الدكتور محمد مراح

المسألة الوطنية بلغت غايتها من التعقيد، والمخارج المطروحة والمحتملة لحدّ الآن لا تكاد تفي بالحاجة؛ فتخرجنا مخرجا حقيقيا، يُطمئن إليه ، ويُعتدُّ به؛ مرحلة ممهّدة لمراحل البناء الجديد المأمول .

ارتفعت كثيرا مستويات التوجس، وربما الخوف الذي قد يبلغ حالات الرعب لدى كثيرين، ونحن على بعد يوم واحد من المشهد المحتمل والمنتظر .

التجاذبات داخليا تتزايد، والاستهداف الذي يُصوب نحو مراكز الثقل في المسألة (رسميا وشعبيا) يتعالى، والضغوط على الجهة التي رفعتها الأحداث لمقدمة الواجهة، تشتد، مستعينة بكل وسائل الضغط، التي بلغت عند بعضهم الاستناد لتقارير هيئات ومراكز أجنبيه وللأسف الشديد عربية، ذات الأدوار المحورية ( أداتيا) في الوصول بدول عربية حالات الانهيار والفشل، قلت : بلغت بهم شهوة الاستقواء على قيادة الجيش ، بما لا تخفى معه أهداف الجهات التي أعدت تلك التقارير وتقديرات المواقف .

المواقف الخارجية : تكاد تجمع في جوهرها على رؤية موحدة للمسألة ، وهي تفضيل الحل الذي يجنب الجزائر الدخول في حالة فوضى وانفلات أمني، بالطبع ليس هذا حبا وكرامة في الجزائر، إنما التخوف الشديد على جيران أوروبا تحديدا، بعد أن غرقت فيما صنعته أيدي ساستها في ليبيا وسوريا تحديدا . ولهذا نفسر ما تتضمنه تصريحات غربية رسمية، وتقارير وتحليلات وسائل إعلام غربية كبرى، ومراكز درسات من إحاطة موقف الجيش إزاء الأزمة بالتشكيك في مواقفه التي أعلن عنها ، والتعبير عن تلاحمه مع الشعب، وليس المقام مقام التوسع في هذا التأويل بالاستدلال عليه ، وإنما يكفي الإحالة مثلا على تقرير أخير لـ بي بي سي لا زال مرفوعا على صفحتها العربية، ومقال في معهد واشنطن للسياسات في الشرق الأدنى، وتقرير نشرته صحيفة جزائرية كبرى ناطقة بالعربية،  صادر عن مركز الجزيرة للدراسات، و بالبطع فنحن هنا أيضا نتكلم عن مستوى الأدوات و الأواني لا المراكز والصناع ، نقلته الصحيفة المشار إليها كما هو دون تحليل واستكناه أهدافه ، أي باختصار تبنته  لأنه يخدم برنامجها في هذا الحراك.

المواقف العربية ، فالمعنية منها بالموضوع في حالة كمون تترقب ، لكن وفي إطار الهدف السابق الذكر( الضغط على المؤسسة العسكرية بالدرجة الأولى، و القوي السياسية المؤثرة على نحو ما  كي تنجز حلاّ يلبي أهداف القوى الكبرى)، في هذا الإطار نشهد حدثين هامين متواليين : أحدهما : معركة طرابلس التي أعلنها حفتر، والثانية : المناورة المغربية الأكبر في تاريخ المملكة المعلن عنها غدا على الحدود الجزائرية . فهُما بالضرورة (قصدا أو استثمارا ) ورقتان في غاية الأهمية جاءتا في الوقت المناسب للاستعمال بالكيفية المناسبة ، وفي الوقت المناسب، للأهداف المرجوة، على ضوء مآلات المسألة لدينا .

وهنا أواد الإشارة إلى أن من العبث و الاستغباء التهوين من التأثيرات الخارجية على ما يجري لدينا، فمن بدهيات مخرجات بناء النظام العالمي الجديد: ألا يخرج حدث ما، عن التوجيه والاستغلال، بما يصب في مصالح الكبار، هذه بدهية من بدهيات النظام العالمي السائر في طريق التشكل . من يجهلها عليه أن يلزم الصمت، ولا يضلل الجماهير .

  • ما تحقق لحد الآن من خطوات إيجابية صنعها طرفان رئيسان هما : الشعب بحراكه، والجيش باستجاباتها . أما الباقون فهوامش للأحداث ومخرجاتها متفاوتة في الأهمية . وشعار الأخوة بينهما الذي لم يغادر جمعة من جمعات الخروج هو رسالة لمن يهمه الأمر داخليا وخارجيا .
  • الأعين كلها مصوبة نحو هذين الطرفين لصناعة المخرج الملبي للتطلعات والمطالب .
  • في هذا الإطار أطرح المقترح الآتي الذكر عسى الله تعالى أن يجعل فيه خيرا للبلاد والعباد :

استثمارا لواحد من تقاليدنا الاجتماعية الضاربة في تاريخنا، وهو لقاء و (اجتماع جماعة الصلح ) لفض المشكلات بين الأطراف، في أخطر صورها مثلا ( الصلح على القتل )!

ولنسمه هذا:( لقاء الجماعة على خطى الأجداد) .

إجراءات التطبيق : 

  • تأجيل اجتماع البرلمان بغرفتيه لإعلان الشغور، وتعيين رئيس الدولة، حسب ما تنص عليه المادة102.
  • مبادرة قيادة الجيش بالتنسيق مع قوى شعبية وسياسية، بلقاء مفتوح في قاعة كبرى كالقاعة البيضاوية.
  • الأطراف الرئيسة المشاركة : قيادة الجيش – ممثلين عن كل ولاية من الحراك- خبراء في القانون الدستوري، والعلوم السياسية .
  • مشاركة الطبقة السياسية : أحزابا وشخصيات مستقلة، فإن لم تكن الأحزاب منشئة شيئا على الحقيقة والواقع، فيما تحقق، فإنها واجهات للتعددية السياسية في البلاد مهما تباينت أحكامنا وتقديراتنا حول أدائها . وفي النهاية لا حياة ديمقراطية دون تعددية حزبية .
  • مشاركة أصحاب الرأي من مثقفين وإعلاميين ، ومن في حكمهم.
  • يُدار نقاش حرّ على مدار يومين أو ثلاثة ، ينتهى بمخرج (دستو-سياسي) ؛ مخرج رحيم حكيم للمشكلة، في كنف الدستور من جهة ، مجسد  لسيادة الأمة، وتطلعات الشباب المنتفض يريد أن أن يتحمل مسؤوليات وعبء صنع مستقبله .
  • الهدف الرئيس من هذه الخطوة ؛ الخروج بحلّ لمعضلة من يقود المرحلة الحالية؟ وكيف تُساسُ؟

قد يُنظر للفكرة  أنها ساذجة، أو حالمة، لا تمت للسياسة بصلة. أدرك أنها (فكرة\حلم)، لكن الأحلام لطالما كانت منطلقا لأعمال مؤثّرة في تاريخ الأفراد والمجتمعات والأمم ، لعل أكثر المنجزات الكبرى في التاريخ كانت أحلاما ، ولحكمة دالة جعل الله تعالى أولى مراحل الوحي لنبيه صلى الله عليه وسلم (الرؤية الصادقة).فانا أعي ما أقول، وممّا شجعني على المبادرة بطرح الفكرة ميزتان لصانعي ما تحقق :

 الشعب يفاجئ العالم بسلمية واحتفالية حراكه، وقد كان يُتوقع منه –مثلا- التعبيرات الغاضبة المصحوبة ببعض مظاهر العنف على أقل تقدير

  • الجيش : يتناغم مع صوت الحراك، ويستجيب لبعض مطالبه، وينظر إليهلدى فريق كبير على الأقل من المواطنين ( منحازا للشعب ) .

ما المانع أيضا من أن تصير المفاجئة الثالثة الحلّ عن طريق : هي ( لقاء الجماعة على خطى الأجداد)!.

وبالله التوفيق

 

Print Friendly, PDF & Email