48 سنة تمر على وفاة زعيم حزب الشعب الجزائري ومؤسس نجم شمال إفريقيا والحركة الوطنية الجزائرية، أحمد مصالي، الشهير بـ”مصالي الحاج”، المتوفى في الثالث من شهر جوان سنة 1974، في أحد مستشفيات باريس بفرنسا، وقد عاد المناضل وهو من يصفه بعض المؤرخين بـ”مؤسس الحركة الوطنية الاستقلالية”، إلى مسقط رأسه تلمسان، محمولا على نعش، رفض محافظ شرطة المدينة، آنذاك، أن يوضع عليه علم جزائر الاستقلال.. العلم الذي صمّمه مصالي الحاج نفسه، وخاطته زوجته المناضلة إيملي بيسكون، عاد بعد صراع طويل لأفراد عائلته مع أجهزة نظام الرئيس الراحل هواري بومدين، بين باريس والجزائر، وتم الترخيص بعودة الجثمان، في أيام وليال ثلاث، حبلى بالذكريات والأحداث، انتهت بتشييعه في جو جنائزي مهيب، تسترت عليه سلطة الحكم ووسائل إعلامها منتصف السبعينيات من القرن الماضي. “الخبر” تعود بقرائها ثمان وأربعين سنة إلى الخلف، واستطلعت شهادات من عايشوا “ليلة عودة الزعيم”.

لحظات الوداع والعودة

في مستشفى بالضاحية الباريسية، كان يرقد مصالي الحاج للعلاج من مرض السرطان الذي نهك جسده، بعدما أنهكته خمسون سنة من النضال في السجون والمعتقلات والمنفى، في سبيل المطالبة باستقلال الوطن الجزائر. كان يعلم أن نهايته اقتربت، ولكنه لم يكن يخشى الموت.

هكذا وصفت ابنته جنينة اللحظات الأخيرة لحياة مصالي في المستشفى، في كتابها “حياة مشتركة مع والدي مصالي الحاج”.. كان كل مساء حين تزوره بالمستشفى، يطلب منها تحضير ورقة وقلم لكتابة وتدوين الأحداث التاريخية التي صنعها وعايشها، فمصالي بعد استقلال الجزائر كان منشغلا جدا بقضايا التاريخ والحداثة والتعددية السياسية التي كان يرفضها نظام الحزب الواحد في الجزائر. وجاءت لحظة الوداع، ظهيرة الأحد الثالث من شهر جوان 1974، أغلق الزعيم عيناه وأفضى روحه إلى خالقه. وبسرعة، توّجه زوج ابنته أنور بن قلفاط إلى أقرب مكتب لوكالة الأنباء الفرنسية ليحرر خبر نعي الفقيد، وفي الساعة الرابعة زوالا، كانت إذاعة أوروبا واحد أول وسيلة إعلام تذيع خبر الوفاة، لينتشر الخبر في اليوم الموالي بعد نشره بالبند العريض في كبريات الصحف الفرنسية. ولحظات قليلة أيضا بعد انتشار الخبر، كان المناضل والمؤرخ الجزائري الكبير محمد حربي أول شخصية جزائرية تقف على جثمان مصالي الحاج بالمستشفى الباريسي، مرفوقا بمحامي وصديق مصالي القديم، دانيال قيران. وبسرعة، انتظم أفراد العائلة لتحضير إجراءات نقل النعش نحو الجزائر وتلمسان للدفن تحت ظلال الصنوبر بمقبرة الشيخ السنوسي.

استغلت جنينة مصالي رفقة زوجها أنور بن قلفاط علاقات شخصية للقاء سفير الجزائر بباريس محمد بجاوي، وأخبراه برغبة العائلة في تنفيذ وصية الفقيد ودفنه بتلمسان، فما كان على بجاوي سوى إخبارهم أنه سينقل هذه الرغبة إلى الرئيس هواري بومدين وينتظر الرد. مر يومان طويلان والسفارة لم تتصل بالعائلة، ورخصة الدفن ونقل الجثمان لم تصدر بعد، وازداد الاحتقان قرب مربع المقبرة الإسلامية في الضاحية الباريسية، وارتفع عدد أنصار مصالي المحيطين بالنعش، وصلت أخبار الوفاة والعراقيل إلى مسقط رأسه تلمسان.

الحاج إسماعيل، مواطن بسيط، يمتهن الحلاقة في درب عتيق بعاصمة الزيانيين، قال لـ”الخبر”: “اطلع المغتربون على خبر الوفاة في وسائل الإعلام الفرنسية وأخبرونا بالهاتف، كان عمري 26 سنة، وحضرت الجنازة. أذكر أن بعض المناضلين مثل حمدان لنصاري وإبراهيم بن أشنهو ومصطفى العزوني كانوا في اجتماعات مطولة، وكانوا يفكرون في حركة احتجاجية في حالة رفض الترخيص بدخول الجثمان.. وفي فرنسا، بدأت تنتشر إشاعة إمكانية دفن مصالي بالمغرب، وهو الذي عاش هناك رفقة عائلته قرابة العشر سنوات.. ازداد الجو احتقانا، وبدأ الشك يتسرب إلى قلوب الأنصار في الجزائر وفرنسا، ليرفع زوج جنينة سماعة الهاتف من محيط المقبرة في الضاحية الباريسية ويتصل بالسفارة ليقول لأحد الموظفين صارخا: أخبر السفير أن جموعا كبيرة من الجزائريين والفرنسيين ستتوجه نحو سفارة الجزائر بباريس لانتزاع رخصة دخول الجثمان إلى أرض الوطن..”. وبعد نصف ساعة، كانت الرخصة حاضرة بين أيدي أفراد العائلة في مقبرة بوبينييه في باريس”.

في البيت الذي احتضن جثمان وجنازة مصالي الحاج

بيت تلمساني عتيق وعريق، عراقة حاضرة بني زيان، تزيّنه شجرة ليمون فارهة وأزهار أندلسية حمراء، في حي الفخارين بقلب مدينة تلمسان.. توجهنا إلى دار الراحل الحاج العربي حميدو رفقة حفيده زكرياء حميدو، ابن الراحل والمناضل مراد حميدو.. البيت الذي احتضن مصالي الحاج حيّا وميّتا، وكانت لصاحبه الراحل العربي حميدو الشجاعة لمواجهة نظام الحزب الواحد، مقررا أن تكون الجنازة في بيته، وأن يبيت النعش هناك بعد وصوله من مطار السانيا وهران.. في هذا البيت، نستشعر عبق التاريخ يتسلل عبر غرفه وشرفاته، ودهليزه الذي كان يأوي إليه الثوار والمناضلين في قلب المدينة، بعيدا عن أعين عسكر وشرطة فرنسا في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، كيف لا وهو البيت الذي احتضن محمد بوضياف، أحمد بن بلة، محمد خيذر، رابح بيطاط، العربي بن مهيدي، الإخوة تشوار، عبد الحفيظ بوصوف مكث فيه أربع سنين، حسين أيت أحمد، حسين لحول وغيرهم من مناضلي الحركة الوطنية، قبل فتنة الانقسام، تاريخ يتسلل عبر أرشيف كبير من الصور والوثائق المرتبطة بحياة مصالي الحاج وبجنازته المهيبة في هذا البيت العريق.

الشرطة تسبق جثمان مصالي إلى دار العربي حميدو

ليلة وصول جثمان الراحل مصالي الحاج إلى أرض الوطن بعد صراع دام ثلاثة أيام مع سفارة الجزائر بباريس، وكان وقتها أحمد بجاوي سفيرا لنظام الراحل هواري بومدين بفرنسا، والذي كان يرفض الترخيص لإدخال جثمان شخص لا يحمل أي وثيقة هوية تثبت جزائريته، وهي قصة معروفة أكدها لنا في تصريح وحوار سابق نشرته “الخبر” الدكتور شكيب قلفاط، حفيد مصالي الحاج من ابنته الوحيدة جنينة، وهو الذي كان ملازما لجده الحاج مصالي في منفاه، حين قال: “جدي توفي وهو لا يحوز أية وثيقة تثبت جزائريته، لا جواز سفر ولا بطاقة تعريف وطنية، نظام بومدين كان يخاف منه حيّا وميّتا. وفي تلك الليلة، يقول زكرياء حميدو، توقفت سيارة شرطة أمام دار جدي العربي حميدو، غير بعيد عن مقر محافظة الشرطة، وتم استدعاؤه للمثول أمام محافظ الشرطة الذي يحتاجه في أمر هام.. قبل أن يغادر بابا العربي كما كنت أناديه، جمع أبناءه وبناته وأوصاهم بإكمال مراسيم الجنازة والدفن بطريقة تليق بمقام الزعيم، مهما كلفهم ذلك من ثمن: اسمعوا، رجعت أو لم أرجع، أكملوا مراسيم الجنازة “، قال الحاج العربي لبنيه.. وبمجرد دخوله مقر الشرطة، بدأت الاستفزازات والتعذيب المعنوي في انتظار دام عدة ساعات، ليستقبله المحافظ ويطلب منه دفن مصالي في سرية ودون أن يوضع عليه علم الجزائر، آمرا إياه بنزع الأعلام الوطنية التي زيّن بها مدخل الدار، فأجابه العربي حميدو: يا ابني، هذا الذي سندفنه هو من صمّم العلم الجزائري، وهو الذي حضر لطرد محافظ الشرطة الفرنسي الذي تجلس مكانه، ولن نرضى إلا بجنازة تليق بمقامه”، وعاد العربي حميدو إلى البيت يحضر الجنازة ويتصل بأنصار الحركة الوطنية لإشاعة الخبر، وطلب من أبنائه تجهيز سيارة من طيراز بيجو 404 بيضاء اللون، كلف ابنه مراد حميدو ليتوّجه بها إلى وهران لاستقبال الجثمان.

وتطابقت شهادات من حضروا لحظة وصول الجثمان إلى مطار السانيا وهران مع ما كتبته جنينة مصالي في مذكراتها، فهذه الحاجة خديجة حميدو، ابنة الراحل العربي، روت لـ”الخبر” أنها رافقت شقيقها مراد في تلك الليلة المشهودة إلى وهران. وبمجرد نزول النعش ومن كان يرافقه من أفراد عائلة مصالي من الطائرة، حتى بدأت تدوّي مطار السانيا الزغاريد، ودخلت خديجة حميدو في صراخ هستيري: هذا رجل عظيم.. هذا رجل مظلوم، كرّس حياته لاستقلال الجزائر. في هذه اللحظات المشحونة بالقلق، حولت شرطة المطار النعش إلى وجهة مجهولة.. انتظر فيها أفراد العائلة من الساعة السادسة بعد الزوال إلى منتصف الليل، وكانت الخطة، يقول زكرياء حميدو لـ”الخبر”، نقلا عن والده الراحل حميدو الذي قاد الموكب الجنائزي من وهران إلى تلمسان، هي محاولة التعتيم على خبر وصول مصالي الحاج ميّتا إلى أرض الوطن، وكانت الطريق مزدحمة بالحواجز الأمنية التي منعت دخول الموكب إلى مدينة وهران. وفي الطريق، توجس الراحل حميدو مراد خيفة من أية محاولة لاعتراض سبيله ومنع وصول الموكب إلى تلمسان، فراح يسلك منعرجات وطرق جانبية لتفادي الحواجز، ومع بزوغ فجر الجمعة للثامن جوان 1974، كان مصالي الحاج في بيت الحاج العربي حميدو بحي الفخارين بتلمسان، جثة مطمئنة هامدة، داخل نعش يزيّنه علم الجزائر، بل علم نجم شمال إفريقيا بلونه الأحمر الذي رمز به مصالي لمراكش الحمراء، وأخضره الرامز لتونس الخضراء، وبأبيضه الرامز للجزائر البيضاء، وبنجمته الخماسية الموحدة لشعوب مغرب عربي كبير، كان يحلم به مؤسس نجم شمال إفريقيا.

الجنازة التي كسرت حاجز الخوف

صحفي ومناضل تجاوز عقده السادس بثلاث سنين، كتب سنة 1995 وباسم مستعار، مقالا مطولا بعنوان.. مصالي الحاج المنسي الكبير في التاريخ الجزائري.. وكان من بين آلاف الشباب الذين تهافتوا على حمل نعش مصالي الحاج في جنازته المهيبة.

ميلود زناسني، صحفي ورئيس مكتب “لوسوار دالجيري” بتلمسان، كان هناك يومها، منذ أربعين سنة، وروى لـ”الخبر” شهادته قائلا: “جنازة مصالي الحاج كانت بمثابة سقوط حائط أو حاجز الخوف من نظام هواري بومدين، أو من نظام الحزب الواحد الذي حاول تكميم أفواه معارضيه بعد الاستقلال”، ويضيف الحاج الميلود: كل المناضلين، نساء ورجال، خرجوا في جنازة مصالي من تلمسان ومن بلاد القبائل ومن كل الجزائر، جاؤوا لتشييع من قال يوما مخاطبا فرنسا الاستعمارية هذه الأرض ليست للبيع.. وأمام الجمهور الكبير من المشيّعين، لم تجد مصالح الأمن سوى التفرج والمراقبة، دون قمع ولا منع.

وحسب ميلود زناسني، أحد الشهود العيان، فإن حضور وفود أجنبية من فرنسا وإسبانيا والمغرب أحرج السلطات وجعلها ترضخ للأمر الواقع.. مناضل مغربي من حزب الاستقلال لمؤسسه علال الفاسي، همس في أذن الميلود داخل المقبرة: مصالي الحاج كان سبّاقا لفكرة تحرير كل الشعوب المغاربية وليس الجزائر فقط، وهو من علمني أبجديات النضال النقابي في باريس..

كانت الشوارع مليئة بالمشيّعين من الجامع الكبير إلى مقبرة الشيخ السنوسي، تكبير وتهليل وزغاريد لم تنقطع، حتى النساء خالفن أعراف المدينة وخرجن لمرافقة نعش الزعيم. ويتذكر ميلود زناسني الذي كان يومها طالبا في الجامعة، مقاطعا من تأبينية للمحامي الفرنسي إيف دي شازال، أحد رفاق مصالي الحاج والذي تدخل باللغة الفرنسية، بعد كلمة تأبينية أعقبت الدفن للمناضل المرحوم محمد ممشاوي، إيف دي شازال قال: “لقد عاد إلى وطنه كما تمنى، ليدفن تحت ظلال أشجار الصنوبر. اختفاء مصالي من المشهد ليس لغلق صفحة، وإنما لتفتح صفحة أخرى في التاريخ.. مصالي كان يقول لي حين تزور تلمسان والجزائر، ستجد شيوخا كبارا من أنصار حزب الشعب والحركة الوطنية، ولكنني أجد اليوم شبابا يتخاطفون على حمل نعشه…” انتهى كلام إيف دي شازال. وهنا، تذكر جنينة مصالي في مذكراتها أن المحامي الفرنسي شد انتباه الحضور بكلماته، فتقدم منه شخص يحمل جهاز تسجيل وسأله عن هويته؟ ليجيبه: أنا المحامي إيف دي شازال من باريس.. ولتتقدم بدورها جنينة من السائل ومن تكون أنت؟ فأجابها: أنا مفتش الشرطة القضائية..

عمر العشعاشي 90 سنة دليل الجنازة من المسجد إلى المقبرة

الحاج عمر العشعاشي، من قدماء الحركة الوطنية وحزب الشعب الجزائري، لازال يحتفظ ببطاقة انخراط تعود إلى سنة 1947، مثقف وكاتب باللغة الفرنسية، زارته “الخبر”، قبل سنوات، في بيته بحي الحرطون في تلمسان، ورغم ثقل السنين، بلغ في شهر ماي عقده التاسع، لازال يحتفظ بتفاصيل جنازة مصالي الحاج سنة 1974، بداية بمحيط دار العربي حميدو التي احتضنت مراسيم العزاء، فيذكر أن النعش غادر الدار نحو المسجد وقد أحاط به كبار مناضلي الحركة الوطنية، وذكر لنا العربي حميدو والطبال محمد والمرابط… وسار الموكب الجنائزي المهيب نحو الجامع الكبير أين امتلأت الساحة المقابلة بالمشيّعين، وقريبا من مقر محافظة حزب جبهة التحرير الوطني، بدأ المشيّعون في تلاوة جماعية لسورة يس من الذكر الحكيم، لأن الراحل مصالي كان لم يكمل السورة القرآنية حين توفاه الأجل بمستشفى باريس، حسبما وجد عليه مصحفه الشخصي الذي كان يتلو منه ورده من القرآن يوميا، وكان يضع صورة لمدينة تلمسان داخل المصحف، حيث يكون قد انتهى من القراءة. وبعد صلاة الجنازة، كنت في مقدمة الموكب أوجه المسير، يقول الحاج عمر، وتم التوقف قرب قلعة المشور في جو مهيب من الذكر وأناشيد الحركة الوطنية، مثل فداء الجزائر ومن جبالنا.. الله الله على القبائل الأحرار، كانوا حاضرين بقوة.. ليتابع الموكب سيره وسط متابعة لصيقة من أعوان الأمن، والذين كانوا يلتقطون لنا الصور بطريقة استفزازية لم نبال لها.. وبشارع سيدي بلعباس، أول نوفمبر حاليا، توقف الموكب ثانية قرب زاوية الشيخ بن يلس أين درس وتعلم مصالي الحاج الحروف العربية وأبجديات الطرق الصوفية. وبالاقتراب من المقبرة، ازداد الجو مهابة وامتلأت الشوارع بالمعزين والمشيّعين، وكان الشعور العام لدى الناس أن صاحب هذه الجنازة رجل مظلوم.

ويذكر الحاج عمر العشعاشي أن المناضل عبد القادر محداد كشف على وجه مصالي الحاج وهو ممتد على نعشه بدار الحاج العربي حميدو، ليقسم بالله ثلاثا أنه كان على حق وخصومه مخطئون، ليضيف الحاج عمر بنبرة فيها شيء من الحزن: بعد مرور اثنان وخمسون سنة من الاستقلال، لم ننجح في كتابة التاريخ الحقيقي للثورة الجزائرية، بسبب جدار الخوف من الحقيقة التي يخشاها صناع القرار.. مستطردا: سبحان الله، مستحيل أن تنجح ثورة نوفمبر 1954 في ليلة وضحاها، فالأرضية كانت مهيأة بفضل نضال فصائل الحركة الوطنية المنتشرة في كل البلاد، هذا تاريخ ولا بد أن نتصالح معه ولابد أن يكتب بطريقة صحيحة. ومنذ تلك الجنازة وعلى مدار الأربعين سنة، لم ينقطع أنصار مصالي عن زيارة ضريحه والمبيت في ضيافة عمر العشعاشي، ليسترجع الأوفياء لحظات النضال وذكريات المعاناة من ظلم الاستعمار وتسلط الحزب الواحد.

تداعيات الجنازة تمتد إلى سنة 1982 وبن بلة في دار العربي حميدو

رحل الرئيس هواري بومدين عن الحياة وعن الحكم وجاء الرئيس الشاذلي بن جديد، وظن الكثيرون أن الجزائر تتوجه نحو الانفتاح. يقول لـ”الخبر” زكرياء حفيد العربي حميدو لابنه مراد، في العام 1980، زار الراحل أحمد بن بلة تلمسان للمشاركة في أربعينية وفاة الراحل العربي حميدو، وتوجه أحمد بن بلة إلى البيت الذي احتضن مصالي الحاج حيّا وميّتا، وكان بن بلة مصابا بحرج كبير لأن العربي حميدو رفض استقباله وزيارته بالمستشفى حين كان على فراش المرض بمدينة وهران. ورغم الخصومة التاريخية والسياسية، رحب به أفراد العائلة، وكان برفقة زوجته وابنته مهدية، مثلما تظهره الصور التاريخية النادرة التي تنشر لأول مرة على وسيلة إعلامية.

ويسرد علينا زكرياء بعض اللطائف التي رافقت أحمد بن بلة إلى تلمسان يومها، فيقول: من كثرة ما كنا نستمع إلى الوالد والجد يتحدثون عن غدر بن بلة وبوصوف وبومدين وموقفهم من مصالي الحاج، قام أخي رضا بسرقة حذاء الرئيس بن بلة ورماه في فيلا بن زاكي المقابلة لدار جدي العربي حميدو، ولم يكتف بذلك فملأ خزان الوقود لسيارة بن بلة بالسكر.. وهو ما أغضب الوالد الذي قال لنا: “هذا لا يجوز، فالرجل ضيف عندنا، وكان رئيسا للجمهورية الجزائرية”.

ويذكر زكرياء حميدو أنه كان شابا يافعا حين رافق والده والرئيس أحمد بن بلة إلى مقبرة الشيخ السنوسي في زيارة سنة 1980، ويتذكر كيف كان أحمد بن بلة يبكي على قبر مصالي الحاج وهو يقول: “سامحنا سيدي الحاج، لقد خدعناك”.. عبارات يشهد عليها ويرددها العديد ممن حضروا الزيارة إلى المقبرة يقول زكرياء، ومن بينهم المناضل مسلي بشير.

وبعد أشهر قليلة من الحادثة، نشرت جريدة “المجاهد” الحكومية مقالا تاريخيا مطوّلا لوالده مراد حميدو، تلقى إثره تشجيعات وثناء مثقفين وسياسيين، ومنهم حتى وزراء. وعادت ممارسات النظام إلى عاداتها القديمة، حين أحاطت مخابرات الرئيس الشاذلي بن جديد بالمنزل ومعها إذن بالتفتيش، كان ذلك في ربيع سنة 1982، بشارع خديم علي وسط مدينة تلمسان، كنت عائدا من المدرسة حين وجدتهم يفتشون الدار غرفة بغرفة. لقد كان شعورا رهيبا، قال لنا زكرياء، فريق الأمن العسكري الذي احتجز الوالد أسبوعا كاملا في مقر أمني بمدينة وهران، أخذ معه أرشيفا من الصور والرسائل التاريخية، وحتى أسطوانات وأشرطة تمثل تراثا موسيقيا عريقا، كون الوالد كان في شبابه موسيقيا بارعا، اشتغل مع الحاج العنقى وخزناجي وحتى العملاق العربي بن صاري ودحمان بن عاشور الذي نشط بنفسه حفل زفاف الوالد سنة 1965 في تلمسان، المحجوزات الموسيقية تتمثل في تسجيلات تراثية مهمة في الشعبي والأندلسي والحوزي.. وظل الوالد يراسل السلطات العسكرية والمدنية لاسترجاعها دون فائدة، والآن، ما الفائدة من حجز تراث موسيقي وطني في زمن التعددية والديمقراطية، إما أن يعاد تسليمه إلى العائلة وهو حقها الشرعي، وإما يسلم لجهة ثقافية عمومية، قال محدثنا.

وسمحت لنا عائلة حميدو، مشكورة، بزيارة دار الحاج العربي المليئة بالذكريات، حلوها ومُرّها، وبشهادة فردان من العائلة وبداخل الغرفة التي وضع بها نعش مصالي الحاج سنة 1974 ثم نعش العربي حميدو سنة 1980، روى لنا الشاهدان كيف أصرّ سرب من النحل على دخول الغرفة التي كان بها نعش الرجل الشجاع الشهم العربي حميدو الذي ظل يرفض إغراءات رفاقه القدماء في صفوف الحركة الوطنية من الذين تبوؤوا مناصب مسؤولية سامية في جزائر الاستقلال، أصرّ سرب النحل، في حادثة غريبة، على الطواف عدة مرات حول نعش الرجل الذي أصرّ على استقبال وتشييع جنازة مصالي الحاج.