هو الملك فيصل الثاني بن الملك غازي بن الملك فيصل الأول بن الملك حسين بن علي، جده هو فيصل الأول والذي كان ملكاً على سوريا ثم أصبح أول ملك على العراق، وفيصل الأول هو ابن الشريف حسين بن علي الهاشمي شريف مكة، وقائد الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين، وفيصل الأول هو شقيق الملك عبد الله الأول ملك المملكة الأردنية الهاشمية. أما الملك طلال والد الملك الحسين بن طلال فهو ابن عم الملك غازي والد الملك فيصل الثاني، وقد روى الملك الحسين بن طلال في كتابه “مهنتي كملك ” قصص زياراته للملك فيصل الثاني في العراق وكان يدعوه بابن عمي.
ولد في بغداد في 2 أيار/ مايو 1935، ونشأ فيها ودرس العلوم ومبادئ اللغة العربية والأدب العربي على يد أساتذة خصوصيين أشرف عليهم العلامة مصطفى جواد، وهو الابن الوحيد لوالده الملك غازي، وأشرفت على تربيته والدته الملكة عالية بنت الملك علي بن حسين وعاونتها في ذلك المربية الإنكليزية (مس روزاليندا ريموس)، الا أنه فقد منذ طفولته المبكرة والده الملك غازي في حادث السيارة المعروف، وكانت المربية مس ريموس تعمل في العائلة المالكة في الفترة (1943-1946)، وعلى الرغم من قصر هذه الفترة إلا انها كانت كافية لتعليمه اللغة الإنجليزية وبعض الآداب العامة في المجتمعات الغربية، ولقد ذكرت الأميرة بديعة (في مذكرات وريثة العروش) أن الملكة عالية توفيت في أواخر عام 1950 لتصبح الأميرة عابديّة أخت الملكة عالية بمثابة الأم للملك فيصل الثاني.
درس المرحلة الابتدائية في مدرسة المأمونية التي كانت واقعة في منطقة الميدان عند منطقة باب المعظم كما درس فيما بعد في كلية فيكتوريا الانجليزية الواقعة في مدينة الإسكندرية في مصر مع قريبه الحسين بن طلال ملك الأردن السابق. أنهى دراسته الابتدائية في سنة 1947. سافر بعدها إلى لندن للدراسة حيث التحق بمدرسة “ساندويس” ثم التحق بكلية “هارو” في 7 مايو 1949، وعاد منها إلى بغداد في 30 مارس 1950، عاد بعدها إلى لندن لإكمال دراسته أيضاً، لكنه هذه المرة لم يكن وحده بل رافقته أمه الملكة عالية، وكانت أمه إثناء مرافقتها له تستكمل علاجها هناك لأنها كانت مريضة وتزامنت دراسته هذه المرة مع ابن عمه الملك حسين بن طلال الذي كان مقارِبا لعمره وصديقاً حميماً له وكانت تربطهما علاقات متينة إلى أن تخرج فيها بتاريخ 23 أكتوبر1952. وعاد إلى بغداد في 30 نوفمبر1952. كان ومنذ صغره يحب ركوب الخيل ولا سيما تلك الخيول التي تستعمل في السباق وقد منع من ركوبها لاحقًا نتيجة إصابته بالربو منذ طفولته.
كان خاطباً للأميرة فاضلة بنت الأمير محمد علي بن محمد بن وحيد الدين بن إبراهيم بن أحمد بن رفعت بن إبراهيم بن محمد علي الكبير ووالدتها هي الأميرة خان زاده بنت الأمير عمر فاروق ابن الخليفة العثماني عبد المجيد الثاني، ولم يتزوجها بسبب مقتله في 14 يوليو 1958.
بعد وفاة الملك غازي في 4 أبريل 1939 بحادث سيارة، آل العرش إلى ولده الوحيد الملك فيصل، من زوجته الملكة عالية والذي كان آنذاك في الرابعة من عمره، ولهذا عين خاله الأمير عبد الإله وصياً على العرش فيما كان نوري السعيد هو الذي يدير الدولة العراقية كرئيس لمجلس الوزراء. وقد كان خاله الوصي على العرش الأمير عبد الإله من أكثر المقربين للملك فيصل الثاني لاسيما بعد وفاة والدته الملكة عالية سنة 1950، وكان الأمير عبد الإله يرافقه في جولاته خارج العراق، فرافقه في زيارته إلى إيران بدعوة من الشاه محمد رضا بهلوي في 18 أكتوبر 1957 وكذلك إلى السعودية في 24 ديسمبر 1957 والأردن.
بعد فشل حركة رشيد عالي الكيلاني في 1941 عاد الوصي عبد الإله إلى العراق بمساعدة الإنجليز وقد تغيرت نظرة الشعب العراقي تجاه العرش بشخص الأمير عبد الإله، ومع هذا ظل العراقيون ينظرون إلى الملك فيصل باعتباره نجل ملكهم المحبوب غازي الأول وكانوا يأملون منه كل خير فرغم ما حدث لم ينقطع الرباط الوثيق الذي أقامه الملك غازي بين العرش والشعب العراقي وظل أمله كبيراً في الملك.
كانت الظروف السياسية التي تحيط بالملك فيصل في غاية الحساسية والتأزم، حيث كانت وصاية خاله الأمير عبد الإله عليه وشخصيته القوية والمتنفذة في البلد، إضافة إلى سيطرة نوري السعيد بنفوذه الواسع والمتعدد والمدعوم بشكل مباشر وعلني من الإنجليز، كل ذلك جعل الملك الشاب فيصل في حالة من التردد وعدم القدرة لا يحسد عليها أبدا وهو ذاك الفتى الشاب الهادئ الوديع والذي لا يعرف دروب السياسة الشائكة ولا ألاعيبها المختلفة، ومع كل هذا مارس الملك فيصل الثاني نشاطا ملحوظا لمعالجة المشاكل الاقتصادية التي كان العراق يعاني منها، فأولى اهتمامه للجانب الاقتصادي فوضع خطة سُميت بمجلس الأعمار نهضت بإنشاء كثير من المشاريع الكبرى والمهمة والحيوية للبلد.
لقد نجح الأمير عبد الإله في غرس شعور في نفس الملك بأنه قادر على إدارة مسؤوليات الدولة والحكم وتصريف شؤون البلاد لما له من خبرة في معرفة رجال الدولة وقضاياها وبأنه يستطيع إيجاد الحلول المناسبة لكل موقف وظرف فنشأ الملك فيصل وهو يؤمن في قرارة نفسه أن خاله يستطيع أن يتحمل عنه تبعات الملك بما خلق لديهِ مسبقاً إحساس الإتكال وترك الأمور ليتصرف بها، لأنه درج على ذلك منذ طفولته حتى وجدها. ويعد ذلك أمراً واقعاً هذا إذا اضفنا أن تقاليد الأسرة الهاشمية كانت شديدة التمسك فيما يتعلق باحترام رأي من هو أكبر سناً وهذا ما جبل عليهِ أفراد هذه الأسرة.
الملك فيصل في القدس
لم تتوفّر معلومات كثيرة دقيقة عن زيارة ملك العراق الطفل فيصل إلى القدس، إلّا أنّ ورد في الأرشيف الرقميّ للصحافة العربيّة التاريخيّة في فلسطين العثمانيّة والانتدابيّة أن المجلس الإسلامي الأعلى أطلق على باب العتم أسم باب الملك فيصل بعد زيارة الملك فيصل الثاني للقدس عام 1943، حيث تبرّع آنذاك بعمارة هذا الباب في المسجد الأقصى، وعندما زار القدس كان كثيرًا ما يطرح المتابعون لأحداث التاريخ الحديث والمدقّقون لتفاصيله أسئلة للبحث والتفكير حول سبب زيارة الملك مرتين للقدس خلال أقل من عامين.
انتهاء فترة الوصاية وتتويجه ملكاً
في 2 مايو 1953 أكمل الملك فيصل الثامنة عشرة من عمره فانتهت وصاية خاله عبد الإله على عرش العراق بتتويجه ملكًا دستوريًا على العراق. وأعلن ذلك اليوم عيداً رسمياً لتولي الملك سلطاته الدستورية. وقد تزامن تتويجه مع تتويج ابن عمه الملك الحسين بن طلال ملكاً على الأردن في عمان.
الملك فيصل يؤدي اليمين الدستورية في مجلس النواب
وقد حضر الملك فيصل الثاني صباح يوم السبت الثاني من أيار – مايو لسنة 1953 إلى مجلس النواب بحضور الأعيان والنواب وأدّى اليمين الدستورية التي نصها: “أقسم بالله أنني أحافظ على أحكام القانون الأساسي واستقلال البلاد والإخلاص للأمة والوطن”.
ثم تلا خطابا هذا نصه:
“حضرات الأعيان والنواب أحييكم وأحيي الشعب العراقي الكريم بكم. بحول الله تعالى وقوته، سأمارس منذ اليوم الأول واجباتي الدستورية، وذلك بمؤازرة المسؤولين في إدارة المملكة ومعاضدة شعبي العزيز وممثليه، ملكًا دستوريًا حريصًا على الأسس الديمقراطية داعيًا الله عزّ وجل ان يعاضدني ويأخذ بيدي لخدمة شعبي العزيز والترفيه عنه بكل الوسائل الممكنة لدي، كما أني سوف أحصر كل جهودي لتأمين أسمى غاياته. وإني أتضرع اليه تعالى أن يوفقني وإياكم لخدمة وطننا العزيز، ولي عظيم الثقة بأنكم ستشدون أزري بتوحيد صفوفكم وجهودكم الصادقة لنتعاون جميعا لتحقيق أهدافنا القومية. وقبل أن أختم كلمتي هذه لابد لي من أن أشكر خالي العزيز على أداءه واجب الوصاية على العرش بكل حرص وإخلاص، وعلى عنايته الفائقة في إعدادي لهذا اليوم كأب شفوق، ولابد لي أيضًا أن أشيد في هذا اليوم بذكرى أمي الحنون رحمها الله، أمي الفاضلة التي حرصت على تربيتي واحتضنتني طيلة أيام حياتها القصيرة بكل حنان وتضحية ونكران للذات وغذتني بالفضيلة وحب الخير للجميع، وهيأتني لكم ولأقوم بخدمة شعبي على أحسن ما يرام والله تعالى ولي التوفيق”.
ظن الناس أن الأمير عبد الإله سيتخلى عن واجبات الوصاية ويترك أمور البلاد إلى الملك فيصل لكن عبد الإله عمل على تقويم الملك فيصل الثاني فاستمر يقحم نفسه في كل صغيرة وكبيرة كما لو أن وصايته عليه ظلت مستمرة وإلى ما لانهاية. لقد بقي الأمير عبد الإله خلف الملك يسيره ويأمره بعد أن تمكن من زرع بذور الطاعة له في نفسه ولم يتمكن الإفلات من هذا الطوق والاقتراب من الشعب أو الإتصال به وتحسس رغباته ومطالبه وأخذ عبد الإله يصاحب الملك أينما اتجه واينما سافر للتفاوض ويبدو أن الحكام العرب كانوا يدركون موقف الملك فيصل الثاني تجاه القضايا السياسية والمهمة ويعرفون أنه دون المهمات المناطة به لقلة تجربته وأن الحل والعقد بيد خاله ولي العهد.
الاتحاد العربي الهاشمي
دعا الملك الحسين بن طلال ملك الأردن في فبراير 1958 إلى إقامة اتحاد عربي هاشمي بين المملكتين الهاشميتين في العراق والأردن لحفظ توازن القوى في المنطقة أعقاب تشكيل الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا وأطلقوا عليه تسمية دولة الإتحاد الهاشمي العربي، وعضويته مفتوحة لكل دولة عربية ترغب في الانضمام إليه بالاتفاق مع حكومة الاتحاد” وعلى احتفاظ “كل دولة من أعضاء الاتحاد بشخصيتها الدولية المستقلة وبنظام الحكام القائم فيها”. ينص الدستور كذلك على أن ملك العراق هو رئيس الاتحاد وأن مقر حكومة الاتحاد يكون بصفة دورية ستة أشهر في بغداد وستة أشهر في عمان، أصبح الملك فيصل الثاني ملكا للإتحاد الذي دام لستة أشهر فقط حيث أطيح بالنظام الملكي في العراق في 14 يوليو 1958.
وفاته
كان الملك فيصل الثاني قد أعدَّ نفسه للسفر إلى تركيا صباح يوم 14 تموز 1958 برفقة خاله عبد الإله ورئيس الوزراء نوري سعيد لحضور اجتماعات حلف بغداد على أن يغادر تركيا بعد ذلك إلى لندن للقاء خطيبته الأميرة فاضلة إبراهيم سلطان وكان الملك قد حدد يوم 8 تموز/ يوليو 1958 موعداً لسفره وكان أكثر اهتماماً بلقاء خطيبته من صراع الخطب السياسية في اجتماعات الميثاق. ولكن في يوم 7 تموز/ يوليو رجاه وزير المالية بأن يؤجل سفره إلى يوم 9 تموز/ يوليو، للتوقيع على قانون الخدمة الإلزامية، وقانون توحيد النقد والبنك المركزي لدول حلف بغداد، ولهذا وافق الملك بعد إلحاح وفي يوم موعد سفره في 8 تموز/ يوليو، أرسل شاه إيران برقية يقول فيها أن لديه معلومات يريد أن يبلغها لمجلس دول حلف بغداد، واقترح لقاء رؤساء دول الحلف ورؤساء وزرائهم في إسطنبول يوم 14 تموز/ يوليو 1958 فاضطر الملك إلى تأجيل سفره للمرة الثانية من 9 تموز/ يوليو إلى 14 تموز/ يوليو.
في صباح يوم 14 يوليو/ تموز 1958 استيقظ الملك على أصوات طلقات ناريّة. هبَّ الجميع فزعين الملك والوصي والأميرات والخدم. وخرج أفراد الحرس الملكي إلى حدائق القصر يستقصون مصدر النيران. وازداد رشق الرصاص والإطلاق نحو جهة القصر. ولم يهتد الحرس إلى مصدر النيران في البداية. وإذا بأحد الخدم يسرع إليهم راكضاً ليخبرهم بأنه سمع الراديو يعلن عن قيام ثورة. ومن شرفة قريبة طلب عبدالاله من الحراس بأن يذهبوا إلى خارج القصر ليروا ماذا حصل. وعاد الحراس ليخبروهم بأنهم شاهدوا عددًا من الجنود يطوقون القصر. وبعد استفسار الملك عن الموضوع أخبره آمر الحرس الملكي بأن أوامر صدرت لهم بتطويق القصر والمرابطة أمامه.
سارع عبد الإله لفتح المذياع لسماع البيان الأول للحركة وصوت عبد السلام عارف كالرعد يشق مسامعه ومع مرور الوقت سريعاً بدأت تتوالى بيانات الثورة وتردد أسماء الضباط المساهمين بالحركة. أخبر آمر الحرس الملكي الملك بأن قطعات الجيش المتمردة سيطرت على النقاط الرئيسة في بغداد وأعلنوا الجمهورية وأنهم يطلبون من العائلة الملكية تسليم نفسها.
أعلن الملك استسلامه وطُلب منه الخروج مع من معه، وخرج مع الملك كلاً من الأمير عبد الإله وأمه الملكة نفيسة جدة الملك والأميرة عابدية أخت عبد الإله، ثم الأميرة هيام زوجة عبد الإله والوصيفة رازقية وطباخ تركي وأحد المرافقين واثنين من عناصر الحرس الملكي. وبعد تجمّع الأسرة في باحة صغيرة في الحديقة فتح النار عبد الستار العبوسي من دون أي أوامر وقد أصاب الملك برصاصتين في رأسه ورقبته وأصيب الأمير عبد الإله في ظهره ثم لقي حتفه هو الآخر وتوفيت على الفور الملكة نفيسة والأميرة عابدية وجرحت الأميرة هيام في فخذها.
هنا تذكر بعض المصادر بأن حادث إطلاق النار جاء بطريق الخطأ من الحرس الملكي الذي رد عليه المهاجمون وكانت العائلة الملكية في منتصف خط الرمي. وتذكر مصادر أخرى بأن حالة الحماس والارتباك حملت بعض الضباط من صغار الرتب من غير المنضبطين ومن ذوي الانتماءات الماركسية بالشروع في إطلاق النار. ويروي البعض ممن كان حاضراً في تلك الفاجعة المؤلمة أن الملك فيصل الثاني حمل المصحف فوق رأسه ورفع الراية البيضاء بيده وخرج ليسلم نفسه بطريقة سلمية حفاظاً على عائلته من الفناء ولكن حدث ما حدث حيث قتل في ذلك الصباح.
نُقلت جثة الملك إلى مستشفى الرشيد العسكري في إحدى غرف العمليات، للتحقق من وفاة الملك، وفي مساء اليوم نفسه حفرت حفرة قريبة من المستشفى في معسكر الرشيد، وأنزلت فيها الجثة وأهيل عليها التراب، ووضعت بعض العلامات الفارقة معها لتدل على مكانها فيما بعد، ثم تم نقل الجثة ودفنها في المقبرة الملكية في منطقة الأعظمية في بغداد، بناء على طلب من الملك الحسين بن طلال ملك الأردن في إحدى زياراته للعراق. وأحيلت باقي الجثث إلى مستشفى الرشيد العسكري عدا جثة الأمير عبد الإله التي تم سحلها ثم تعليقها على باب وزارة الدفاع قبل أن يتم حرق بقية أوصالها وإلقاءها في نهر دجلة. وقيل أنه تم دفن بقية رفاته في المقبرة الملكية.
هكذا أنهت أحداث صباح يوم 14 تموز/ يوليو 1958 العهد الملكي في العراق، والذي راح ضحيته الملك فيصل الثاني الذي وصف في بعض المصادر التاريخية بأنه مسكين لا ذنب له قتل وعمره 23 سنة، وبسبب هذه المجزرة التي أودت بالعائلة المالكة سقط النظام الملكي في العراق وورث النظام الجديد جهازاً حكومياً كفؤاً ونظاماً اقتصادياً حرا مزدهراً وميزانية متعادلة (معلنة) ووفراً ضخماً ومجلس إعمار غني عن الخبرة والاختصاص أفرد له 70% من عائدات النفط الوفيرة مع جهاز تخطيط عالي المستوى.
احد الضباط المكلفين بالسيطرة على قصر الملك المدعو النقيب عبد الستار العبوسي مع مجموعة من جنوده فتح النار على الملك فيصل و خاله عبد الاله ومجموعة من نساء العائلة المالكة والخدم، فقتلوهم، بينما كان جميع افراد العائلة المالكة قد رفعوا ايديهم فوق رؤوسهم استسلامًا للمهاجمين.
لا شك أن قتل الملك الشاب كان خطأ كبيرًا، ويعتبر جريمة اغتيال غير مبررة، ارتكبت بتهور من قبل المفرزة العسكرية التي احتلت قصر الرحاب، حيث ان الملك فيصل الثاني لم يكن المسؤول الحقيقي عن ادارة سياسة المملكة بل خاله ورئيس الوزراء نوري السعيد الذين تم سحل جثثهما في شوارع بغداد وتقطيع اوصالهما.
قتل الملك الشاب مع عائلته كان ظلمًا كبيرًا وبإمكان قيادة الثورة اصدار اوامر مشددة بالحفاظ على حياة الملك ونفيه خارج العراق بدلًا من قتله لأنه لم يكن مسؤولًا عن سياسة الحكومة تمامًا، إلا ان الارادة كانت هي مسح اي اثر للملكية و رموزها من العراق لعدم المطالبة بعودتها ثانية.
عن تنظيم الضباط الأحرار
مستلهمين ذات الاسم الذي نجح ضباط الجيش المصري المنتمين إليه في الإطاحة بحكم الملك فاروق لمصر، أسس الضابطين في الجيش العراقي عبد الكريم قاسم، وعبد السلام عارف تنظيم داخل الجيش العراقي يحمل اسم “الضباط الأحرار”. لكن التنظيمين وإن حملا نفس الاسم، فقد اختلفا في كل شيء تقريبًا، لقد رحل الملك فاروق عن مصر كملك سابق، تنازل رسميا عن الحكم، وكان في توديعه حرس الشرف، واطلقت المدفعية طلقاتها لتوديعه حينما كانت السفينة المحروسة، وهي سفينة ملكية رسمية تنقله من الإسكندرية خارج البلاد. على العكس من ذلك تمامًا.. كانت الصورة في بغداد، لقد كانت دموية، دموية وبشعة. إنه لا يوجد أي تبرير واحد للطريقة التي قتلت بها عائلة ملكية عربية، ولا يوجد تبرير لمدى البشاعة والدموية في أسلوب القتل، ولعل كتب التاريخ ستظل تلعن كل من اشترك في هذه الجريمة، خصوصًا أن من فعلوها كان لديهم مثال ناصع البياض وقع في مصر قبل أقل من عامين، حيث لم تمس شعرة من رأس أحد أبناء الأسرة المالكة، بل إن معظمهم لم يغادر مصر أصلًا، فمن سافر كانت أسرة الملك فاروق الصغيرة فحسب.
تحذيرات ما قبل الإنقلاب
الملفت للإنتباه في قصة ما حدث في العراق في ١٤ يوليو ١٩٥٨، يتمثل أساسًا أن المعلومات عن وجود تنظيم داخل الجيش العراقي يسعي للإطاحة بالملك قد وردت. لكن ما يثير الدهشة حقًا، هو أن هذه المعلومات وردت من أكثر من مصدر، وليس مصدر واحد، ما يجعل من الضروري وفقًا لإجراءات الأمن في أي دولة أن يتم التعامل معها بحسم شديد لا يقل عن إحالة كل الضباط المشتبه بهم للمعاش، والتخلص من تهديدهم، وخصوصًا أن التحذيرات من الإنقلاب وردت شاملة أسماء الضباط وعلى رأسهم عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف. فمن حديث عن تقرير بدون اسم، وصل إلي مكتب رئيس الوزراء نوري السعيد، حمل تفاصيل التنظيم، مرورًا بتحذير أرسلته المخابرات التركية، وصولًا إلي الأردن التي كانت قد دخلت أصلًا في “الاتحاد الهاشمي” الذي جمع بينها وبين العراق باعتبار الدولتين كانتا تحكمان من أسرة هاشمية واحدة وإن اختلفت الفروع، وأخذ شكل الاتحاد الكونفدرالي.
الأردن حذر حكومة الملك فيصل الثاني، هناك إنقلاب عسكري يتجهز للإنقضاض.. لكن هذا التحذير كغيره، ذهب أدراج الرياح، وانتهي الحال لا بضياع عرش العراق فقط، بل بمجزرة قتل فيها جميع أفراد العائلة المالكة العراقية تقريبًا.
كان من القدر أن تجتمع العائلة المالكة العراقية في قصر الرحاب في ليلة الإنقلاب لحضور حفل عائلي. فلربما لو كان بعضهم، وخصوصًا الأمير عبد الإله خارج القصر وقت شن الهجوم عليه، لكان من الممكن تحريك العديد من قطاعات الجيش الموالية للملك للذود عن القصر. فبينما كان عبد السلام عارف يسيطر على مبني الإذاعة العراقي، كانت مفرزة من قوات الإنقلاب تتحرك صوب قصر الرحاب. ولايزال هناك جدل تاريخي حول الأوامر التي اعطيت للقوات بشأن التعامل مع الملك والأسرة، لكن شواهد الأحداث، ومدى العنف الغير مصدق يجعل أي شخص يظن -ومعه الحق في ذلك-، أن الأوامر كانت تقضي بالفتك بهم. وهناك رأي ثالث يذهب إلي أن اجتماع قيادة الإنقلاب الذي تم قبل التنفيذ بثلاثة أيام (ليل ١١ يوليو/ تموز) لم يستقر المجتمعون فيه، وهم العميد عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام عارف، والعقيد عبد اللطيف الدراجي، ورشيد مطلك، على مصير الملك فيصل الثاني، في حين حسموا أمر الأمير عبد الإله ونوري السعيد بالمحاكمة أو القتل إن حاولوا التصدي لمحاولتهم.
لم يكن عبد الستار العبوسي عضوًا في تنظيم الضباط الأحرار العراقي، لكنه كان يحمل كراهية كبيرة للملك ولنوري السعيد، لذا فما سمع صوت عبد السلام عارف، في الراديو العراقي يعلن قيام ثورة ضد الملك فيصل الثاني، ويدعو الشعب للإنضمام إليها ومحاصرة قصر الرحاب، حتى سارع بالتحرك بالقوة التي يقودها، حيث سيكون هو الضلع الأساسي في ما حدث من جرائم.
يقول فالح حنظل، وهو ضابط بالحرس الملكي العراقي، وأحد شهود العيان على مجزرة قصر الرحاب، وصاحب أحد أهم الكتب التي تناولتها وهو كتاب (أسرار مقتل العائلة المالكة في العراق)، أن جثة وصي العرش الأمير عبد الإله، تم التمثيل بها بصورة تتعدي الهمجية بمراحل.
لقد ربطت الجثة بالحبال، وأخذ نحو سبعة من الشباب في جرها، لدرجة أن مزقت الجثة تمزيقا، وانفصلت اليدين والقدمين عن بقية الجسد، كما بقرت معدته وأخذت الأحشاء تتناثر على الطرقات، أما وجه الأمير عبد الإله فقد هشم تمامًا. بهذه الوضعية التي لا يمكن للكلمات وصفها، علقت جثة الأمير على شرفات وزارة الدفاع لبعض من الوقت، ثم تم إنزالها وحرقها، وعندما أتت ظلمة الليل، قام هؤلاء الهمج بإلقائها في نهر دجلة. ولم يصدر أي بيان من الحركة الانقلابية للاعتذار عن قتل العائلة ووعد ولو شكلي بإجراء تحقيق ومحاكمة الجناة، بل إن الضابط عبد الستار العبوسي ظل في الجيش ويترقي في الرتب كأي ضابط آخر.
لقد كان لموت الملك فيصل صدى كبيرًا وحزنًا طاغيًا في قلوب ابناء الشعب العراقي لأنه كان شابًا محبوبًا ولم يرتكب ما يضر شعبه، ولم يكن لحداثة سنه مسيطرًا على كل امور البلد. إلا أن احداث الانقلاب العسكري وتطورات السياسة الداخلية المتلاطمة امواجها بين الثوار الانقلابيين انفسهم والانشقاق الذي حصل بين عبدالكريم قاسم وحليفه عبد السلام عارف حول السياسة العامة وطموح القادة، وبين الاحزاب المنافسة للحكومة من البعثيين والشيوعيين خاصة، طغت اصواتها على تلك الجريمة النكراء، لكن القدر وروح الملك المظلوم تحولا الى شبح يطارد كل من شارك بهذه الاحداث التي سببت في اغتيال الملك غدرا ودون رحمة.
لم يهدأ العراق بعد سقوط الحكم الملكي، بل ساده الاضطرابات السياسية والقتل وسحل الناس في الشوارع وتعليق الخصوم على اعمدة الكهرباء، وانتقامات بين الحزب الشيوعي والبعثيين في كركوك والموصل خاصة. وخلال ثمان سنين على مقتل الملك فيصل ارتفع عدد ضحايا لعنة الملك فيصل، فقد انتحر الضابط القاتل وقتل اثنان من رؤساء الدولة العراقية، وقتل مئات من ضحايا الفوضى العارمة وحوادث القتل التي حدثت بين البعثيين والشيوعيين في حوادث فوضى الموصل وكركوك وحركة الشواف الانقلابية الفاشلة، اضافة الى تعذيب وقتل واعدامات الحرس القومي للمئات من اعضاء وقادة الحزب الشيوعي العراقي والمواطنين الغير بعثيين. كل هذا لم يكن يحدث لو لم يتغير نظام الحكم الملكي إلى جمهوري ونشاط احزاب مدفوعة من خارج الحدود.