بقلم نوح فسيفس

لعل أهم ما يميز التنافس الإقليمي في اكتساب مواضع قدم وتعزيز النفوذ في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي في مرحلة ما بعد الثورة، هو وجود أطراف وقوى اقليمية صاعدة مثل تركيا والسعودية وايران، وفي الوقت الذي تهيمن فيه الاعتبارات الأمنية والأيديولوجية على التوجه الإيراني الجديد نحو الشرق الأوسط، ولا سيما في إطار التقارب المزمع مع الغرب، فإن تركيا والمملكة السعودية ومعها الدول الخليجية والعربية والاسلامية تستبطن في حركتها الشرق أوسطية مقاومة نفوذ ايران في المنطقة، على النحو الذي نراه جليا في اليمن.

وفيما يبدو فإن دول الجوار الإقليمي غير العربية، وهي: تركيا وايران قد استغلت حالة الضعف الاستراتيجي في توازنات القوى الإقليمية لتبدأ في نسج أدوات جديدة لإحياء وتعزيز أدوارها الإقليمية، ويظهر ذلك مترونقاً في ظلال الأزمة العسكرية السورية.

كما ويمثل التوجه شرقاً نحو منطقتنا العربية أبرز الملامح المشتركة التي تجمع بين هاتين القوتين، والتي تحلم بإستعادة أمجاد امبراطوريات بائدة قامت على اعتبارات تاريخية وأيديولوجية.

وقد شهدت التحركات التركية والإيرانية بعد الثورة العربية الكبيرة تحركات واسعة النطاق في دوائر عدة وعلى أكثر من جبهة لجهة اختراق المنطقة والهيمنة عليها، في إطار تصورها لدورها الإقليمي بل والعابر للأقاليم.

ولقد ارتبطت تلك التحركات بتدخلات مباشرة في الشؤون الداخلية لبعض دول المنطقة، على نحو يتجاوز ما هو مفهوم عادة بالنسبة لخدمة المصالح القومية أو الأهداف الإستراتيجية، وهو الأمر الذي أثار نقاشات واسعة حول أبعاد الدور الخارجي الإقليمي لتركيا وإيران.

وعلى وجه الخصوص، لقد بدا خلال الأزمة السورية الراهنة أن السباق الإقليمي بين تركيا وإيران والمملكة  السعودية يشق طريقه بشكل حاسم في قلب المنطقة وقضاياها، على نحو يتضح في كثافة التحركات والمبادرات بل والتحالفات الأمنية والعسكرية، فضلا عن المنهجية الدبلوماسية، مع الإشارة إلى وجود أجندات استراتيجية لبعض أنماط هذه التحركات.

السعوديون من جهتهم يدركون قوتهم الاقتصادية ونفوذهم السياسي ومكانتهم الدينية في المنطقة ككل، بل وفي العالم الإسلامي برمته، وقد حاولت السعودية منذ وقت طويل إلى استثمار علاقاتها القوية مع الولايات المتحدة الأمريكية في تعزيز دورها الإقليمي في المنطقة لتكون رقماً صعباً في المعادلة السياسية الإقليمية، وهي تولي للهيمنة على المنطقة اهتماماً خاصاً في دائرة المواجهة مع النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة.

هذا إلى جانب أن التوجه السعودي الإقليمي يأتي في سياق التحول في أهداف السياسة الخارجية السعودية، التي انتقلت من مجرد مواجهة الظروف المحلية الطارئة، وتلبية الاحتياجات في ظل معطيات الوضع القائم، إلى محاولة الاندفاع لاختراق المناخ الإقليمي والدولي المحيط، وتهيئته بما يحقق أكبر قدر ممكن من أهدافها الإستراتيجية.

وليس من المستغرب أن يحتل هذا التوجه مكانة بارزة في اهتمامات السياسة الخارجية السعودية، وبخاصة بعد وصول الملك سلمان بن العزيز وفريقه الحاكم إلى السلطة في الرياض في كانون الثاني/ يناير 2015، وقد برز دور المملكة كلاعب رئيسي في محاولة لتحويل نقاط الإخفاق الإيرانية إلى مكاسب سياسية مهمة في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي نتيجة لعدم التزام طهران بالتزاماتها الأخلاقية تجاه التدخلات الخارجية السافرة، وبخاصة مع بروز عوامل اقليمية جديدة في سياق الحرب الباردة التي باتت حقيقة على المستوى الإقليمي، بين القوى الفاعلة في الإقليم (ايران – السعودية). وقد لعبتالمواجهة الحاليةدوراًرئيسياًفيالصراععلىالسلطةفيسوريا،والذي ورّطجميع اللاعينالإقليميين،بالإضافة إلى المواجهة الراهنة بين الرياض وطهران في اليمن والتي أخذت شكل الحرب بالوكالة.

ثمة عنصر مهم للغاية في هذه الحرب الباردة في الشرق الأوسط، ألا وهي التأثير في لعبة توازنات القوى بين الفاعلين الإقليميين، إلا أنه لا يمكننا فهم طبيعة هذه الحرب بدون تفهم الروابط البينية مع الصراعات المحلية من جهة، والحدود الوطنية للدور المستهدف من جهة أخرى.

لقدتخطّتهذه القوى الإقليمية الثلاثحدودالتصدّعالثنائي فيالسعيلإقامة تحالفاتإقليمية في سياق الصراع والأزمة، ولم يعد في وسعها أن تتجاهل النبرة الأيديولوجية “الطائفية” في مجرى هذه الأزمة، إذا ما أخذنا في الحسبان المساعي الإيرانية لتأجيج المعادلة الطائفية في قلب الصراع في المنطقة.

وفي أوج هذا الصراع الإقليمي، أطلقت السعودية تحالفاً عسكرياً خليجياً وعربياً للدفاع عن الشرعية في اليمن، ولضرب التمرد العسكري الحوثي، في اشارة واضحةً إلى ايران، بأن المملكة باتت أكثر جرأة وانتباهاً في تحركاتها الخارجية السياسية والعسكرية، وهو الأمر الذي أربك حسابات إيران على المستوى الإستراتيجي، بل وأعاد بها الحال إلى تقييم دورها في دعم حلفائها في المنطقة، مما أوجد معادلة جديدة في خضم الصراع في سوريا، لجهة تعويض الخسارة في اليمن. بل وقد فتح الباب على تغيرات جيوسياسية مغايرة تماماً لما كان متوقعاً بالنسبة للقوى الدولية المؤثرة في الإقليم، ولا سيما الولايات المتحدة وروسيا، لجهة تعميق حالة الضعف الإستراتيجي في الشرق الأوسط، بهدف الإبقاء على تحالفاتها وصون مصالحها. وهو الأمر الذي ألقى بظلاله على بروز قوى لادولتية دخلت في إطار الحسابات الإقليمية، وأصبحت لاعباً مهماً في معادلة الصراع، بل وأضحت ثقلاً موازياً للقوى الإقليمية الفاعلة، إذ تنافسها في الجيوسياسية الإقليمية.

لقد فقدت المنطقة اتزانها كنظام اقليمي له سيادة على الجغرافيا السياسية، على إثر التدافع الإقليمي والتموضع الدولي، الذي رسّخ لتحولات جديدة على الصعيد الإستراتيجي، تهيأت في سياقه المنطقة لحالة من الاصطفاف الإقليمي، الذي يخدم سياسة الهيمنة بين اللاعبين الكبار. ولم يكن بوسع أحد أن يتفطن لمدى تأثير الاندفاع الروسي في سوريا بدون أن يكون له دويه الصارخ في الإطار الإستراتيجي للتوازن الشرق أوسطي.

هذا الاندفاع الذي قلب الطاولة أمام اللاعبين الدوليين والإقليميين حول جدية الروس في إعادة التموضع لسياستهم الخارجية واستراتيجيتهم العسكرية في العالم الخارجي، في تحدٍ واضحٍ للسياسة العالمية برمتها، حول الدور الروسي وما وراءه، حتى ولو كان على حساب القوى الإقليمية.

وهنا يأتي الاختبار للفاعلين الإقليميين، وتركيا على نحو خاص، والتي وضعت علاقاتها وصداقتها مع موسكو في “الدائرة الحرجة” في سياق هذا الاندفاع. وقد زاد من هذه الحساسية التباين في الحسابات من الحرب على الإرهاب، والتي باتت الحائط الذي تُعلّق عليه تلك القوى تدخلاتها العسكرية.

يدرك المسؤولون في واشنطن أن تورطاً روسياً عسكرياً في صراعات الشرق الأوسط من شأنه أن يؤسس لمواجهة حقيقية مع العالم الإسلامي، والذي قد تنتقل شرارته إلى روسيا نفسها، إذا ما أخذنا في الحسبان التوترات بين الحكومة الروسية المركزية والانفصاليين في المقاطعات الروسية الإسلامية، وبخاصة إذا ما حاولت المملكة السعودية وتركيا اللعب بالورقة الإسلامية في المعركة ضد موسكو.

وفي هذه الحالة فإن التنافس الحقيقي على النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط ينحصر بالضرورة بين تركيا والسعودية، لجهة مواجهة النفوذ الروسي في سوريا وموازنته في الحرب على الإرهاب. وهو ما تريده وسعت إليه المملكة العربية السعودية في تأسيسها للتحالف العسكري الإسلامي، فهو لم يأتي في إطار كونه يمثل مدخلا لمحاربة الإرهاب الدولي المتمثل في تنظيم داعش والتنظيمات العابرة للحدود والأقاليم – ما تسمى بالتنظيمات اللادولتية – فحسب، الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ ثمة علاقة ارتباطية متلازمة بالمساعي الروسية الجادة لتعزيز مبدأ إعادة صياغة التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط، والذي تطمح له موسكو بتغيير قواعد اللعبة في سوريا، لصالح حلفائها في المنطقة “ايران”. وبالتالي فإنه لدى السعوديون رغبة قوية وبدعم مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية، بصياغة ترتيبات عسكرية موازية لتلك التحركات الروسية، كما أن السعودية يهمها في نفس الوقت أن تحول دون أن تصوغ تركيا قواعد اللعبة في المواجهة مع موسكو في قلب الأزمة السورية، في حال إذا ما سعت أنقرة إلى تشكيل تحالف يحتوي النفوذ الروسي.

والمحصلة المنطقية في هذا الصدد، أن السعودية أرادت تحالفاً عسكرياً احترازياً لجهة إيصال رسالتين احداهما دولية إلى موسكو للحيلولة دون القبول بسياسة فرض الوقائع الروسية في سوريا، أما الثانية فهي إقليمية إلى تركيا بأن الرياض هي الأقدر على فرض مكانتها السياسية والتأثير في مجريات الاصطفافات، ليس على المستوى العربي أو الشرق أوسطي فحسب، إنما على المستوى الإسلامي أيضاً.

اليوم، أضحت الأزمة المتكاملة في سوريا والعراق واليمن ساحة المعركة الرئيسية في الشرق الأوسط، ويبدو أن التأثير الإقليمي للدول الثلاث في العديد من دول المنطقة مضموناً على نحو كبير، مع الإشارة إلى أن نهاية الأزمة الراهنة من شأنه أن يحدد وجهة النظر الثابتة في الشرق الأوسط بين فرسان الرهان على النفوذ الإقليمي والهيمنة.