محمد عبدالرحمن عريف

    لم يكن أحد يعلم عن السفير المصري رفعت الأنصاري إلا أنه دبلوماسي مصري تقلد العديد من المناصب، بينها عمله في سفارة بلاده لدى إسرائيل في مطلع الثمانينات من القرن الماضي لمدة تسع سنوات، إلا أن الأنصاري فاجأ الجميع بكتاب جديد صدر، قلب الأمور رأسًا على عقب، حيث كشف من خلاله أسرارًا مثيرة حول تلك الفترة من حياته، متضمنًا الكثير من الحكايات التي لم يكشف عنها من قبل حول علاقاته وأسراره في تل أبيب، والتي وصلت إلى حد اعتباره جاسوسًا لمصر في إسرائيل، وهو الأمر الذي ينفيه الأنصاري بشدة؛ مؤكدًا أنه «قام بمبادرة، ولم يكلف بها من أية جهة».

    يسرد الأنصاري قصته في كتابه «حكايتي في تل أبيب (أسرار دبلوماسي مصري)»، التي يحكي فيها ذكرياته في إسرائيل بعد أن وثقها على 11 شريط كاسيت بناء على نصيحة والده، وحولها إلى كتاب جمعه في ست سنوات بعد موافقات أمنية مصرية ليكشف عن أسرار انتظر ثلاثون عامًا ليعلنها.

    تعرف الأنصاري أثناء دراسته في ليبيا على الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، الذي كان برتبة ملازم أول حينها، ثم رجع إلى مصر مع والده، ليلتحق بالسلك الدبلوماسي بعد نجاحه في اختبار الخارجية، ليعمل بعدها بالسفارة المصرية في لندن مسؤولا عن الشأن الإسرائيلي. كما تحدث السفير، في كتابه الصادر عن الدار المصرية اللبنانية في 384 صفحة، عن ذكرياته مع نائب رئيس مصر آنذاك حسني مبارك، الذي كان يبدأ يومه بلعب الإسكواش. وفي عام 1981، استدعاه سفير مصر بلندن للعمل كدبلوماسي في إسرائيل. لكن والده الذي كان يعمل أستاذًا جامعيًا، بعث له رسالة طويلة يحذره فيها من العمل بإسرائيل حين علم بالأمر.. إلا أن الأنصاري قبل المهمة، وإثر ذلك طلبت زوجته الطلاق لرفضها السفر.

   شق الأنصاري طريقه إلى إسرائيل منفردًا بسيارته في أوائل الثمانينات بعد ترك أسرته، ليقيم بفندق هناك، ثم حضر احتفال إسرائيل بالعيد القومي باعتباره سكرتير السفير المصري بتل أبيب. وهناك، التقى للمرة الأولى الدبلوماسية البريطانية رونا ريتشي، التي كانت طرف الخيط الذي قاده إلى أخطر فصول حياته.

    يسرد الأنصاري في كتابه المكون من تسعة فصول أنه وطد علاقته مع ريتشي التي كان يرى بعينها إسرائيل، نظرًا لخبرتها الكبيرة بالمجتمع هناك. وبصرته ريتشي بعيوب المجتمع والشخصيات العامة في تل أبيب، وطلبت منه عدم اللقاء منفردين تفاديًا للمشكلات؛ فاتفقا على اللقاء في شاطئ عام، حيث كانا يلتقيان بعيدًا عن الأنظار إلا في حضور كلب من نوع جيرمان شيبرد.

   يتابع الأنصاري قصته المثيرة، موضحًا أنه انتقل من الإقامة في الفندق إلى شقة خاصة، بعد اكتشافه عن طريق سيدة كولومبية أن غرفة الفندق الذي يقيم فيه بها أجهزة تنصت يزرعها الأمن الإسرائيلي، ويتنصت من خلال غرفة أمنية بالفندق لا يدخلها إلا رجال الأمن فقط. لكن التنصت على الأنصاري استمر في شقته الجديدة، التي رشحها له عميل تابع لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد، وهي حيلة مخابراتية متبعة، وذلك من خلال وضع أجهزة تنصت كشفها خبراء مصريون جاءوا لمسح مبنى السفارة المصرية، فطلبهم للكشف على منزله.

   يشير السفير إلى أن ريتشي، مصدر المعلومات المهم للأنصاري، رفضت إطلاعه على مصادرها وحرصت على إمداده فقط بالمعلومات، في الوقت الذي كون فيه الأنصاري علاقات مع ضباط بالجيش الإسرائيلي بينهم عدد من النساء، مثل الملازم أول إيريت والنقيب يوديت، بعد التأكد من أنهن غير مدفوعات عليه من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية. فاضحًا كيف أعلمته النقيبة يوديت من دون قصد نية إسرائيل اجتياح جنوب لبنان.

   يوضح الأنصاري أنه ربط بين ما قالته يوديت، ومعلومة عن فصل أحد السائقين بالمكتب الحربي لطلبه إجازة في شهر فبراير (شباط)، وأيضا الاتصال بباقي أصدقائه بالجيش الإسرائيلي الذين تحججوا بسفرهم؛ وهو ما أكد ظنونه حول صدق المعلومة، فأبلغ السلطات المصرية التي أفشلت الحرب. كما تطرق إلى نجاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من محاولة اغتيال في مقر حركة فتح الفلسطينية بعد رصده لمعلومات حول ذلك.

   لمح السفير الأنصاري إلى أن الإسرائيليين اختاروه رئيسًا للجنة تحكيم لاختيار ملكة جمال إسرائيل في إحدى السنوات، كما أوضح أنه اقترح عليهم إنشاء جمعية للدبلوماسيين الأجانب. ويروي عن ثقة قادة إسرائيل فيه لدرجة أنه أثناء أحد الاحتفالات، تحدث مع موشى ديان حول معرفته بشخص يعمل بالآثار، فكشف ديان عن أسرار امتلاكه آثارًا مصرية وجدها في سيناء بعد حرب 1967، كما نفى له ديان فكرة امتلاك إسرائيل خريطة أرض الأحلام من النيل للفرات. ولكن الأمور تعقدت بعد قبض السلطات البريطانية على رونا ريتشي بتهمة التجسس لصالح مصر، والأسوأ من ذلك اتهام السفير الأنصاري بالجاسوسية لحساب مصر، وعلى أثر ذلك شنت الصحافة الإسرائيلية والبريطانية حملة شرسة ضده هو وريتشي أدت إلى تعامل الإسرائيليين بحذر معه، إلا أنه رفض مغادرة إسرائيل كونه ليس جاسوسًا. وسبق أن كشف السفير المصري لدى إسرائيل في ذلك الوقت سعد مرتضى عن أن إسرائيل اتهمته بالتجسس بعد أن قبضت المخابرات المصرية على السكرتير الأول لسفير إسرائيل بالقاهرة في قضية تجسس، إلا أن مصر تأخرت في الإعلان عن ذلك فقامت إسرائيل بخطوة استباقية.

   واجه الدبلوماسي المصري ثلاث محاولات اغتيال نجا منها، الأولى كانت محاولة دهسه بسيارة مجهولة، والثانية كانت محاولة صعقه بالكهرباء، ثم الثالثة بعد كسر أنبوب الغاز الطبيعي في شقته ولكن تم إنقاذه، ليتلقى أوامر من القاهرة بضرورة هروبه سرًا. وقبل رحيله من تل أبيب، عرضت مجلة إسرائيلية على الأنصاري كتابة مذكراته مقابل مليون دولار، فمزق العرض وذهب إلى منزله. كما أفصحت له خبيرة السياحة الإسرائيلية شولاميت عن طريقة الموساد في التجنيد، عبر نشر عيون ترصد تحركات الأشخاص المرغوب في تجنيدهم، حتى خلال وجودهم بمطاعم الوجبات السريعة أو محطات الوقود.

آخر يوم للأنصاري في تل أبيب

    يروي الأنصاري أنه هرب من إسرائيل في سياق أشبه بأفلام «الأكشن»، ويشير في فصل بالكتاب تحت عنوان «آخر يوم في تل أبيب»، إلى أنه سافر عبر خطوط «إير سيناء»، وعلى متن الطائرة سلمته مضيفة مصرية ورقة تقول: «من مصر ومن مصر للطيران لابن مصر البار؛ تقديرًا لما قام به من أعمال».. وبعد وصوله إلى مصر استقبلته سيارة سوداء، وأبلغ مستقبله المسؤولين المصريين قائلا: «الأمانة وصلت سالمة من تل أبيب». وعاد الأنصاري إلى أهله بعد تسع سنوات من العمل في إسرائيل وسط لهفة اللقاء بالمفاجأة.. أما رونا ريتشي، فقضت محكمة بريطانية بسجنها تسعة أشهر مع إيقاف التنفيذ لمدة سنة.

   ذكر الأنصاري أنه بعد عودته إلى مصر أدلى بإفادته إلى الجهات الأمنية على مدار ثلاثة أسابيع، موضحًا أنه بعد سرده للقصة ثمانِ مرات، تذكر أنه أثناء وجوده مع رونا ريتشي على الشاطئ كان يصاحبهما دائمًا ذلك الكلب المجهول، الذي عرفا فيما بعد أنه مدسوس من أجهزة الأمن الإسرائيلي، وأنه مزود بمسجل خفي حول عنقه.. وكانت تلك التسجيلات دليل إدانة ضدها. وفي سياق مواز، نشر الإعلام الإسرائيلي خبر هروبه للقاهرة في 9 أبريل (نيسان) تحت عنوان «عودة الصديق المصري للدبلوماسية البريطانية سرًا إلى القاهرة».

   حلل الدبلوماسي المخضرم دقائق السياسة الإسرائيلية، فقال إنها تعتمد كليًا على مخابراتها عبر شبكة تجسس عالمية، ترتكز على العنصر البشري ثم اقتناص المعلومات بدقة؛ رغم تخبط أجهزتها الأمنية. وشرح أسلوب المخابرات الإسرائيلية، وهو مزيج من الأساليب الفرنسية والأميركية والبريطانية والسوفياتية. كما نفى الأنصاري تكليف المخابرات المصرية له بالتجسس، موضحًا عدم عمله بالجهاز؛ بيد أنه كان صديقًا لهم، موضحًا أن إسرائيل لم تستطع إثبات تهمة عليه فألصقتها بصديقته رونا التي رفضت العمل لصالح الموساد، ويطلب منها حاليًا الظهور علنًا لنفي التهمة.

    للقارئ العادي يبدو لك أن الكتاب غراميات دبلوماسي مع دبلوماسيات اوروبيات او عسكريات اسرائيليات، ولكن في الكتاب اسرار تنشر وتستحق الوقوف عندها ومنها الاجواء الماجنة في تل ابيب ومنها التقنية في اسرائيل مثلًا. احتارت المخابرات المصرية كيف سجلت اسرائيل محادثة بين دبلوماسية بريطانية ورفعت على شط البحر في جو يعج بالسابحين والضجة الكبيرة ويكشف لك أن شارون وديفد كيمحي يعرفان جعفر النميري جيدًا ويكشف لك الزعماء اللبنانيين الذين كانوا يزورون اسرائيل واهم شيء كشفه الكتاب علاقة المافيا الايطاليه بالمافيا الاسرائيليه وهذا قد يكشف لك اسرارًا في شمال افريقيا ويكشف علاقة المافيا الإسرائيليه بالموساد لا بل إنها من السواتر للموساد باسرائيل وهي السلطه الخامسة في اسرائيل، وتحدث بشكل عابر عن لقاء بين اديب الشيشكلي ورئيس الاركان الاسرئيلي عام 1954 عن طريق شئولا ا كوهين (يهوديه لبنانية). والخلاصة تنتهي مهمته وهو على اشد ما يكون خلافًا مع اسرائيل ويغادر سرًا إلى مصر وسط تقدير كبير من الذين عمل معهم أو في معيتهم في مصر.

    بحسب مصطفى الفقي، فإن السفير رفعت الأنصاري هو دبلوماسي يمتلك العديد من القدرات التي تمكنه من أداء مهام عمله ببراعة وتميز، علما بأن الكتاب يتمتع بأسلوب شيق ومثير في سرد أحداث ربما لم يصدقها العقل لولا اعتمادها من وزارة الخارجية والأجهزة المعنية المصرية. فالكتاب يعد أحد أهم الكتب المتخصصة في أدب الجاسوسية والعمل السري، وذلك لما يتضمنه من تجارب مثيرة وجريئة وقدرة واعية وكبيرة على تناول التفاصيل التي من شأنها نقل القارئ إلى حقبه من المعلومات والأحداث في فترة زمنية محددة من العلاقات المصرية الإسرائيلية.

    رفعت الأنصاري في أحد الندوات صرح قائلًا: «تعتبر الجاسوسية من الأعمال المشروعة في العلاقات الدولية، ففي الوقت الذي تهنيء فيه الدولة التي يتم التجسس لصالحها هذا البطل، يجرم القانون في الدولة المتجسس عليها هذا العمل، وبالتالي فإننا نشهد معايير مزدوجة في القوانين الدولية، مشيرًا إلى أن نهاية أي جاسوس هي واحدة من اثنان إما النجاح والتكريم أو الفشل. وسبق أن أكد «الأنصاري»، أنه لا ينتمي إلى المخابرات العامة المصرية، موضحًا أن هذا الإدعاء ظل يلاحقه لأكثر من 32 عامًا، وذلك من خلال 100 مقال صحفي كتب عنه، 60 منهم في الإعلام الإسرائيلي والبريطاني، في حين ذكرت قصته في 11 كتاب إسرائيلي عن آداب الجاسوسية. وأشار، إلى أنه لم يكلف من المخابرات العامة المصرية بهذه المهمة وإنما جاءت بمبادرة شخصية بعد تعقب العديد من المعلومات، خاصة وإن المجتمع الإسرائيلي تتوافر به المعلومات التي قد تصل إلى حد السرية دون اللجوء إلى العمل السري، وهو ما يعكس نظرية أنه لا يوجد مستحيل في إسرائيل فهم منظمين وليس عباقرة.

   يشار إلى إن الكتاب يتضمن 400 صفحة سردًا لقصص حقيقية حدثت في أثناء فترة عمل الدكتور رفعت الأنصاري بالسفارة المصرية في تل أبيب، كما يحتوي الكتاب على ردًا وتوضيح لبعض الأخبار التي تم تداولها بطريقة خاطئة –عمدًا– في الإعلاميين الإسرائيلي والبريطاني، ولم يستطع الكاتب الرد عليها بسبب استمراره في العمل كدبلوماسي بالخارجية المصرية، الأمر الذي حتم عليه الإنتظار أكثر من ثلاثين عامًا، لحين تقاعده من العمل الدبلوماسي ليستطيع الرد.

    سعى الأنصاري من خلال هذا الكتاب إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية هي أن يكون سردًا لتجربة دبلوماسي عمل بسفارة مصر في تل أبيب، من خلال تقديم عرض يفتح أفاقًا جديدة للدبلوماسيين المصريين، وثانيًا تقديم صورة حقيقة للقارىء عن المجتمع الإسرائيلي من الداخل بسياسته ومؤسساته وطوائفه وفئاته وأعراقه المختلفة، وذلك من وجهة نظره كدبلوماسي مصري عاش وتعايش وأنغمس وتوغل في المجتمع الإسرائيلي، وثالثًا تبرئة ساحة زميلتي الدبلوماسية البريطانية رونا ريتشي التي عملت كسكرتير أول للسفارة البريطانية بإسرائيل أثناء فترة عمل السفير الأنصاري في تل أبيب.