًا تطوع خيرًا أتى لمنزلي، وسمحت له بالدخول، وفاجأني بشريط كاسيت لازلت أحتفظ به وكان مسجلًا عليه وقائع الجلسة الأولى لمحاكمة صالح سرية، وكان الشريط كله على لسان صالح سرية، وجاء فيه: أنا استدعيت بواسطة عميد مباحث اسمه عبدالقادر، وقال إذا لم تشهد في المحكمة بأن حسين الشافعي على رأس هذا التنظيم بشقيه المدني والعسكري سنفعل كذا وكذا.. ثم كشف صالح سرية لهيئة المحكمة ملابسه ليريهم آثار ما ذاقه من تعذيب، وفي نهاية الشريط قال: أنا عارف إني هاألقى الله ولا يمكن أن ألقى الله بشهادة زور على ناس لا أعرفهم وليس لهم صلة بهذا التنظيم، لأن هذا العميد أخرج لي من مكتبه كشفًا به 24 اسمًا مقسمًا إلى شعبة عسكرية تضم 12 اسم، وشعبة مدنية تضم 12 آخرين، والشعبة العسكرية كان بها ضباط من الحرس الجمهوري والقوات المسلحة والأمن المركزي، ولم أتعرف إلا على اسمين فقط هما الفريق محمد صادق والفريق سعد الشاذلي، وقال محامي صالح سرية أن الذي رتب هذه العملية هو ممدوح سالم وزير الداخلية وسيد فهمى رئيس المباحث، وطبعًا أن الإثنين كافأهما السادات فأصبح الأول رئيسًا للوزراء والثانى وزيرًا للداخلية، المهم أن محامي صالح سرية لما قال هذا الكلام في المحكمة منعت وقائع القضية من النشر.

أشهر خلافاته مع السادات

    قال فيها نائب الرئيس: عام 1972 أثناء زيارة الرئيس البلغاري لمصر، في يوم توديعه مررت على أنور السادات في منزله بالقناطر وصحبته في سيارته للمطار، وبعد انتهاء مراسم التوديع إذا به يستدعي عزيز صدقى رئيس الوزراء معه في سيارته دون أن يستأذنني، فقمت بإزاحة عزيز صدقى في المنتصف وجلست بجوارهما حتى وصلنا لمجلس الوزراء، وكان السادات في ذلك الوقت يحاول أن يحد من سلطاتي، فكان لا يدعوني لأي اجتماع، المهم كان يومها اجتماع لمجلس الوزراء، وعندما وصلت لقاعة الاجتماعات أخذا مكاني في القاعة، وكان يريد مناقشة الوزراء في موضوع قطع العلاقات الدبلوماسية مع الأردن، وكان ذلك في أبريل عام 72، وبدأ يتحدث في شكل خطابي، وانتهى حديثه بإبلاغهم قراره دون أن يناقشهم، فطلبت الكلمة، وقلت أن الموضوع بالنسبة لي ليس ذا أهمية شخصية، لكن موضوع قطع العلاقات ده غير مجد، وسياسة غير مقبولة، وهل جاء قطع العلاقات اليوم لكي نجد كلامًا نقوله اليوم في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني بعد ظهر اليوم في مبنى جامعة الدول العربية؟ وقلت هذه فرصة لكي نناقش سياستنا مع الدول العربية، وقلت: إننا أمام معركتين.. معركة أمام القوى الكبرى التي تريد أن تتحكم في مصر، ومعركة في مواجهة اسرائيل ولا سبيل لخوضها سوى بالاعتماد على الذات، وقلت أنه بعد انقضاء سنة على عملية مايو 71 أصبح من الصعب أن ننفذ ما كنا نستطيع أن ننفذه عام 71، واذا كان الأخ أنور السادات كانت له شعبية بعد توليه فإن شعبيته قد انحدرت كثيرًا بعد عام 71… وكان رد السادات لي بالحرف الواحد: إذا كنت بدور على شعبية فأنا أقدر أجيب الإذاعة والتليفزيون وأخبط خطبة وأعمل شعبية، لكن مش أنا اللي بدور على الكلام الفارغ ده.. وإذا كان النائب الأول لرئيس الجمهورية يشكك في إمكانياتنا على القتال فلماذا عملنا وزارة للمواجهة فقلت له أنا لا أسمح لمخلوق أن يقول عني إنني أشكك، بل أنا أطرح موضوعًا للمناقشة، وهو لماذا لا تعمل مصانعنا الحربية بكامل طاقاتها؟ وبدأت أصواتنا ترتفع في الاجتماع، ثم خرجنا وجلسنا في مكتب رئيس الوزراء وشربنا الشاي معا، ثم خرج هو بصحبة فوزي عبدالحافظ في سيارته، لكني قمت وجذبت فوزي عبدالحافظ من سيارته وجلست بجواره، وكان هذا أول خلاف كبير بينى وبينه بسبب عدم عمل المصانع الحربية بكامل طاقاتها.

    في عام 1974 عندما كان عائدًا من مؤتمر القمة العربية الذي انعقد بالدار البيضاء بالمغرب، وأثناء ركوبي إلى جواره في السيارة كان يحدثني عن الأمجاد التي أنجزها، فقلت له ما هي وسائل الضغط التي يملكها العرب لكي ينفذوا قراراتهم؟ فقال لي: كلام إيه ده؟ انت عايزني أضغط على أمريكا؟ فقلت له إذا لم يكن هناك من وسائل ضغط فلا جدوى من هذه القرارات إلا بالقدر المتوافر من قوى الضغط، فالذي لا يضر ولا ينفع ليس أمامه سوى طلب الصدقة وتلمس الرضا، ومادمت لا تفيد ولا تضر فلن يكون لك أى حساب.

لماذا بقيت مع السادات خمس سنوات نائبا له رغم عدم رضائك عنه؟

    يقول الشافعي عملي مع السادات بعد وفاة عبدالناصر كان علامة استفهام كبيرة، ولكن لم تكن القضية قضية عمل مع أنور السادات، لأنني كنت أعمل من أجل بلدي، ومن أجل استمرار الثورة التي كنت أحد مؤسسيها، وقضيت حياتي فيها لتثبيت دعائمها في المجال الذي قدره الله لي في مراحل الإعداد أو التنفيذ أو الممارسة، وإرساء قواعد كل عمل شاركت فيه منذ قيام الثورة حتى وفاة قائدها جمال عبدالناصر، وقلت لنفسي إذا سار السادات على المبادئ فسأكون أول من يسانده، ولكن إذا انحرف فسأكون ممثلًا لضمير الثورة، واحتملت هذه الفترة بجواره على أحر من الجمر، وعندما بدأ ينحرف ويسلك طريقًا لا يريد أن يشاركه أحد فيه اعترضت عليه، ولم يكن أمامه إلا أن يتجاهلني ولا يواجهني، لدرجة أنه كان يعقد اجتماعاته خارج القاهرة حتى لا أشارك فيها، فهو يريد أن يشعرني ويشعر غيري بعدم فاعليتي، وبالتالي أسقط مع الوقت، ولكن لم أكن أترك اجتماعًا عامًا أو مناسبة إلا وأقول فيها ما يجب أن يقال، وطبعًا الكلام ده كان بيوصله كله، وكان يثير غضبه مني لدرجة لم يعد يقدر على الاحتمال، فكان أن أراد الزج بي في قضية الفنية العسكرية، وتفكيري في الاستقالة كان بمثابة هروب، فأنا صاحب بيت ولم يأت بي السادات، بل الثورة التي كنت أحد قادتها هي التي أتت بي، وتمسكي بموقفي كان من خلال ايماني بالمبادئ الثورية التي قمنا من أجلها.

    يبقى أن الشافعي شغل مناصب سياسية رفيعة المستوى، حيث تولى وزارة الحربية، في عام 1954، وانتقل بعدها بعام ليصبح وزيراً للشؤون الاجتماعية، ثم عمل وزيراً للتخطيط، حتى تولى في 1961 وزارة شؤون الأزهر. وفي مطلع الستينيات، عين الشافعي نائبًا لرئيس الجمهورية، وظل في منصبه حتى وفاه جمال عبدالناصر في سبتمبر 1970، كما ظل نائبًا لرئيس الجمهورية في عهد محمد أنور السادات، حتى عام 1975، حيث ترك منصبه دون إقالة أو استقالة إثر خلافه مع السادات. والشافعي كان عضواً في محكمة الشعب، التي قضت بإعدام عدد من عناصر جماعة الإخوان، كما تولى رئاسة محكمة الثورة التي حاكمت الضباط الذين انضموا إلى التمرد عقب هزيمة يونيو 1967. نعم هي مسيرة طويلة قطعها العسكري والسياسي حسين الشافعي مسلحاً خلالها بذاكرة وطنية، حتى وافته المنية يوم الجمعة 18 نوفمبر 2005، عن عمر يناهز 87 عاماً، إثر صراع مع المرض لشهرين.