بداية ، من الضروري النظر بإيجابية تامة الى ” المسار الديمقراطي” في تونس ، ومن الضروري تعزيز الأدبيات العقلانية لتجذير هذا التوجه ، وكنت سابقا في مقالات ودراسات منشورة منذ سنين أراهن على ان التطور العربي ” إنْ” وقع قد يأتي من المغرب العربي بتراثه الخلدوني أو الرشدي وليس من غيره.
لكن الخطورة في النقاش الدائر حول الحدث التونسي هو محاولة توظيفه لتبرير آثام الاضطراب الكاسح الذي أهلك الحرث والنسل في دول عربية مركزية ، بل وصل الأمر للدعوة لتناسي ذلك وأهمية استخلاص العبر منه، وفي هذا الصدد أرى ان نتناول الموضوع التونسي في حدود الرؤية الواقعية لا الرومانسية ولا السوداوية المطلقة، وهو ما يتمظهر في بعدين هما :البعد الخارجي التونسي، والبعد الداخلي:

أولا البعد الخارجي:
1- لم تكن تونس في أية مرحلة من مراحل المشاريع العربية الكبرى منذ 1945 وحتى الآن مركزا للتنافس الدولي نظرا لمحدودية دورها الاقليمي، بل إن استعراض أغلب الصراعات العربية او التحالفات الدولية أو التدخلات الكبرى كانت بعيدة عن تونس، نظرا لإدراك القوى الخارجية أن تونس لا تشكل ” قوة محورية” في الاقليم، فهي ليست مصر المشرق العربي ولا عراق او سعودية الخليج ولا جزائر او مراكس المغرب العربي، وهو ما جعل المتغيرات الداخلية تتحرك بقدر أكبر من اليُسر الذي واجهته ذات المتغيرات في الدول العربية المركزية.
ويكفي للتدليل على ” هامشية المكانة التونسية” في التنافس الدولي الاشارة الى أن تونس لم تعرف أي حرب أهلية أو اقليمية او دولية منذ قرابة 75 سنة، وهي ظاهرة لم تعرفها اغلب الدول العربية ..فلماذا؟ لعل غياب هذا التنافس الدولي جعل التطور الداخلي التونسي أكثر يسرا ، ورغم كل ما يقال عن النفوذ الفرنسي والنخب الفرنكوفونية إلا ان هذه النخب لم تكون موضع صراعات عنيفة .
2- ان تونس ليست دولة ذات موارد جاذبة للتنافس( فلا بترول ولا غاز ولا يورانيوم ولا حتى مساحات ذات أهمية) ، وهو ما يجعلها اقل قابلية لتكون بؤرة تنافس.
3- لم تتبن تونس مشروعا سياسيا ” توسعيا” اقليميا، فلا تتبنى مشروع القومية والوحدة العربية( على غرار التيارات الناصرية والبعثية وما شاكلها) مع كل ما يجره هذا المشروع من تأثيرات على بنية المنطقة، ولا هي صاحبة مشروع أممي اسلامي( اخوان مسلمين أو غيره) ولا هي صاحبة مشروع اشتراكي او حتى مشروعات وهمية كتلك التي تبناها القذافي ومن على شاكلته من العرب، بل إن تونس ليست من صُنعِ حركة تحرر ، فهي دولة ” مُنحت استقلالا” بعد ان اصبح المنظور الاستعماري يتوارى تدريجيا.
4- الموقع الجيواستراتيجي لتونس : فتونس ليس لها حدود الا مع دولتين ” عربيتين ” فقط، بل ان وجودها بين دولتين عربيتين (ليبيا والحزائر) جعلها أكثر انضباطا لقربها من هاتين الدولتين ذات النزعة الثورية بغض النظر عن مدى نضج هذه النزعة.

ثانيا: البعد الداخلي:
1- تدل نسب التعليم وحجم الطبقة الوسطى ونسب السكان ممن هم دون مستوى الفقر أن تونس تقع ضمن الأفضل في الدول العربية، وهو ما يجعل المجتمع أكثر تهيؤا للمسار الديمقراطي.
2- تعد تونس من أكثر الدول العربية تجانسا في الثقافات الفرعية، ولا يشكل البربر (الأمازيغ) أكثر من 2.5% من السكان،كما أن انتشارهم الجغرافي يجعل قدرتهم على تهديد الوحدة الجغرافية أقل.
3- تعد تونس من بين الدول العربية التي لا تشكل فيها المؤسسة العسكرية ثقلا في اتخاذ القرار او في التهام نسبة عالية من الانفاق الحكومي، فالمعدل العالمي هو 2.6% من الناتج المحلي وفي العالم العربي قرابة 5.5 بينما هو في تونس 2.2%.
4- ان الحقبة البورقيبية عززت بعض توجهات الانفتاح وقدر من الليبرالية الثقافية، كما أن قسوة النظام السياسي لا تقارن بقسوة الانظمة السياسية العربية – حتى خلال فترة زين العابدين- .
5- يمكن القول بأن تونس هي ضمن أقل الدول العربية انخراطا في النزاع العربي الصهيوني، وهو ما جعلها بعيدة عن ذيول وآثار هذا الصراع على الواقع الداخلي او على شبكة علاقاتها مع الآخرين.
رغم كل ما سبق، فان الاستنتاج بان الظاهرة التونسية هي مقدمة لتحول عربي في الفترة القريبة هو أمر أراه عجولا، وستعمل القوى الاقليمية على محاولة خنقه قبل أن يصبح قابلا للتعميم عربيا ، كما أن توجهات الرئيس الجديد ” قيس سعيِّد” بخاصة تجاه الموضوع الفلسطيني لن يمر عليها ” الكبار الاقليميون والدوليون” مرور الكرام بل سيكون مرور اللئام بخاصة إذا تشبث الرئيس الجديد بهذه المواقف،
اتمنى من كل القوى العربية الحية مساندة النموذج التونسي وترشيده ، ولكني أتمنى أيضا من ” زجالي الربيع العربي” أن لا يخلطوا الأوراق لكي يبرروا المآسي التي رافقت ذلك والتي وصل بعضها لانفاق دولة عربية وباعتراف احد قادتها الكبار ما مجموعه ( 137 مليار دولار) في دولة عربية واحدة لتغيير النظام السياسي ..ولم تسأله أية لجنة تحقيق عن قانونية تصرفه…