تعد الجولة الأفريقية التي يقوم بها  وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” إلى كل من (مصر، الكونغو برازافيل، أوغندا، إثيوبيا)، والتي بدأت في 24 يوليو 2022، بمنزلة تأكيد لانخراط روسيا في منظومة التفاعلات الراهنة مع الدول الأفريقية، التي تتزامن مع استمرار الحرب الروسية–الأوكرانية التي اندلعت في أواخر فبراير 2022، وما صاحبها من تداعيات متعددة الأبعاد على مجمل دول العالم، بما فيها القارة الأفريقية، وعلى رأسها قضية الأمن الغذائي، وهو ما جعل هذه الجولة تحمل في طياتها الكثير من الأبعاد المؤثرة بالنسبة إلى الطرفين ولا سيما في ضوء العقوبات الغربية المفروضة على روسيا من جراء تدخلها العسكري في أوكرانيا.

إرث تاريخي

تمتلك العلاقات الروسية –الأفريقية جذوراً تاريخية ممتدة؛ حيث قدم الاتحاد السوفييتي (سابقاً) الدعم لحركات التحرر الوطني ذات التوجه الاشتراكي لدعم مطالبها للتخلص من الاستعمار الأوروبي، كما أقام شراكات مع الدول الأفريقية بعد فترة وجيزة من مطالبتها بالاستقلال، والتي كانت مدفوعة بمزيج من الالتزام الأيديولوجي والمصالح الاقتصادية البراجماتية والحاجة إلى بناء تحالفات في ظل مناخ الحرب الباردة التي كانت تسيطر على العالم، وما صاحبها من تنافس دولي محتدم في إطار نظام دولي قائم على “الثنائية القطبية” بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي آنذاك. ولعل عدم وجود خلفية استعمارية للاتحاد السوفييتي (سابقاً) في أفريقيا هو ما ساعد على تعزيز العلاقات بين الطرفين في هذه المرحلة، ولا سيما في ضوء وجود مدركات سلبية تجاه  الأدوار المرتبطة بالقوى الاستعمارية التقليدية.

وعلى الرغم من تأثر العلاقات الروسية–الأفريقية في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة مع مطلع التسعينيات من القرن العشرين بفعل تفكك الاتحاد السوفييتي، فإن إرث الصلات السابقة ظل قائماً، وتجدد اهتمام روسيا بأفريقيا في أعقاب الطفرة النفطية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين؛ حيث سعت موسكو إلى تعزيز شراكاتها في القارة؛ حيث قام الرئيس “فلاديمير بوتين” بزيارة إلى ليبيا – التي كانت تتمتع في السابق بعلاقات وثيقة بالاتحاد السوفييتي – في عام 2008 بهدف بحث مبيعات الطاقة والأسلحة وتصفية مليارات الدولارات من ديون ليبيا التي تعود إلى الحقبة السوفييتية، كما قام الرئيس الروسي المنتخب حديثاً آنذاك “دميتري ميدفيديف” بجولة أفريقية لمدة أربعة أيام في أفريقيا في عام 2009، فقام بزيارة دول (مصر، نيجيريا، ناميبيا، أنغولا)؛ وذلك برفقة وفد من رجال الأعمال بما في ذلك رؤساء الشركات الروسية الرئيسية مثل “غازبروم”.

سياقات متعددة

تشكل الخلفية التاريخية السابقة مدخلاً مهماً لتفسير أبعاد الجولة الأفريقية الأخيرة لوزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف”، التي تأتي في إطار سياقات متعددة ومتداخلة الأبعاد على المستوى الدولي، وتتمثل فيما يأتي:

1- أهمية أفريقيا في التفاعلات المرتبطة بالحرب الأوكرانية: بدأت تلك الحرب في أواخر فبراير 2022، وصاحبها فرض عقوبات غربية على روسيا استهدفت في الأساس ممارسة مزيد من الضغوط لفرض العزلة الدولية عليها، وإضعاف قدراتها الشاملة في مواجهة أوكرانيا؛ لذا تسعى روسيا إلى محاولة كسر هذه العزلة عبر تعزيز شبكة علاقاتها وتفاعلاتها الخارجية مع الدول الأفريقية لبناء تحالفات استراتيجية، ولا سيما في ضوء الموقف الأفريقي الذي كان أميل إلى الحياد في اتجاهه العام بشأن القرار الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2 مارس 2022، الذي طالب روسيا “بالسحب الفوري والكامل وغير المشروط لجميع قواتها العسكرية من أراضي أوكرانيا داخل حدودها المعترف بها دولياً”، وذات الأمر تكرر بشأن قرار إخراج روسيا من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 7 أبريل 2022.

2- اتفاق الحبوب بين روسيا وأوكرانيا والأمن الغذائي الأفريقي: وهو الاتفاق الذي تم التوقيع عليه في 22 يوليو 2022، وقضى بإنهاء الحصار الروسي للموانئ الأوكرانية والسماح بتصدير ملايين الأطنان من الحبوب التي فرض الحصار عليها؛ حيث ينص هذا الاتفاق على إعادة فتح ثلاثة موانئ أوكرانية على الأقل ستنطلق منها السفن عبر البحر الأسود إلى مضيق “البوسفور” والبحر الأبيض المتوسط، وستتم مراقبة السفن من قِبل مركز تنسيق في “إسطنبول” يعمل به ممثلون عن تركيا والأمم المتحدة وروسيا وأوكرانيا، وتم تقديم ضمانات السلامة للسفن والموانئ المشاركة في العملية، وهو الاتفاق الذي رحب به الاتحاد الأفريقي نظراً إلى تأثيراته الإيجابية على الأمن الغذائي في القارة الذي تأزم مؤخراً بفعل التداعيات السلبية المصاحبة للحرب.

3- التحضير للقمة الروسية-الأفريقية الثانية: وهي القمة التي من المزمع أن تنعقد في العاصمة الإثيوبية “أديس أبابا” في أكتوبر المقبل؛ حيث تحاول روسيا ترسيخ مكانتها كحليف لإثيوبيا في مستقبل ما بعد الحرب الأهلية التي بدأت في نوفمبر 2020. وعلى الرغم من أن روسيا ليست شريكاً اقتصادياً مؤثراً لإثيوبيا، فإنها تتمتع بنفوذ سياسي في البلاد بسبب استمرار دعمها رئيس الوزراء “آبي أحمد” والحكومة في إطار الصراع الدائر في إقليم “تيجراي”، علماً بأن النسخة الأولى من هذه القمة قد عُقِدت في “منتجع سوتشي” بروسيا؛ وذلك في أكتوبر 2019، وقد كانت هذه الأخيرة بمنزلة الإطار التنظيمي الأول من نوعه على المستوى المتعدد الأطراف الذي يربط روسيا بأفريقيا.

4- المساعي الغربية لدعم العلاقات مع أفريقيا: يتبلور ذلك من خلال الجولة الأفريقية للرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إلى دول (الكاميرون، بنين، غينيا بيساو) وذلك خلال الفترة (25-28) يوليو 2022. وتعد هذه الزيارة هي الأولى من نوعها التي يقوم بها الرئيس الفرنسي إلى هذه الدول منذ عام 2017، والتي ترمي إلى اعادة إحياء الوجود الفرنسي في مناطق النفوذ التقليدية في أفريقيا بعد تراجعه بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وخاصة مع بداية الولاية الرئاسية الجديدة للرئيس “ماكرون”، ويتزامن ذلك أيضاً مع الزيارات الرسمية التي يقوم بها المبعوث الخاص للولايات المتحدة “مايك هامر” إلى كل من مصر وإثيوبيا بجانب دولة الإمارات خلال الفترة (24 يوليو -1 أغسطس) 2022، والتي ترمي ضمن أهدافها الرئيسية إلى تقريب وجهات النظر في قضية سد النهضة، ومراجعة التقدم المحرز بشأن تقديم المساعدات الإنسانية والمساءلة بشأن انتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان في إثيوبيا، والجهود المبذولة لدفع محادثات السلام بين الحكومة الإثيوبية وقادة إقليم “تيجراي”.

مصالح استراتيجية

تأتي الجولة الأفريقية لوزير الخارجية الروسي “لافروف” في ضوء منظومة من المصالح الوطنية تحكم علاقات روسيا بأفريقيا خلال السنوات الأخيرة، ويمكن تناولها كما يأتي:

1- الاستفادة من الكتلة التصويتية الأفريقية في المحافل الدولية:  حيث تسعى موسكو إلى الاستفادة من الوزن النسبي المرتفع في الكتلة التصويتية للدول الأفريقية في  إطار المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة بأجهزتها المختلفة؛ حيث يبلغ عددها (54) دولة عضواً، ويعد ذلك أمراً مؤثراً لصالح دعم القضايا سواء التي تمس روسيا بشكل مباشر أو التي ترتبط بالمصالح الروسية في مختلف مناطق العالم، وليس أدل على ذلك من الموقف الأفريقي الأميل إلى الحياد بشأن القرار الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة عقب بداية الحرب الروسية–الأوكرانية في مطلع مارس 2022. وتراهن روسيا في كسب التأييد السياسي للدول الأفريقية على ما تقدمه لها على مستويات عدة ولا سيما على المستويين العسكري والاقتصادي من جانب، وما يشكله ذلك من بديل مناسب للمصالح الغربية في بعض الأحيان من جانب آخر.

2- توطيد العلاقات العسكرية مع الدول الأفريقية: تعد روسيا حالياً المورد الرئيسي للأسلحة لأفريقيا؛ حيث استحوذت القارة الأفريقية على نحو (14%) من صادرات الأسلحة الروسية بين عامي 2017 و2021؛ وذلك وفقاً لتقرير “الاتجاهات الدولية لعمليات نقل الأسلحة” الصادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “SIPRI” في مارس 2022، وقد جاءت كل من مصر والجزائر بجانب الهند والصين كأهم الدول المتلقية للأسلحة الروسية؛ وذلك بواقع نحو (73%) من إجمالي صادرات الأسلحة الروسية. والجدير بالذكر أن قارتي آسيا وأوقيانوسيا قد تلقتا نحو (61%) من صادرات الأسلحة الروسية في حين تلقت منطقة الشرق الأوسط (20%) خلال ذات الفترة. وتأتي الطائرات على رأس صادرات الأسلحة الرئيسية الروسية بوجه عام خلال الفترة (2017-2021)؛ حيث شكلت نحو (48%) من إجمالي صادراتها من الأسلحة، تليها المحركات خاصة للطائرات (16%)، ثم الصواريخ (12%).

كما تجري روسيا تدريبات عسكرية مع عدة دول أفريقية ولعل من أهمها الجزائر؛ حيث أعلنت الدولتان إجراء تدريبات مشتركة لمكافحة الإرهاب على الحدود مع المغرب في نوفمبر 2022. وعُقد المؤتمر التخطيطي الأول في مدينة “فلاديكافكاز” الروسية للتحضير للمناورات التي من المقرر أن تتم في قاعدة “حماقير” الواقعة في ولاية “بشار” الجزائرية، وقد جرت التدريبات الافتتاحية في منطقة “أوسيتيا الشمالية” في أكتوبر 2021. يضاف إلى ذلك توقيع روسيا اتفاقيات عسكرية مع ما يزيد عن (20) دولة أفريقية منذ عام 2015، ويتراوح تعاونها بين مكافحة الإرهاب وحفظ السلام إلى مبيعات الأسلحة.

3- تعزيز الوجود الأمني الروسي في الدول الأفريقية: لا تنفصل جولة وزير الخارجية الروسي “لافروف” عن محاولات موسكو للتكريس لدورها الأمني في العديد من الدول الأفريقية عبر دعم قدرات هذه الدول؛ حيث طلبت عدة دول أفريقية من قبيل موريتانيا ومالي دعماً روسياً في محاربة الجماعات الإرهابية، مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وأنصار الإسلام وبوكو حرام؛ ففي مالي نشرت روسيا مدربين لتعزيز القدرة العملياتية لقوات الأمن الداخلي، كما زودت مالي بأربع مروحيات وأسلحة وذخيرة في عام 2021،  وتتزايد أهمية الدور الروسي في مالي في ضوء إنهاء الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تدريباتهما العسكرية هناك بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المنتخب ديمقراطياً “إبراهيم بوبكر كيتا” في أغسطس 2020،  وإعلان فرنسا بدء سحب قواتها المشاركة في إطار “عملية برخان” بشكل تدريجي في فبراير 2022.

وتعتمد روسيا على استخدام شركات الأمن الخاصة لتعزيز نفوذها عبر تقديم الدعم للدول الأفريقية في مجالات عدة ولعل أبرزها مكافحة الإرهاب، وتعد مجموعة “فاجنر” من الأدوات التي تعتمد عليها موسكو في تحقيق مصالحها الوطنية في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، والتي تبلور دورها في البداية خلال النزاع في أوكرانيا في عام 2014؛ حيث دعمت عناصرها القوات الانفصالية الموالية لروسيا في شرق أوكرانيا، وتقوم هذه المجموعة بأدوار في بعض الدول الأفريقية مثل مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وموزمبيق.

4- دعم العلاقات الاقتصادية الروسية-الأفريقية المشتركة: حيث يأتي البعد الاقتصادي على رأس أولويات العلاقات بين الطرفين في الآونة الأخيرة بفعل التأثيرات السلبية الضخمة على الاقتصاديات الأفريقية جراء الحرب الروسية–الأوكرانية، ولا سيما في ضوء تحذير الأمم المتحدة من مواجهة نحو (18) مليون شخص الجوع الشديد في منطقة الساحل ونحو (13) مليون شخص في منطقة القرن الأفريقي نتيجة الجفاف المستمر؛ حيث تعتمد العديد من الدول الأفريقية في إنتاج القمح والأسمدة على روسيا، التي تستحوذ على نحو (16%) من إنتاج القمح و(13%) من إنتاج الأسمدة على المستوى العالمي، وهو ما يعني تأثر الإمدادات الأفريقية من هذه المواد الغذائية بشكل كبير. وقد شكل هذا الجانب أحد الاعتبارات الرئيسية الدافعة للجولة الأفريقية لوزير الخارجية الروسي “لافروف”؛ وذلك لتأكيد المساعي والإجراءات الروسية للتخفيف من وطأة الحرب على الأمن الغذائي لأفريقيا.

وعلى الرغم من أن روسيا لا تعد من أبرز الشركاء التجاريين الرئيسيين لأفريقيا خلال السنوات الأخيرة، فإن ثمة نمواً في حجم تجارتهما البينية؛ حيث ارتفع من نحو (14.4) مليار دولار  في عام 2020 ليصل إلى (17.7) مليار دولار في عام  2021، وذلك بواقع نحو (14.6) مليار دولار للصادرات الروسية لأفريقيا في مقابل نحو (3) مليارات دولار للواردات. ويلاحظ تضاعف حجم التجارة البينية منذ عام 2015، إلا أنها تعد محدودة بالمقارنة بحجم تجارة الصين والولايات المتحدة مع أفريقيا التي بلغت نحو (253.7) و(63.2) مليار دولار  على الترتيب في عام 2021.

وقد سعت روسيا إلى تعزيز التجارة والاستثمار في إفريقيا بشكل كبير ولا سيما في كل (المغرب، مصر، السودان)، وكان أحد الأسباب الدافعة لذلك الجاذبية المتزايدة لأسواق الغاز والنفط الأفريقية للشركات الروسية مثل غازبروم “Gazprom”، وروسنفت “Rosneft”، ولوك أويل ” Lukoil”. ولعل مساعي روسيا هنا ليست قائمة على الاستفادة من فرص زيادة الإنتاج والتأثير على سوق الغاز العالمية فحسب، ولكن أيضاً التأثير على الأسعار وظروف السوق في البلدان الأخرى.

5- توسيع الاستثمار الروسي في الموارد الطبيعية الأفريقية:  تعمل روسيا مع الدول الأفريقية على استخراج الموارد الطبيعية الرئيسية لتعزيز قدراتها الاقتصادية ولا سيما في ضوء التنافس الأمريكي والصيني على هذه الموارد، وذلك من قبيل الليثيوم الذي تمتلكه العديد من الدول الأفريقية، ومنها زيمبابوي والكونغو الديمقراطية، وتعمل روسيا على توسيع استثماراتها منه في أفريقيا عبر شركة روساتوم “Rosatom”، التي تعد من شركات الطاقة النووية الروسية الرامية للاستحواذ على نحو (3%) من سوقه العالمية بحلول 2025 ونحو (10%) بحلول 2050؛ وذلك بالاعتماد على موارد الدول الأفريقية في هذا الشأن، وكذلك تعتمد روسيا على ذات الشركة في التنقيب عن البوكسيت – الذي يعد مصدر الألمونيوم –  في نامبيا وكذلك شركة “روسال” التي تقوم بالتنقيب عنه في غينيا.

وختاماً يمكن القول إن الرؤية المستقبلية للعلاقات الروسية–الأفريقية تطرح تنامياً وتزايداً في كثافة التفاعلات المرتبطة بها على مختلف المستويات، ولا سيما العسكرية والاقتصادية، ويعزز من ذلك المصالح المتبادلة القائمة بين الطرفين، فمن جانب تسعى أفريقيا إلى تنويع شبكة علاقاتها الخارجية عبر  تجاوز  تحالفتها التقليدية مع القوى الأوروبية المُستعمرة، ومن جانب آخر تسعى روسيا إلى بناء تحالفات استراتيجية مع الدول الأفريقية لتعزيز مكانتها الدولية في إطار منظومة النظام الدولي الجديد الأميل إلى التعددية القطبية.

بقلم د. محمود زكريا – إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية