قدم، المجاهد لخضر بن طوبال قراءة جديدة ومغايرة في بعض تفاصيلها لعمليات الشمال القسنطيني التي نفذها الشهيد زيغوت يوسف يوم 20 أوت 1955، وكشف لأول مرة، أنّ أسبابها لا تتوقف فقط عند فكرة فك الحصار على المنطقة الأولى (الأوراس)، فتحدث عن مسائل قلما تحدث عنها المؤرخون، وبالأخص الاجتماع الذي عقد بمقر الحاكم العام جاك سوستيل، وحضره ممثلون عن الأحزاب والتيارات السياسية التقليدية، وقدم من خلالها حلا ليبراليا للقضية الجزائرية. وحسب بن طوبال، فإن هذا الاجتماع هو الذي دفع زيغوت يوسف للتفكير في الطريقة المثلى لجعل الثورة تأخذ منحى راديكاليا بغية قطع الطريق أمام الحلول السياسية والقوة الثالثة.

يكشف، قائد الولاية التاريخية الثانية، ووزير الداخلية في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، في كتاب المؤرخ دحو جربال “لخضر بن طوبال … مذكرات الداخل”، أنّه في ماي 1955، اكتست حركة التحرر الوطني أهمية أكبر من حركة انتصار الحريات الديمقراطية. حيث تم تأطير كل الشرق الجزائري من طرف قادة المنطقة الثانية. وهذا ما جعل زيغوت، يوضح بن طوبال في شهادته، يفكر في القيام بعمليات عسكرية يوم الفاتح ماي 1955. وكتب ما يلي:”إلى حد ذلك الوقت، لم يكن في صفوفنا سوى المناضلين القادمين من حركة انتصار الحريات الديمقراطية. من القمة إلى القاعدة، لم يكن بيننا سوى قدماء المنظمة الوطنية. لا أحد من أنصار التوجهات السياسية الأخرى التحق بنا. ففي الدواوير والأرياف، استطعنا تجنيد مناضلين أظهروا قيمتهم النضالية دون أن ينخرطوا في أي حزب”.

وأضاف :”عقب استشهاد ديدوش مراد، وإلقاء القبض على بن بولعيد، ورابح بيطاط، تم إلحاق ضربات موجعة للثورة. أحدث خبر إلقاء القبض على اثنين من أعضاء مجموعة الستة، ضجة كبيرة في منطقتنا، فسعينا أنا وزيغوت، أن تبقي الحقيقة في طي الكتمان”.

الانتقال لشكل جديد من النضال الثوري داخل المدن

ويتحدث بن طوبال، عن حالة العزلة التي أصبحت تعيشها المنطقة الثانية عقب استشهاد ديدوش. انطلاقا من هذا الوضع، كان يجب القيام بعمليات فدائية ترفع من معنويات المجاهدين، بغية الخروج من العزلة، وإعادة ربط الاتصال بالجزائر العاصمة. من هنا، جاء قرار، القيام بعمليات فدائية يوم 1 ماي 1955، في قلب مدينة قسنطينة. حيث تم وضع قنبلة بـ “الكازينو”. وعليه، تم الانتقال لشكل جديد من النضال داخل المدن من سكيكدة، الحروش، الميلية وجيجل.

وذكر بن طوبال، ناقلا كلام زيغوت :”نجحت عمليات الفاتح ماي. بيد أن وقعها النفسي لم يكن كبيرا. كان علينا أن نضرب العدو الفرنسي من جديد. ضربة أكثر صلابة. فأضاف:” سألته ماذا يقصد”، فقال:” علينا أن نتوغل في عمق المدن هذه المرة”.  فسأله بن طوبال مرة أخرى :”ندخل المدن أريد ذلك، لكن كيف؟”. أخبره زيغوت بما يجب القيام به، حيث يتم تنفيذ عمليات فدائية أخرى في وسط المدن.

بالنظر إلى الروح الديمقراطية لدى زيغوت، وتقبله الرأي الأخر برحابة صدر، أبدى بن طوبال معارضة للفكرة، فقال لقائده:”بالنسبة لي، أعتقد أن إدخال فرق الكومندو للمدن، وإطلاق النار على العدو، والخروج منها، فكرة لم تكن تخطر على بالي إطلاقا. لأنني لا أملك العدد الكافي من الجنود”.

وجاء في شهادة بن طوبال:”هذه المرة، ومهما كانت اعتراضاتي، أصر زيغوت على تنفيذ العملية. وفي يوم الثامن ماي 1955 أخذ زيغوت جنوده ودخل الحروش. وخرج منها سالمًا. دون أن يتعرض أحد منهم للإصابة. هجموا على وسط المدينة. فأطلقوا النار على الدرك الفرنسي، وعلى المراكز العسكرية، فقتلوا عدة جنود، لكنهم لم يغنموا أي سلاح”. وتابع: “من جهتي هاجمت على مدينة “أراغو” (فرجيوة). لقد هجرها الكولون، لكن الجنود الفرنسيين حلوا محلهم. فتمكننا من احتلال المراكز بعد معارك ضارية”.

كان رد فعل الجيش الفرنسي قويا، بعد أن مسّت العمليات الفدائية كل المناطق تقريبا. وأورد بن طوبال في شهادته: “في هذه الأثناء، قررنا إرسال مبعوثين للأوراس. وهذا كان قرارنا الأول. قال لي زيغوت :”علينا أن نرسل مبعوثا لشيحاني. فمن الضروري ربط الاتصال به، مهما كلفنا الثمن، بغرض تنسيق عملياتنا. فالوضع لا يجب أن يستمر على هذا الحال”. وأضاف : “وقع اختيارنا على بوشامة حسين، المناضل في حركة انتصار الحريات الديمقراطية، عضو منظمة “لوس” منذ 1950، رفقة الحاج العربي لربط الاتصال بالأوراس”… ومن جهتي قمت بإرسال فرقة للطاهير للاتصال بقادة المنطقة الثالثة “القبائل”. بواسطة مسؤول الفرقة سي علاوة بوغريرة الذي حمل معه رسالة لقائد المنطقة الثالثة كريم بلقاسم”.

تم تنفيذ مزيد من العمليات الفدائية يوم 8 ماي 1955، يضيف بن طوبال، فكان رد الفعل الفرنسي، وحشيا، إذ تم الاعتداء حتى على النساء، وتدمير المشاتي، وقمع المدنيين وقتلهم بطرق وحشية، وأضاف بخصوص هذه المسألة:”كان الشعب يرغب في أن ننتقم لموتاه (…) كانت تواجهنا عدة ضغوط، وكان علينا أن نتخذ عدة إجراءات لمواجهتها”.

وفي نفس الوقت، كان الجيش الفرنسي، حسب بن طوبال، قد شرع في تسليح المدنيين والمعمرين. وقال:”كان الفرنسيين أول من اعتدى على المدنيين دون تفرقة. وعليه، كان على جيش التحرير أن  يرد بواسطة تنفيذ عمليات فدائية وإقامة حواجز (…) كان ذلك بمثابة فعل سياسي، لأنه كان علينا ليس حماية الشعب فقط، بل ضمان وسائل بقائه”.

 ويكشف بن طوبال أن سكان المدن من الأهالي، غادروا المراكز الحضرية، والتحقوا بالجبال بسبب وحشية القمع الفرنسي، فوصلوا بالآلاف .

في هذا الوقت عاد مبعوث زيغوت للأوراس. وأصر شيحاني في رسالته لزيغوت على التوقف عند المشاكل التي كانت تعترضه. فالجيش الفرنسي كان متمركزا في الأوراس، لذلك كان يجب فك الخناق عليه.  في هذا الوقت بالذات، أدركنا حجم القمع المسلط على منطقة الأوراس (..) وبدل القيام بعمليات مشتركة ضد الجيش الفرنسي، كما اقترحنا في الرسالة، طلب شيحاني تنظيم عمليات لتخفيف الضغط المفروض عليه من قبل العدو”.

اجتماع في مقر الحاكم العام “جاك سوستيل”

كما ركز بن طوبال في شهادته للمؤرخ دحو جربال، وهو يشرح الأسباب التي حملت زيغوت لاتخاذ قرار تنظيم عمليات 20 أوت 1955 على الاتصالات التي أجرتها بعض من شخصيات الأحزاب التقليدية مع جاك سوستسل بالجزائر العاصمة في أواخر مارس 1955. ويتعلق الأمر، وفق الهامش الذي وضعه المؤرخ دحو جربال في هامش الصفحة 229 من الكتاب بـ “الاتصالات التي أجرتها “جيرمين تيليون” والرائد – الاستشراقي  “فانسون منصور مونتيل” مع ممثلي الأحزاب السياسية الجزائرية من مختلف التوجهات”. 

وفي ذات السياق، ذكر بن طوبال في شهادته: “لقد اقترح سوستيل على التنظيمات السياسية القديمة، الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، العلماء، المركزيين والمصاليين، سياسة ليبرالية تقريبا”. وتابع: “لقد ناقشوا سويا حلا ممكنا للقضية الجزائرية، فتم نشر بيان في الصحف. حمل دعوة لتشكيل جبهة وطنية لمحاربة العنف”. في إشارة ضمنية لجيش وجبهة التحرير الوطني.

في ظل هذه التطورات، اتصل زيغوت ببن طوبال. فقال له وفق ما جاء في الكتاب وهو يتحدث عن لقاء التشكيلات السياسية التقليدية مع سوستيل:”هذا أكبر خطر. نحن قلقون على مختلف المناطق، وكنا نتساءل إن كانت تحارب أم لا. نتكلم عن القمع، لكن هؤلاء الرجال يرغبون في أن يقطعوا العشب تحت أرجلنا. في حالة ما إذا توصلوا إلى اتفاق فيما بينهم، سيتم الإعلان بأننا خارجون عن قانون أي تنظيم جزائري. سوف نظهر كأننا معارضون لحكومة- ذاتية. ووفق هذا الوضع ليس الاستقلال هو الذي سوف يُرهن، بل الثورة برمتها”. وتابع :”كان زيغوت يثق في الثورة، وليس في الاستقلال فقط (…)”في هذه الحالة، نجد أنفسنا أمام خطر حقيقي، قال لي، ليس على المستوى العسكري، بل على مستوى مصير الشعب نفسه. سأتصل بك لاحقا، بعد بضعة أيام. التحق برجالك وشجعهم. عليك بالتفكير في الوضع. وسأفعل كذلك. علينا أن نفكر في عملية لإضفاء الطابع الراديكالي على الحرب، حتى نقطع أي اتصال بين الجزائريين وفرنسا بشكل نهائي. سأخبرك بشيء آخر (بدا لي هذا الأمر غريبا حينها، بحيث خطرت على باله رؤية واضحة بخصوص المستقبل)، حتى المعمرين، في حالة ما إذا أحسوا بالخطر، وشعروا أن الاستقلال قادم لا محالة، سوف يُظهرون استعدادا لقطع الصلة بالمتروبول، والدفاع عن مصالحهم. أو سوف يطلبون هذا الاستقلال لأنفسهم، ويتفقون مع بعض الجزائريين ضد فرنسا. ستكون نهايتنا، وستضيع الثورة. سيكون النضال أكثر خطرا. سيكون نضالا من أجل الموت. ولن يبقى سوى المثاليين لقبول فكرة الموت من أجل القضية ورفض الاستسلام”.

بن طوبال يبدي موافقته ..السعي لقطع الطريق أمام “القوة الثالثة”

أبدى بن طوبال موافقته التامة هذه المرة مع زيغوت، مثلما قال في شهادته. كان يرى أنّ الإصلاحات السياسية التي شرعت فيها فرنسا، بواسطة الحاكم العام “جاك سوستيل”، وتواصلها مع التشكيلات السياسية القديمة، يشكل خطرا حقيقيا على الثورة.  وكتب :”افترقنا أنا وزيغوت على هذه الاعتبارات. ربما كان ذلك في بداية جويلية. وعند الخامس أو السادس أوت 1955، بعث لي برسالة جاء فيها “تعالى مع كل جنودك”. كان متواجد في مكان اسمه “زمان” بين سكيكدة والقل”.

حين وصل بن طوبال لمكان الاجتماع رفقة جنود (وكان عددهم خمسة وسبعين)، سأله زيغوت قائلا: “هل فكرت في الموضوع؟” فرد قائلا:” نعم فكرت في عمليات عسكرية ضخمة، لكنني لا أعرف سبب القيام بها. يتعين علينا أولا مناقشة الوضع الحالي الذي توجد عليها الجزائر.  وأضاف: “ناقشنا الوضع، وتوصلنا إلى نتائج غير مرضية. كانت الثورة تعرف حالة من الهدوء في كل مكان”. وأضاف زيغوت وفق شهادة بن طوبال: “على كل حال، ليست لدينا خيارات أخرى. إذا كان أفقنا واسعا، سوف نصل إلى بر الأمان ونُخرج الجزائر من هذه الورطة. أما إذا كان أفقنا محدودا، سيحدث مثلما حدث في 1 و8 ماي 1945، سيدوم ذلك لفترة وجيزة، فيختفي الأثر”.

هذه هي الأسباب، التي حملت زيغوت لاتخاذ قرار عمليات 20 أوت 1955، حسب بن طوبال في شهادته التي نشرت على شكل مذكرات بضمير المتكلم. لقد أراد إشراك الشعب برمته في الثورة، بغية قطع الطريق أمام محاولات سوستيل لخلق قوة ثالثة كان يراد بها القضاء على الثورة. وهو نفس العمل الذي كان يقوم به عبان رمضان بالجزائر العاصمة، عبر كتابة وتوزيع مناشير (بداية من أفريل 1955) استنكر من خلالها محاولات الحاكم العام “سوستيل” الرامية للقضاء على الثورة.

وجرت عمليات 20 أوت 1955، حسب بن طوبال، في خضم وضع صعب للغاية، بحيث تمكن الجيش الفرنسي آنذاك، مثلما نقرأ في الكتاب، من شد الخناق على الشعب. وكان زيغوت، حسب بن طوبال، يريد الرفع من معنويات هذا الشعب، وإظهار قوة جيش التحرير، وإيصال رسالة مفادها أن الجزائريين بإمكانهم الاحتماء فعلا بجيش التحرير الوطني، في وقت تزامن مع اقتراب عقد اجتماع لهيئة الأمم المتحدة يوم 30 سبتمبر 1955، وإدراج “القضية الجزائرية ضمن أشغالها، وذلك عقب الانتصار الذي حققته الدبلوماسية الجزائرية في “باندونغ (18 إلى 24 أفريل 1955).