دراسات شرق أوسطية

حوارات حمد بن جاسم بين ” وهم ميترنيخ وحقيقة مقاول الباطن”

وليد عبد الحي

تابعت حوارات رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم مع موقع القبس الكويتي بشكل اساسي ، الى جانب حوارات اخرى له مع وسائل اعلام مختلفة، وانتابني شعور بان فهم الالتباسات والتناقضات في محتوى تصريحاته يحتاج لتحديد بيئته النفسية التي شكلتها عوامل ثلاثة:

أولا: تجريده التام من أي منصب رسمي في اطار عراك على السلطة في قطر كان هو وسنده اول ضحاياه ،فبعد تخلي الامير حمد بن خليفه عن الامارة في عام 2013 “استقال” حمد من منصبه كرئيس وزراء بعد يوم واحد، مع ان سياق الاحداث يشير الى ان الامير الجديد حينها الابن تميم ووالدته عزلا حمد من منصبه. فبعد ان تتدرج في السلم الحكومي في ادارات ووزارات عدة كان آخرها وزيرا للخارجية ثم رئيسا للوزراء، أطفأوا الاضواء عنه ، وتتضح مرارة هذه المسالة في اشاراته في الحوارات الى:

1- قوله ان الانظمة الخليجية انظمة دموية في صراعاتها الداخلية على السلطة

2- اسهابه في شرح تفاصيل الخلافات والتغيير القسري في السلطة في قطر بين الابناء والآباء مع ايحاءات تمجد الامير حمد لكنها تتجاهل الحقبة التالية له التي كان هو احد ضحاياها.

ثانيا: فقدانه بطولة مسرحية ” دبلوماسية الإنابة” proxy Diplomacy” لتي كتبها صناع القرار في واشنطن: لو احصينا عدد مرات الوساطة القطرية في نزاعات اقليمية ودولية سنجد انها تمثل لغزا من حيث عددها الكبير من ناحية ومن حيث عدم تناسبها مع المكانة والوزن الدولي لهذه الدولة من ناحية اخرى. لكني اعتقد ان الدور القطري هو كما وصفه حمد بن جاسم في حواراته يقع بين بعدين: البعد الاول هو دبلوماسية الإنابة، فالولايات المتحدة تشعر بحاجتها للحوار مع خصومها الاستراتيجيين في أي اقليم، ولكنها ترى احيانا ان اللقاء المباشر مع هؤلاء الخصوم قد يتم تأويله على انه ضعف او تلهف غير مبرر، فيتم البحث عن مراسل يحمل الرسالة الامريكية للخصوم، لكن هذا المراسل بحاجة لضمانات لاستقباله والاستماع له وتحميله اجابات هذا الخصم، لذا لا بد من تطوير العلاقة مع خصم امريكا لضمان الوصول له، فيتم ذلك بتقديم المساعدات(كما فعلوا مع حزب الله في اعادة بناء الضاحية الجنوبية بعد الحرب مع اسرائيل) او مع حماس او طالبان او حركة الاخوان المسلمين…الخ، او من خلال العلاقة الودية مع الحاكم عبر وسائل شخصية او غير شخصية كما فعلوا مع القذافي وغيره.

وقد كان حمد بن جاسم منذ تولى وزارة الخارجية ثم رئاسة الوزراء هو بطل مسرحية دبلوماسية الانابة ، ولعل ذلك يمثل احد اسباب خلافاته الكامنة مع بعض دول الخليج التي كانت تأمل بأن توكل البطولة لها، ويكفي التوقف عند بعض الاقوال التي وردت في حواراته وتوضح بشكل لا لبس فيه دوره في دبلوماسية الانابة:

1- يقول حمد بن جاسم ” نحن مقاولون من الباطن، نحن تأتينا المطالب من الغرب وننفذ”، ولكن ما هي المطالب الامريكية طبقا لمضمون حواراته ؟ يشير في حواراته الى تشجيع العلاقة العربية مع اسرائيل(حواراته العربية ثم لقاءاته المبكرة مع شيمون بيريز) والى ارسال المقاتلين العرب الى افغانستان لمحاربة الاتحاد السوفييتي، وتشجيع التيار المعتدل في الحركة الاسلامية العربية(وهنا يقر بغلبة المضمون الديني على قناة الجزيرة)، وبعد كل الدعم لهذه الحركة الاسلامية وصل الى نتيجة أنها لا تصلح “لإدارة دكان”.

ذلك يعني ان الوساطة القطرية بين :القوى السياسية اللبنانية(2007) وفي اليمن بين أنصار الله والحكومة/(2007) / وفي دار فور(2009) وبين السودان وتشاد(2009)/ 2010 ، ناهيك عن افغانستان منذ بداية ازمتها ومحاولاته التقريب بين الولايات المتحدة والاخوان المسلمين في القاهرة، واطلاق سراح معتقلين لبنانيين في اريتيريا، واطلاق سراح رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف ، وقضية الممرضات البلغاريات في ليبيا..الخ…كلها تشير الى جهد كبير ونطاق واسع في تطبيق دبلوماسية الإنابة.

2- يبدي في احاديثه كرها للنظام السياسي في سوريا(بغض النظر عن مدى أهلية هذا الكره) لان الرئيس السوري كما ذكر بن جاسم حرفيا : ” كل ما اقول له رأي يقول لي هذا ما قاله الامريكيون لك”، أي ان الرئيس السوري يدرك طبيعة مهمة حمد بن جاسم، وهذا الادراك جعل كل محادثاته في سوريا فاشلة فازداد عليها ضغينة ملمحا انها وراء قتل الحريري، وهنا نتساءل: اذا كان الحريري صيداً سورياً ألم يقل سموه في اشارة لمساعداته مع السعودية للمعارضة السورية ” انفقنا 137 مليار دولار في سوريا وطارت الصيدة “، وفرق كبير بين صيد واحد-إن صح الزعم- وبين السعي المحموم لصيد دولة بكاملها.

والغريب ان بن جاسم لا يفسر لنا دوره في “ربيعه العربي”، فلماذا يتدخل في ازمة سياسية في سوريا او اليمن او مصر او ليبيا بدعم مالي للمعارضة في هذه الدول وهو الامر الذي اشار له كثيرا في حواراته ،وبدعم اعلامي تكفلت به قناة الجزيرة وصحفه، وبدعم سياسي في الجامعة العربية وفي الهيئات الدولية المختلفة بينما لم يتحمل قصيدة واحدة من شاعر قطري(ابن الذيب) ، ان دبلوماسية الإنابة هي الاساس لا الديمقراطية والقلق على الشعوب..

ثالثا: تجريده من نفوذ على هيئات مالية وقطاعات اقتصادية مكتنزة في قطر او خارجها ومؤسسات ذات طبيعة خاصة، فقد كان له نفوذ واسع في مؤسسات مثل المجلس الاستشاري الدولي والخطوط الجوية القطرية وشركة الاستثمار الأجنبي وشركة الديار القطرية للاستثمار العقاري ومشروع اللؤلؤة وشركة هارودز و مشروع غراندي (غيرنسي)…الخ. ويبدو ان خصوماته غير منبتة الصلة عن هذه الامبراطورية المالية كما كشفت وثائق بنما او خلافاته مع الناطق الرسمي السابق باسم قطر فواز العطية الذي اتهم حمد بانه وراء سجنه وتعذيبه، او خلافاته مع بعض رجال المخابرات القطرية…الخ.

لقد تطاول بن جاسم على شخصيات عربية ، فاعتبر مرسي وجماعته لا يصلحون لادارة دكان( مع أنه كان الاكثر حماسا لهم) واتهم القذافي بالنصب والكذب( بيع مصافي للامارات ودفع قطر تعويضات الممرضات البلغارية) وغمز من مكانة الادارة السعودية في مراحل مختلفة واعتبر عبد الناصر ثوريا فاشلا وصدام رئيسا مغرورا..الخ

باختصار:

حاول حمد بن جاسم أن يقدم نفسه على انه ” المستشار ميترنيخ” صانع التسويات ومهندس السياسات، ثم تبين وباعتراف صريح انه ” مقاول من الباطن” فانتهى الى ركن أطفأوا فيه الاضواء عليه، فعاد بالحوار ليضيء سراجا من حوله.

ويبدو لي ان الحوار يكشف خلافا مستعصيا داخل الاسرة الحاكمة، وان حوارات بن جاسم هي نزق من طرف تجاه طرف آخر ..والأيام حبلى.

5/5 - (1 صوت واحد)

(Read more)  الثورة الفلسطينية كانت وما زالت على صواب

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى