تسعى هذه الدراسة إلي مناقشة وتحليل تطور دور الأمم المتحدة غير العسکري في ليبيا منذ عام 2011 من خلال ” بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ” (UNSMIL) التي تعد بعثة سياسية خاصة متکاملة، أصدر مجلس الأمن قرار رقم (2009) في 16 سبتمبر عام 2011 بإنشائها بناء على طلب من السلطات الليبية لدعم الفترة والسلطة الانتقالية الجديدة في البلاد خلال مرحلة ما بعد النزاع ، وتقوم البعثة في سبيل تنفيذ المُهمة الموکلة إليها بعدة مبادرات وآليات واستراتيجيات لدعم المرحلة الانتقالية المتعثرة ودعم النظام السياسي الجديد، والعمل علي نشر مبادئ الديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان في دولة بها تجاذب إقليمي کبير وصراعات مفتوحة تجعل مهام البعثة صعبة ومضطربة بين النجاح والفشل، لذلک تثير طول الفترة الانتقالية وتعثر بناء الدولة في ليبيا الجدل حول کفاءة دور البعثة، وبناءا عليه تهدف الدراسة إلي التعرف علي محطات النجاح والإخفاق في دور البعثة وتحليل أسباب إخفاق البعثة في تنفيذ أهدافها ودورها المنوط بها في إدارة الأزمة الليبية.

المؤلف
أحمد مصطفي فتحي عرابي 
کلية السياسة والاقتصاد
مجلة السياسة والاقتصاد، المقالة 13، المجلد 16، العدد 15، يوليو 2022، الصفحة 401-422

مقدمة

تحولت الاحتجاجات الشعبية في ليبيا 17 فبراير 2011 إلي ثورة عارمة وحرب طاحنة بين النظام والثوار مطالبين بالحرية والديمقراطية، لم يستجب النظام لهذه المطالب وواجهها بالاستخدام المفرط للقوة مما استدعي انتباه المجتمع الدولي لخطورة الحالة في ليبيا مما جعل الأمم المتحدة تقتنع بضرورة التدخل الدولي وتتبني سياسات لإنقاذ الوضع الإنساني في ليبيا، وقد انقسمت هذه السياسات تجاه الأزمة في ليبيا إلي مرحلتين؛ الأولي متمثلة في التدخل العسکري بناءاً علي قرار مجلس الأمن 1973 حيث استطاع المجتمع الدولي بقيادة حلف الناتو من اسقاط نظام القذافي.

 أما المرحلة الثانية فإن سياسات الأمم المتحدة تعني بمتابعة بناء الدولة ورعاية النظام السياسي الجديد الذي يتفق ومرحلة ما بعد الثورة في دولة تشهد حالة من الفوضى السياسية والأمنية في ظل غياب دور المؤسسات العسکرية والأمنية الفاعلة، لذلک شرعت الأمم المتحدة في مهمة إنسانية من خلال تفويض “بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا”(UNSMIL) بناءاً علي قرار مجلس الأمن رقم 2009 لعام 2011 لمساعدة الجهود الوطنية الليبية الرامية لبناء الدولة ودعم المرحلة الانتقالية والعملية السياسية وتعزيز سيادة القانون، لکن واجهت البعثة العديد من المسارات المعقدة في المجتمع الليبي والخلافات بين الأطراف المتصارعة حول کيفية بناء الدولة وشکل النظام السياسي وخاصة مع التجاذبات الإقليمية والدولية.

المشکلة البحثية

في سياق تطور دور الأمم المتحدة لحفظ الأمن والسلم في الدولة الليبية التي تعکس حالة من التفکک والصراعات المفتوحة، جاءت “بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا” والتي تبرز معها إشکالية بحثية رئيسية تتعلق بمحاولة البعثة معالجة الصراعات وتضميد الشقاق بين الأطراف الليبية المتصارعة حول السلطة وشکل الدولة والنظام السياسي، ومدي ملائمة مساعي البعثة وحلولها مع هذه المعضلة التي لاشک أنها توجت بالنجاح تارة وبالفشل تارة أخري على هذا الأساس تثير هذه الإشکالية سؤالاً بحثياً رئيسياً مفاده: إلي أي مدي تمکنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من إدارة المرحلة الانتقالية وحل الأزمة السياسية في ليبيا؟ ويرتبط بهذا السؤال الرئيسي عدد من الأسئلة الفرعية تتضمن:

1- کيف تعاملت البعثة مع الصراعات السياسية في ليبيا؟

2- ما هي مظاهر النجاحات والاخفاقات في إدراة البعثة للمرحلة الانتقالية؟

3- کيف يمکن تفسير نتائج ما وصلت إليه البعثة في ليبيا؟

المنهج المستخدم

يعتمد البحث على المنهج الاستقرائى إذ يُسهم فى الوقوف على أهم المعلومات والدلالات المتعلقة بمجهودات البعثة الأممية، بالاستعانة بمنهج الاتصال حيث يسهم فى دراسة سياسة البعثة التوسطية کنظام اتصالي لحل الصراعات بين الأطراف المتحاربة في ليبيا.

تقسيم الدراسة

 المحور الأول: ظروف ونشأة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

 المحور الثانى: أنشطة وآليات عمل البعثة في دعم استقرار الدولة الليبية.

 المحور الثالث: فاعلية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

 خاتمة.

 النتائج والتوصيات.

المحور الأول

ظروف ونشأة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا

أولاً: خلفية الأزمة الليبية2011

اندلعت ثورة 17 فبراير 2011 أساسا بدافع التخلص من الاستبداد، وبحافز التحرر من التسلطية والولوج إلي عصر الديمقراطية والحريات کمثل باقي دول الربيع العربي ولکن مع بعض الخصوصيات التي ميزت الثورة الليبية عن غيرها( )، توسعت الاحتجاجات وتدخل الجيش الليبي تدخلاً قوياً ونشأت الحروب بين المؤيدين لنظام القذافي والمعارضين له، ودخلت ليبيا مرحلة متأزمة من الثورة أنتشر فيها إستخدام القوة والعنف بين قوات النظام والمعارضة، والإنتشار الکثيف للأسلحة، ودخول ليبيا في مأزق أمني شديد.

مع تدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا وسقوط مئات القتلى والجرحى، بدأت الدعوات ترتفع إلى الدول والهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية لأداء واجبها الإنساني تجاه الشعب الليبي، و وقف ما سمي بالإبادة الجماعية التي ترتکب ضد المدنيين( )، لذلک وجدت الأمم المتحدة من خلال مجلس الأمن أهمية إتخاذ الاجراءات اللازمة تجاه الحالة الليبية وإعمال مبدأ مسؤولية الحماية في ليبيا من أجل أن يکون التدخل الدولي الإنساني في ليبيا في إطار الشرعية الدولية( )، وعليه أصدر مجلس الأمن قراره 1970 المعتمد في 26 فبراير 2011 أدان القرار العنف وانتهاکات حقوق الإنسان التي نفذها نظام القذافي، وأحيلت القضية إلى المحکمة الجنائية الدولية، ودعي إلى وقف إطلاق النار وانهاء العنف، بالإضافة إلى ذلک، تبني القرار وجود منطقة حظر طيران عسکري، وحماية المدنيين، وحظر الأسلحة وتجميد أصول عائلة القذافي وحظر سفر على کبار المسؤولين في نظام القذافي.

أنشئ قرار رقم (1970) لجنة الجزاءات (فقرة 24) حيث تضم جميع أعضاء مجلس الأمن، يکون من مهامها إعداد القوائم الخاصة بالعقوبات والإعفاء ومتابعة تنفيذ قرارات المجلس، وقد حدد القرار مهمة اللجنة في مساعدة الحکومة الليبية علي تحديد الإحتياجات والأولويات الوطنية، إدارة عملية التحول الديمقراطي وتقديم الدعم الفني لمتطلبات العملية السياسية( )، ومع ذلک لم ينجح القرار 1970 في ترهيب القذافي وتهدئة الوضع مهد هذا التصعيد المؤسف للعنف الطريق لقرار أکثر جذرية وهو قرار مجلس الأمن رقم 1973، والذي تم تمريره في 17 مارس 2011، في محاولة لاستعادة السلام بشکل نهائي في البلاد.

ثانياً: التدخل العسکري في ليبيا

طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة المادة (39) التي تعتبر المدخل الرئيسي لتعريف مصادر تهديد الأمن والسلم وهي المادة التي فسرها مجلس الأمن علي نحو يتيح له السلطة التقديرية والحرية في التکييف القانوني لحالات تهديد الأمن والسلم في النزاعات الدولية والنزاعات غير الدولية( ) ووفقا لقناعة المجتمع الدولي بفظاعة الوضع في ليبيا، وإعمالاً بمبدأ “مسئولية الحماية”، فقد أعتمد مجلس الأمن في قرار 1973 لعام 2011 الذي رکز بشکل خاص على استخدام القوة لتوفير الحماية للشعب الليبي.

جاء تدخل حلف الناتو تحت رعاية الأمم المتحدة تطبيقاً للقرار 1973 بعد أن أصبح وضع الثورة حرجاً في مواجهة النظام، وکان الهدف من الحملة العسکرية توفير الحماية للمدنيين بکافة الوسائل اللازمة من خلال توجيه ضربات جوية لتدمير مقرات الأجهزة الأمنية والقوات العسکرية التابعة للقذافي، الأمر الذي حد کثيراً من قدرة النظام الليبي بالشکل الذي قاد في النهاية إلى إسقاط النظام وحسم الأمر لصالح الثوار، ودخلت ليبيا فترة انتقالية مليئة بالصراعات والانقسامات مما أدي إلي تقويض بناء الدولة والنظام السياسي في ليبيا وعليه أوفدت الأمم المتحدة بعثتها لدعم العملية السياسية في هذه المرحلة الانتقالية الصعبة.

ثالثاً: نشأة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا

أ‌- ولاية البعثة

تعد بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بعثة سياسية خاصة متکاملة، أصدر مجلس الأمن قرار رقم (2009) في 16 سبتمبر عام2011 بإنشائها بناء على طلب من السلطات الليبية لدعم السلطات الانتقالية الجديدة في البلاد في جهودها خلال مرحلة ما بعد النزاع، حيث نص القرار على إنشاء بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا UNSMIL))، تحت قيادة الممثل الخاص للأمين العام لفترة أولية قدرها ثلاثة أشهر( )، لکن تم التمديد لولاية البعثة علي مدي الفترات الإنتقالية المضطربة التي مرت بها ليبيا من خلال قرارات مجلس الأمن اللاحقة لقرار إنشائها، رقم 2022 لسنة2011، وقرار رقم 2040 لسنة 2012، ورقم2095 لسنة 2013، ورقم 2144 لسنة 2014، ورقم 2238 لسنة 2015، ورقم 2323 لسنة 2016، ورقم 2376 لسنة 2017، ورقم 2434 لسنة 2018، ورقم 2486 لسنة 2019، ورقم 2542 لسنة 2020 الذي مدّد عمل البعثة لغاية 15 سبتمبر2021، وأخيراً تم اعتماد أحدث قرار لمجلس الأمن رقم (2619) في 31 يناير 2022 الذي مدد ولاية البعثة بوصفها بعثة سياسية خاصة متکاملة حتي 30 أبريل 2022. ( )

ب‌- إختصاص البعثة

من حيث الإختصاص تکون مهمة البعثة استعادة الأمن والنظام وتعزيز سيادة القانون، وإجراء حوار سياسي يضم الجميع، وتعزيز المصالحة الوطنية، والشروع في عملية وضع الدستور، والعملية الانتخابية، وبسط سلطة الدولة وتعزير حقوق الإنسان. إذ يمکننا إعتبار أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وريثة لجنة الجزاءات من حيث الإختصاص ولکن بشکل موسع، إن مبدأ الملکية الوطنية هو المبدأ الذي يوجه جميع أنشطة البعثة في ليبيا لممارسة الوساطة والمساعي الحميدة لدعم حکومة وطنية موحدة للبلاد( ).

إضافة إلى ماتقدم، يتوجب على البعثة في إطار الحدود الأمنية تقديم الدعم للمؤسسات الليبية وتقديم الخدمات الأساسية والمساعدة الإنسانية عند الطلب، کما تم تکليف البعثة برصد أوضاع حقوق الإنسان، وتقديم الدعم لتأمين الأسلحة ومکافحة انتشارها بهدف إحلال الاستقرار في مناطق ما بعد النزاع، ويمکننا ترکيز اختصاصات البعثة التالي:-

1- تعزيز سيادة القانون واستعادة الأمن والنظام، ودعم وضع الدستور والعملية الانتخابية.

2- إجراء حوار سياسي يضم الجميع، وتعزيز المصالحة الوطنية.

3- بسط سلطة الدولة بوسائل منها تعزيز المؤسسات السيادية.

4- تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها لاسيما الفئات الضعيفة والأولي بالحماية.

5- اتخاذ الخطوات الفورية المطلوبة لبدء الإنعاش الاقتصادي.

المحور الثانى

أنشطة وآليات عمل البعثة في دعم استقرار الدولة الليبية

أولا: أنشطة البعثة

تمارس البعثة دورها في دعم ليبيا ومعالجة الصراعات من خلال أنشطة أقسامها التالية :-

1) شعبة الشؤون السياسية: تحتل شعبة الشؤون السياسية مکان الصدارة في عمل البعثة وذلک من خلال إعطاء الأولوية لاستمرار الانتقال السياسي في ليبيا نحو الديمقراطية، بما في ذلک تقديم الدعم لإعداد وصياغة واعتماد دستور ليبي جديد، وتحديد عملية المصالحة الوطنية، وتوفير المشورة الفنية والدعم الفني للمؤسسات الليبية الرئيسية، کما يقوم القسم برصد التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية في ليبيا ووضع تقارير بشأنها وکذلک الأمر بالنسبة للتطورات الإقليمية التي تؤثر على العملية السياسية في ليبيا.( )

2) المساعدة الانتخابية: تقدم البعثة الدعم والمشورة إلى السلطات الليبية حول تنظيم الانتخابات التي تعتبر إحدى دعائم الانتقال الديمقراطي في ليبيا، وذلک بحسب الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي في 2011، وترکزت الجهود على تقديم المشورة الفنية والتشغيلية للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات خلال انتخابات المؤتمر الوطني العام في 7 يوليو 2012، وانتخابات الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور في 20 فبراير 2014، وانتخابات مجلس النواب في 25 يونيو 2014.( )

3) قسم حقوق الإنسان/ العدالة الانتقالية/ سيادة القانون: الذي يرصد أوضاع حقوق الإنسان ووضع تقارير بشأنها، وتقديم الدعم للجهات المعنية بالعدالة، کما يعمل القسم بشکل وثيق مع النظام القضائي والنيابة العامة وإدارة السجون لفرض سيادة القانون، ويصدر القسم تقارير عن حالة حقوق الإنسان في ليبيا مثل: تقرير حول محاکمة 37 عضو في نظام القذافي بتاريخ 21 فبراير 2017، وتقرير حول انتهاکات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في ليبيا 23 ديسمبر 2014، کما يعقد ندوات وورش عمل منتظمة بهدف توفير المساعدة الفنية وبناء القدرات لدى النظراء الوطنيين.

4) دائرة المؤسسات الأمنية: تُدعى رسمياً بالشعبة الاستشارية والتنسيقية لشؤون قطاع الأمن وعملت قبيل يوليو 2014، على نطاق واسع في قطاع الأمن في ليبيا مقدمةً الدعم لتطوير هيکلية الأمن الوطني وبناء القدرات في مجالات الشرطة والدفاع وأسفرت هذه الجهود عن زيادة متواضعة في مستويات الثقة بين عديد من جهات الأمن الفاعلة في ليبيا بما في ذلک الجماعات المسلحة( )، وعقب 2014 بدأت دائرة المؤسسات الأمنية بالعمل علي دعم حکومة الوفاق الوطني في تنفيذ الاتفاق السياسي الليبي، کما قامت البعثة بأعمال الوساطة بين الجهات الفاعلة الحکومية وغير الحکومية، والمشارکة في مکافحة انتشار الأسلحة، کما توسطت في وقف إطلاق النار وفتح ممرات إنسانية آمنة؛ وعملت على تمکين وبناء قدرات الشرطة والجيش وغيرها من القوات الأمنية الشرعية.

5) قسم تمکين المرأة: يعزز القسم مشارکة المرأة في حوار السلام الليبي من خلال جهود الوساطة والمساعي الحميدة للبعثة، ويوفر مساحات آمنة للنساء الليبيات من منظمات المجتمع المدني والناشطات لجعل صوتهن مسموعا في عمليات السلام وتمکين المرأة الليبية وتعزيز مشارکتها في عمليات صنع الدستور وجهود المصالحة.( )

6) شعبة الإعلام: تعلن الشعبة للجمهور موقف وإجراءات الأمم المتحدة فيما يتعلق بليبيا بحسب الولاية الموکلة إليها من مجلس الأمن، وتنظم الشعبة اللقاءات الصحفية مع کبار المسؤولين في البعثة التي تقدم أحدث المعلومات حول آخر التطورات، وتشرف على حملة جديدة للتوعية مع الشباب الليبي لتعزيز حملات المصالحة الوطنية. ( )

ثانياً: آليات عمل البعثة في دعم استقرار الدولة الليبية

أ‌- عمل البعثة في الجانب الإنساني

تنوع عمل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في المجال الإنساني وأستمر هذا الدعم بدوام الفترة الانتقالية الطويلة المضطربة التي مرت بها ليبيا، وعليه سنرکز علي أبرز مجهودات البعثة تجاه الوضع الإنساني، يأتي تعاون البعثة مع مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في مقدمة هذه المجهودات إذ قدما الدعم للجهود الليبية الرامية إلى مناهضة الاحتجاز التعسفي والتعذيب، بما في ذلک رصد مراکز الاحتجاز، وتقديم المشورة حول الاصلاحات القضائية، ومساعدة ليبيا في طي صفحة انتهاکات حقوق الإنسان.

قدمت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عام 2013 تقرير يصف الجانب الإنساني في ليبيا شارحاً مختلف أوجه التعذيب والاقتتال، وتمکنت البعثة من توثيق حالات وفاة أثناء الاحتجاز بسبب التعذيب، وجميعها کانت في مرافق احتجاز خاضعة للسيطرة الاسمية للحکومة ولکنها تدار فعليا بواسطة الکتائب المسلحة، لذلک قامت البعثة بعدة زيارات لمراکز احتجاز المساجين بالتعاون مع المجتمع المدني، وکحل لازمة المحتجزين اقترحت البعثة أن التسليم الصحيح لمرافق الاحتجاز إلى ضباط الشرطة القضائية المدربين والذين هم من ذوي الخبرة عادة ما ينتج عنه تحسن في الظروف ومعاملة أفضل للمحتجزين( ).

وأوجبت البعثة علي السلطات الليبية معاملة الأشخاص المعتقلین معاملة إنسانیة وإطلاق سراحهم أو تسلیمهم إلى النظام القضائي، والإفراج فورا عن جمیع الرهائن، کما یجب على الجماعات المسلحة أیضاً إعطاء تفصیلات عن مصیر الأشخاص المحتجزین لدیهم والذین یعتقد أنهم مفقودین وینبغي إبلاغ أسر المحتجزین فوراً عن مصيرهم ومکان وجودهم، وکذلک ینبغي على السلطات استئناف بناء مؤسسات الدولة في أسرع وقت ممکن، وعلى وجه الخصوص مؤسسات إنفاذ القانون ومنظومة العدالة بصفة عامة( ).

ناشدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في لیبیا ومفوضیة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان جمیع أطراف النزاع وقف جمیع الأعمال العدائیة المسلحة وحماية المدنيين من القصف العشوائي وغيره من انتهاکات القانون الدولي الإنساني والانخراط في حوار سیاسي یشمل الجمیع، والسعي لبناء دولة تقوم على الدیمقراطية واحترام حقوق الإنسان وسیادة القانون، وأوجبت علي السلطات اللیبیة محاسبة جمیع الأطراف المسؤولة عن الانتهاکات والتجاوزات الجسیمة ضد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وبالأخص جمیع الأفعال التي قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانیة، بما في ذلک الهجمات العشوائیة والاختفاء القسري والقتل والإعدام بإجراءات موجزة من خلال الاغتيالات المحددة الأهداف واحتجاز الرهائن والتعذیب وغیرها من صنوف إساءة المعاملة وتدمیر الممتلکات( ).

کما رصدت البعثة الانتهاکات الإنسانية للفئات الضعيفة في الصراع مثل النساء والأطفال، والوقوف علي حوادث العنف التي تعرضت لها المرأة، منها حوادث أثناء التحضير لانتخابات فبراير 2014 المتعلقة بهيئة صياغة الدستور، حيث تلقت البعثة تقارير عن تهديدات وهجمات ضد المرشحات، الأمر الذي ساهم في ترددهن في الترشح للانتخابات، وفي 25 يونيه قُتلت سلوى بوقعيعيص وهي مدافعة بارزة عن حقوق الإنسان، رمياً بالرصاص في بنغازي بعد أن أدلت بصوتها في انتخابات مجلس النواب، وفي 17 يوليه اغتيلت فريحة البرقاوي وهي عضو سابق في المؤتمر الوطني العام في درنة، وقامت البعثة باتصال منتظم مع المدافعين عن المرأة، ونظمت ندوات من أجل بناء قدراتهم، ودعمهم بالمشورة التقنية لتعزيز مشارکة المرأة في العملية السياسية وصياغة الدستور( ).

أما عن الأطفال أجرت البعثة والمفوضية اتصالات عن کثب مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) لرصد انتهاکات حقوق الأطفال ووضعهم أثناء النزاع المسلح، حيث تبلغ البعثة مجلس الأمن بشکل دوري عن الانتهاکات ذات الصلة من خلال المذکرة الأفقية الشاملة التي تتولى تنسيقها الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاع المسلح.

 عملت البعثة أيضا علي التعريف بوضع المهاجرين والمشردين داخليا وتعرضهم للعنف الشديد والتعذيب، وسائر ضروب سوء المعاملة والعمل القسري، والحرمان التعسفي من حرياتهم والاستغال الجنسي علي أيدي المهربين والمتاجرين وعناصر الجماعات المسلحة وعليه أبلغت البعثة في 17 ابريل 2017 المنظمة الدولية للهجرة بوجود أسواق للنخاسة في ليبيا، مما دفع محکمة العدل الدولية بابلاغ مجلس الأمن أنها تدرس الوضع الانساني في ليبيا بعناية وتدرس مدي جدوي فتح تحقيق ومحاکمة في الجرائم ذات الصلة بالمهاجرين( ).

ب‌- آليات عمل البعثة في الجانب السياسي

اعتمدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا علي عدة آليات للبحث عن استقرار الوضع ودفع المرحلة الانتقالية قدماً، منها الوساطة والمساعي الحميدة وغيرها من التحرکات التي من شأنها تعمل علي معالجة الصراعات ولم شمل الأطراف الليبية، يتمثل الدور الرئيسي للبعثة في هذا الشأن في دور مبعوثي الأمم المتحدة الذين ترأسو البعثة، ووفقاً لذلک سنقوم بطرح دور البعثة في الشق السياسي خلال کل فترة تولي فيها مبعوث جديد مع توضيح ظروف الفترة ومساعي وآليات البعثة الرامية لوجود حل بين الأطراف السياسية المتصارعة علي السلطة، ودعم النظام السياسي والانتقال السلمي نحو الديمقراطية، کالتالي:-

1) فترة عمل إيان مارتن

کُلف مارتن في سبتمبر عام 2011 کأول مبعوث أممي لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وهو الانجليزي المتخصص في حقوق الإنسان، لذلک نلاحظ على فترة عمل مارتن عدم الخوض في مسألة التسوية السياسية والترکيز فقط على الجانب الإنساني في الأزمة الليبية( )، رغم توجيه الأمم المتحدة البعثة أن تعمل بنشاط مع السلطات الليبية لتحديد الاستراتيجيات لبناء السلام في أعقاب انتهاء النزاع، واستمر مبعوثًا حتي اکتوبر 2012.

2) طارق متري والفشل في إيجاد مساحة من الحوار

عقب رحيل مارتن أوکلت الأمم المتحدة إلى الدکتور طارق متري هو سياسي وأکاديمي لبناني في أغسطس 2012 تمثيل الأمين العام کرئيس للبعثة، وقد قضى متري أقل من سنتين أجرى متري مباحثات مکثفة مع جميع الأطراف في البلاد( )، ودعا إلى الحوار بينهم، فشلت فيها کل المحاولات في توفير الأجواء السليمة للتحول نحو الديمقراطية، وذلک بسبب الحرب التي اندلعت في طرابلس وبنغازي (عملية الکرامة- عملية الفجر) فقد فشل في احتواء الفرقاء الليبين وفي إقناع النخب السياسية بالتسوية.

کانت إستراتيجية متري قائمة علي بناء الدولة على صعيد الالتزامات السياسية والأمنية والمصالحة والعدالة الانتقالية والحکم المحلي، ولکن حالت صعوبات کثيرة دون أن يتم تفعيل هذه المبادرة وإرجاء الحوار بشأنها لأجَل غير مسمى( )، تمثلت هذه الصعوبات في الصراع على السلطة وتعاظم قوة الأقاليم الليبية والمشاکل المتعلقة بموضوع نفوذ الثوار وتعاظم دور الإسلاميين والتدخلات الخارجية في ليبيا وموضوع الأقليات والنداء بالفيدرالية وأحداث أمنية خطيرة، انتهت مهمته بضرورة جلاء البعثة عن الأراضي الليبية في يوليو 2014.

3) برناردينو ليون واتفاق الصخيرات

هو دبلوماسي وسياسي إسباني استلم مهمته في 1 سبتمبر 2014، في ظروف صعبة احتدم فيها الصراع بين الأطراف الليبية، وشهدت فترة بداية تعيينه انتشار التنظيمات الإرهابية وسيطرتها على مدن حيوية؛ روج للوساطة عبر أجندة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لأهمية وجود حوار دبلوماسي قائم على الوساطة والنقاش لمعالجة الأزمة الناجمة عن الانهيار السياسي، وذلک في إطار حوار وطني سياسي وأمني، انخرطت البعثة في الجهود الأولية لدعم الوساطة في الأقاليم الشرقية والغربية من ليبيا من خلال عدة اجتماعات بين الميليشيات الغربية والمليشيات الشرقية بشکل عام ومع حفتر بشکل خاص ولکن لم تتمکن البعثة من التوصل إلي اتفاق أو ميعاد للجلوس للتوسط بينهم.

تمکن ليون من إقناع برلمانيين من المؤتمر الوطني المنتهية ولايته والمحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، وبرلمان طبرق بالاجتماع في (غدامس) في أقصى الغرب الليبي، وکانت أولى جلسات الأطراف المتناحرة، وأعلن أنه لا يمکن لليبيا أن تتجاوز مشاکلها إلا عبر الحوار، وأن مهمة الأمم المتحدة هي العمل على توفير الظروف الملائمة لذلک، وبدأت المفاوضات في جنيف السويسرية، حيث عقد المتحاورون جلستين في يناير 2015، وفي مارس من نفس العام أجرى ممثلو الأطراف الليبية المتصارعة حوار غير مباشر برعاية ليون، وآخر بالجزائر في سبيل إخراج ليبيا من أزمتها، وقام ليون بطرح مساحة کبيرة من الحوار بين نواب البرلمان الليبي.

وساهم في جمع غالبية الأطراف السياسية في البلاد لتوقيع الاتفاق السياسي في منتجع الصخيرات بالمغرب في نوفمبر 2015 محاولة منه لحل الأزمة السياسية والأمنية في البلاد، ونجح بعد مفاوضات عسيرة بين الفرقاء في توقيع الاتفاق السياسي في مدينة الصخيرات المغربية، وهي نقطة هامة تسجل لصالحه( )، غادر منصبه في شهر نوفمبر عام 2015 تارکاً وراءه حالة من الغضب بسبب ما وصف بالتقسيمات التي أحدثها اتفاق الصخيرات، ومن أخطائه الإسراع بالحوار لتحقيق نتائج بأي شکل کان لإنهاء مهمته الاساسية بالإعلان عن تشکيل الحکومة الذي تم دون تشاور کاف مع کل الأطراف الليبية، يمکننا القول أن ليون ساهم بعرقلة وتراجع عمل الأمم المتحدة بشکل واضح.

نلاحظ في هذه الفترة أن تفضيل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا دعم الوساطة المحلية لتحقيق القليل من النجاحات في سياق التعقيد السياسي والبيئة العدائية المتزايدة على المستوى الوطني، وذلک من خلال لعب دورًا مرکزيًا للوساطة المحلية بهدف التوصل إلى اتفاق سياسي وطني يقود البلاد إلى سلام دائم، وذلک بعدما أدرکت أن استراتيجيتها السابقة المنحصرة في دورها الاستشاري لحکومة وليدة، حيث أدت استراتيجيتها السابقة المرتکزة علي إعطاء الأولوية لتنظيم الانتخابات إلى مزيد من التوترات.

4) مارتن کوبلر وأخفاقه في تنفيذ الصخيرات

  هو دبلوماسي ألماني عين مارتن کمبعوث أممي في 17 نوفمبر 2015 وقد أثار سخط المجتمع الليبي بعدما فشل في العراق حيث کان له سجل سيئ في التجارب السابقة، وکانت مهمة کوبلر محددة، وهي تطبيق اتفاق الصخيرات، أخفق في ذلک بسبب خلافات الأطراف الليبية التي ساهمت إلى حد کبير في إفشال الاتفاق، وأخطئت الأمم المتحدة ومبعوثيها لتقدير حجم خطر الأزمة الليبية بسعيها لتشکيل مجلس رئاسي وحکومة منبثقة عنه، متجاهلة في المقابل الصراعات القبلية والجهوية وطبيعة المجتمع الليبي الذي مازالت قطاعات کبيرة منه إلى اليوم تتخذ من القبيلة سلطة ومرجعا لکل تحرکاته السياسية وحتى العسکرية وقد فشل کوبلر في أن يکون على مسافة واحدة بين الفرقاء، الأمر الذي عقد مهمته في إيجاد تفاهمات تنهي الصراع السياسي والعسکري حيث أنّه لم يقدم أيّ شيء يذکر لحل الأزمة الليبية، وانتهت مهمته في 21 يونيو2017.

5) غسان سلامة

يُحسب له أنه أحدث تقدماً ملحوظاً في ملفات المصالحة والحوار بين کثير من الأطراف والقبائل الليبية المتناحرة، منذ تعيينه في يونيو 2017، نجح کذلک في احداث تقدمًا ملحوظًا في ملفات المصالحة والحوار بين الکثير من الأطراف والقبائل الليبية، وقام أيضًا باقتراح إجراء تعديلات على الاتفاق السياسي (الصخيرات)؛ المادة(8) المتعلقة بالسيادة على السلطة العسکرية، ونال هذا الاقتراح موافقة مجلس النواب الليبي، لکن العملية العسکرية التي اندلعت في طرابلس في سبتمبر 2018 بين تاورغان ومصراتة واندلاع قتال الميليشيات عطلت خطته الأممية لإجراء انتخابات نيابية ورئاسية في البلاد.

اغتنم سلامة أزمة سبتمبر 2018 کفرصة تمکنه من التوصل إلى توافق في الآراء حول اتفاقيات لوقف إطلاق النار، وبدأ في تعديل الترتيبات الأمنية لطرابلس وانتزع التزامًا شفهيًا من أغلب الميليشيات بالانسحاب من المرافق الرئاسية الوطنية، وتوصلت البعثة أيضًا إلى اتفاقية تعويض مالي لمدينتي تاورغاء ومصراتة، وأخيراً ترتيب الاسواق، وبالفعل فإن تحفيزًا من سلامة والسراج ومحافظ البنک المرکزي تجاوزوا خلافاتهم للاتفاق على إصلاحات سعر الصرف وتخفيض متواضع في دعم الوقود، نتيجة لذلک انخفضت تکلفة السلع بشکل کبير في الأسابيع التالية، تعزز الدينار مقابل الدولار من حوالي 1 دولار لکل 7 دينار إلى 1 دولار لکل 5 دينار وسرعان ما تم إصدار خطابات ائتمان تزيد قيمتها عن مليار دولار.

وفي إحاطة سلامة لمجلس الأمن في 4 سبتمبر 2019، صرح أن “العديد من الليبيين يشعرون بتخلي المجتمع الدولي عنهم واستغلالهم من قبل الآخرين”، کما حذر من فشل المجتمع الدولي في إنهاء فوري للصراع الذي سيرتب استمرار النزاع والقتل بين الأشقاء الليبيين، ومضاعفة التدخلات الخارجية والدعم العسکري للأطراف الليبية مما سيؤدي إلى تصعيد حاد وفوضى إقليمية( )، واستقال سلامة من منصبه في مارس 2020 لدواع صحية بعد قرابة 3 سنوات في المنصب، لکن المراقبين عزوا الأمر إلى تعقّد مهمته أمام احتدام العمليات العسکرية في محيط طرابلس وتصاعد حدة الاقتتال بين الأطراف المتنازعة.

6) نيکولاي ملادينوف

وافق مجلس الأمن في سبتمبر 2020 على تعيين البلغاري نيکولاي ملادينوف مبعوثا جديدا للمنظمة إلى ليبيا محل غسان سلامة، ولکن قدم ملادينوف استقالته من منصبه کمبعوث أممي إلى ليبيا بعد أسبوع على تعيينه وذلک لأسباب شخصيّة وعائليّة.

7) يان کوبيش

عُين کوبيش کمبعوث أممي ورئيس للبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في 18 يناير 2021، وضع کوبيش أولويات في العمل تکمن في تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية المتنازعة، سعياً للوصول إلى حل سياسي شامل للأزمة، وتدعيم الوقف الهش لإطلاق النار وتأکيد انسحاب المرتزقة وقد اتخذ من جنيف مقرا له، وفي سبتمبر2021، جدد مجلس الأمن ولاية بعثته السياسية في ليبيا ومهمة کوبيش حتى 31 يناير 2022 مشيراً إلى أنه سيتم نقل منصبه إلى طرابلس، لکن قدم کوبيش استقالته من منصبه مبرراً استقالته برفضه الاقامة في ليبيا، لتأتي الاستقالة قبل مرور عام على تعيينه رئيسا للبعثة.

8) ريزدون زينينغا

يرأس البعثة حالياً السيد زينينغا القائم بأعمال رئيس البعثة منذ 10 ديسمبر 2021 خلفاً لکوبيش، ويمتلک السيد زينينغا خبرة متنوعة ووفيرة في دعم العمليات السياسية والوساطة، أبرز مجهودات بعثة الأمم المتحدة في هذه المرحلة تکمن في اعلان المستشارة الخاصة للأمين العام بشأن ليبيا السيدة ستيفاني وليامز في 3 مارس 2022عن مبادرتها بتشکيل لجنة مشترکة من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة للاتفاق على قاعدة دستورية قوية لإجراء انتخابات وطنية في أقرب وقت ممکن، تلبيةً لطموحات 2.8 مليون ليبي سجلوا للتصويت بغية انتخاب من يمثلهم بطريقة ديمقراطية.

وفي 13 أبريل2022 برعاية القاهرة استضافت جولة الحوار بين المجلسين اطلقت المستشارة الخاصة وليامز مشاورات اللجنة المشترکة المؤلفة من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بهدف تحديد قاعدة دستورية لإجراء انتخابات حرة تتسم بالمصداقية والشفافية والشمولية، وأکدت وليامز أن “عموم الشعب الليبي يؤمن أن الحل النهائي للقضايا التي تؤرّق ليبيا يأتي عبر انتخابات تُجرى بناءً على قاعدة دستورية متينة وإطار انتخابي يمثل حماية للعملية الانتخابية بمعالم واضحة وجداول زمنية تُمکِّن من المضي قدماً.( )”

يمکننا أن نستنتج أن المبعوثين الأمميين ولمدة أحد عشر عام، لم يفلحوا في وضع حل قاطع للأزمة الليبية، وکل مبعوث جديد کان يأتي بخطة عمل مستقلة، وهذا يدل على تخبط الأمم المتحدة وعشوائيتها في معالجة الأزمة لذلک أخفقت البعثة بشکل کبير في دورها الأساسي الموکل لها وذلک بسبب العديد من العوامل کما في المحور التالي.

المحور الثالث

فاعلية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا

تثير طول الفترة الانتقالية وتعثر بناء الدولة في ليبيا الجدل حول کفاءة دور البعثة حيث تعرضت البعثة إلي عدد من العوامل التي ساهمت في تقييد فاعليتها في تنفيذ أهدافها ودورها المنوط في ليبيا.

أولاً: العوامل الفنية المتعلقة بالبعثة وآلياتها

1) الشخصنة وعدم المؤسسية: اختلفت مشاريع المبعوثين الأممين في الدفع بالعملية السياسية وتباينت إستراتيجياتهم، حيث أن کل مبعوث جديد کان يأتي بخطة عمل مستقلة يطرح فيها حلولاً تعبِّر عنه دون الاستفادة من المبادرات الأممية السابقة، فعلى سبيل المثال شدد (طارق متري) على ضرورة بناء الدولة الليبية أولاً، بينما (ليون) فضَّل خيارات سهلة مؤقتة واعتبرها حلولاً، متجاهلاً الأسباب الحقيقية للأزمة کما شَّخصها سلفه متري، وحاول التکيف البراغماتي مع ما آلت إليه الأوضاع السياسية والميدانية عند تعيينه في سبتمبر 2014 من انقسام للسلطة ومؤسساتها تشريعياً وتنفيذياً بين معسکرين في الشرق والغرب واتبع منطق التوازن من خلال إبقاء الجسمين التشريعيين المتصارعين عبر قوالب سلطوية جديدة، باعتبار أنه قد يکون مخرجاً وحلًّ مؤقتا( ).

2) إغفال البعثة لوضع استراتيجيات لبناء قطاع الأمن بعدما إنهار هذا القطاع وتفکک عقب سقوط القذافي فضلاً عن انتشار الأسلحة الرهيب، فلو سيطرت البعثة علي هذا القطاع في بداية الأمر کان سيسهل عليها دورها في المجالات الأخري.

3) اعتماد البعثة لنهج بناء السلام فقط کنهج لبناء الدولة أحد العوامل الرئيسية التي تؤدي إلي مزيد من الهشاشة والصراع والعنف في ليبيا، حيث يرکز هذا النهج علي الدفع بعملية بناء السلام المرتکزة علي أقطاب الصراع السياسي، دون وضع خوف الليبين من إمکانية تهميشهم وعدم قدرتهم علي التأثير في صنع القرار على المستوى الوطني في محل الأعتبار، مما يفشل أي تسوية سياسية منذ بداية الأزمة، لابد أن يهدف الدعم الأممي لبناء دولة ليبية تعددية تمثل وتخدم مجموعة واسعة من الفئات في البلاد.

4) انحصار البعثة في طرابلس وبعض المناطق المحدودة أحد عوامل عدم تواصلها مع جميع الأطراف فکان لابد من تواجد مکتبي وميداني في جميع أنحاء البلاد مع الترکيز على آليات تنفيذية فورية لدعم أهداف المرحلة الانتقالية وليس مجرد آليات استشارية.

5) تطبيق الاتفاق السياسي الليبي الذي تم برعاية البعثة والأمم المتحدة لا يعالج الانقسامات السياسية والاجتماعية في ليبيا، بل يرکز على الاتفاق السياسي لحکومة موحدة، دون التطرق إلي مناقشة حول ما يجب أن يستتبعه الانتقال وکيف ينبغي أن يتم الحکم.

6) مرور دبلوماسية البعثة بفترة خمول وإرهاق کبيرة دون نشاط مرة أخري مع استنفاذ طاقتها في البحث عن صيغ فعالة لتحويل الصراع إلي مسارات أهدأ، وليس الإصرار على حل کامل للنزاع.( ) کما کانت قدرة المبعوثين للتوسط والتأثير على الجهات الفاعلة المحلية في بداية الأزمة ضعيفة للغاية، وذلک بسبب الشک المتزايد من قبل الليبيين تجاه جميع الجهات الخارجية الفاعلة في الأزمة.

7) يمکن النظر إلي جنسية المبعوثيين الأممين الأجانب بأنها عامل أعاق عمل البعثة حيث إنهم بعيدون کل البعد عن البيئة العربية، بما قد يفسر سبب الفشل نظراً لقلة إلمامهم بظروف الأزمات وطبيعة المناطق التي يزورونها والعقليات التي يتعاملون معها( ).

8) عدم مهنية بعض المبعوثيين حيث کشفت صحيفة الجارديان البريطانية في 4 نوفمبر 2015 أن المبعوث الأممي برناردينو ليون کان يفاوض أحد الأطراف الإقليمية المشتبکة مع الصراع الليبي على وظيفة بإحدى مؤسساتها الدبلوماسية اثناء وساطته في ليبيا( ).

ثانياً: التفاعلات والعوامل الداخلية

1) تنامي ظاهرة الإرهاب وظهور التيارات المتشددة الرافضة للدولة المدنية التي رفعت شعارات تطبيق الشريعة، التي أعاقت عملية بناء الدولة وبالتالي تعيق استراتيجية البعثة الرامية لدعم ليبيا، مثل جماعات أنصار الشريعة وتنظيم الدولة الإسلامية، حيث يعملون على تکفير المجتمع والحکومات والأحزاب والعملية السياسية الديمقراطية( ).

2) ترکيبة المجتمع الليبي والبنية التقليدية العصبية والتي تتضح في التعصب القبلي حيث سيطرت بعض القبائل على المراکز الحيوية کالموانئ والحقول النفطية والمطارات ومصانع الدولة، مما يشکل أزمة للتحول نحو الديمقراطية بسبب استمرارية الهياکل العصبية المعيقة لبناء الدولة الحديثة، کما يلعب تأييد القبائل لطرف أو آخر دورا هام في الأزمة، فهناک قبائل مؤيدة للبرلمان وأخري للمؤتمر وقبائل مع عملية الکرامة وأخرى مع فجر ليبيا، مما يجعل هذا التخبط عائقا أمام أي استراتيجيات للبعثة الأممية.

3) استرجاع الذاکرة الدامية وانتشار روح الانتقام التي نماها القذافي قبل وبعد 17 فبراير مما أدي لاستعادة ماضي الصراع بين (مصراتة وورفلة، الزنتان والمشاشية، مصراتة وتاورغاء، الزنتان وجادو، زوارة والجميل، وغيرهم) مما أدي إلي دخول هذه القبائل في صراعات مسلحة استهدفت تدمير فرص العيش المشترک وأعاقت إلى حد کبير التحول السياسي، والديمقراطي في ليبيا( )، کما أن غياب الثقة بين أطراف الصراع الليبي يهدد فرص إحلال السلام وينسف کل مجهودات البعثة الرامية لدعم النظام السياسي الجديد.

4) مشکلة انعدام الأمن في ليبيا التي قوضت کل الجهود الدولية المبذولة لبناء المؤسسات السياسية والإدارية الفاعلة للدولة مما ساهم في بروز الجماعات المتطرفة في کل ليبيا، وجعلت القيادات الأممية والموظفين الدبلوماسيين بالبعثة تحت التهديد المستمر لهذه الجماعات، الأمر الذي أدي إلي استقالات متتالية للمبعوثين وتخبط استراتيجيات البعثة.

5) القلاقل المجتمعية التي يفعلها داعموا النظام السابق تحديدا اللجان الثورية، والکتائب الأمنية، والمسؤولين السابقين، مما يزيد المعضلة الليبية والصراعات المحلية غموضأ لتعمدهم نشر الفوضى وعدم الاستقرار في البلاد، الأمر الذي يزيد صعوبة الحلول وعدم تقبل مساعي البعثة الرامية للمصالحة الوطنية وخاصة أن هناک رأيين للمجتمع الليبي الأول يري ضرورة إدماج داعموا النظام السابق في المجتمع وفي العملية السياسية، بينما يري فريق آخر ضرورة إقصائهم ومحاکمتهم وعزلهم عن العمل السياسي.

ثالثاً: التفاعلات والعوامل الخارجية

 لا يمکن إغفال العامل الخارجي في زيادة حدة الأزمات والعنف في ليبيا بسبب التدخل في الشأن الليبي الداخلي من خلال دعم أطراف ضد أخرى بالمال والسلاح وبالتالي زيادة حدة الانقسامات الداخلية القبلية والمناطقية، مما يجعل التفاعلات والتدخلات الخارجية في ليبيا من أکثر العوامل تأثيراً في مجريات الأزمة في ليبيا وتأثيراَ في استراتيجيات بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، جاء ذلک صريحاً في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في سبتمبر 2013 حيث خلص إلي أن تضارب المصالح بين القوي السياسية الخارجية والاقليمية يشکل عقبة أمام عمل المؤسسات الانتقالية وعمل بعثة الأمم المتحدة وتعطيل خطط عملها للانتقال الديمقراطي وحل الأزمة الداخلية.

أدت التدخلات الخارجية إلي تصاعد أعمال العنف وتفاقم الأزمة السياسية في ليبيا بسبب قيام قوى خارجية بتقديم الدعم في الصراع القائم بين قوى سياسية ليبية لصالح تيارات معينة ضد أخري کدعم التيار الليبرالي ضد الإسلامي والعکس، وما يؤکد حالة الانقسام الثنائية هذه علي سبيل المثال هو الدور القطري الترکي مقابل الدور المصري الإماراتي، ويمکن الإشارة إلي التدخل القطري السافر في الشئون الداخلية في ليبيا، والدعم القطري المقدم إلي فئات من الإسلاميين على نحو آثار حفيظة کثير من السياسين في ليبيا.

بالنظر إلي دور الولايات المتحدة الأمريکية فإن أهتمامها بالأزمة الليبية يأتي في إطار جني مکاسب اقتصادية واستراتيجية لها ولشرکائها الأوروبيين دون إبداء أدنى اهتمام لدعم السلطات الجديدة في ليبيا، وإعادة بناء وتأهيل المؤسسات الأمنية والعسکرية، بل إن الولايات المتحدة الأمريکية تقدم مساعدات فنية لبعثة الأمم المتحدة علي استحياء، ومترددة في تقديم المساعدة الأمنية للسلطة الانتقالية الليبية.

أما الدور الفرنسي فکان متذبذب منذ بداية الأزمة لم يجد توافق إلي حد کبير مع باقي الأوروبين والولايات المتحدة، والدليل علي ذلک إشراف فرنسا في مايو 2019 على مؤتمر للحوار الليبي، وحينها اتفقت أطراف الأزمة المجتمعة في باريس على تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية في أقرب وقت ممکن، مع الالتزام بتهيئة الأجواء لتکون نزيهة، والموافقة على نتائجه، غير أن الخطة المدعومة من فرنسا لإجراء انتخابات في 10 ديسمبر2019 تأجلت بعد رفض الولايات المتحدة وروسيا وقوى أوروبية أخرى لجدولها الزمني في مجلس الأمن، وذلک لإختلاف الرؤي الفرنسية مع الرؤية الأمريکية والأوروبية للأزمة.

کما ساهم الدور الترکي في تعقيد الأزمة الليبية بشکل کبير منذ أن وقعت حکومة الوفاق مع ترکيا علي اتفاقية للتنقيب عن البترول مقابل الدعم اللوجستي والعسکري لحکومة الوفاق، حيث قلبت هذه الاتفاقية موازين المعادلة السياسية والعسکرية في ليبيا والتي أصابتها بتعقيدات علي جميع المستويات، وقوض فرص الحل واستراتيجيات بعثة الامم المتحدة للخروج من الأزمة.

تضارب مصالح القوي الخارجية والإقليمية بشأن کيفية حل الأزمة في ليبيا قوض من فاعلية دور البعثة ومساعيها في فرض الاستقرار والدفع بعملية بناء الدولة والنظام السياسي، لوجود هذه التدخلات الخارجية المحضة علي التخريب والصراع وإثارة القلاقل والاضطرابات في المجتمع، ما يجعل الأمر في حلله الأزمة علي قدر من الصعوبة وتحفه المخاطر بالغه التعقيد على المستويين المحلي والاقليمي والدولي الذي يعاني في الأساس من مشکلات الفوضي والاضطرابات السياسية( ).

خاتمة

قد أُعطيت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عدد من الصلاحيات الواسعة وعلي الرغم من ذلک لم يتضح وجود استراتيجية للبعثة محددة تجاه المتطلبات الفعلية لبناء الدولة في ليبيا وتضميد الصراع والعمل علي توحيد وتعاون الهيئات والتنظيمات الليبية_الليبية، وحتي استراتيجيات البعثة المُعلنة هي فقط لطرح رؤي للحل السياسي في ظل تناقضات الرؤي حول شکل النظام السياسي وکيفية الانتقال نحو الديمقراطية، فضلاً عن عدم وضوح أفق للاستقرار الدستوري، يمکننا القول أن البعثة ساهمت في التقليل من حجم تفاقم الأزمة، وساعدت في جمع فرقاء الصراع علي طاولة واحدة لحل الأزمة الليبية التي مازالت تبحث عن مخرجاً لها وذلک بسبب سياق الأزمة الليبية وما بها من تعقيدات بين أطرافها التي أدت إلي الحيلولة دون حلها.

 النتائج

1- لا يزال التحول نحو الديمقراطية في ليبيا وتعزيز حقوق الإنسان يعاني من البطء الشديد في جميع المسارات وذلک يرجع لعدة عوامل داخلية وخارجية متعلقة بالأزمة الليبية، يجب أن تضعها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في حسبانها.

2- لم تجدي سياسة البعثة التوسطية بين الأطراف الليبية المتصارعة نفعاً لان بعض الأطراف السياسية الليبية غلبت العناد السياسي فيما بينهم والمصالح الشخصية والثانوية علي المصالح القومية والوطنية العليا.

3- لعبت التدخلات الخارجية دوراً معيقاً لعملية التحول الديمقراطي في ليبيا وذلک من خلال تأجيج الصراعات المحلية وزيادة حدة الصراعات القبلية والمناطقية وإنماء الظواهر العسکرية المتصارعة حتي أصبحت المليشيات العسکرية في ليبيا ذات طبيعة إقليمية ودولية وليست محلية.

4- يجب علي المجتمع الدولي الناشد للديمقراطية في ليبيا مساندة وبناء مؤسسات تجعل ليبيا قابلة أکثر للانتقال الديمقراطي، حتي لا تنزلق البلاد في صراع داخلي ممتد وحرب اهلية، وهذا ما لم تقم به الأمم المتحدة من خلال بعثتها.

5- يجب علي البعثة السعي بشکل سريع في توحيد المجموعات المسلحة غير الإرهابية وضمها للجيش الوطني لفرض الأمن والاستقرار في أرجاء ليبيا، ليتمکن مستقبلاً من نزع السلاح والقضاء علي بقايا الجماعات المتطرفة والإرهابية.

6- يجب أن تضع البعثة في اعتبارها التعدد والتنوع القبلي في ليبيا ووضع الخخط والآليات التي يتفادي بها المجتمع الوقوع في الصراعات والتوترات الداخلية بين القبائل الليبية، وتدعيم الحوار المجتمعي بدلا من الحوار السياسي لبحث أسس وطرق تحقيق الوفاق الوطني والخروج من الأزمة، ومساعدة البعثة في تکريس مبادئ المشارکة السياسية وإخراج مشاريع للتنشئة السياسية للأفراد والجماعات الليبية.

7- وضع إستراتيجية جديدة للبعثة هادفة لتخطيط وتنفيذ مصالحة وطنية حقيقية شاملة متوافقة مع خصوصية المجتمع الليبي تنصهر فيها الأبعاد الجهوية، واقناع کل الأطراف بتقديم تنازلات وتسهيلات في النقاط الخلافية للتوصل إلي وضع سياسي وأمني مستقر والخروج بالبلاد من مأزقها الراهن.

8- أظهرت الصراعات الليبية أن قوة ونفوذ الأمم المتحدة آخذان في الانخفاض في الآونة الأخيرة بسبب تصرفات وتقاعس القوى الکبرى التي تعلي مصالحها الشخصية.

تحميل المراجع و الهوامش