بقلم الباحث Sameh Abd Al Aziz – مصر

إن مفهوم “الدولي the international” يعيد إلى الذهن زمناً امتد حتى وقت ليس ببعيد عندما كانت تري الحكمة التقليدية العالم مقسماً إلى دول ذات سيادة ومستقلة قانوناً بحدود إقليمية بشكل آمن. وأن تلك الحدود تشمل نظماً سياسية، قوانين، مجتمعات، اقتصادات، وثقافات “قُطرية/وطنية national”. كما يفترض أن يسود السلم والنظام/الانتظام النسبيان Relative peace and order في هذا النوع من السياق “المحلي/الداخلي domestic”. وعلى النقيض من ذلك، كان “الخارج outside” هو العالم “الفوضوي anarchic” والتنافسي – والعنيف غالباً – لما هو “دولي the international”. وفي هذا العالم realm، حيث سعت كل دولة إلى تحقيق “مصلحتها الوطنية national interest” المحددة وفق مفاهيم “القوة power”، وشملت الدبلوماسية بالأساس مفاوضات اتسمت بأنها من دولة لدولة state-to-state وأنها مفاوضات بين-حكومية intergovernmental، كما كان كل من القانون الدولي والمؤسسات الدولية ضعافاً. في ذلك الوقت كان معظم منظري العلاقات الدولية يصنفون ذواتهم على أنهم “واقعيون realists” ووصفوا أي شخص يقدم أي منظور آخر بأنه “مثالي idealist” أو “طوباوي utopian”.

إننا نصر أن ما سبق ما هو إلا رسم كاريكاتيري لفكرة واقعية تعكس أساسيات الرؤية الواقعية. ومع ذلك، من الواضح أنها ليست الصورة الكاملة. فمن المهم وضع واقعية القرن العشرين في سياقها. لقد استخلصت الواقعية دروسها الحديثة مما أسماه كار E. H. Carr أزمة العشرين عاماً من 1919 إلى 1939 والتي استمرت في الازدهار في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وحلفائها وبين الكتلة السوفيتية؛ على الرغم من عجزها عن فهم الطبيعة الأيديولوجية للتنافس بينهما فهماً كاملاً. وربما ليس من المستغرب في زمن الحرب الشاملة وفي ظل الإبادة النووية، أن يكون انشغال الواقعيين بأمن الدولة والصراع، مع إهمال كل شيء آخر تقريباً.

علاوةً على ذلك، بدا أن بعض الواقعيين الكبار أنفسهم كانوا يدركون أن هناك شيئاً مفقوداً في نظرتهم الأساسية إلى العالم. على سبيل المثال، كتب كار (عام 1962: ص109): إن نظرية الطلاق/الانفصال بين نطاقات السياسة والأخلاق جذابة ظاهرياً، ولو حتى بسبب أنها تتملص من المشكلة غير القابلة للحل المتمثلة في إيجاد مبرر أخلاقي لاستخدام القوة. ولكنها ليست مرضية في نهاية المطاف. .. إن محاولة إبقاء الرب وقيصر في مقصورات المياه الضحلة[1] يثير كثيراً من إحباط الرغبة الدفينة للعقل البشري للحد من نظرته إلي العالم كنظام أخلاقي ما.

كتب المنظر الواقعي الأنموذج هانز مورجنثاو (عام 1987: ص154): “إن قوة الأمة … لا تعتمد فقط على مهارة دبلوماسيتها وقدرة قواتها المسلحة ولكن أيضا على انجذاب الدول الأخرى لفلسفتها السياسية، مؤسساتها السياسية، وسياساتها السياسية”. والأهم من ذلك بكثير هو أنه حتى في وقت مبكر كان هناك عدد قليل من منظري العلاقات الدولية الذين نظروا إلى العالم بعدسات أقل تركيزاً على الدولة less state-centric lenses. على سبيل المثال، فقد أصر هيدلي بول عام 1977 – وهو أحد مؤسسي المدرسة الإنجليزية- على أن الدول قد تجد أن من مصلحتها الوطنية احترام القانون الدولي والنهوض به، وبناء المؤسسات الدولية، وتشجيع التعاون الدولي، وذلك على الرغم من ارتياحه إلى حد كبير مع التقاليد الواقعية. كما قد ذهب جيمس روزناو عام 1969 إلى أبعد من ذلك للقول بأن هناك “روابط linkages” بين السياسة “المحلية domestic politics ” والسياسة “الدولية international politics ” التي تشكل حلقة تغذية عكسية من نوع ما. ولكن غالبية نظرية العلاقات الدولية ظلت حبيسة نظرة واقعية للعالم متمحورة حول الدولة، والتي تبدو اليوم رجعية reactionary وساذجة naive، على الرغم من أنها لا تزال موضع إعجاب بعض المنظرين وصانعي السياسات، وخاصةً في الولايات المتحدة؛ أي مساواة نظرية الخلق creationism في العلوم الطبيعية بالسياسة الخارجية في الأهمية والمكانة.

يدرك العلماء المعاصرون بشكل متزايد التنوع الهائل للدول، والتمييز المهم بين “الدولة state” و”الأمة nation”، وحقيقة أن الدول حتى على مستوى صنع السياسات ليست فواعل أحادية unitary actors، وأهمية المؤسسات institutions والمعايير norms الدولية، واحتمال أن يكون العنف “داخل الدولة intrastate” أو “عبر الدول trans-state” وليس “بين الدول interstate”. ومن الواضح أيضاً أن المرحلة الحالية من السياسة العالمية global politics مزدحمة بعدد لا يحصى من الفاعلين من مختلف الأنواع، التي تحدد تفاعلاتهم المعقدة إلى حد كبير المسار المتوسط والمسار بعيد المدى لسيناريوهات بعينها. علاوةً على ذلك، فإن تدفق الأحداث لا يعكس فقط عوامل خلفية مألوفة نسبياً مثل التنوع بين الأديان العالمية وندرة الموارد النفطية، ولكن يعكس أيضاً وبشكل خاص وتيرة وحجم “العولمة globalisation” المذهلة والمتسارعة في أبعادها المتعددة وديناميكيات “التوطين localisation” ذات الصلة بها التي تشمل مقاومة العولمة.

تعمل نظرية “ما بعد الأممية/الدولية Post-internationalism” أو نظرية “ما بعد الدولية post-international theory ” علي عكس وجهة النظر العالمية الموصوفة في الفقرة السابقة. حيث تشرح هذه المقالة (ما هي مرحلة ما بعد الأممية وكيفية ارتباطها بمدارس العلاقات الدولية الأخرى، وتقترح كذلك روزنامة لبناء النظرية في المستقبل. إن النظرية السيئة عادةً ما تنتج سياسة سيئة، وهي حقيقة تتجلى في الجمع بين الواقعية الجديدة neo-realism وليبرالية “المحافظين الجدد neocon liberalism” التي هيمنت على واشنطن في السنوات الأخيرة. ومن دواعي السرور أن تعيد رؤى ما بعد-الدولية تركيز الممارسين بعيداً عن سيلا توازنات القوى وكاريبيديس [2] النظيمات الديمقراطية تجاه تعدد الفاعلين multiplicity of actors، وسياسات الهوية identity politics، والمفاهيم المتغيرة للفضاء السياسي. وبالتالي، فإن “نظرية” ما بعد-دولية ليست نظرية فحسب، بل هي أيضاً طريقة عملية للتفكير في العالم وتحليل القضايا السياسية العالمية.

هل ما بعد الأممية/الدولية “نظرية” (بالمعنى الاحترافي للعلاقات الدولية) أم “مجرد” إطار تحليلي؟ تعتمد الإجابة على تلك الأسئلة بشكل كامل على تعريف مفهوم “النظرية” المستخدم. فإذا كانت النظرية تعني ضمناً القدرة على تحديد السبب والنتيجة cause and effect لكل شيء ذي أهمية في السياسة العالمية، فإن ما بعد الأممية ستفشل في تحقيق مبتغاها falls short. ولكن ما هي النظرية الراسخة التي لا تفشل في تحقيق مبتغاها إذا كان هذا هو المعيار؟ إن من الأمثلة لذلك النظرية الواقعية realism، فقد ظلت مقبولة على نطاق واسع لسنوات عديدة كنظرية كانت إطاراً معرفياً paradigm حقيقياً. مما لا شك فيه أن ما بعد الأممية تطور نظرة عالمية وإقتراباً تحليلياً analytical approach، ولكنها أيضاً تطرح مقولات تنظيرية theoretical statements حول ديناميكيات السياسة العالمية، الفاعلين، الهويات، والشئون ذات الصلة.

(المبادئ المركزية لنظرية ما بعد-الدولية).

  • الرحيل عن نظرية العلاقات الدولية المتمركزة حول الدولة State-Centric IR Theory:

لقد نمت نظرية ما بعد-الدولية من حالة عدم الرضا عن أوجه القصور والتشوهات الكامنة في النظريات الواقعية التقليدية والواقعية الجديدة، وخاصةً في رؤيتهما للعالم من منظور متمركز علي الدولة state-centric vision of the world. وترى وجهة النظر ما بعد-الدولية أنه على الرغم من أن الدول ذات السيادة وعلاقاتها “الدولية” لا تزال مهمة ومن الواضح أنها ستبقى كذلك؛ فإن العالم الذي يركز على محورية الدولة والمقبول كمعطى من كافة النظريات التقليدية لم يكن موجوداً تماماً، وهو بالتأكيد غير موجود الآن، ولن يكون له وجود أبداً.

لقد جاء انفصالنا الأولي عن منظور مركزية الدولة من ذلك الاعتراف الذي حدث في منتصف سبعينيات القرن العشرين بأن الكتب الدراسية الرائدة ظلت بعيدة عن العالم الحقيقي، وخاصةً فيما يتعلق بانتشار الفاعلين من غير الدول non-state actors الذين يتدرجون بين الإرهابيين terrorists والشركات عبر الوطنية transnational corporations (كما ذكر مانسباخ وآخرون عام 1976). في التسعينيات، طورنا نموذج “النظيمات السياسية polities” لتحليل السياسة العالمية التي انبثقت عن الأبحاث التجريبية حول ستة نظيمات ما قبل وستفالية[3] pre-Westphalian systems (كما ذكر الكاتبان عام 1996)، وقمنا بإعادة النظر في هذا النموذج والتوسع فيه في كتاب إعادة ترسيم السياسة العالمية: انتقام التاريخ وصدمة المستقبل (أو Remapping Global Politics: History’s Revenge and Future Shock للكاتبين ذاتهما عام 2004). ومن المثير للدهشة، أنه قد أصبح من الواضح أن منظورنا، الذي نشأ بشكل مستقل، كان يتقارب مع العمل الرائد والخصب لروزناو (في أعوام 1990، 1997، و2003). حيث كان قد صاغ روزناو مصطلح “ما بعد الدولية/الأممية post-internationalism” لوصف “إتجاه واضح تتكشف فيه المزيد والمزيد من التفاعلات التي تدعم السياسة العالمية دونما مشاركة مباشرة للأمم والدول” (وذلك في كتابه لسنة 1990: ص6؛ وانظر أيضاً كتابه لعام 1997: الملحوظة رقم 38 وكتابه لعام 2000: صفحات 219-237). وهو لا يزال يشير إلى مرحلة ما بعد-الدولية وما بعد الأممية، على الرغم من أنه يصف الآن عادةً “إطاره المعرفي” الشخصي أو “نظرته إلى العالم” بعبارات ديناميكية من قبيل “الاضطراب turbulence” أو “تكامل الأجزاء fragmegration”[4] (في كتاب روزناو لعام 2003، صفحات 11-16). وبالمثل، يسلط نموذج النظيمات السياسية الذي قدمه الكاتبان عام 1996 (ص51-57، ص383) الضوء على “التكامل integration” و”التشرذم fragmentation” أو “الانصهار fusion” و”الانشطار fission”. ولكن يبدو لنا أن “ما بعد الدولية” هي أفضل توصيف مختصر للسياسة العالمية المعاصرة.

  • الاستمرارية، التغيير، والتعقيد:

تؤكد نظرية ما بعد-الدولية على التغيير المستمر، ولكنه تغيير أسرع بكثير في بعض السياقات من غيرها. وفي بعض الحالات، لا يكون التغيير أكثر من مجرد إضافة addition أو امتداد extension للأنماط القائمة ولا يطمس بالضرورة كل ما جري من قبل. وعلى النقيض من ذلك، قد يكون التغيير تحويلياً transformative، مما يؤدي إلى تبدلات دراماتيكية جذرية في طبيعة الحياة السياسية (انظر هولستي 2002: ص3-43). ومع ذلك، فإن نظرية ما بعد-الدولية لا تفترض أن التغيير هو بالضرورة أحداي الاتجاه unilinear أو لا يحتوي على افتراضات ــ معلنة أو غير معلنة ــ حول التغيير “التقدمي progressive” مقابل التغيير “التراجعي retrogressive”.

يجادل روزناو (عام 2002: ص261-279) بأنه يبدو أن هناك “مزاجات temperaments” مختلفة خلف أعمال المنظرين. وأن بعضهم على استعداد للبحث عن الاستمراريات، في حين يميل البعض الآخر إلى التأكيد على درجة اختلاف الحاضر عن الماضي. لكن منظورنا الخاص يؤكد على الأهمية الحاسمة للتاريخ، على الرغم من أننا نعترف بكل الذاتية التي يركز عليها البنائيون constructivists والمتضمنة حتماً في التفسير التاريخي. (هل هناك ذاتية subjectivity أقل متضمنة في تفسير العالم المعاصر؟ ربما لا.) وكما يعبّر ساسكيا ساسن عن ذلك (عام 2006: ص404) بقوله “يستخدم المرء التاريخ كسلسلة من التجارب الطبيعية لرفع مستوى التعقيد”. إن الحاضر هو نفس الماضي ويشبهه في بعض النواحي، ولكنه في نفس الوقت مختلف جداً عنه في جوانب أخرى. لذا؛ كيف بالضبط يكون الحاضر مماثلاً للماضي ومختلفاً عنه أيضا في ذات الوقت؟ إن الجميع سيستفيدون إذا اضطر جميع المنظرين للإجابة على كل من هذين السؤالين وحشد الأدلة قبل كتابة أي شيء آخر. إن التحليل التاريخي يجعلنا ندرك تماما اًلتماثلات بين عالمنا في القرن الحادي والعشرين من حيث السلطات المتشرذمة، الهويات المتحولة، الأيديولوجيات المتنافسة والعهود ما قبل الدولية pre-international epochs مثلما كان الحال في العصر الهيليني. وهو يذكرنا أيضاً باستمرار العديد من الأشكال والأفكار والولاءات السياسية التاريخية التي تشكل اليوم ما نسميه “متحفاً حياً”. في بعض الأحيان يبدو أن الماضي يكاد يكون “يطارد” الحاضر أو أنه يدبر لـ”الانتقام” منه. حيث يتم استخراج عدد من المعارض المختلفة من خزانات التخزين من هذا المتحف الحي في أزمنة مختلفة وغير مريحة للغاية في كثير من الأحيان.

ويعترف روزناو (عام 1997: ص22-23) أيضاً بالسوابق التاريخية للسلطة ما غير الدولة non- state authority مثل أسرة ميديتشي والرابطة الهانزية؛ في ظواهر من قبيل الأمراض مثل الطاعون؛ وتأثير المعلومات من الصحافة المطبوعة واللاسلكية والهاتف. ولكن بالنسبة له ــ ولا يختلف معه أحد في ذلك– ‘فهناك … أبعاد رئيسية للعصر الحالي قد أفضت إلى اختلافات نوعية وليس فقط في الدرجة أو الكم مقارنةً مع أوقات سابقة”. وبالتالي، ربما يكون من الإنصاف القول بأن تركيزه ينصب على التغيير التحويلي transformative change، في حين أن تركيزنا ينصب على الاستمرارية continuity والتغيير change على حد سواء، وأنه لا يمكن استيعاب ومراعاة التعقيد في زمننا الحالي إلا عندما يُنظر إليهما معا.

إجمالاً، يحكي روزناو (عام 1997: ص56-77) قصة عالم يتسارع فيه التاريخ، عالم يتسم بتشعب bifurcation الهياكل العالمية، وانتشار الفاعلين، والثورات التكنولوجية، وعولمة التبادل الاقتصادي، ووجود قضايا الاعتماد المتبادل interdependence/المنافع الجماعية collective-goods، وضعف سلطة الدولة، والجماعية الفرعية sub-groupism، والأعداد المتزايدة من الأفراد ذوي المهارات، واتساع فجوة الدخل داخل البلدان وفيما بينها على حد سواء، بما يعكس لنا تصوراً عن أولئك الذين يستفيدون من العولمة وأولئك الذين لا يستفيدون منها (أو الذين يستفيدون بدرجة أقل بكثير).

بصفة عامة يبدو لنا أن هذا وصف دقيق. ومع ذلك، وعلى الرغم من التغيير التحويلي، ليست هناك سوابق تاريخية هامة فحسب، بل أيضا، والأهم من ذلك، هو تلك التركات المباشرة من الماضي. حيث يشهد العالم المعاصر “انتقام التاريخ history’s revenge” و”صدمة المستقبل future shock”. ونعتقد أن هذا الاقتران يساعد على تفسير “التناقضات المتعددة” التي يميزها روزناو فيما وصفه بـ “مساحة سياسية جديدة وواسعة new and wide political space” في السياسة العالمية التي هي “الحدود المحلية-الخارجية domestic-foreign frontier”. إنه عالم لا تزال فيه الدول باقية، وبعضها قوي أيضاً، ولكن السيادة فيه أصبحت أقل أهمية بكثير على الرغم من تأكيدات القادة بعكس ذلك. فقد أصبحت الحدود Boundaries مثل الغربال، وأضحي إقليم الدولة state territory غالبا ما يتم تجاوزه واختراقه، على الرغم من أنه لا يزال قادراً على توليد مشاعر عاطفية.

ويمكن توضيح ذلك بأن المساحة من الأرض Landscapes تفسح الطريق للارتباط بقيم أخرى، فترتبط تلك المساحة بأرض لإثنية بعينها ethnoscapes، لوسائل إعلام بعينها mediascapes، لأفكار دون غيرها ideoscapes، وأرض لنظم مالية محددة finanscapes. (روزناو في عام 1997: ص4).

وبالنظر إلى هذا التعقيد الهائل والمحير، فكما يعبر روزناو (عام 1997: ص5) إن التحدي التحليلي المركزي يتمثل في: كيف نقيّم عالماً تتغير فيه الحدود باستمرار فتتسع تارةً وتضيق تارةً أخرى، وتمر في الوقت نفسه بحالة من التآكل erosion فيما يتعلق بالعديد من القضايا وبحالة من إعادة التعزيز reinforcement فيما يتعلق بقضايا أخرى؟ كيف يمكن لنا إعادة تحديد مفهوم الفضاء السياسي بحيث يستحضر الهويات identities والانتماءات affiliations (على سبيل المثال، الدينية والإثنية والمهنية) وكذلك الأقاليميات territorialities؟ … وتحت أي ظروف يمكن إحالة السلطة ضمن الحدود إلي الدول ذات الفكر المتماثل like-minded states، أو إلى النظيمات العالمية global regimes، أو إلى المنظمات عبر الوطنية transnational organizations، أو إلى الكيانات ما دون الوطنية sub-national entities، أو إلى تحالفات من أنواع مختلفة من الفاعلين؟.

تؤكد نظرية ما بعد-الدولية على التغيير الجوهري في السياسة العالمية، وإن كان الميراث التاريخي يخفف من وطأة ذلك التغيير بشدة. إن نظرية مثل هذه تتعارض بحدة وبوعي ذاتي مع النماذج الساكنة static models (انظر، على سبيل المثال، جيلبين 1981: ص7). كما أن التغيير ما بعد-الدولي هو نتاج عمليات متزامنة لانصهار وانشطار السلطة fusion & fission of authority. وينعكس المفهوم الأول –انصهار السلطة- في نمو الشبكات التي تربط وتؤثر على سلوك الأشخاص “البعيدين remote” عن بعضهم البعض. إن البعد Remoteness هو بطبيعة الحال وظيفة تتكون من المسافة المادية physical distance، التقنية technology، والعقلية mindset، وكذلك الجغرافيا geography، ولكن على عكس ما كان يحدث في الماضي، أصبح للجغرافيا تأثير أقل على المسافة النفسية psychological distance وعلي القرب proximity أيضاً. لقد كان من المستحيل إدارة الإمبراطوريات القديمة جزئياً ومن مركز بعيد بسبب حدود تقنيات النقل والاتصالات المتاحة وقتها، ولن يكون من المتصور أن تكون الشبكات المعاصرة غير مفهومة في ظل غياب تقنيات متقدمة أكثر بكثير. بينما الاتجاه الثاني –انشطار السلطة- يعزي إلي تفتيت الوحدات السياسية القائمة إلى جزر وفق تحديد الهوية ذاتياً self-identification التي تقوم بتوطين/أقلمة السلطة localize وغالباً تقوم بتخصيصها specialize، وتقوم أيضاً بإعاقة الجهود الرامية إلى إيصال المنافع الجماعية collective goods.

وهكذا، فإن بعض الجمعيات/الرابطات associations تنهار وفي نفس الوقت تتجمع جمعيات/رابطات أخرى. إن “التناقضات الظاهرية بين القوى التي تنشر البشر والسلع والأفكار في جميع أنحاء العالم وبين تلك القوى التي تجبر على انكماش البشر والسلع والأفكار داخل الحدود الجغرافية الضيقة أو المعلاة” (كما يؤكد روزناو عام 1995، ص3) هي محركات التغيير في النموذج ما بعد-الدولي الذي يصفه روزناو بشكل جماعي بأنه “تكامل للأجزاء fragmegration”. إن “الحجة المركزية” لأحد أحدث كتب روزناو (عام 2003: ص3) هي أن “أفضل طريقة لفهم الشؤون العالمية اليوم تتطلب النظر إليها على أنها سلسلة لا نهاية لها من التقاربات المتباعدة distant proximities التي تعبر فيها بشكل تفاعلي عن نفسها كل من القوى الضاغطة من أجل عولمة أكبر greater globalisation والقوى التي تحفز على زيادة التوطين/الأقلمة greater localisation”.

لا تزال الآثار المعيارية لهذه العمليات مشوشة أو مرتبكة بالتأكيد. فالتكامل السياسي والاقتصادي والثقافي يوفر مزايا النطاق scale، ولكنه قد يفضي إلي وجود أجزاء متشرذمة وأقل قدرة على المنافسة في العالم، على سبيل المثال، في مستويات معيشية أقل نسبياً. ويحافظ تفكك Disintegration السلطة أو تصنيفها disaggregation على الثقافة المحلية ويوفر الرضا النفسي للوحدات الأصغر، ومع ذلك فإنه قد يؤدي أيضا إلى التهميش marginalization والصراع strife الإثنيين في ساحات القتال مثلما كان الحال في كوسوفو أو تيمور الشرقية. إن عمليتي التغيير مرتبطتان. فالمركزة Centralization تنتج رغبة في الاعتراف بالتغاير heterogeneity الاجتماعي والثقافي والسياسي واحترام ذلك التغاير، وتحفز الجهود الرامية إلى تحقيق لامركزية السلطة. بينما اللامركزية Decentralization تنتج مطالب بوفورات الحجم، وقدرة وظيفية أكبر، وكفاءة لا يمكن تحقيقها إلا من خلال ممارسة سلطة أوسع نطاقا.

  • النظيمات (الكيانات) السياسية، الحوكمة العالمية، الهويات، والولاءات:

ترى نظرية ما بعد-الدولية أن العالم مسكون بعدد لا يحصى من الفاعلين من العديد من الأنواع المختلفة التي تعكس هويات مختلفة، وتنخرط بشكل متفاوت في قضايا لا حصر لها، (وكما سنشرح لاحقاً) فهم يمارسون سلطة فعالة في مجالات وسياقات معينة.

على الرغم من أن روزناو يأخذنا مسافة كبيرة بعيدا عن الصياغات المتمركزة على الدولة، فإنه لا يأخذنا في مجال واحد بعيداً بما فيه الكفاية. إن نموذجه عن السياسة العالمية يحتفظ بـ’عالمين متفاعلين …. عالم متعدد التمركزات multi-centric يتكون من فاعلين متنوعين ومتساويين نسبياً، وعالم متمركز على الدولة state-centric لا يزال فيه الفاعلون الوطنيون/القوميون national actors أساسيين” (في كتابه لعام 1990: ص97-98). وبطبيعة الحال، هناك تفاعلات بين دولية inter- state interactions؛ وينبغي أن يظل هناك تفاعل بين الدول. ومع ذلك، فإن عدد التفاعلات ذات الأهمية بين الدول التي لا تتدخل فيها نظيمات سياسية أخرى أو تتأثر بها تكون أقل بكثير، وغالبا ً ما تكون نظيمات سياسية من دون إقليم non-territorial polities. وهذه ليست مجرد حالة “السياسة السفلى low politics” كما كان يُعتقد ذات يوم (انظر، على سبيل المثال، كيوهان وناي 2001)، حيث أصبحت الشركات والبنوك عبر الوطنية العملاقة، على سبيل المثال، محركات للتحديث وعدم المساواة الاقتصادية. لكن يمكن النظر إليها على نحو متزايد علي أنها حالة “السياسة العليا high politics” أيضاً. وهكذا، أصبح حزب الله نقطة ارتكاز fulcrum بين إسرائيل ولبنان وإيران والولايات المتحدة في صراع إقليمي على السلطة، وأصبح القرن الأفريقي ساحة للميليشيات المتصادمة colliding militias وأمراء الحرب warlords والمتشددين المتدينيين religious militants. إن هذه أمثلة على الواقعية القائمة علي “اللادولة stateless realism” مصحوبةً بالرغبة في الانتقام.

وكما أن الدول في الماضي “استحوذت” على الجماعات الما دون-وطنية sub-national والعبر-وطنية transnational، بما تراوح بين الأمم الإثنية والأمم المقسمة وفق الأديان، وذلك لتقوية شرعيتها واستقرارها، فإن الدول اليوم “يُستحوذ عليها” من قبل الميليشيات القبلية tribal militias والجماعات الدينية religious groups، وذلك بنفس القدر الذي اعتقد به كارل ماركس من أن الدولة البرجوازية bourgeois state قد “استحوذ عليها” الرأسماليون capitalists. فبلدان مثل أفغانستان وباكستان والصومال ليست أكثر من مجرد ألوان مضللة على الخرائط العتيقة. كذلك فالدولة العراقية ليست موجودة إلا في الرؤية القاصرة myopic vision لآخر المدافعين عن السياسات الفاشلة لإدارة جورج دبليو بوش، كما ستحتاج الدولة اللبنانية أن يعاد بناؤها reconstructed حرفياً ومجازياً، أو بنائها –من البداية- إن صح التعبير.

إن التغيير المتسارع ينتج عالماً متزايد التعقيد من الفاعلين في السياسة العالمية/المحلية. ونحن نسمي هؤلاء الفاعلين نظيمات سياسية polities، في حين يفضل روزناو مصطلح “نطاقات السلطة spheres of authority” أو “SOAs”. إن النظيمات السياسية هي جماعات collectivities – سواءً أقاليمية territorial أو غير أقاليمية non-territorial– متحقق لها قدر معقول من الهوية identity والمأسسة institutionalization، ومتحقق لها أيضاً درجة من التسلسل الهرمي/الهيراركي في تنظيمها، والقدرة أيضاً على تعبئة الأشخاص والجماعات لأغراض سياسية (الرضا القيمي value satisfaction). وتستوفي بعض الكيانات هذه المعايير بوضوح أكبر من غيرها. فعلى سبيل المثال، إن معظم الدول والمؤسسات الدولية والشركات عبر الوطنية TNCs والمنظمات غير الحكومية الكبري NGOs والمنظمات الإجرامية والإرهابية هي نظيمات سياسية polities. وعلى النقيض من ذلك، فإن أغلب الأسواق ليست نظيمات سياسية لأنها تفتقر إلى الهوية المطلوبة، أو المأسسة، والتسلسل الهرمي/الهيراركي. فالأسواق، مثلها مثل باقي الشئون العالمية، ليست فواعل actors في ذواتها، بل إنها تعكس عوامل خلفية بالضيط كما تفعل سلوكيات العديد من الأنطمة السياسية، بما في ذلك الشركات والبنوك والصناديق المالية، بالإضافة إلى الأفعال اليومية للعديد من الأفراد.

تتعايش النظيمات السياسية وتتعاون وتتنافس وتتصادم. وكثيراً ما تتداخل ويعلو بعضها فوق بعض طبقات أو حتى تتشابك مثل عشوش الطيور (فيرجسون ومانسباخ 1996: 48-49) ومن ثم تتشارك في جزء من نفس “الفضاء السياسي” – مثل الإقليم والقضايا والهويات والأسواق و/أو الفضاء الإلكتروني/السيبراني. فالنظيمات السياسية كلها تتسم بأنها “تصبح/تتحول becoming” بمعنى أن التطور السياسي أمر دائم، وذلك على الرغم من أنها تتطور بمعدلات مختلفة وليس بالضرورة بطريقة أحادية الاتجاه unilinear. وحتى الدول الأقدم في أوروبا، مثل ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا، لا تزال تحاول تأسيس هوية وطنية آمنة تماماً. ولنتأمل هنا أيضاً التشابك المعقد complicated nesting بين مختلف الدول والأمم التقليدية في الاتحاد الأوروبي. فمن الواضح أن التحدي المتمثل في صياغة هوية وطنية وحتى الحفاظ على قدر ضئيل modicum من النظام/الانتظام السياسي political order هو أمر باعث علي اليأس أكثر بكثير في العديد من البلدان الأخرى.

في العالم ما بعد-الدولي post-international world تزداد سهولة اختراق الحدود الأقاليمية السيادية، كما تتجاوزها بشكل روتيني جميع التفاعلات الرئيسية للعولمة. وبالنسبة لستيفن كراسنر (في مؤلفه لعام 1999: ص4) فإن هذا التآكل في “سيادة الاعتماد المتبادل interdependence sovereignty” لا يستتبع إضعاف الأبعاد الثلاثة الأخرى للسيادة التي يفترضها. غير أن الترابط المتبادل interconnectedness بين هذه الأبعاد يجعل هذا الأمر مشكوكا فيه؛ فعلى سبيل المثال، من الصعب أن نرى كيف يمكن الحد من “سيادة الاعتماد المتبادل” دون الحد من “السيادة الوستفالية” بمفهومها التقليدي، والعكس بالعكس.

وتستجيب صحة الاقتصادات الوطنية للتطورات في الاقتصاد العالمي بنفس القدر الذي تستجيب به لإجراءات البنوك المركزية، أو حتى أكثر. رغم جميع المحاولات لفرض رقابة على محتوى الإنترنت، فإن المزيد والمزيد من الأفراد في جميع أنحاء العالم ينفذون يومياً إلى الطريق السريع للمعلومات ويستخدمون البريد الإلكتروني والهواتف الخلوية للاتصال عبر مسافات واسعة. كما قد أصبحت الأفلام والتلفزيونات والموسيقات الشعبية على حد سواء شركات عالمية ومناطقية. كما لا تتجنب موجات الطقس المضطرب التي تفاقمت بسبب الاحتباس الحراري العالمي المواطنين في أية أرض كانوا. وتهدد الأمراض والأوبئة العالمية مثل السارس أو أنفلونزا الطيور الجميع وتدفع التعاون البحثي عبر الحدود. وعلى الرغم من تشديد الرقابة على الحدود مؤخرا –الذي يعود جزئياً إلى التهديدات الإرهابية المتصورة- فإن حركة الشعوب تسير على قدم وساق وتخلق تحديات خطيرة لاستيعاب assimilation الثقافات الوطنية. فجماعات من المسلمين “الناشئون في بلدانهم الأصلية home-grown” ثم هاجروا إلي بريطانيا يشاهدون القنوات التلفزيونية الإسلامية ومن ثم يستجيبون للنداءات الأيديولوجية الأصولية للجهاد. وهكذا.

تعترف نظرية ما بعد-الدولية بالأهمية المستمرة للدول ذات السيادة في الشؤون العالمية، ولكنها ترفض منح امتيازات لها في التحليل، أو أن تبالغ في تقدير نفوذها، وبالتالي تفشل في تقدير التأثير الأكبر الذي تمارسه في كثير من الأحيان مجموعة واسعة من الفاعلين أو النظيمات السياسية الأخرى. ويبدو أن الدولة ذات السيادة، بوضعها القانوني الخاص باعتبارها مستقلة وذات سيادة، باتت تري الآن كنتاج محتمل لزمان ومكان معينين، ألا وهو المتحققان في بدايات نشأة أوروبا الحديثة (انظر على سبيل المثال، سبرويت 1994). وقد نجح نموذج الدولة الأقاليمية بقدر ما نجح لأنه وفر بعد ذلك قدراً من الأمن، وتشجيعاً للأسواق والتجارة بعيدة المدى، ونظاماً للقانون والعدالة يمكن الاعتماد عليه بدرجة معقولة، وولاءً وطنياً ساعد على مد الجسور بين الانقسامات الإثنية والدينية الخطيرة في تلك العصور. ومع ذلك، استمرت الحدود في التحول، ولم يكن البناء الوطني للمؤسسات والهويات بأي حال من الأحوال أمراً مفروغاً منه ــ فما يزال هذا البناء عملاً جارياً حتى يومنا هذا.

ولقد مالت نظرية العلاقات الدولية المعاصرة إلى إغفال حقيقة أن أبرز الوحدات السياسية على مر التاريخ البشري، باستثناء القرى والمدن، لم تكن دولاً بل إمبراطوريات. حيث يقول نيال فيرجسون (عام 2006: ص46) إن “الكثير مما نسميه تاريخاً يتكون من أفعال الخمسين إلي سبعين إمبراطورية التي حكمت ذات يوم شعوباً متنوعة عبر أجزاء شاسعة من الكوكب”. حتى في عصر وستفاليا نفسه كان الحديث يدور عن الإمبراطوريات بقدر ما كان عن الدول. فبينما كانت الدول الأوروبية نفسها آخذة في الترسخ، انطلقت في حملات غزو في زوايا بعيدة من العالم. كانت تلك الإمبراطوريات نفسها هي التي زرعت نموذج الدولة-القومية nation-state في مقابل العديد من الأشكال السياسية والهويات والولاءات القديمة، وبدرجات متفاوتة من النجاح. ومن المفارقات أن انتصار “إنهاء الاستعمار decolonization” في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حدث على خلفية قيام الحرب الباردة بين قوتين عظميين متنافستين تشبهان الإمبراطوريات غير الرسمية. والواقع أن بعض المراقبين يميلون إلى أن “إمبراطورية الولايات المتحدة United States empire” لا تزال قائمة في ما يسمى بـ “اللحظة أحادية القطب uni-polar moment” الحالية التي بدأت مع انهيار الاتحاد السوفياتي وعملائه في أوروبا الشرقية. وقد تغرق هذه الفكرة الآن بسرعة في مستنقع العراق.[5]

وفي الإطار الما بعد دولي، يكون كل نوع من أنواع النظيمات السياسية نوعاً مثالياً/نموذجاً ideal type ويتخذ أشكالا مختلفة كثيرة في الممارسة العملية. فعلى سبيل المثال هناك عديد الاختلافات في هياكل وعمليات المدن والإمبراطوريات، وينطبق الشيء نفسه بوضوح على الدول ذات السيادة. إن ما يقرب من 200 دولة ذات سيادة في العالم اليوم تختلف اختلافاً هائلاً في حجمها، نفوذها السياسي، أشكالها ومؤسساتها الحكومية، تنافساتها البيروقراطية الداخلية، أنساقها القيمية، واستقلالها الذاتي الفعلي. كما أن وجود عدد لا يحصى من السلطات والنطاقات الأخرى يحد من نفوذ أو سيطرة الدول التي سيتم تصنيفها بالتأكيد على أنها “قوى كبرى great powers” وفقاً للمعايير الواقعية. والواقع أن بعض الولايات “فاشلة failing”، في حين أن العديد منها إن لم يكن يعاني معظمها من درجات متفاوتة من “أزمة الشرعية legitimacy crisis” (انظر، على سبيل المثال، فار وبوتنام 2000). وتفتقر معظم الدول إلى القدرة الكافية على تلبية مطالب المواطنين المتزايدة، لا سيما في سياق الاتجاهات المتعولمة/الكوكبية.

إن التفتت Fragmentation يؤدي باستمرار إلى زيادة عدد وتنوع الدول والفاعلين الأخرين –من غير الدول- التي يجب على الدول القائمة أن تتقاسم معها الساحة السياسية العالمية. وبالإضافة إلى ذلك -وكما يشير روزناو- فإنه مع تحسن فرص الحصول على التعليم والمعلومات باستمرار في جميع أنحاء العالم، فإن المزيد والمزيد من الأفراد “المهرة skilled individuals” يضطلعون بأدوار سياسية نشطة. بحكم مواردهم الشخصية الهائلة، فإن بعض الأفراد مثل بيل جيتس وجورج سوروس وتيد تيرنر هم في الواقع ممكنون للغاية super-empowered. فجيتس، على سبيل المثال، يساوي تقريباً الدخل القومي الإجمالي لبنجلاديش (كرول وفاس 2006). ومع ذلك، فإن المواطنين العاديين يعدون أكثر اطلاعاً، وأصعب من أي وقت مضى لخداعهم، ويطالبون قادتهم دوماً بالمزيد، في نفس الوقت الذي تكون فيه الحكومات الوطنية أقل قدرة على الوفاء بوعودها. وهذا هو السبب الأساسي الذي يجعل الساسة من جميع المشارب تقريباً يحصلون علي تقديرات منخفضة في استطلاعات الرأي العام في معظم البلدان.

إنه من غير المرجح أن تختفي الدولة كشكل سياسي لأن بعض الولاءات الوطنية لا تزال عميقة، ولا تزال بعض الدول تقوم بدور فعال إلى حد معقول في مهامها التقليدية، وعدد قليل من الدول التي بدأت من خلفها تحاول أن تلحق بالركب. علاوةً على ذلك، فإن بعض الفاعلين من غير الدولة (مثل جماعات الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية) عادةً ما تكون ممقوتةً abhorrent من كثير من المواطنين، أما الشركات الكبرى والبنوك فهي غير موثوق بها على نطاق واسع، والفاعلون الأخرون يعدون أقل تنظيماً من الدولة في مسألة تقديم الأشياء التي يحتاجها الناس والأسواق العالمية ويرغبون فيها بالفعل. لذا، وكما يشير ساسن (في مؤلفه لعام 2006)، فإن جوهر المسألة ليس ما إذا كانت الدول “تفوز winning” أو “تخسر losing” بالمعنى العام، بل السؤال ما هي المؤسسات والقوانين والوظائف المحددة لدول بعينها التي يتم “تجريدها من تبعيتها للدولة denationalized” أو تقييدها بشكل كبير بسبب عمليات العولمة. وبالنسبة لمعظم الدول، فإن هذا بشمل قائمة طويلة ومتنامية من المؤسسات والقوانين والوظائف.

يتكون “مجال/نطاق domain” النظام السياسي – أي “مداه” في الفضاء السياسي – من الموارد التي يمكن أن يديرها وكذلك الأشخاص والجماعات الذين يُعرفون به ويمتثلون لتوجيهاته. إن جميع النظيمات السياسية هي “سلطات authorities” “تحكم govern” داخل مجالاتها وهي مجالات/نطاقات متداخلة overlapping domains في كثير من الأحيان. وبالتالي فإن “الحوكمة governance” موجودة داخل within وعبر across وخارج beyond نطاقات الولاية القضائية jurisdictions للدول ذات السيادة، بينما تشير “الحوكمة العالمية Global governance” بدورها إلى الأنماط التي تتخذها مجالات سلطة النظام السياسي في العالم وليس فقط إلى أشكال الحوكمة التي هي حقاً “عالمية global”. ومن المهم أن نفهم أن نظرية ما بعد-الدولية تعرّف السلطة والحوكمة بأنهما تأثير أو سيطرة فعالان effective influence or control. لا يلزم أن تكون السلطة “شرعية legitimate” لكي تكون فعالة، على الرغم من أن كل نظام سياسي تقريباً يقدم نوعاً من التبرير الأيديولوجي لوجود تلك السلطة ودورها. علاوةً على ذلك، من الواضح أن تلك النظيمات السياسية القادرة على الحصول على الامتثال compliance -من قبل المواطنين- دونما إكراه كبير تميل، لهذا السبب، إلى أن تكون أكثر أمناً.

إن السؤال التحليلي المركزي بالنسبة لأنصار ما بعد-الدولية post-internationalists هو من Who أو ماذا what يؤثر أو يتحكم في ماذا في السياسة العالمية،ـ ولماذا Why؟ مع أخذ هذه المسألة في الاعتبار، فإن المفاهيم المألوفة في العلاقات الدولية عن القوة، توزيع القدرات، الهيكل الدولي، الإقليم، والحدود، تتخذ جميعها أبعاداً غير تقليدية بالتأكيد. إن القوة Power مفهوم نسبي بحيث يكون لموارد القوة “الصلبة Hard” أو “الناعمة Soft” في النظام السياسي أهمية محدودة من الناحية المجردة. وعلى الرغم من فقدان التقتير parsimony، فإن ما يهم هو تحديد أي من النظيمات السياسية الأخرى التي يحاول النظام السياسي التأثير عليها فيما يتعلق بأيٍ من القضايا وتحت أي ظروف. وقد تكون الحدود الأقاليمية عوناً أو عائقا في ممارسة النفوذ، ولكن أنساق القضايا issue systems عادةً ما تتجاوز هذه الحدود، كما تفعل في كثير من الأحيان هويات الأفراد وولاءاتهم. إن كثيراً –إن لم يكن جُل- ما يحدث أو لا يحدث في العالم بصورة روتينية أو غير روتينية، عن طريق النفوذ أو السيطرة الفعالين -أي الحوكمة- لا علاقة له بالقوى العظمى Superpower، أو القوى المفرطة Hyperpower، أو الإمبراطوريات Empire، أو قوى الهيمنة Hegemony، أو في الواقع مع الدول States. إن مغامرات إدارة بوش الابن الحالية في الشرق الأوسط تقدم دليلاً كافياً على أن القوة العظمى المارقة rogue superpower قد تتحول إلى مجرد فأر يزأر، أو في أحسن الأحوال ثوراً في متجر صيني فيما يتعلق بتحقيق العديد من أهدافها الرئيسية.

إن صياغة إقتراب ما بعد-دولي تشترط مسبقاً أن افتراضاً آخر ذي صلة بنظرية العلاقات الدولية التقليدية – وهو أن العالم “فوضوي anarchic” في الأساس- لا يخبرنا سوى أنه لا توجد سلطة فوق وطنية شاملة overarching supranational authority. إن الشئون الإنسانية محكومة إلى حد كبير -أي يتم “تنظيمها ruled” على أساس يومي- بالعديد من النظيمات السياسية الفردية individual polities الموجودة داخل within الدول الفردية، أو تتقاطع معها criss-cross، أو تتجاوزها transcend. وبعض هذه النظيمات السياسية مختلة وظيفياً dysfunctional أو تميل إلى الاضطراب disruption والعنف violence، ولكن العديد منها، إن لم يكن معظمها، يتصرف فردياً وجماعياً بطريقة سلمية وفعالة للغاية ومنمطة يمكن التنبؤ بها في كثير من الأحيان. إن وسائل الإعلام الإخبارية تسجل الأحداث المروعة التي ترتكبها فواعل من غير الدول أو أحياناً من الدول أو حتى الطبيعة الأم في حالة الأعاصير والكوارث الطبيعية الأخرى، لكنها تفشل عادةً في تسجيل المد الهائل للأحداث البشرية التي تحدث كل يوم بإيقاعاته المعتادة والحميدة المطمئنة (ربما لأنها ليست “أخباراً”). إن تصرفات الأفراد والنظيمات السياسية من أنواع عديدة هي التي تشكل ذلك المد، ومهما كانت أوجه عدم العدالة الملموسة التي لا تزال قائمة، يجب أن نكون واعين وشاكرين أن الوضع السائد هو التعقيد complexity وليس الفوضى المطلقة utter chaos.

وكما ذُكر آنفاً، فإن لكل نظام سياسي مجاله الخاص، وكذلك يزداد تداخل المجالات وتقاسم السلطة. هذا هو “النظام العالمي الحقيقي real world order”، الذي أدى فيه تحويل المؤشرات الجزئية micro parameters والكلية macro ومتناهية الصغر micro-macro التي حددها النموذج الما بعد دولي إلى أنماط جديدة مع احتمالية الاستقرار أو الاضطراب. ومرةً أخرى، تكون الفوضى، وعدم الاستقرار الخطير، والعنف هي الاستثناء وليس المعيار، سواء كنا ننظر فيما نسميه عادةً “السياسة politics”، أو الأسواق، أو المهن، أو حتى النادي في الحي الذي نسكنه. وهناك أمثلة عديدة لذلك، مثل الأفراد والأسر المنتسبين لمنظماتهم الدينية المحلية، والشركات التي تقرر الاستثمار في سوق معينة أو مقاومة معايير بيئية أكثر صرامة، والجامعة التي تغير مناهجها الدراسية، واللاجئون والمهاجرون غير الشرعيين الذين يهاجرون عبر الحدود، والنقابات العمالية التي تشكل صفوفاً للاعتصام، ومنظمة الصحة العالمية حين تبدأ حملة تطعيم جديدة، وبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي حين يرفع أسعار الفائدة، وكذلك المضاربون في العملة عندما يرفعون أو يخفضون سعر عملة معينة، وأيضاً عندما تنتخب جمعية الدراسات الدولية البريطانية رئيساً ومجلس إدارة لها، وهكذا دواليك. ويترتب على ذلك أن الكثير من الاضطرابات/عدم الانتظام disorder السائد في العالم له صلة محدودة بالفوضى anarchy بين الدول وكل شيء آخر يتعلق بقدرة النظيمات السياسية من غير الدول non-state polities على تحدي الدول أو العمل خارج نطاق سيطرة الدولة أو تحت رادارها.

إن توزيع الهويات والولاءات والعلاقات بينها هي مسائل مركزية للتحليل الما بعد دولي. فكل شخص لديه هويات متعددة. وعلى الرغم من أنه يمكن فرض بعض الهويات علي الأشخاص (مثل السجناء في غوانتنامو)، فإن معظمها يُقبل عن طيب خاطر في مقابل مكافآت نفسية و/أو مادية. وتختلف الولاءات عن الهويات في أنها لا تتدفق إلا إلى تلك السلطات والهويات المرتبطة بها التي توفر رضا ملموساً و/أو غير ملموس عن القيمة. كما يمكن أن تتعايش العديد من الهويات والولاءات لفترات طويلة من الزمن دونما صراع خطير، ولكن تنشأ سياقات متبدلة زمنياً تنطوي على أمور تجبر الأفراد على اتخاذ اختيارات غير عادلة بشأن الهويات/الولاءات التي سيخدمونها. هل سيغلب النوع الاجتماعي gender الدين فيما يتعلق بالصحة الإنجابية أو تنظيم الأسرة؟ هل ستتفوق الإسلاموية Islamism على العروبة Arabism في شوارع القاهرة (سلاكمان 2006). و(جيري 2006)؟ هل يسيطر الدين على المواطنة بين المسلمين البريطانيين (كالدويل 2006: ص41-47، 62، 74)؟

إن الدولة الأقاليمية ليست سوى بؤرة واحدة للتركيز علي الهوية والولاء البشريين، وغالباً ما لا تكون أهم بؤر التركيز. بمجرد أن نستخدم التحليل السياقي contextual analysis، تكتسب الدول عادةً أو تخسر على مقياس التشابه التدرجي affinity scale إلى الحد الذي يُنظر إليها فيه أنه يخدم المصالح المتصورة للذات أو الجماعات مثل الأسرة أو المجموعة الإثنية، أو الدين الذي يعتز به الأفراد عادةً أكثر من دولتهم القومية. إن الهويات/الولاءات المتشابكة –مثلها في ذلك مثل النظيمات السياسية المتشابكة- هي جزء مما كنا قد اصطلحنا علي تسميته المتحف الحي للعالم world’s living museum، ويتم تفعيلها من خلال القضايا التي تؤثر على مجموعات تنتمي إلي هوية محددة. وعندما يُتضمن أحد النظيمات السياسية في نظام آخر، فإن الهويات والولاءات المرتبطة بالنظام السياسي السابق نادراً ما يتم طمسها بالكامل، وحتى عندما يبدو أنها قد تم طمسها، فإنها قد تُبعث resurrected من جديد أو تُعيد بناءها reconstructed في نهاية المطاف. إن انفجار الهويات القبلية والإثنية والدينية والعرقية في فترة ما بعد الحرب الباردة يقدم دليلاً قوياً على إعادة إحياء revival أو إعادة بناء الذكريات والولاءات القديمة. والأهم من ذلك أن العديد من النظيمات السياسية الجديدة تتشكل باستمرار وتسعى إلى تعزيز هويتها وبناء ولاء أتباعها adherents.

ومع كشف الحكومات عن قدرتها المنخفضة على تلبية توقعات المواطنين وتطلعاتهم، تتراجع شرعيتها ويزداد الاغتراب عنها. إن إلغاء الولاءات الفردية للمؤسسات التقليدية ينتج ما وصفته سوزان سترانيج (1996: ص198-199) بأنه “مشكلة بينوكيو Pinocchio’s problem”. فمرة واحدة بينوكيو أصبح ‘صبياً حقيقياً’ ولم يعد له خيوط دمية لتوجهه، وبالتالي، لا سلطة لقيادة سلوكه.

في عالم من السلطة اللامركزية، يفتقر إلى الحوكمة العالمية، يكون “لدينا أيضاً مشكلة بينوكيو. فنتساءل: أين يكمن الانحياز والولاء والهوية؟ من الواضح أنهم لا يكونون دائماً في نفس الاتجاه. فأحياناً يكونون مع حكومة الدولة، ولكن في أوقات أخرى مع شركة ما أو مع حركة اجتماعية تعمل عبر الحدود الإقليمية” للدول. لم تعد الولاءات الوطنية مسيطرة باستمرار، ووفقا لسترانيج، من دون مثل هذه “الأمور المطلقة absolutes” فإن “كل واحد منا يتشارك مشكلة بينوكيو؛ لأن ضمائرنا الفردية هي دليلنا الوحيد”.

على الرغم من “مشكلة بينوكيو”، فمن المهم أيضاً الاعتراف بأن الهويات والولاءات ليست مسألة إرادة فردية individual volition تماماً. لأن هناك ضغوطاً اجتماعية social pressures وتنشئة اجتماعية socialization، وثقافة سياسية political culture، وروابط اعتيادية habitual ties ملزمة لأي عدد من النظيمات السياسية، و”قضايا” أقل تماسكاً less-coherent causes تسعى بنشاط للحصول على دعمنا وولاءنا، واتجاهات خارجية قوية وظروف فردية تضغط علينا وتحد من نطاق اختياراتنا الشخصية.

(التقارب Confluence والتصارع Conflict مع الإقترابات النظرية الأخرى).

من الواضح أن هذا الفصل من الكتاب ليس المكان المناسب لمناقشة شاملة ونقد “المدارس” الأخرى من النظرية. غير أننا نحاول في هذا الفرع فقط تحديد نقاط الالتقاء والتنازع الرئيسية في نظرية ما بعد-الدولية مع عدة إقترابات نظرية أخرى معروفة.

  • الواقعية Realism والواقعية الجديدة Neo-realism:

إن السؤال الذي تطرحه نظرية ما بعد-الدولية ــ “من أو ماذا يؤثر على ماذا في السياسة العالمية ــ ولماذا؟’ – يشترك مع الواقعية والواقعية الجديدة في عمل مسبق في تعريف مصادر واتجاهات أنماط السلطة التي نلاحظها. ومع ذلك، فإن الإجابات التي يقدمها أنصار نظرية ما بعد-الدولية لهذا السؤال تختلف كثيراً عن الإجابات التي يقدمها الواقعيون والواقعيون الجدد.

إن نظرية ما بعد-الدولية تتجنب الافتراض الواقعي بأن الدولة هي الفاعل الأساسي -أو في الواقع- المهم في الشؤون العالمية. فوفق تلك النظرية تبقي الدول مهمة، وغالباً لا تظهر عليها أي علامات آنية للاختفاء، وكثير منها يتكيف إلى حد ما مع الظروف المتغيرة. ولكن الدولة وبيروقراطياتها ليست سوى مضيفاً host من ضمن مضيفين آخرين للنظيمات السياسية المؤثرة بدافع من مزيج متغير من المصالح والعواطف (هيرشمان 1977). تبدأ التمييزات المألوفة بين ما هو “عام public” وما هو “خاص private” في الذوبان عندما ندرك أن الدول قد تستحوذ عليها المصالح الخاصة وأن الفواعل الخاصة -مثل حزب الله في لبنان وحماس في غزة والضفة الغربية- أضحت تؤدي أيضاً وظائف المصلحة العامة public- interest functions وتؤثر تأثيراً كبيراً على الصالح العام (انظر كاتلر وآخرون 1999: هول وبيرستيكر 2002). علاوةً على ذلك، فنادراً – أو أبداً- ما تتصرف الدول نفسها بطريقة أحادية unitary fashion. وربما يكون من الأفضل فهم عملية صنع القرار في الدولة عندما يتم تفكيكها deconstructed. حيث يمكن – بل ينبغي- تتبع جميع سياسات “الدولة” تقريبًا إلى ينابيعها من أمثال الاقتتال البيروقراطي الداخلي، الشخوص الخاصة، المناورات التشريعية، تأثير مجموعات المصالح (والعبر وطنية منها على نحو متزايد)، والتحالفات مع الكيانات غير الحكومية.

بالنسبة لدعاة ما بعد-الدولية – وعلى عكس الواقعيين الكلاسيكيين، ولكن كما يعترف الواقعيون الكلاسيكيون الجدد مثل جنيفر ستيرلنغ وفولكر (2005)- فإن “المصلحة الوطنية” هي في المقام الأول بناء ذاتي subjective construction. إن تحولات القوة، والتهديدات الخارجية، وفرص التعاون هي إلى حد كبير مسائل تتعلق بالإدراك perception. وهناك عدد قليل جدا ً من “الضرورات imperatives” النابعة من البيئة التي يعمل فيها واضعو السياسات والجمهور اليقظ. ونادراً ما يكون “بقاء الدولة State survival” على المحك، وكثيراً ما تكون المتطلبات الدقيقة لـ “الدفاع الوطني” والسياسات الخارجية الفعالة موضع نقاش ساخن. إن المقولة المأثورة dictum لمورجنثاو بأن الدول تسعى إلى تحقيق مصالحها الوطنية المحددة وفق مفهوم القوة تعد مضللة إلى حد كبير. فالقوة نادراً ما تكون غاية في حد ذاتها، ولكنها وسيلة لتحقيق غايات أخرى، وعلى أية حال، كما أشرنا، هي دائماً خاضعة للسياق contextual، بالنسبة لفاعلين أخرين، وقضايا محددة، وظروف سائدة بعينها. فعلى الرغم من كونها قوة عظمى superpowerأو إمبراطورية “مفترضة” putative empire، فإن الولايات المتحدة غير قادرة حتى على تحقيق أهدافها ذات الأولوية القصوى. ومن المؤكد أن المحافظين الجدد في إدارة بوش الحالية لم يعززوا القوة الأميركية من خلال شن حرب العراق، كما لم يصغوا إلى نصيحة مورجنثاو بجعل “التعقل/الحصافة prudence” محكاً أو مختبراً للسياسة.

لقد كان كراسنر (في مؤلفه لعام 1999) محقاً في القول بأن “السيادة sovereignty” في الممارسة العملية كانت دائماً متغيرة variable وليست مطلقة absolute، على الرغم من أننا لا نقبل موقفه بأن التحديات التي تواجهها الدول في العصر المعاصر ليست جديدة. إن أفضل طريقة يُنظر من خلالها إلى “سيادة” الدولة على أنها طموح aspiration ووضع قانوني legal status ومطالبة بالحق claim of the right في ممارسة السلطة، ولكن ليست هناك ثمة ضمانة لنجاح محاولات ممارستها أو اعتبارها مشروعة. فضلاً عن ذلك فإن الصراعات المدنية/الأهلية والإرهاب والأنشطة الإجرامية لابد وأن تبدد خرافة الفيبرية Weberian myth[6] القائلة بأن الدول تحتكر الاستخدام المشروع للعنف. حيث لا يُنظر إلى جميع أعمال عنف الدولة على أنها مشروعة، ومن الواضح أن بعض الفواعل من غير الدول وأتباعهم يعتقدون أنه لا بأس بالنسبة لهم أن يقتلوا ويكرهوا غيرهم أيضاً.

ترفض نظرية ما بعد-الدولية المنطلق الواقعي الكلاسيكي بأن الدولة هي الهوية والانحياز الأساسيان للمواطنين. إن الهويات والولاءات الرئيسية في الوجود البشري هي للذات والأسرة / العشيرة، القبيلة أو الأحباء، إلى الدين، إلى الانتماء المهني، إلى جمعيات المصالح، إلى الجماعة الإثنية (في بعض المجتمعات)، حتى إلي الفرق الرياضية، وهلم جرا؛ أي باختصار، إلى العلاقات والنظيمات السياسية الأخرى غير الدولة. لقد ظهرت الدولة الحديثة إلى حيز الوجود جزئياً عن طريق الإكراه coercion، ولكن في المقام الأول لأن المواطنين عمدوا إلي تحديد رفاهية الأشياء التي يهتمون بها بشكل رئيسي بدعم الدولة والولاء لها. وعندما تضعف هذه الرابطة، تنشأ أزمات سلطة الدولة. واليوم، يشهد نسق الدولة state system أزمة سلطة حيث يجد السياسيون صعوبة بالغة في الوفاء بوعودهم، حيث شهدت التحولات السابقة أزمات سلطة للنظيمات السياسية المسيطرة مثل الكنيسة الكاثوليكية خلال مرحلة الإصلاح Reformation أو في حالة الإمبراطورية الرومانية عندما واجهتها المسيحية والنظيمات السياسية “البربرية” القبلية.

وترى نظرية ما بعد-الدولية نمو المؤسسات الدولية والإقليمية، فضلا عن التقدم البطيء والمطرد للقانون الدولي، نتيجةً طبيعيةً لجهود الدول الرامية إلى تحقيق بعض الإجراءات الجماعية التي تجعل القيود الأقاليمية الخاصة بها من المستحيل عليها تحقيقها بمفردها. كما يرفض دعاتها أيضاً القول الواقعي الكلاسيكي المأثور بأن المعايير norms يجب أن ترضخ للمواءمة expediency في العلاقات الدولية (مورجنثاو 1946: ص175-191). وعلى الرغم من أن المعايير قد تتعارض مع بعضها البعض أو قد تسفر عن نتائج غير متوقعة، فإن الدوافع المعيارية normative impulses تتغلغل في السلوك البشري الفردي والجماعي، بما في ذلك نظرية العلاقات الدولية. فهي تشكل جزءً أساسياً من الأيديولوجيا؛ وتثير العاطفة. وفي الواقع فإن معظم الفواعل تعتبرها مصادر حاسمة للشرعية. في الواقع، حتى الواقعيون ينبغي أن ينظر إليهم على أنهم يبشرون/يكرزون بالنسخة الخاصة بهم من “ما ينبغي” أن يكون what ‘ought’ to be. إن الحكومات الوطنية تستخدم ادعاء “المصلحة الوطنية” لتعكير المياه، ولكن كل ما يقوله القادة أو يفعلونه له دلالات وتداعيات معيارية لا مفر منها.

ليس من المستغرب أن يكون لدى دعاة ما بعد-الدولية رؤية أوسع لهيكل النسق الدولي مما لدى الواقعيين الجدد. لقد ركز المنظر النيو-واقعي الأنموذج كينيث والتز بشكل حصري تقريباً على توزيع القدرات بين الدول ونمط القطبية الناتج الذي يتناقض بشكل صارخ مع العالم السياقي الموجه نحو القضايا issue- oriented and contextual world الذي وصفناه سابقاً. في العالم ما بعد-الدولي، تتفاعل نظيمات سياسية لا حصر لها من أنواع مختلفة، فضلاً عن عدد لا يحصى من الأفراد، حول قضايا معينة تعبر حدود الدول أو تتجاوزها بشكل روتيني. يمكن أخذ إشارة سترينج إلى لعبة بينوكيو خطوةً أخرى أبعد، بالقياس علي الأعمال الدرامية التي تحدث في مسرح عرائس الماريونيت: فكلما تم سحب بطاقات الأوتار المصنفة لهذه الدراما أو تلك، تبدأ الدمى المتحركة التي ترتبط أوتارها بتلك البطاقات في “التصرف/التحرك”، بينما تظل جميع الدمى الأخرى بلا حراك. وبالتالي، فإن إحدى طرق تصور “هيكل structure” السياسة العالمية المتسقة مع نظرية ما بعد-الدولية هي أنساق القضايا المتعددة numerous issue systems. وهي تحمل أسماءً مثل “برنامج إيران النووي”، و”العدالة لضحايا الإبادة الجماعية في كمبوديا”، و”الأرصدة السمكية في الضفاف الخارجية”، و”إنفلونزا الطيور”، و”الاتجار بالبشر”، و”الانهيار الاقتصادي في الأرجنتين”، و”الإعانات الزراعية”، و”القرصنة الفكرية للأفلام والموسيقى”، وما إلى ذلك. يمكن أن تكون القضايا منفصلة، ولكنهاغالباً ما تتداخل وتتشابك مثل النظيمات السياسية التي تنخرط فيها. تعد الطموحات النووية الايرانية جزءً من منطقة أكبر تتعلق بعدم الانتشار النووى، كما أن كمبوديا ودارفور جزءان من قضية أكبر هى الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وما إلى ذلك .

بالإضافة إلى ذلك، هناك غياب مثير للاهتمام في الكون الواقعي الجديد حول الآثار الهيكلية لتوزيع العوامل الذاتية مثل التوقعات expectations والأثر affect. ومن ثم، ومن منظور ما بعد-دولي، يكون من الأهمية بمكان رسم خريطة لتوزيع الهويات والولاءات و/أو توجهات الأفراد إلى مختلف “العوالم العالمية/الكوكبية”، مثلما قال روزناو، وهو موضوعه الرئيسي في التقاربات المتباعدة Distant Proximities. وهو إذ يتحسر للإشارة إلى أن هذه التوجهات – ولعل ذلك مشابه لمثالنا عن عرائس الماريونيت– قد تتغير حتى عندما يجد الأفراد أنفسهم منخرطين في قضايا مختلفة. وباختصار، تنشأ قضايا تولد إتجاهات وسلوكاً مختلفين، حتى وإن كانت تزيد أو تقلل من أهمية هويات وولاءات معينة.

بين الواقعيين، نشيد بالبحث الصادر عن الواقعيين البنيويين مثل باري بوزان، تشارلز جونز، وريتشارد ليتل (1993) عن “الهياكل العميقة deep structures” في النسق الدولي، والتي يبدو لنا أنها تملك القدرة على الكشف عن عالم من النظيمات السياسية. ومع ذلك، فإننا نختلف مع موقف بوزان وليتل (2000) بأن كل حقبة تاريخية تنتج نوعاً مسيطراً من النظيمات السياسية وأن النوع المسيطر في العصر الحديث كان الدولة (انظر أيضًا كتاب دينيمارك وآخرون عام 2000). وقد سار جزء كبير من الشؤون الإنسانية بعيداً عن الدولة، ويمكن القول إن حصة الدولة قد تضاءلت أكثر في العقود الأخيرة. حيث أضحت “السيطرة Dominance” أو “الهيمنة hegemony” تعتمد على المسألة issue.

ويجوز لنا أيضا أن ننظر في الهيكل في السياسة العالمية وفق مفاهيم المشاركة/الانخراط التفاضلي differential engagement في الأنماط السائدة بما في ذلك تيارات التعولم. لقد كان توماس فريدمان (في مؤلفه عام 2005) بلا شك محقاً أنه بالنسبة لبعض النخب التجارية والشركات، فإن العالم بالتأكيد مجرد “شقة flat”. وبالنسبة لريتشارد فلوريدا (في كتابه لعام 2005: ص48-51) – بالنظر إلى أشياء مثل تركيزات السكان، استهلاك الطاقة، وبراءات الاختراع وحقوق التأليف والنشر – فإن العالم “شائك spiky”. وقد نظر ساسين (عام 2001) وآخرون غيره إلى العالم على نحو مماثل إلى حد ما على أنه أرض ممتدة من “المدن الكوكبية/العالمية global cities” أو “مناطق أقاليمية متناثرة scattered territorialities”، توفر الصلات بينها الكثير من الديناميكية للعولمة ويتم تحويلهم عن طريق العولمة أيضاً (ساسين عام 2006: ص54).

أخيرا وليس آخرا فيما يتعلق بالهيكل، تجدر الإشارة إلي توزيع الفائزين والخاسرين من الأنماط السائدة. ويعد هذا بُعداً معيارياً. لقد كان الماركسيون منشغلين تقليدياً بمسائل المساواة والعدالة، كما هو الحال بالنسبة للعديد من أنصار ما بعد الوضعية post-positivists اليوم، وهذه اهتمامات يجب ألا تهمل على الرغم من الفشل الذريع للماركسية كمشروع سياسي. ومن الواضح أن هناك “من يملكون haves” و”من لا يملكون have nots” والكثير من “الخلطاء in-betweens” في العالم المتعولم المعاصر، سواء كان المرء يركز على حقوق الإنسان السياسية أو الرفاه الاقتصادي. ومن الواضح أيضا أن هناك صلات وثيقة بين هذا النوع من الهياكل، الهويات، والولاءات وبين الصراعات الفعلية أو المحتملة.

  • المؤسساتية الليبرالية Liberal Institutionalism، المجتمع الدولي International Society (المدرسة الإنجليزية The English School)، البنائية Constructivism، النظرية النقدية Critical Theory، وما بعد الحداثة Postmodernism:

لقد انتشرت المؤسسات الدولية في العقود الأخيرة وأصبحت نظيمات سياسية متزايدة الأهمية ومألوفة في السياسة العالمية. ولسوء الحظ، على مر السنين كانت الكثير من النظريات التي سعت إلى التصارع مع التأثير المتزايد للمؤسسات الدولية والقانون الدولي لديها تحيز واقعي قوي متمركز علي الدولة. وينطبق هذا على العمل المبكر للمنظّر الليبرالي المؤسسي روبرت كيوهان (1984)، وهيدلي بول (1977) من المدرسة الإنكليزية، ومؤخراً كانت النسخة المخصصة من البنائية constructivism التي تقدم بها ألكسندر وينت (1999). وعبارة وينت التي تقول إن “الفوضى هي ما تصنعه الدول منها” (1992: 391-425) تعد مثالاَ على ذلك. ورغم ذلك، حاول جميع المنظرين سالفي الذكر- بطرقهم المختلفة- أن يوضحوا النقطة المفيدة التي مفادها أن الدول المنخرطة في “المجتمع الدولي international society” قد ترى أن مصالحها قد يخدمها التعاون الدولي أيضاً وليس الصراع.

إن الإقتراب الأول للتفسير لم يولِ سوى القليل من الاهتمام لزيادة مستويات الاعتماد المتبادل التي تجعل من المرجح أن تجد الدول المؤسسات والقواعد لا غنى عنها، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، لم يولِ اهتماماً كبيراً إلى الاستقلال الذاتي الكبير الذي حصلت عليه بعض المؤسسات بعد إنشائها. فعلى سبيل المثال، يشدد عمل كيوهان في وقت لاحق (عام 2002) على “شبكات الاعتماد المتبادل السميكة thick networks of interdependence” التي تضم كلا ً من الدول والفواعل الأخرى، وكذلك على الحقائق أن المؤسسات نفسها “هامة” ولها مصادر شرعيتها المتميزة. وبالمثل، فإن البنائين غير المتمركزين حول الدولة -لا سيما فريدريش كراتوشويل (1989)، نيكولاس أونوف (كوبالكوفا وآخرون 1998)، وجون روجي (1998)- استكشفوا أيضاً بصورة منهجية أسباب أهمية القانون الدولي، والمبادئ التأسيسية، والقواعد الأقل رسمية في الشؤون العالمية.

وقد أدى العمل الأخير الذي قام به مايكل بارنيت ومارتا فينيمور (عام 2004) -اللذان يصفان المنظمات الدولية IOs بأنها بيروقراطيات تمارس سلطة “رشيدة-قانونية rational-legal” “في مجال عملها”- إلى زيادة فهمنا لتلك لمنظمات. ويشير بارنيت وفينيمور إلى أن مواثيق وتوصيات المنظمات الدولية كثيراً ما تتطلب تفسيراً مستفيضاً، بل إن المبادرة لحل المشكلات هي بالضبط ما تريد الدول من تلك المنظمات أن تفعله في كثير من الأحيان. ومع ذلك، لا يزال يتعين على المنظمات الدولية أن تكون حذرة من الدول القوية، ولكن العديد من المنظمات الدولية لديها مساحة أكبر بكثير للمبادرة مما يحصلون عليه عادة. والواقع أن للمنظمات الدولية مصادر سلطتها الخاصة المستمدة من سمعتها في خدمة أغراض نبيلة والخبرة التقنية أيضاً. يشير بارنيت وفينيمور إلى أن المنظمات الدولية لديها في الواقع “أمراض pathologies” محددة تشتق من طبيعتها البيروقراطية وتعوق قدرات أدائها القصوى. إن مثل هذه الجهود الرامية إلى منح المنظمات الدولية التصديق على جدارتها المستحقة ينبغي ألا تحجب حقيقة أن الأضواء يجب أن تسلط أيضاً على مجموعة أوسع بكثير من النظيمات السياسية على الساحة العالمية. حيث يؤكد العمل الأيقوني المميز[7] لأونوف عن البنائية بشكل مفيد على “النظيمات السياسية” على مستوى العلاقات الفردية الأساسية وصولاً إلى “العلاقات أو الممارسات أو المؤسسات أو “الهياكل المعقدة” أو “الترتيبات الاجتماعية المدعاة “دولاً وعلاقاتٍ دولية”. حيث يرسم أونوف صورة “لتعقيد مذهل staggering complexity وتغير مستمر constant change” ضمن الأنماط المتشابكة للترتيبات الاجتماعية المتداخلة” (كوبالكوفا وآخرون عام 1998، ص11).

في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى تكهنات بول الإضافية (عام 1977: ص264-276) حول الظهور المحتمل في نهاية المطاف لـ “عصور وسطى جديدة new medievalism” في النظام العالمي. ولا تزال هذه الفكرة مثيرة للغاية لأن جميع التيارات التي حددها قبل ثلاثة عقود كرموز مسبقة لـ “العصور الوسطى الجديدة” أضحت أكثر وضوحاً اليوم. لقد كان بول بالتأكيد على الطريق الصحيح، ولكن كانت هناك دائما صعوبتان مع هذا التوصيف. أولاً، إن هذا المفهوم له دلالات شؤم متمركزة على أوروبا حيث أن “العصور الوسطى” كثيراً ما يُنظر إليها على أنها مجرد مقدمة للنسق الأوروبي للدول. ثانياً، فإن “العصور الوسطى الجديدة” محدودة جداً فيما يتعلق بالإطار الزمني حيث إن ذلك النوع من أنماط السلطة المتناثرة dispersed authority التي رآها بول عامل تهديد كانت في الواقع سمة من سمات معظم تاريخ العالم. ويساعد بعض العمل المثير للاهتمام الذي يقوم به مختلف العلماء بشأن “تاريخ النظام العالمي world system history” على توضيح ذلك (انظر دينيمارك وآخرون، عام 2000). حيث يمكن القول إنه لم تكن العصور الوسطى ولكن عصر وستفاليا في أوروبا الذي كان استثنائياً، على الرغم من أن العدسات الما بعد دولية تتصور وجود الكثير من السلطة المتناثرة في عصر وستفاليا أيضاً.

ويتشاطر الما بعد-دوليين مع البنائين والما بعد-حداثيين الاهتمام إزاء الأبعاد “المبناة اجتماعياً” socially constructed dimensions للسياسة العالمية، بما في ذلك أهمية الهويات باعتبارها تعزز المصالح وتكيف السلوك الإنساني. ومن المثير للاهتمام والمهم أن روزناو (في مؤلفه لعام 2003: ص405-420) يتحدث الآن عن نفسه -ربما بشكل طريف facetiously- باعتباره “ما قبل ما بعد-حداثي pre-postmodernist”، ويرجع ذلك جزئيا ً إلى أنه يدرك الآن تماماً الطرق التي شكلت بها افتراضاته ودوافعه الشخصية على مر السنين إقترابه في التنظير، وجزئياً بسبب أن جزءً من مشروعه في السنوات اللاحقة قد فكك بشكل فعال بعض النظريات والمفاهيم الشحيحة parsimonious. وتلك مهمة اضطلعنا نحن بها أيضا.

تندمج نظرية ما بعد-الدولية إلى حد ما مع المنظرين النقديين critical theorists والما بعد-حداثيين postmodernists فيما يتعلق بمراوغة elusiveness المفاهيم واللغة بشكل عام، وحول الطبيعة المعيارية المتأصلة inherently لجميع النظريات. ومع ذلك، فإن نظرية ما بعد-الدولية تتصادق جزئياً مع النسبيين المتطرفين extreme relativists بين الما بعد-حداثيين وبعض المنظرين النقديين إبستمولوجياً/معرفيًا epistemologically، لأنها لا تزال تنظر إلي السعي التنظيري كمشروع تجريبي/إمبريقي في الأساس. إنا نصر –ونحن هنا نتفق مع وينت ومعظم البنائيين– أن هناك “حقيقة” موضوعية objective reality ‘موجودة هناك out there’, وذلك مهما كان صعباً أن نحلل بموضوعية بسبب عدم كفاية المعلومات وبسبب ‘النظارات وراء العيون the spectacles behind the eyes’ [8] التي نرتديها جميعاً. إن البعد الذاتي للحياة subjective dimension السياسية –مثل الأفكار والمعايير والهويات وحتى اللغة- يتألف من مرجعيات تجريبية empirical referents، وعلى الرغم من صعوبة التدقيق فيه أكثر من البعد الموضوعي، إلا أنه “موجود هناك” out there أيضاً. وهذا لا يعني أننا نحتفظ بأي إيمان مستمر -على عكس روزناو- في الانتصار النهائي للتحليل “العلمي scientific” (فيرجسون ومانسباخ 2003). نحن نشعر براحة أكبر في صحبة علماء الاجتماع والعلوم الإنسانية “الناعمين”[9] soft social scientists and humanists عن صحبة “العلماء” الصارمين strict scientists (واليوم، فإن روزناو نفسه لم يعد يحتسب نفسه منهم)، أو منظري ألعاب الاختيار الرشيد rational-choice gamers.

(روزنامة بحث ما بعد-دولية Post-international Research Agenda).

إن فهم العالم ما بعد-الدولي الناشيء يتطلب منظوراً تاريخياً طويلاً جداً. إن كثيراً من الديناميات والأنماط التي نلاحظها الآن ليست غير مسبوقة بأي حال من الأحوال، وإن كان بعضها جديداً تماماً. ولكن أياً منها يكون كذلك حتى؟ قد يتوقع المرء أن يكون الماضي “أبسط simpler” بكثير من نواحٍ عدة ــ وقد كان كذلك في بعض النواحي ــ لكنه كان أيضاً معقداً بشكل ملحوظ في جوانب أخرى. حيث كان الاعتماد المتبادل وتداخل النظيمات السياسية والهويات المتنافسة من السمات البارزة للسياسة العالمية لآلاف السنين، بما في ذلك القرون الثلاثة من “اللحظة الوستفالية”. وأن إعادة النظر في هذه السمات في مجموعة أخرى من العهود ذات الخصائص المميزة لها واختبار كيف أثرت في الماضي يشير إلى خطوط مفيدة للتحقيق في الوقت الحاضر (انظر فيرجسون ومانسفيلد 2002: ص87-111).

وينخرط مؤلفا هذا المقال الآن في مشروعين رئيسيين. يركز أحدهما على النظيمات السياسية ما قبل-الدولية pre-international polities في منطقة البحر المتوسط القديمة، وآخر على الإمبراطوريات القديمة والجديدة. إن فهم التحولات المتتالية التي ميزت العصر ما قبل الدولي، بما في ذلك تطوره في نهاية المطاف إلى علاقات دولية، سيوفر رؤى ثاقبة لأساسيات التغيير السياسي، فضلا عن مجموعة الأشكال والتحيزات allegiances السياسية التي لا تزال ذات صلة بعالمنا المعاصر. إن أحد الأسباب التي جعلتنا نحط الرحال في منطقة البحر المتوسط القديمة لمشروع واحد هو وفرة المعلومات عن ذلك النظام التاريخي المتطور وكذلك تأثيره المباشر على المؤسسات والأفكار السياسية الأوروبية في وقت لاحق.

إن تحليل الإمبراطوريات (التي لا تقتصر على منطقة البحر المتوسط القديمة) هو تذكير مهم بأن الدول الأقاليمية ذات الحدود الثابتة قانوناً ليست هي النظيمات السياسية الوحيدة في تاريخ البشرية التي تدعي تفوقها. فمثل الدول، تشكلت الامبراطوريات في جميع الأشكال والأحجام. ويشير بعض المراقبين إلى أن الإمبراطورية الأميركية لا تزال قائمة حتى يومنا هذا (في رأي الكاتبين يعد هذا خطأ لتعارضه مع المعاني التجريبية). فمن جانب ما توضح الإمبراطوريات ذلك التشابك الذي غالباً ما يميز النظيمات السياسية، فضلاً عن الدرس الحاسم الذي مفاده أن أي نظام سياسي مركزي central polity يجد تأثيره محدوداً للغاية. لقد انتفعت الإمبراطوريات الناجحة من فهم محدوديتها واعتمادها على نطاقات النظيمات السياسية الأخرى. ونفس الشيء، بطبيعة الحال، كان صحيحاً بالنسبة للدول.

ثمة بُعد ثالث آخر لروزنامة بحثية أوسع نطاقاً في مرحلة ما بعد-الدولية لابد وأن تركز على أصول، تطور، وتشابك الهويات والولاءات وكذلك احتمال زوالها. وتعد تلك حدوداً جديدةً نسبياً. إلى أي مدى تبقى المفاهيم القديمة عن الذات والآخرين ثابتة أو متحولة استجابةً للتغيرات النسقية الواسعة؟ إن الإجابات على هذا السؤال حاسمة لفهم صلاحية الأشكال السياسية القائمة والأنماط المستقبلية المحتملة للارتباط السياسي political association.

ويدور اتجاه رابع واعد وغير محدود –تقريباً- إلي البحث في القضايا السياسية. وفيما يتعلق بكل مسألة مثيرة للاهتمام؛ ما هي الاتجاهات العامة في البيئات العالمية والمحلية التي تفتح المجال لسلوك الأفراد والجماعات وتضبطه؟ ما هي النظيمات السياسية من مختلف الأنواع التي تشارك في هذه المسألة؟ ما هي مصادر تأثيرها و/أو سيطرتها، وما مدى مشروعيتها، وإلى أي مدى تنجح في تحقيق إمكاناتها؟ ما هي الآثار المعيارية للأنماط الخاضعة للملاحظة، بما في ذلك توزيعات/مخصصات القيم value allocations بخصوص كل مسألة؟ ما هي الروشتات/الوصفات العلاجية السياسية التي من خلالها يمكن أن تقود النظيمات السياسية الطريق نحو نتائج مرغوبةٍ أكثرَ؟

ومن الواضح أن روزنامة البحوث التي حددناها لأنفسنا ونوصي بها للآخرين تعد جدولاً طموحاً، ولكن في رأينا تجب متابعتها إذا أردنا أن نفهم تماما عالمنا الما بعد دولي. لا يوجد في الواقع أي بديل إلا إذا أردنا أن نرضى أنفسنا بأرض خيالية neverland محدودة السياق context-limited متمحورة حول الدولة state-centric.

[1] تشبيه مجازي لقمرات الطفو التي تكون في مؤخرة السفينة ويتم ملؤها بماء البحر في حالة الغرق بهدف إعادة التوازن لجسم السفينة ومنعها من الغرق.

[2] في الأساطير الكلاسيكية، كانت سيلا Scylla وحشاً مرعباً ذا ستة رؤوس عاش على صخرة على جانب واحد من مضيق ضيق. بينما كانت كاريبيديس Charybdis دوامة على الجانب الآخر. وعندما كانت تمر السفن بالقرب من صخرة Scylla لتجنب Charybdis، كانت تستولي الأولى على البحارة وتلتهمهم. كان على كل من أينيس وجايسون وأوديسيوس أن يمروا بين سيلا وكاريبيديس في الأساطير اليونانية القديمة (الإلياذة والأوديسا). وقد استخدم المؤلف لفظتي سيلا وكاريبديس هنا للتعبير عن معني الاختيار بين أمرين أحلاهما مر.

[3] نسبةً إلي صلح ويستفاليا 1648 والذي كان علامةً زمنية فارقة بين إنتهاء عصر الإمبراطوريات الثيوقراطية التقليدية وبين نشوء نمط الدولة/الأمة Nation-State بشكلها المعروف حالياً.

[4] يعد مصلح Fragmegration تجميعاً واختصاراً مكوناً من مقطعين لكلمتين هما fragmentation أي التجزؤ أو التشرذم، وintegration بمعني التكامل، فيصبح المصطلح المقصود هو تكامل الأجزاء. ويشير مصطلح Fragmegration إلى “القوى المتنوعة والمتناقضة التي يمكن تلخيصها في الصدام بين العولمة والمركزية والتكامل من ناحية والتوطين واللامركزية والتشرذم من ناحية أخرى”.

[5]  برجاء ملاحظة أن الكتاب صدر عام 2008 وأن الأفكار والآراء الواردة فيه تعبر عن تداعيات تلك الفترة، من حيث الانخراط الأمريكي في مستنقع حرب العراق الذي لم تكن تبدو له نهاية حتى ذلك الوقت، وهو ما استطاع التغلب عليه لاحقاً الرئيس أوباما بالتوقيع علي إتفاقية الرحيل المرحلي مع الحكومة العراقية وبرمجة إجلاء القوات الأمريكية من العراق منذ عام 2009.

[6]  نسبةً إلي عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر.

[7]  استخدم المؤلفان كلمة Brand أي علامة تجارية أو ماركة للتدليل علي تفرد هذا العمل وريادته.

[8]  تشبيه بلاغي عن عدم بلوغ الموضوعية التامة مهما ادعي المنظر أنه يسعي إليها.

[9]  من أمثال جوزيف ناي رائد نظرية القوة الناعمة.