كيف تتفاعل الدول في العالم الثالث؟ وماذا تريد هذه الدول؟ وما هي الطرق التي تسلكها في سبيلها لتحقيق هذه الاهداف؟ وكيف تتعامل القوي الكبري في النظام الدولي مع هذه الدول؟ كل هذه الأسئلة وغيرها بحاجة إلي أجوبة. والنظرية ’الواقعية‘ الغربية لم تستطع حتى الأن تقديم أجوبة شاملة على مثل هذه الاسئلة. لانها ببساطة (كما أجادل هنا) تعجز عن معرفة وتحديد الدوافع التي تقود الدول في العالم الثالث (أو ما أسماه دي موستيكا بمنطق التحرك Logic of Action) بسبب مركزيتها المناطقية (الجغرافية) والتحليلية (الفكرية) حول دراسة الغرب وسياسات القوي الكبري. فطبقاً لهذه المدرسة فإن الدول تتفاعل في ظل نظام فوضوي, تنافسي وذاتي المساعدة لتعظيم حجم قوتها النسبية مقارنة بالقوة لدي الاطراف الاخري, لحماية بقائها المادي من التهديد والعدوانية التي قد يسببها لها جيرانها. أما الوضع في العالم الثالث فهو على العكس تماماً. فالدول تتحرك وتتفاعل بنمط سلوكي مختلف, وتسعي كذلك الدول لتحقيق أهداف مختلفة عن تلك التي تسعي اليها الدول في الغرب. وهو ما جعلني أستنتج أن المدرسة الواقعية الغربية غير قادرة على شرح النماذج السلوكية لدول العالم الثالث بصورة كاملة وشاملة.إن الطبيعة البدائية لبنية الدول في العالم الثالث, التي هي نتاج للفترة الأستعمارية الغربية بالأساس, التي ظلت قابعة لقرون طويلة, جعل منها نموذجاً حداثياً للدول–القومية التي بزغت خلال فترة ما بعد ويستفاليا. حيث مازالت القيم السياسية تحتل مكانة كبيرة في تحديد وصياغة رؤية وأدراك الدول للنظام الدولي, وبالتالي في تشكيل سلوكها وتحركها الخارجي. والقاء الضوء على الدور الذي تلعبه القيم والطموحات الوطنية في تشكيل وبلورة تفكير القادة السياسيين وصناع القرار في العالم الثالث – وبالتالي تحولها لقرار سياسي – يساعدنا نحن الواقعيين على فهم سلوك الدول القومية في العالم الثالث. إن أرتباط هذه القيم والطموحات بوجود أيديولوجية وطنية أو قومية واضحة المعالم عند أي قائد سياسي قد تفيدنا في تقديم تفسير واقعي أكثر مصدقية, ويمكن الأعتماد عليه, لسلوك الدول في العالم الثالث في ظل فترة زمنية محددة – ويمكن تعميمها في حالة توافر الشروط السالفة الذكر. أما في حالة أنعدام أو غياب وجود هذه الشروط فإن نظريات واقعية مثل توازن القوى وتوازن التهديد وغيرها لن تكون قادرة تماماً على تقديم تفسير عام لسلوك الدول في العالم الثالث. لأنه بانعدام وجود هذه المتطلبات والشروط تفقد الدول في العالم الثالث سر أختلافها وتميزها عن الدول في الغرب. فتصبح دولاً تبحث عن الأمن والنجاة وليس دولاً تتمنى فقط البقاء حية. إننا نجادل في هذه الدراسة بأنه: ’’على الرغم من الأختلاف الظاهر بين مختلف نظريات التوازن الدولي التي تقول بها المدرسة الواقعية في دراسة العلاقات الدولية بصورها الثلاثة (توازن القوى–توازن التهديد– توازن المصالح) فيما يتعلق بسلوك القوى الكبرى, إلا إننا نرى أنها جميعاً تتفق – ولأسباب مختلفة – على أن السلوك (الأمثل والأفضل) المتاح أمام الدول الصغرى إن هي أرادت الحفاظ على أمنها وسيادتها ووجودها في النظام الدولي هو مسايرة ركب القوى الكبري Bandwagon‘‘. ومرجع ذلك هو تعاظم حجم الهوة في القدرات والأمكانيات بين الطرفين, والتي تمثل عائقاً وحائلاً عظيماً أمام هذه الدول تمنعها – منطقياً – من الوقوف في وجه هذه القوى أو تحديها.الكلمات الدالة: نظرية العلاقات الدولية, الواقعية, التوازن الدولي, القوى الكبرى, الدول الصغرى.

تحميل الكتاب