Print Friendly, PDF & Email

عسير تصور الخريطة الدولية بمعزل عن عقول استراتيجية تعبث بالنسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الدولي،ولعل قرب هذه العقول من مراكز صنع القرار يجعل الإطلال على النسيج البديل الذي تخطط له أمرا ضروريا…والمقام لا يتسع للسرد، ولكن لنقف عند أكثرهم تأثيرا وخطورة..

في روسيا، يتأبط بوتين نظريات الكسندر دوغين الاستراتيجية الداعية إلى “تحدي هيمنة الولايات المتحدة على العالم بمساندة من إيران والأطراف الأكثر تشككا في نزعة الاتحاد الأوروبي (euroscepticism)، ويعمل على تنفيذها ،ويدرك أن حدود أوراسيا هي حدود المواجهة..وأن خط الدفاع الثاني عن جسد نظرية دوغين يستلقي في منطقتنا.

بالمقابل تقوم نظرية بيجيان الصينية على “الصعود السلمي”،وهي في جوهرها تعني التسلل الناعم لأحشاء النظام الدولي،ولعل ابرز نجاح لها يتجسد في منطقتنا بتفوق الصين في حجم تجارتها على الولايات المتحدة دون أي وجود عسكري

وتتنازع الولايات المتحدة في الجهة المقابلة نظريتان أحدهما يقودها جوزيف ناي وميرشايمر ترى أن دبلوماسية عرض العضلات والزوارق الأمريكية لم تعد متسقة مع لغة العصر، ولا بد من إدارة العلاقات الدولية بأدوات “جذابة” ، بينما ما زال التقليديون مثل بولتون وتلاميذ كيسنجر وبريجنسكي أسرى المنظومة الاستراتيجية التقليدية.،وهو ما يفسر المراوحة الاستراتيجية الأمريكية في منطقتنا.

على الشاطئ الأطلسي الآخر،يبدو الاتحاد الأوروبي مأخوذا بنظريات روبرت كوبر التي تجد صداها في هيئات صنع القرار في الاتحاد الأوروبي، فهو يبني نظريته “الامبريالية الليبرالية الجديدة( new liberal imperialism) على “عدم ضرورة التزام القوى الأوروبية والدول الليبرالية بالقانون الدولي:بخاصة في تعاملها مع مجتمعات يسميها ما قبل الدولة وما قبل الحداثة…ولا شك أن منطقتنا تعج بمثل هذه الكيانات..ولادراك اهمية هذا المفكر الاوروبي ، لا بد من تذكر انه تنبأ بسياسات ترامب حرفيا قبل تولي ترامب السلطة، واشار الى ان ترامب – حرفيا هكذا قال- سوف” يثير حربا تجارية مع الصين..وسيخفف تدريجيا من انغماس امريكا في الشرق الاوسط. وسيطالب دول الناتو بزيادة مساهماتهم في نفقات الناتو، وسيعطي روسيا وزنا اقل في سياسته الخارجية وسينسحب من اتفاقية المناخ”..

كل تقاطعات هذه النظريات تعني أن طرفين هما الصين وروسيا يبنيان جدرانا (منظمة شنغهاي، والبريكس..الخ) لصد تمدد الناتو شرقا وجنوبا كما أوصى قادته في مؤتمر براغ 2003، والطرفان الآخران(أوروبا وامريكا لديهما كل مبررات الغواية للتمدد..طرف يغويه التمدد..وطرف يقاومه..والمنطقة الأكثر رخاوة لاختبار القوى هي تخوم أوراسيا من ناحية وسترتها الواقية المتمثلة في منطقتنا العربية من ناحية ثانية…أما الباقي فليس إلا شرحا على المتون..

إن ما ينسج في منطقتنا تمتد خيوطه برا وبحرا وجوا لتنتهي على مكاتب صناع قرار نسج عقولهم استراتيجيون لا نراهم كثيرا ولا يبرزون كثيرا في نشرات الاخبار ..لكن أياديهم تندس في منطقتنا ” بين الإنسان وثوب النوم وزوجته”..