المقدمة

لقرون طويلة وقفت الصين بوصفها الحضارة الرائدة، تفوق العالم في الفنون والعلوم. وفي وقت مبكر من القرن العشرين، وبالتحديد عام 1920، عانت الصين الاضطرابات الأهلية والمجاعات الكبرى والهزائم العسكرية والاحتلال الأجنبي. وبعد الحرب العالمية الثانية أنشأ الشيوعيون النظام الاشتراكي، تحت قيادة “ماوتسي تونج”. ولضمان سيادة الصين، فرض ضوابط صارمة على الحياة اليومية للشعب الصيني، ما أودي بحياة عشرات الملايين من الصينيين.

جاء عام 1978، ومعه خليفة ماو، “دينج شياو بينج”، وهو صاحب نظرية الإصلاح والانفتاح، وتركزت أولويات الصين على التنمية الاقتصادية الموجهة نحو السوق، والتي حققت نمواً اقتصادياً يُعد معجزة، حيث تضاعفت التنمية الاقتصادية أربع مرات، حتى عام 2000، وصعدت الصين الى المرتبة الثانية اقتصادياً، متخطية اليابان التي جلست في المرتبة الثانية لأكثر من عشرين عاماً، إذ تحسنت مستويات المعيشة للشعب الصيني، الذي ظل يعاني من الفقر والجوع لعصور كثيرة. وبالرغم من التقدم الاقتصادي، مازالت الحياة السياسية داخل الصين تعاني من ضغوط وضوابط الحزب الأوحد “الحزب الشيوعي الحاكم”، حيث تري النخبة السياسية أنه أفضل اختيار لبقاء تماسك جمهورية الصين.

في عصر الهيمنة الأمريكية على العالم، ومع غياب القطب الآخر الذي يحدث التوازن، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، في بداية التسعينيات من القرن الماضي، تتجه الأنظار للبحث عمن يمكن أن يكون المنافس لتلك القوة المهيمنة على النظام العالمي، ويكاد يكون هناك شبه إجماع على أن الصين هي التي تملك المقومات التي تؤهلها لكي تتبوأ هذه المكانة، فمن الناحية البشرية يبلغ عدد سكان الصين ملياراً وثلاثمائة مليون نسمة، وهو يوازي أربعة أضعاف عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية. ومن الناحية العسكرية يُعد الجيش الصيني أكبر جيش في العالم، حيث يبلغ تعداده أربعة ملايين جندي، كما تحتل الصين المرتبة الثالثة في الإنفاق العسكري، بعد الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية. 

يُعد الاقتصاد الصيني أكبر اقتصاد حقق نمواً في التاريخ المنظور خلال الخمسة والعشرين عاماً الماضية، حيث حقق سنوياً نمواً يراوح ما بين 8.5 – 11%، واستطاعت الحكومات الصينية خلال تلك السنوات تخليص ثلاثمائة مليون صيني من الفقر، كما أن الصين تحتفظ بثاني أكبر احتياطي عالمي من العملات الأجنبية، على رأسها الدولار الأمريكي. كما يُعد معدل النمو الاقتصادي أكبر تحدٍ تواجهه الصين لتلبيه احتياجات المجتمع الصيني، والحفاظ على تماسك ووحده الصين دولةً واحدةً.

تدل مسيرة التنمية، بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية، وخاصة على مدى أكثر من 30 سنة، منذ بدء عملية الإصلاح والانفتاح، على أن الصين هي عضو مهم في المجتمع الدولي، ومسهم إيجابي في تعزيز العدالة والإنصاف في النظام السياسي والاقتصادي الدولي، ومن المنتظر أن يشهد هذا القرن نمواً صينياً متدرجاً، لتصبح قوة عظمى تنافس الولايات المتحدة الامريكية، وإن اختلف المحللون على المدى الزمني لتحقيق هذا الهدف.

في ظل هذه المعلومات الإستراتيجية يحاول العرب رسم مستقبل أفضل لعلاقاتهم بالدول الكبرى الفاعلة في النظام الدولي، وتأتي الصين ضمن أفضل البدائل المطروحة على السياسة العربية الخارجية، من منطلق المصالح والأهداف المشتركة، بالرغم من التحفظات الأيديولوجية التي كانت لبعض من الدول العربية على الصين، والخوف من انتشار الشيوعية في الوطن العربي، إلا أن ذلك لم يحل دون تنامي هذه العلاقات على مختلف المستويات، ومع إعلان الصين مبدأ المصلحة والمنفعة المتبادلة في العلاقات الخارجية، ونفور الرأي العام العربي من السياسة الخارجية الأمريكية الداعمة لإسرائيل على حساب الحق العربي المشروع، ورفض كلٌّ من العرب والصين الهيمنة الأمريكية، فإننا نجد شبه تطابق في وجهات النظر بين الجانبين، وتبقى الآليات والمحاور هي المطلوبة لتنمية وتفعيل العمل العربي الصيني المشترك.

أصبحت الصين تبدي اهتماماً متزايداً بدعم اقتصادها وحل مشكلاتها الإقليمية، وتطبيق سياسة الانفتاح في المجالين الدبلوماسي والاقتصادي على منطقة الشرق الأوسط، لخدمة أهدافها ومصالحها لتحقيق غاياتها وتفعيل كيانها في العالم.

العلاقات العربية الصينية المشتركة ودورها المستقبلي في العلاقات الدولية يستلزم وضوحاً في الرؤية وثباتاً في المنطق، مع تطوير مستمر لتلك العلاقات دون محاولات التشويه والتشكيك لكلا الطرفين، حيث تدرك الصين الأهمية الجيوإستراتيجية للمنطقة العربية، وأنها هي الممر الأفضل لضمان خروج الصين من المحيط الإقليمي الآسيوي، في حال ما رغبت في الوصول إلى القطبية، وأن هذه المصلحة ليست الوحيدة للمصالح والاهداف الصينية في المنطقة العربية، بل تأتي مصلحة تحقيق أمن الطاقة الصيني على رأس أولوياتها، في المنظور القريب والمتوسط، داخل المنطقة العربية.

المبحث الأول الأهمية الإستراتيجية للصين

تُعد الصين قوة إقليمية كبيرة، فمن المنتظر أن يشهد هذا القرن نمواً صينياً متدرجاً، لتصبح قوة عظمى بالمعايير العالمية، فهي لديها المقومات والإمكانات التي تحقق لها ذلك، بما تملكه من حضارة تعد من أقدم الحضارات في العالم. إن الصين اليوم مثل التنين الذي أستيقظ بعد قرون من السبات، ثم أفاق فجأة وهو يرى العديد من الأمم تطأ بأقدامها على ذيله، ومع كل الأحداث التي مرت بها الصين على مدار مائتي عام مضت، حرصت على أن ترتقي بأساليب سلمية، بوصفها المخطط الرئيس المنتظر للنظام العالمي الجديد في هذه الفترة، حيث إن التاريخ سوف يحدد العلاقة التي تنشأ بين القوى الدولية الكبرى الحالية، وبين القوى الدولية الكبرى البازغة، إذ إن الصينيين لديهم شعور قوى بأنهم في النهاية قد انضموا للعالم الحديث، وهو عالم الدول المتقدمة.

أولاً: الأهمية الجيوبوليتيكية والجيوإستراتيجية من منظور جغرافي كالتالي

الصين تمثل الكتلة الجغرافية الرئيسة “المتكاملة” في منطقة شرق آسيا، ومن ثم تزداد الأهمية الإستراتيجية من جانب العامل الجغرافي. وهي أكبر دولة في قارة آسيا مساحة وسكاناً، ولذا فإن حجم تأثير الكتلة الحيوية على مستوى القارة كبير، ويتزايد ذلك على مستوى الأقاليم ومنطقة جنوب شرق آسيا وما حولها.

أتاح موقع الصين سيطرتها على بحر الصين الشرقي، وبحر الصين الجنوبي، وإطلالة على المحيط الهادي من خلال سواحل تمتد 18 ألف كم، صالحة لإقامة الموانئ التجارية والصناعي. وتتحكم الصين من موقعها المطل على بحر الصين الجنوبي والشرقي في خطوط الملاحة البحرية المتجهة إلى دول اقتصادية صناعية مهمة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، والقادمة من جهات مختلفة من العالم، وأهمها ناقلات النفط القادمة من الشرق الأوسط.

تتحكم الصين في مضيق تايوان والذي يربط بين بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي والذي تمر به الخطوط الملاحية البحرية وإمدادات الطاقة لليابان وكوريا الجنوبية.

ثانياً: الأهمية السياسية للصين

قامت الثورة الصينية على المبادئ الشيوعية، وبعد سنوات أخذت السلطات في تطعيم هذه المبادئ وتعديلها بأفكار الزعيم “ماوتسى تونج”، بعدها شعرت القيادة بأن هناك انحرافاً عن المبادئ الشيوعية والمادية، فبدأت ما سمته” الثورة الثقافية” بدعوى المحافظة على المبادئ الاشتراكية، حيث تسلم الدفة مهندس الإصلاحات الزعيم “دينج زياو بنج”، عام 1978، وقد بلغ السبعين، ولكنه على الرغم من تقدم سنة كان له فكر ومطامح متجددة.

بناء على المستجدات التي انطوت عليها البيئة الدولية، أجرت الصين بعض التعديلات على سياستها الخارجية لاستمرارها قوة فاعلة إقليمياً ودولياً، كالآتي:

1. تطوير علاقاتها مع الدول العظمى والكبرى والمتقدمة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، واليابان، والاتحاد الأوروبي، وتحظى العلاقات الصينية الأمريكية بأهمية خاصة ولذلك ما يبرره، فرغبة الصين في زيادة الانفتاح على العالم الخارجي يستلزم مزيداً من التعاون مع الدول الغربية وأن يتبلور هذا التعاون حول قيادة هذه الدول من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

2. اتجاه الصين إلى تدعيم علاقاتها ببلدان العالم الثالث، وبناء علاقات تقارب وتعاون مثمرة مع كثير من الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، كما انتهجت الصين سياسة حسن الجوار مع الدول المحيطة بها، فاستأنفت علاقاتها مع إندونيسيا، ودعمت العلاقات مع سنغافورة وبروناي، وقامت بتطبيع العلاقات مع فيتنام والفيليبين، وأقامت علاقات طيبة مع باكستان، وحسنت علاقاتها مع الهند، ثم قامت بتعزيز علاقاتها مع الكوريتين الشمالية والجنوبية ومنغوليا، وأخيراً مع الجمهوريات الجديدة في آسيا الوسطى، وكذا معظم دول الشرق الأوسط، وبخاصة الدول العربية وإسرائيل.

وبصفة عامة نرى أن الصين أصبحت تتبنى موقفا إيجابياً إزاء حقيقة بناء نظام عالمي جديد، وأبدت القيادة الصينية استعدادها للتعاون مع دول العالم كافة، من أجل إرساء أسس هذا النظام، والرغبة في إصلاح الأمم المتحدة، لتواكب النظام الجديد.

وبمراجعة هذه التعديلات التي جرت على السياسة الخارجية للصين، يتضح أن هذا التوجه الجديد يتمثل في توفير مناخ مستقر للصين على المدى الحالي والبعيد، من شأنهما ضمان تحديث الصين والعمل على مواجهة التحديات الخارجية المتمثلة في الثورة التكنولوجية والعلمية من جهة، والمنافسة الاقتصادية من جهة أخرى، ما يؤهلها في هذا القرن لتكون دولة عظمى عالمياً.

ثالثاً: الرؤية الصينية للتعامل مع القضايا الدولية والإقليمية

1. القضية الفلسطينية

أ. تساند وتدعم دعماً إيجابياً القضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتؤيد الجهود السلمية كافة لتسوية القضية ولها مبعوث خاص بالشرق الأوسط.

ب. تسعى الى إقامة علاقات متوازنة مع الأطراف العربية وإسرائيل، للحفاظ على مصالحها مع الجانبين.

ج. تطالب بضرورة استمرار المباحثات الفلسطينية ــ الإسرائيلية، والتركيز خلالها على القضايا الجوهرية للوضع النهائي، مع أهمية تناول أي مؤتمر للسلام مسارات التسوية كافة بلا استثناء، بما في ذلك المسارين السوري واللبناني.

د. تطالب كل من فتح وحماس بتوحيد الصف الفلسطيني ونبذ الخلاف، من أجل تحقيق المصلحة العليا الفلسطينية، وتدعم الجهود المصرية في هذا المجال.

2. الملف السوري

عارضت قرار الحرب ضد سورية في مجلس الأمن باستخدام حق الفيتو، بالتعاون مع روسيا، وتؤيد الجهود الدولية والإقليمية كافة لاستعادة الاستقرار بسورية، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.

3. تجاه السودان (دارفور)

أ. ترتبط بعلاقات متطورة مع السودان خاصة في مجالات التنقيب عن النفط، والمشروعات المائية (تشارك في بناء سد مروي)، إلى جانب كونها المصدر الرئيس لتزويد القوات السودانية بنظم التسليح البرية ــ الجوية.

ب. تعارض المساعي الأمريكية التي تهدف إلى الانفراد بصياغة مستقبل الأوضاع في السودان.

ج. ترفض إصدار قرارات من مجلس الأمن لفرض عقوبات على السودان، ارتباطا بمصالحها في السودان “النفط”.

د. التأكيد على ضرورة إقامة السلام الشامل والعادل الذي يحقق مصالح الأطراف كافة، مع الحفاظ على وحدة السودان، من خلال السعي لإيجاد حل سياسي لقضية دارفور، وتفعيل آليات التعاون بين الأطراف المعنية كافة.

هـ. تشارك في القوة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بدارفور.

4. الأزمة النووية الإيرانية

تؤيد دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية والجهود الأوروبية لتسوية أزمة البرنامج النووي الإيراني بالطرق الدبلوماسية، ورفض التصعيد بالعمل العسكري تجاه إيران، كما امتنعت عن التصويت على قراري مجلس الأمن الدولي 1737 و1747، اللذين فرضت بموجبهما عقوبات تجاه إيران بشأن برنامجها النووي، في حين صوتت لصالح القرار الرقم 1803.

5. تجاه أفغانستان

ترى أهمية التعاون في الحفاظ على قوة الدفع لإعادة الإعمار والبناء، للحد من إمكان عودة أفغانستان لتشكل بؤرة لإيواء الإرهاب وتصديره، خاصة مع مواجهة النظام الأفغاني العديد من التحديات والمصاعب التي تحد من استعادة الاستقرار للساحة الأفغانية.

6. تجاه تطوير التعاون العربي/ الصيني

أ. تحرص على استثمار علاقاتها المتميزة بكافة الأطراف العربية، لتطوير التعاون الثنائي معها بالمجالات كافة السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية والعسكرية، وفي هذا المجال تستضيف الصين منتدى التعاون الصيني/ العربي بمشاركة العديد من ممثلي مختلف القطاعات من الدول العربية، رجال أعمال ــ قطاع حكومي ــ منظمات أهلية، بهدف تفعيل الشراكة الإستراتيجية بعيدة المدى بينهما.

ب. تركز تركيزاً رئيساً على توسيع مجالات التعاون الاقتصادي مع دول مجلس التعاون الخليجي، وزيادة حجم استثماراتها وصادراتها بالمنطقة، في مواجهة تنامى نفوذ القوى الدولية الأخرى.

ج. تكثف جهودها لزيادة حجم صادراتها العسكرية (مدفعيات ــ ذخائر) لدول الخليج، خاصة دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت.

د. تعتمد الصين موقفاً متوازناً تجاه قضية الجزر الإماراتية، حفاظاً على مصالحها مع طرفي النزاع، الإمارات العربية وإيران، وذلك بحث الطرفين على تسوية القضية بالطرق الدبلوماسية وفي إطار إقليمي.

7. تجاه قضايا الإصلاح بالمنطقة

ترى أن خطط الإصلاح الديموقراطي المطروحة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والأطراف الدولية بالمنطقة، تستهدف في جوهرها التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وهو ما قد يؤدي الى نتائج عكسية.

8. تجاه أزمة البرنامج النووي الكوري الشمالي

تُعد الحليف الأول والمساند، بأسلوب غير مباشر، بالإضافة إلى إسهامها الفعال في جهود تسوية أزمة البرنامج النووي الكوري الشمالي، من خلال المباحثات السداسية، وبما أسهم في التوصل الى اتفاق فبراير 2007، الذي تعهدت بموجبه كوريا الشمالية بتفكيك برنامجها النووي، مع تأكيد اتفاقها مع باقي الأطراف المعنية بالأزمة على ضرورة إخلاء شبه الجزيرة الكورية من أسلحة الدمار الشامل، وعبرت عن قلقها ازاء إطلاق ناجح لصاروخ عابر للقارات يحمل قمراً صناعياً إلى مداره، في ديسمبر 2012، ودعت حليفتها إلى الالتزام بقرارات الأمم المتحدة.

9. تجاه العلاقات مع اليابان

ترى القيادة الصينية أن فترة الاحتلال الياباني للصين ودول جنوب شرق آسيا لازالت تلقى بانعكاساتها السلبية على علاقات البلدين، وعلى الرغم من ذلك تسعى الصين خلال الفترة الحالية لاحتواء الموقف مع اليابان ودعم العلاقات الثنائية، خاصة بالمجال الاقتصادي والسياسي، إذ قدم الرئيس الصيني في زيارة لليابان، في 6 مايو 2008، تعد الأولى منذ عشر سنوات.

على النقيض من ذلك قامت بتنفيذ طلعة جوية، في ديسمبر 2012، بطائرة أبحاث على جزر سنكاكو المتنازع عليها بين البلدين، في ذكرى مجازر اليابان إبان الاحتلال الياباني للصين. وردت اليابان بإرسال ثلاث طائرات حربية ما أعاد أجواء التوتر إلى المنطقة والعلاقات بين البلدين.

10. تجاه قضية إصلاح المنظمة الدولية وتوسيع مجلس الأمن الدولي

أ. التأكيد على أن تطوير المنظمة الدولية يجب أن يُلبي متطلبات تلازم مسألتي التنمية والأمن، مع تأييدها لتوسيع عضوية مجلس الأمن من حيث المبدأ، بهدف إعطاء تمثيل أكبر للدول النامية.

ب. تعارض حصول اليابان على مقعد دائم بمجلس الأمن الدولي حال توسيعه، في ضوء تقديرها أن انضمام اليابان لعضوية المجلس من شأنه إعادة توزيع موازين القوى بالمجلس لصالح المعسكر الغربي، الذي ستنحاز اليابان إلى جانبه ارتباطاً بعلاقاتها الإستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.

ج. أعربت الصين عن دعمها الضمني لموقف مصر بشأن الانضمام لعضوية مجلس الأمن، بالتأكيد على أنها لن تقف عقبة أمام دور أكبر الدول العربية والأفريقية على الساحة الدولية.

رابعاً: الأهمية الاقتصادية للصين

تُعد الصين من الدول الكبرى المصدرة في العالم، وتسببت في إغراق الأسواق الأمريكية والأوروبية، وكذلك الأفريقية والآسيوية ودول أخرى بالبضائع، ونذكر الصور التي بثتها وسائل الأعلام، أواخر عام 2005، حيث الحاويات تكدست في مواني الدول وهي محملة بالمنتجات الصينية، وأهمها الملابس، ما أدى إلى مفاوضات شاقة بين الطرفين.

وتمتاز البضائع الصينية بالجودة ورخص الثمن، وقدرتها على المنافسة، ومن ثم غزو الأسواق الخارجية، حيث لا يكاد يخلو متجر في دول العالم، الصناعية منها أو النامية، من هذه البضائع، وأما للولايات المتحدة الأمريكية، فإنها تعانى من عجز تجاري لصالح دول عدة مثل كندا، اليابان والاتحاد الأوروبي، ولكن عجزها التجاري مع الصين هو الأضخم والأسرع في النمو والزيادة لصالح الصين، كما أن الصين تحقق فائضاً تجارياً لصالحها مع دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يقارب 50 مليار يورو سنوياً، وهذا كله دلالة على ضخامة هذا الاقتصاد ونموه، والدليل الأبرز والأهم أن الناتج المحلى الإجمالي لعام 2012، وصل إلى 11،3 تريليون دولار، أي ما يعادل 72،32 تريليون يوان. في حين بلغ معدل النمو السنوي 10،3% لعام 2010، ومعدل النمو 9،2% لعام 2011م.

إن الانتعاش الاقتصادي الذي تزخر به الصين، والذي نقلها من دولة نامية متخلفة إلى دولة صناعية منتجة، تعود أسبابه إلى سياسة الإصلاح والقوانين التي جعلت منها ملاذاً للاستثمارات الخارجية، علاوة على التفوق بالنسبة لليد العاملة الرخيصة والمدربة، والبنية التحتية الحديثة، وفوائد التكافؤ والتكامل هو الآن ميزة تنافسية تعلو على ميزة القرب الجغرافي التي تتمتع به بلاد مثل المكسيك، والتي كانت تعتمد على المزج بين الموقع الجغرافي وميزتها بوصفها عضواً في “النافتا”.

إن الباحث في الاقتصاد الصيني يمكنه التنبؤ بأهمية هذا البلد ودوره الفاعل بوصفه قوة اقتصادية مؤثرة على الساحة الدولية، وبما ينعكس على القدرات الأخرى العسكرية والسياسية منها إيجاباً، ويعزز مكانة الصين الدولية، وأن ما نشهده هو النمو المستمر والمذهل لقوة عالمية متميزة بمصادر واسعة ومتنوعة، وقدرة تكنولوجية ومعلوماتية. إن تأثير صعود الصين على دول العالم سيكون ملموساً ومؤثراً على الدول النامية أو الصناعية على السواء، ما سيجعل من تطوير إستراتيجياتها لمواجهة هذا التأثير والتعامل مع هذا المارد الصيني ضرورة ملحة.

عموما ينسب الاقتصاديون النمو السريع للاقتصاد الصيني إلى عاملين رئيسين؛ معدلات الاستثمار العالية (وتقف وراءها الادخارات الداخلية والاستثمارات الأجنبية)، والنمو السريع في حجم الإنتاج، وهما عاملان مرتبطان أحدهما بالآخر، حيث قاد الإصلاح الاقتصادي إلى فعالية مهمة في القطاع، دفعت إلى تسريع مصادر الاستثمارات ومضاعفتها، حيث بقي الاقتصاد الصيني قوياً حتى في وجه الأزمة الاقتصادية التي عصفت باقتصاديات شرق وجنوب شرق آسيا خلال عامي 1997 و1999. وحسب تقديرات البنك العالمي كانت الصين سابع أكبر اقتصاد عالمي وراء الولايات المتحدة الأمريكية، واليابان، وألمانيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وإيطاليا، وهي اليوم ثالث أكبر اقتصاد عالمي.

خامساً: الأهمية العسكرية للصين

لدى الصين جيش قوى يُعد من أكبر جيوش العالم، كما يعد أكبر قوة عسكرية في آسيا بعد روسيا الاتحادية، ويمتلك قدرة نووية تمكنه من ردع أي هجوم خارجي، ويعمل على تطوير الأسلحة والمعدات التقليدية أو الفوق تقليدية، إلى جانب ذلك انعكس التحديث على الجيش الصيني، حيث تم بناء عدد كبير من الغواصات التقليدية، وتطوير الأسلحة النووية. إذ قامت الصين، منذ مطلع الثمانينيات، على إجراء تجاربها الأولى على الصواريخ العابرة للقارات (سبعة آلاف ميل بحري)، والقادرة على حمل رؤوس نووية، وتحسين القدرة في مجال إطلاق الأقمار الصناعية. كما بدأت عام 1982، إجراء تجارب على الغواصات الحاملة للصواريخ الإستراتيجية، علماً بأن أغلب الأسلحة النووية الصينية منصوبة براً. كما شمل التطوير القوات البرية والبحرية والجوية، حيث جرى تزويدها بالأسلحة الحديثة.

تسعى الصين للانفتاح على العالم للحصول على أحدث التقنيات التكنولوجية، بغض النظر عن الأيدولوجيات من منطلق السعي إلى تحديث الصناعة العسكرية، لذا فهي تعمل بالتعاون في مجال التصنيع المشترك، أو الحصول على تكنولوجيا التسلح الحديثة من الشرق والغرب، خاصة روسيا الاتحادية وباكستان وإسرائيل.

تُعد الصين، في الوقت الحالي، أحد المصادر الرئيسة في سوق السلاح العالمي، فهي تقع في شريحة أكبر سبع دول مصدرة للسلاح في العالم، بعد الشريحة الأولى التي تحتكرها الولايات المتحدة الأمريكية، ما يمنحها ثقلاً عالمياً وإقليمياً.

من أبرز التوجهات الصينية الحالية في مجال الإنفاق، بناء جيش أصغر، ولكنه أكثر كفاءة، وبلغت ميزانية الجيش، عام 2011، نحو تريليون دولار، أي إنها ثاني دولة على مستوى العالم في ترتيب الإنفاق العسكري، بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

تولى القيادة الصينية اهتماماً متزايداً بقدرات الجيش الصيني، وتحويله من جيش تقليدي يعتمد على الكم إلى، جيش محترف حديث يعتمد على الكيف. ويجري ذلك وفق إستراتيجية وخطة طويلة المدى، تزود مختلف وحداته بالأسلحة المتطورة، وتحاول الصين تقليل الاعتماد على المصادر الخارجية، وأهمها روسيا، من خلال التصنيع وتطوير ترسانتها العسكرية، والدخول في اتفاقيات تعاون ثنائية لنقل التكنولوجيا العسكرية، وخاصة مع إسرائيل، الأمر الذي أثار حفيظة الولايات المتحدة الأمريكية في مناسبات عدة.

إن الجيش الصيني قوة إقليمية يحسب لها حساب إذا ما قورنت بجيوش العالم والدول المجاورة، إذا استثنينا اليابان التي تعتمد على الولايات المتحدة الأمريكية وترتبط معها باتفاقيات عسكرية وترسانة تسليح أمريكية. إن ما يميز الجيش الصيني قدرته على شن حرب طويلة المدى اعتماداً على القدرات الذاتية، واستمرار القيادة الصينية في زيادة الإنفاق العسكري سوف يجعل منها خلال العقود القادمة قوة عسكرية كبرى، إذا استمرت على النهج الحالي في تطوير الجيش الصيني وتحديثه، وسيكون متغيرا رئيساً في تحديد الاستقرار والأمن الإقليمي في القرن الواحد والعشرين، ويجعل منه قوة عصرية أكثر حداثة قادرة على شن حروب سريعة، وعلى درجة عالية من الشدة ضد خصوم ذات تكنولوجيا عالية. ويبدو حالياً أن الترسانة العسكرية الصينية موجهة للتحضير لأي طارئ، بما في ذلك إمكانية تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وأغلب الملاحظين للسياسات الدولية الآسيوية يتفقون على أن التوجه الاستراتيجي والواقع العسكري لجمهورية الصين الشعبية سيكون متغيراً رئيساً في تحديد الاستقرار والأمن الإقليمي، في القرن الواحد والعشرين.

منذ عقد التسعينيات، باشرت الصين إصلاحات شاملة للمؤسسات العسكرية، مركزة على تحسين معايير التدريب، واكتساب نظم تسليحية جديدة داخلية وخارجية، خصوصاً النظم الروسية.

المبحث الثاني التوجهات الإستراتيجية لجمهورية الصين

إن ماضي الصين وتاريخها الأسطوري الإمبراطوري، يلقي بظلاله القوية على الصين اليوم، فهو يطلق العنان لمطامح غير محددة. فوضع النظام العالمي الجديد أحادي القطبية مهيأ لتستعيد الصين مركزها بوصفها حضارة رائدة وقوية منافسة للولايات المتحدة الأمريكية، وبالطبع فإن العديد من الدول وشعوب العالم يحدوها الأمل في صعود قوة تعيد التوازن للنظام العالمي، والأنظار موجهة نحو الصين.

إن ما يشهده العالم اليوم من النمو السريع والمذهل للاقتصاد الصيني، وسعي الصين إن آجلاً أو عاجلاً أن يكون لها دور وتوجهات سياسية وعسكرية، توازن المطامح والنمو الاقتصادي، ليس على مستوى الدائرة الإقليمية، بل على مستوى العالمي.

أولاً: التوجهات الاقتصادية

تسعى الصين إلى أن تتوازى مطامحها الاقتصادية القوية مع مطامحها السياسية، والنظام واعٍ أكثر من غيرة بالرابط الوثيق بين هذه المطامح، وترى الصين في نفسها قوة اقتصادية صاعدة، وهي مصممة على التغلب على أية عقبات متبقية أمامها للوصول إلى هذا الهدف، حتى لو كان إصلاحها في نظامها المالي، أو الإسراع بعملية الخصخصة للقطاع العام. ومنذ بدء الإصلاحات، عام 1978، في عهد الرئيس “دينج شياو بينج” مهندس الإصلاح الاقتصادي الصيني، أخذت الصين طريقاً حذراً، لكنه مصمم ليس فقط من أجل المحافظة على الاستمرار، ولكن من أجل تحقيق التحول المتين نحو الشركات الصغيرة والعملاقة.

استوعبت القيادة الصينية الدروس المستفادة من التجربة السوفيتية الاقتصادية، التي فشلت، وأدت إلى انهيار النظام الشمولي وما تبعه من تداعيات غيرت في شكل النظام العالمي، لذا يبدو أن التجربة وجهت قرار الصين بالسعي نحو الإصلاح التدريجي، وهذا ما يبدو جلياً من خلال رسم مستقبل لها، بدلاً من أن تقلد النماذج الغربية تقليداً أعمى، ويبدو أنه ليس من الصواب استقراء التجارب الأخرى في محاولة لتوقع مستقبل الدولة.

1. قطاع الخدمات

يبقي قطاع الخدمات في الصين بحاجة للتطوير في الوقت الحاضر، لأنه بدأ بالانفتاح أمام المنافسة الأجنبية في هذه الفترة، ولهذا القطاع مكانته في الأمة، فبينما تلتزم القيادة بتعزيز وتطوير الكم والكيف في قطاع الإنتاج، فإنها تتفهم أن قطاع اقتصاد الخدمات يعد ذا أهمية قصوى لتطوير الإنتاج الصناعي والنهوض به، ليتمكن من الوقوف والمنافسة. ولكن عدم وجود قدرات مالية وخدمات لوجستية وما شابهها يمثل عائقاً في أن تصبح الشركات الصينية متعددة الجنسيات شركات ناجحة، وأكثر من ذلك يعد التطوير في قطاعي النقل والاتصالات ضرورياً لتطوير قطاع الخدمات الصيني.

2. الاهتمام بالشركات

توقع القادة ورجال الاقتصاد في الصين، خلال حقبة الثمانينيات، وقد وضعوا نصب أعينهم العنصر البشري على الدوام، بأن الثورة الاقتصادية الصينية ستكتمل حين يستلم جيل جديد من رجال العلم والخبرة دفة القيادة وأمور الاقتصاد، وها نحن بعد مرور أكثر من خمس وعشرين سنة على ذلك، يبدو أن التوقعات أصابت وتحقق ما كان يتوقعه القادة في الصين ويخططون له، فالصين لم تقر قانوناً للإفلاس حتى أواسط التسعينيات، ولم تقرر القيادة منح الحقوق التي تمنح عادة من القطاع العام إلى القطاع الخاص، إلا في أواخر عام 2003، ففرضت بذلك المساواة بين القطاعين على المسرح الاقتصادي، وتحقيق ذلك كان يتطلب إرادة وعزيمة حديدية تفتقد إليها العديد من الدول النامية.

دخلت الصين الآن مرحلة جديدة، ما رفعها للمستوى التالي، بدءا من منح الالتزامات الفرعية، إلى التصميم، ثم إلى إنتاج أصناف تحمل ماركات تجارية. أما في داخل البلاد فأصبحت الشركات الصينية منافسة ويحسب لها حسابها من الشركات المتعددة الجنسيات، بل إن الشركات الصينية أصبحت قادرة يدفعها الطموح على الخروج من نطاق المحلية إلى الدائرة الإقليمية والسوق الدولي. أما اختيار الشركات لتنفيذ المشاريع العملاقة والمؤثرة على الاقتصاد الوطني، فإنه يقع وفق معايير دولية بعيداً عن التأثير، وتلتزم بالشفافية محاولة بذلك القضاء على الفساد الإداري.

إن الحكم الأخير والحاسم على النتيجة يأتي من القيادة السياسية، بحسب إسهام الشركة في الاقتصاد والمصالح القومية والولاء الحزبي، وعوامل أخرى غير ذات علاقة بالسوق. ويعكس هذا الواقع الاهتمام والحاجة للتحكم المستمر بالبلاد، وهذا التحكم سيأتي من الصناعات المرتكزة على المعرفة والثقافة بشكل متزايد، وعلى الأخص من تلك التي يمكن عدها “إستراتيجية”، بمعني امتلاكها لتطبيقات في مجال الأمن القومي، وتنتج مواد أولية أساسية للقطاعات الأخرى، مثل الرقائق الإلكترونية. أما الشركات التي في أعلى درجة من المعرفة وتمنح أفضلية خاصة، فهي التي تبني وتقوم منتجاتها على البحث والتطوير R + D، حيث تلتزم الشركات العالمية بنقل المعرفة اللازمة وليس تصنيع المنتج بل التقنية الأساسية للصناعة، ويجري تطوير المنتج في الأراضي الصينية، ويحقق الاقتصاد بذلك نجاحاً مهماً في نقل المعرفة الصناعية.

3. المناطق الصناعية والاستثمارات

بعد نجاح سياسة إقامة المناطق الصناعية، التي بدأت في عهد التحديث، جرى التوسع في إقامة هذه المناطق حتى وصل عددها للعشرات، والحكومة الصينية تواصل سياسة اقتصادية تعمل على تحقيق التنمية المتوازنة لجميع الأقاليم، وخاصة في المناطق الداخلية والغربية. إن من أهم التوجيهات الاقتصادية توفير البيئة المناسبة لجذب مزيد من الاستثمارات العالمية، بوصفها مصدراً مهماً للاقتصاد الوطني بتوفير عشرات الآلاف من فرص العمل وتعزيز الناتج القومي.

أكد البنك الدولي بأن الصين هي أكبر دولة في العالم متلقية للاستثمارات العالمية، بل إن الشركات تبذل الجهد للاستثمار في الصين دون النظر للشروط، يدفعها لذلك الحوافز والحجم الهائل للسوق الصيني، ناهيك عن وفرة الأيدي العاملة المدربة والرخيصة.

4. النمو الاقتصادي

يبدو واضحاً للباحث في الشؤون الصينية، أن الصين تربط بين عمليات وضع الأسس المتينة لبناء الاقتصاد الصيني، والإستراتيجيات السياسية والدفاعية. فإن التقديرات الصينية الخاصة بنمو الاقتصاد الصيني خلال السنوات القادمة تبدو متفائلة إلى حد كبير، اعتماداً على معدل النمو الاقتصادي المرتفع الذي حققته خلال السنوات القليلة الماضية، وتزايد مؤشرات هذا النمو. ويتمثل هدف التخطيط الصيني المتوسط المدى، حتى نهاية العقد الحالي، في تحقيق متوسط للنمو الاقتصادي، فإنه بعد فترة استمرت ألف عام، تحولت الصين من قمة المجد إلى دولة تابعة تقبع تحت الاحتلال، وها قد أصبحت الصين في اتجاه الصعود مرة أخرى، وهي مصممة ليس في استعادة مجد الماضي فقط، بل أيضاً أمل المستقبل.

ثانياً: التوجهات العسكرية

بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي “سابقاً”، أصبحت الصين في نظر الكثيرين من الذين يعملون في مجالات الأمن القومي ووضع الإستراتيجيات العسكرية، في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وبعض دول آسيا المرتبطة بعلاقات وثيقة مع الغرب، تهديداً قوياً لمصالح تلك الدول، سواء في حدود قارة آسيا أو ما حولها، نظراً لما تمتلكه من قوة بشرية ضخمة (1300 مليون نسمة)، تتمركز على مساحة كبيرة من الأرض (6,9 مليون كم2)، ولديها جيش تحرير شعبي يصل تعداده بعد التخفيض الذي تم إلى (45,2 مليون فرد)، وتمتلك أكبر قوة عسكرية في آسيا بعد روسيا الاتحادية مع قدرة نووية تمكنها من ردع أي هجوم خارجي، معتمدة على الذات في تطوير برامجها النووية والصاروخية والعسكرية.

يسود اعتقاد لدى الدول الغربية، من واقع خبرتهم التاريخية المستمدة من التطور الصناعي في العقود السابقة، أن النمو السريع في القوة الاقتصادية الصينية، سوف يكون دافعاً للقيادة الصينية للتوجه نحو امتلاك القوة العسكرية المتفوقة، بحلول عام 2030، وهو الأمر الذي يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الغرب ومصالح دول آسيا الأخرى في ذات الوقت. ومع عودة هونج كونج إلى السيادة الصينية، عام 1997، فإن الاقتصاد الصيني اكتسب دفعة قوية جديدة تمكنه من تحقيق تطلعاته في زيادة فاعلية قدراته العسكرية، ولن يكون الهدف آنذاك أمام القيادة الصينية سوى استعادة تايوان، وبذلك سوف تمتلك الصين جناحين اقتصاديين (هونج كونج وتايوان)، يمكن لهما أن يسهما في تحويل المطامح الإستراتيجية الصينية إلى واقع حقيقي، خلال الخمسة عشر عاما القادمة.

ولما كانت للصين حدود برية أو بحرية مع عشرين دولة، (14 دولة برية، وست دول بحرية)، فإن العبء الدفاعي يفرض إستراتيجية واضحة في مجال الأمن الإقليمي، ومجال التطوير التقني للجيش. وكشفت الحرب الفيتنامية ــ الصينية، عام 1979، أهمية هاتين النقطتين، إذ خسرت الصين، التي كانت تعتمد على جيش من الميليشيات أكثر من الاعتماد على جيش محترف، 26 ألف قتيل و36 ألف جريح، وهو أمر استدعى التفكير في إستراتيجية تأخذ في الحسبان العلاقة بين التطور الاقتصادي والتطور العسكري.

إن الإستراتيجية العسكرية الصينية محكومة بالتوجيهات السياسية للنخبة العسكرية، إذ يبدو أن الجيش يعد الولايات المتحدة الأمريكية العدو الأول للصين، ولعل رسالة الجنرالات المائة التي قُدمت إلى الرئيس “زيمين”، عام 1993، تؤكد هذا التوجه، إذ جاء في الرسالة “إن هناك سلبية في السياسة الصينية تجاه محاولات الولايات المتحدة الأمريكية ابتزاز الصين، وأن التباين الأيديولوجي والتباين في النظام الاجتماعي وفي توجهات السياسة الخارجية للبلدين تحول كلها، جذرياً دون تحسين العلاقات بينهما، وحيث إن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك المركز الاقتصادي للمنطقة، فإنها لن تسمح لقوة منافسة لها.

نتيجة لمثل هذه التوجيهات المتمثلة في موقف القيادة العسكرية من الولايات المتحدة الأمريكية، والحاجة المستقبلية للنفط وحماية طرق إمداده، ونتيجة للمتغيرات الدولية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، حدث تركيز في الإستراتيجية الصينية يتمثل جذرياً في الانتقال من دولة بدون مطامح إلى دولة ذات مطامح إقليمية، إذ إن مراجعة التغييرات التي تجري في إستراتيجية الصين العسكرية تدل بوضوح على التركيز على النظام الإقليمي الشرق آسيوي في الوقت الراهن.

تؤكد بعض المؤشرات التوجيهات العسكرية الصينية، مثل تطويرات القاعدة العسكرية في جزر بارسيل، والإصرار على ملكية جزر سبراتلي، وإقامة وجود عسكري في الحيدات البحرية “ميستشيف” التي تدعي الفيليبين ملكيتها، والادعاء بحقها في حقول الغاز في جزر ناتونا التي تدعي إندونيسيا حق ملكيتها، وتأكيد المطالبة بسحب القوات الأمريكية من المنطقة، وإبداء القلق من احتمالات تنامي القوة العسكرية اليابانية.

كما عملت الصين على وضع ثقل عسكري بحري لها، من طريق إنشاء قاعدة بحرية صينية في مينا جوادار Gwadar الباكستاني، وساعدت الصين باكستان على تطوير هذا الميناء لكي يخدم التجارة الباكستانية. ويشكل الثقل الصيني في هذا الميناء تهديداً كبيراً للهند، لأن معظم واردات النفط وتجارتها تمر عبر مضيق هرمز القريب من باكستان. علاوة على ذلك يُعد الوجود العسكري الصيني في “جوادار” العمود الفقري لدعم وتثبيت الوجود العسكري الصيني في المحيط الهندي؛ حيث يسمح الوجود الصيني في “جوادار” بمحاصرة جانبي شبة الجزيرة الكورية.

وبذلك يمتد النفوذ البحري الصيني من الحدود الإيرانية حتى شرق مضيق “هرمز”، حيث أكبر ممر مائي لعبور النفط، كما يسمح الوجود الصيني في باكستان بمراقبة النشاطات البحرية الأمريكية والهندية في الخليج العربي وبحر العرب. كما تمكنت الصين من خلال ميناء جوادار من إنشاء أنابيب لنقل الطاقة، تمتد من “إسلام باد” حتى مقاطعة “أكسيجيانج” الصينية.

ثالثاً: التوجهات السياسية

كانت الطموحات السياسية لبلدان مثل اليابان وكوريا الجنوبية، في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، محدودة بضوابط الحجم والجغرافية والسياسة والدستور، لكن الصين ليست مقيدة بكل تلك العوامل. إذ تمتلك الصين أكبر جيش عامل في العالم، مع أنه بحاجة شديدة إلى التحديث، وقوة اقتصادية في طريق النمو الدائم، ومكانة آخذة بالبروز قوة سياسية معترفاً بها. وتتضمن بطاقة تعريف البلاد، الجمهورية الشعبية نواة، ومركز الصين الكبرى التي تشمل هونج كونج، التي أصبحت إقليميا إدارياً خاصاً، منذ عام 1997، وتايوان التي يُنظر إليها على أنها مقاطعة متمردة يتوجب عليها أن تنضم للبلاد بمقتضى تدبير “بلد واحد ونظامين”، من النوع المطبق مع هونج كونج، أو بالقوة إذا اقتضت الضرورة ذلك.

كما تحتفظ الصين بعلاقة خاصة مع سنغافورة المتعددة الأعراق، مثلما تفعل مع الجاليات الصينية في الخارج، والتي تري فيها عنصراً أساسيا لتقديم الصين. ومما يجعل حلم الصين الكبرى واقعاً ملموساً من وجهة النظر الاقتصادية، أن اقتصاديات هونج كونج وتايوان مندمجة بشدة مع اقتصاد الصين الأساس، ويعد البلدان مع المغتربين الصينيين مسهمين أساسيين فيه.

يتطابق مفهوم الصين الكبرى جيداً مع حلم البلاد السياسي بأن تصبح قوة عالمية مستقبلية وواحدة، ستحل في نهاية الأمر محل الاتحاد السوفيتي قوة توازن القوة الأمريكية، تلقى هذا الحلم دعماً بعد 11 سبتمبر 2001، عندما أصبحت الصين لاعباً محورياً في عالم مهدد من قِبل العناصر المتطرفة، بالتوافق مع مركزها، وتبدو البلاد حازمة في القضايا الدولية، مع أن تأثيرها مازال منحصراً في الدائرة الآسيوية، وأن توسط الصين ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية يسمح لها بعرض قدرتها واستعدادها لتفعيل علاقتها مع اللاعبين المتعددين (الولايات المتحدة الأمريكية، وكوريا الشمالية، وروسيا)، من أجل تحقيق الاستقرار والسلام.

شدد الرئيس الصيني “هو جينتاو” على المبادئ الخمسة للعيش السلمي، وهو الهدف الذي تسعى إليه، سواء في الداخل أو في الخارج، ومن المتوقع أن نرى في المستقبل القريب صيناً أكثر ارتباطا بالمؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارية العالمية، وصيناً مستعدة لاستعمال عضلتها السياسية والاقتصادية المتزايدة من أجل الحصول على النفوذ عبر المساعدات الأجنبية والدعم العسكري، وما شابه ذلك، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق والاتحاد الأوروبي.

أما على الصعيد الداخلي فلا تتضمن الأفكار السياسية للقيادة الصينية الانتقال إلى الديمقراطية، إذ تتحدى الصين مسبقاً المزاعم الغربية المتعلقة بضرورة التناسب ما بين النظام الديمقراطي والتقدم الاقتصادي، ومن المتوقع أن تستمر في هذا التحدي، بينما يُنتظر أن يحدث تخفيف للنظام السياسي في المستقبل، فمن المتوقع أن يتضمن هذا النظام نوعاً من الحكم الذاتي المحلي من النوع الذي كان مطبقاً خلال الأزمنة الإمبراطورية، ويحتمل أيضاً أن يتحول إلى نوع من الديمقراطية المطبقة في سنغافورة، وستستمر الدولة الصينية وجهازها البيروقراطي بإظهار قوة هائلة في توجيه مسار الاقتصاد الصيني، إلى جانب المزيد من التحررية. أما القول بأن الأمر فيه تناقض من وجهة نظر غربية، فهذا مرة أخرى يذكرنا بأن الصين كانت مختلفة وستبقى كذلك.

رابعاً: المحور الصيني والروسي

في إطار التحالفات والمحاور الدولية، بدأ تشكيل توجه للتقارب بين الصين وروسيا الخليفة والوريث للقوة العظمى السابقة الاتحاد السوفيتي، وهو ما يُعرف بأنه شراكة إستراتيجية روسية ــ صينية. ووقع اتفاق لإقامة تلك الشراكة، عام 1996، وهو ما عُرف بالتعاون بين الدب الروسي والتنين الصيني. لقد تمكن البلدان من إنهاء الخلاف الحدودي، الذي كان يعكر صفو العلاقات بين البلدين، وذلك بعد ترسيم الحدود، التي يبلغ طولها 4500 كم، خلال عام 2005، بعد خلافات منذ قرون.

تطورت العلاقات الصينية الروسية خلال عهد الرئيس الروسي “بوتين” والصيني “هو جينتاو”، وجرى توقيع 15 اتفاقية بين البلدين خلال الاجتماع الأخير، الذي عُقد في مارس 2006. وكان الرئيسان التقيا للمرة الخامسة خلال عام، واتفقا في بكين على تعزيز التعاون بين البلدين، ونص الاتفاق الأخير، الذي وقع في مارس 2006، على أن تقوم روسيا بتزويد الصين بنحو 80 مليار م3 من الغاز سنوياً، ومد خط لنقل النفط والغاز، في مشروع تٌقدر تكلفته بنحو 15 مليار دولار، وتقدر تلك الكمية بنحو 10% من إنتاج الروس للغاز الطبيعي.

يتفق المحللون على أن هناك قواسم مشتركة للتعاون بين البلدين في الجانب الاقتصادي، حيث تتزايد حاجة الصين من الطاقة لمقابلة النمو المتزايد، في حين تملك روسيا موارد هائلة من النفط والغاز، كذلك استمرار حاجة الصين للسلاح الروسي المتطور والتقنية العسكرية الروسية. وتشير الإحصائيات إلى أن حجم التبادل التجاري بين الصين وروسيا زاد نحو 20 مليار دولار، عام 2004، في حين زاد حجم هذا التبادل ليصل إلى 29،1 مليار دولار، عام 2005. ويسعى البلدان لتطوير التعاون الاقتصادي فيما بينهما.

بالرغم من الطابع الاقتصادي الظاهر لهذه العلاقات والشراكة الإستراتيجية، إلا أن التوجهات الإستراتيجية السياسية تفرض نفسها على هذه الشراكة، في ظل توجه البلدين نحو الحد من الهيمنة الأمريكية وسيطرتها على الساحة الدولية، والدولتان عضوان في منظمة اتفاقية شنغهاي، إلى جانب خمس  دول من جمهوريات آسيا الوسطي، وأقرت المنظمة في آخر اجتماع لها دعوة دول المنظمة إلى إغلاق القواعد الأمريكية على أراضيها، كما بادرت طاجيكستان بطرد القوات الأمريكية من أراضيها، وهناك توجه للدول الأخرى في المنظمة لفعل ذلك، الأمر الذي يُعد انتكاسة للإستراتيجية الأمريكية في آسيا الوسطي.

لعل أحد المشاهد المطروحة لمستقبل التحالفات الأوراسية، مشهد نشوء كتلة أوراسية تضم الصين والهند وروسيا، وهو المشروع الذي سبق أن أشار إليه “بريماكوف” رئيس وزراء روسيا الأسبق، ولأننا لا نتوقع تبلور هذا المشهد مع المشروع الهند الكبرى مع الولايات المتحدة الأمريكية. المشهد الأكثر احتمالاً هو مشهد التصادم التدريجي بين المحور الأمريكي ــ الياباني ــ الهندي ــ من ناحية، والصين من ناحية أخرى، وهو مشهد يتسم بالتأرجح لعدة عوامل، أهمها أن الولايات المتحدة الأمريكية لا ترغب في إعطاء الصين الفسحة الزمنية التي تحتاج إليها لالتقاط الأنفاس، وتحقيق رحلة الصعود، إذ هي تعمل تدريجياً على بناء حلقة من مناطق التمركز حول الصين، تتمثل في وجودها العسكري في آسيا الوسطى، على مقربة من حدود الصين الغربية، وهى موجودة بالفعل في اليابان والمحيط الهندي على حدود الصين الشرقية، وعلى حدودها الغربية في قيرغيزستان.

وهناك من المؤشرات في تصريحات القادة الأمريكيين ما يدل على أن وتيرة هذا الصدام في تصاعد مستمر، وتستخدم الولايات المتحدة الأمريكية أوراقاً متعددة في هذه العملية، كورقة حقوق الإنسان في الصين، وورقة كوريا الشمالية. وبدأت في استخدام الورقة النفطية، للضغط على المصالح النفطية الصينية في الخارج. ومن ثم فإن الصراع العالمي القادم سيكون الأرجح صراعاً أمريكياً يابانياً هندياً في مواجهة الصين، وسيكون هذا الصراع مفروضاً عل الصين، وربما تنجح الصين في دفع هذا المحور إلى تأجيل هذا الصراع لأطول فترة زمنية ممكنة، ولكن ربما لا تنجح في ذلك إذا ضغطت الدولتان على الصين في ملف كوريا الشمالية، ومحاولة استهدافها عسكرياً، ذلك أن من يسيطر على كوريا الشمالية يهدد أمن الصين مباشرة، ولذلك ربما كانت كوريا الشمالية شرارة الصراع القادم وليس تايوان. كذلك يحتمل تبلور هذا الصراع في شكل الضغط القوى على المصالح النفطية الصينية في أفريقيا ومنطقة الخليج العربي، أو يكون تهديداً مباشراً لطرق نقل هذا النفط عبر البحار الدولية.

إن التوجه الأمريكي تجاه الهند، الذي تجسد خلال زيادة الرئيس “بوش” للهند، في فبراير 2006، بتوقيع اتفاقية إستراتيجية للتعاون النووي مع الهند، هي الأولي من نوعها مع دولة في قارة آسيا، أثار حفيظة الصين وروسيا، الجارة للهند، حيث مازالت الخلافات الحدودية بين الصين والهند قائمة، وتدرك الحكومة الأمريكية صعود الصين القوي الذي يلعبه الاقتصاد المتنامي، لذا فإنها تحاول تطويق الصين من خلال أفغانستان وجمهوريات آسيا الوسطي، ودعم الهند نووياً.

إن التعاون الصيني الروسي له أبعاد أخرى، من خلال التعاون في مجالات أخرى، وهو ما يظهر في إقامة المناورات العسكرية الصينية الروسية الكبرى، في أغسطس 2005، للمرة الأولى بين البلدين، إلى جانب تنسيق سياساتهما في القضايا الدولية، حيث اتفقت الدولتان في كيفية التعامل مع الملف النووي الإيراني، ورفضتا فرض عقوبات على إيران، وهو ما يتعارض مع توجه الولايات المتحدة الأمريكية.

إن قيام شراكة إستراتيجية، إذا كُتب لها النجاح، ستجمع بين عملاقين لهما من القدرات الشاملة ما يمكن الصين وروسيا من الوقوف في وجه سياسة القوة العظمي للولايات المتحدة الأمريكية، المهيمنة والمسيطرة على العالم، وردعها عن فرض إستراتيجياتها التي تخدم مصالحها، وعلى الدول العربية قراءة تلك المستجدات الدولية، والتعامل مع الملف النووي الإيراني في مجلس الأمن الدولي.

كما تراقب الولايات المتحدة الأمريكية تحركات الصين نحو القضية الفلسطينية، ودعوتها وزير الخارجية الفلسطيني من حركة حماس لزيارة بكين للتباحث معه، كذلك الدور الذي يلعبه ممثل الصين المسؤول عن متابعة القضية الفلسطينية. وتسعى الإدارة الأمريكية جاهدة لتحجيم دور الصين كلاعب فاعل في هذه القضايا، وعدم إعطائها الفرصة للقيام بدور يعزز من مكانتها الإقليمية أو الدولية. وحسب رأي المحللين، فإن الصين تدرك التوجه الأمريكي لتحجيمها وإبعادها عن القيام بأدوار سياسة، واستخدام الورقة التايوانية للضغط عليها لتقديم تنازلات للجانب الأمريكي في قضايا أخرى.

سعت القيادة الصينية جاهدة إلى أن تتوازى توجهاتها السياسية والعسكرية مع قدراتها وإنجازاتها الاقتصادية وقدرتها البشرية، وهناك ترابط وثيق بين تلك التوجهات، وفي إطار التوجهات الاقتصادية، اهتمت الحكومة الصينية بتطوير البنية التحتية وقطاع الخدمات، حيث إن لهما أهمية قصوى في تطوير الإنتاج الصناعي المهم والنهوض به، كما اعتنت بالشركات الصينية لكي تكون قادرة على منافسة الشركات متعددة الجنسيات الأجنبية، ودعمها للاستثمار خارج الصين، بما يدعم الاقتصاد الصيني. كذلك سعت الحكومة إلى جذب مزيد من الاستثمارات الخارجية، من خلال توفير بيئة استثمارية مناسبة، مع توفير اليد العاملة الرخيصة والمدربة، حيث نجحت في إقامة المدن الصناعية العملاقة.

وتُعد الطاقة هي المفتاح الرئيس للتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي في الصين، إذ أصبح تامين الطاقة بالنسبة للصين بمنزلة أمن قومي صيني لا يمكن تجاوزه أو التعدي عليه. ففي حالة مواجه الصين أية أزمة متعلقة بالطاقة، يعد ذلك تهديداً مباشراً وصريحاً للأمن القومي الصيني، ويأتي تأمين إمدادات الطاقة إلى الصين على رأس أولويات القادة الصينيين خلال الفترة القادمة، حيث يعي قادة الصين جيداً أهمية الحفاظ على الطاقة وتامين وصول إمدادات الطاقة إلى الصين، وخاصة النفط بوصفه محدداً أساسياً ورئيساً لصحة الاقتصاد الصيني وضمان الاستقرار الاجتماعي، المترتب عليه شرعية وجودهم في السلطة، إذ يستمد الحزب الشيوعي الصيني شرعيته من خلال تحسن الأداء الاقتصادي وارتفاع مستويات المعيشة بين الصينيين.

أصبح النمو الاقتصادي الكبير دافعاً للتوجيهات العسكرية الصينية نحو تطوير قدراتها العسكرية، وبناء جيش قوي يعتمد على المهارة والتسليح المتطور، كما أن الاعتماد على النفط القادم من الشرق الأوسط عبر المحيط الهندي، وما يمثله ذلك من أهمية على الأمن القومي الصيني، جعل القيادة الصينية تعيد صياغة إستراتيجيتها البحرية من خلال الاهتمام بتأمين خطوط الملاحة البحرية، والمشاركة في تأمين سلامة الملاحة في مضيق ملقا، والتوجه نحو إقامة أحلاف للحصول على تسهيلات من الدول المطلة على المحيط الهندي الصديقة لها.

إن الاهتمام بخطوط الإمدادات البحرية من الطاقة عمق الخلاف مع تايوان، على مسؤولية الإشراف على مضيق تايوان، الذي أصبح مصدر قلق للصين لتأمين الأسطول التجاري الصيني، وتُعد مسألة ضم تايوان من ضمن أولويات التوجهات السياسية الصينية لإقامة منظومة الصين الكبرى، التي تسعي إلى ضمها بالطرق السلمية، كلما أمكن ذلك، من خلال خيار “بلد واحد ونظامين”، وهو مطبق في هونج كونج. بيد أن الحكومة التايوانية ترفض ذلك التوجه.

إن التقارب الروسي الصيني وما عُرف بأنه شراكة إستراتيجية بين البلدين، وتعزز بعد إنهاء الخلاف الحدودي بين البلدين، وبالرغم من الطابع الاقتصادي لهذه الشراكة إلا أن التوجهات الإستراتيجية السياسية تفرض نفسها للحد من الهيمنة الأمريكية على العالم، وهذا ما ظهر جلياً في تقارب وجهات النظر لعدد من القضايا على الساحة الدولية.

تنظر القيادة الأمريكية بقلق إلى زيادة النفقات العسكرية الصينية والتطوير والتحديث للجيش الصيني، ما يشكل، من وجهة النظر الأمريكية، تحدياً للقوات الأمريكية وقوات الدول الحليفة لها في آسيا والمناطق القريبة، التي تعدها الولايات المتحدة الأمريكية منطقة نفوذها.

امتد الخلاف الصيني الأمريكي إلى الجانب الاقتصادي، حيث تشكو الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية أخرى من إغراق الأسواق العالمية بالبضائع الصينية، وأن الميزان التجاري يميل لصالح الصين، وترى أن نمو الاقتصاد الصيني سيكون له تأثير على التوجهات العسكرية والسياسية.

إننا إذا ما تعمقنا في دراسة الأهمية والتوجهات الإستراتيجية والتاريخ الصيني، نرى أنه بعد فترة استمرت ألف سنة، تحولت الصين من قمة المجد إلى دولة تابعة، ترزح تحت الاحتلال، وها قد أصبحت في اتجاه الصعود مرة أخرى، وهي مصممة ليس على استعادة مجد الماضي فحسب، بل على تحقيق أمل المستقبل.

المبحث الثالث الأهمية الإستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط

أضحت المنطقة العربية، بالنسبة لأجندة السياسات الدولية، موضوعاً لعملية التأهيل أو التغيير، منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين، أي منذ انتهاء حقبة القطبين بانهيار الاتحاد السوفيتي (السابق)، وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على النظام العالمي الجديد، وأصبحت المنطقة العربية من أولويات الولايات المتحدة، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، أي في إطار الحرب الدولية على الإرهاب.

أولاً: نشأة مفهوم مصطلح الشرق الأوسط وتطوره:

إن مصطلح الشرق الأوسط بدأ في عصر “تحتمس الثالث”، أعظم قادة العصر القديم، حيث أطلق على المنطقة الممتدة من مصر وشرقاً لتشمل فلسطين وسورية الكبرى “الحوض الشرقي للبحر المتوسط”، وسبق تعريف البحر المتوسط في هذا العصر لأنه كان يتوسط مناطق الفتوحات المصرية ما بين وادى النيل والحيثيين، ثم استمر ما بعد ذلك وحتى عهد سليمان القانوني، حيث عُدّ بعدها أن هذا البحر يتوسط القارات الثلاث القديمة، وبدأ العالم الغربي يتعرف القارة الأفريقية منذ أوائل القرن الخامس عشر، بعد أن هزم العرب الصليبيين وأجلوهم عن بيت المقدس والبلاد العربية، ولهذا سعت أوروبا جدياً لإيجاد طريقة تمكنها من تطويق العالم العربي والإسلامي من الجنوب، والسيطرة على التجارة الشرقية مصدر قوته ورخائه.

أرسل “يوحنا الثاني” ملك البرتغال، عام 1488، بعثة مهمتها البحث عن مملكة الحبشة وجمع معلومات عن المناطق المنتجة للتوابل والطرق المؤدية إليها، وكان لتلك الحملة دافع خفي، هو أن لتلك البعثة بعداً دينياً، وهو ما أفصح عنه “فاسكو دي جاما” و”وردى كوفيهام wrody kofiham“، وكانا على رأس حملة بحرية مكونة من عدة سفن، عام 1497، بقوله: “إن الغرض من اكتشاف الطريق البحري إلى الهند هو نشر المسيحية والحصول على ثروات الشرق”.

باكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجاء الصالح، في أواخر القرن الخامس عشر، تمكن الأوروبيون من المرور إلى المستعمرات التي أصبحت محلاً للصراعات فيما بين القوى الاستعمارية الغربية، ابتداء من البرتغاليين والهولنديين، وانتهاء بالصراعات المريرة التي استمرت بين الفرنسيين والبريطانيين بالمنطقة.

أول من استعمل تعبير الشرق الأوسط، الكاتب الأمريكي المتخصص في الإستراتيجية البحرية “الفريد ماهان”، عام 1902، لدى مناقشته الإستراتيجية الإمبريالية البريطانية، وذلك للإشارة إلى المسالك الغربية والشمالية إلى الهند.

ثانياً: الشرق أوسطية “أصولها وتطوراتها”

يتفق الكتاب والمؤرخون والسياسيون وأصحاب الفكر المهتمون بالدراسات الشرق أوسطية، أو بما اصطلح عليه بالشرق الأوسط، أن هذا المصطلح وهذه المسميات وردت من خارج المنطقة، وارتبطت ارتباطا وثيقاً بالمصالح الاستعمارية الغربية. فحينما كان تعبير “الشرق الأقصى” أكثر وضوحاً في دلالته وارتباطه بمنطقة واسعة وهائلة مطلة على المحيط الهادي، وتضم كيانات كبرى مثل الصين واليابان وغيرها من البلدان المجاورة، فإن تعبير “الشرق الأدنى” ظهر في فترة الاكتشافات الأوروبية، منذ القرن الخامس عشر، ليشير إلى البلاد الواقعة في شرق البحر المتوسط بين الشرق الأقصى وأوروبا.

إن التعريف المتداول حالياً للشرق الأوسط هو تعبير جغرافي سياسي عسكري، أُدخل عليه الكثير من التغيرات، منذ أوائل القرن العشرين حتى الآن، وتحَدَّد نتيجة البُعد أو القرب بين أوروبا ومستعمراتها. وعلى ذلك فإن التقسيمات الثلاثة مع بداية القرن العشرين وحتى الحرب العالمية الثانية كانت تتحدد كالآتي:

1. الشرق الأدنى

تعبير جغرافي يُقصد به مجموعة البلدان الواقعة على السواحل الشرقية من البحر المتوسط، وشمال أفريقيا، وجنوب غرب آسيا، وأحياناً شبه جزيرة البلقان.

2. الشرق الأوسط

يمتد من الخليج العربي إلى جنوب آسيا.

3. الشرق الأقصى

يشمل المنطقة المواجهة للمحيط الهادي، أي الدول التي تلي منطقة الشرق الأوسط، ويمتد حتى اليابان. صدر كتاب “هاملتون”، عام 1909، تحت عنوان “مشاكل الشرق الأوسط”. أما الحاكم البريطاني “كيررون” فتحدث عن الشرق الأوسط، عام 1911، بوصفه مدخلا للهند وللمناطق المجاورة.

استخدم اللورد “كيررون” اصطلاح الشرق الأوسط عندما كان حاكماً للهند، عام 1911، وتضمن الاصطلاح تركيا وإيران والخليج العربي، ثم اتسع نطاقه ليشمل كل من فلسطين وشرق الأردن والعراق أثناء الحرب العالمية الأولى، عندما أدمج وزير المستعمرات البريطانية “ونستون تشرشل” تلك الدول لقائمة دول الشرق الأوسط.

زاد نطاق الشرق الأوسط من حيث عدد الدول أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما اتحدت قيادة الشرق الأوسط للقوات الجوية الملكية البريطانية التي كانت متمركزة في العراق، مع قيادة الشرق الأدنى التي كانت متمركزة في القاهرة، لتشمل أجزاء شاسعة من شمال أفريقيا، وغرب ووسط آسيا حتى حدود الهند، وراح هذا المصطلح في هذا التوقيت يحل تدريجياً محل الشرقين الأدنى والأقصى.

ثالثاً: مفاهيم الشرق الأوسط

للشرق الأوسط العديد من المفاهيم منها:

1. المنظور الأمريكي يرتكز على الأسس التالية

أ. منع انتشار أسلحة الدمار الشامل بأنواعها.

ب. التقسيم للمنطقة إلى شرق وغرب، دون تحديد حدودها الجغرافية، كالآتي:

(1) شرق المنطقة: دول الخليج العربي الستة، بالإضافة إلى إيران والعراق.

(2) غرب المنطقة: دول الصراع العربي/ الإسرائيلي.

ج. فكرة الاحتواء المزدوج (العراق / إيران).

د. إنشاء الحلف الإسرائيلي / التركي.

هـ. تطوير فكرة الاحتواء المزدوج إلى الاحتواء الشامل.

2. المنظور الغربي

يشمل البلدان العربية الواقعة في قارة آسيا، وبلدان شمال أفريقيا والسودان.

3. المنظور السياسي الغربي الحالي

يشمل سورية ولبنان والأردن وفلسطين وإسرائيل ومصر.

4. المنظور الإسرائيلي

مفهوم الشرق الأوسط من المنظور الإسرائيلي ينصب على عدة صور، هي:

أ. جوهر العملية السلمية: سورية ولبنان والأردن ومصر وإسرائيل.

ب. الجوهر السياسي: يضيف العراق للدول السابقة.

ج. الجوهر السياسي الاقتصادي: يضيف دول الخليج.

د. الجوهر الإستراتيجي: يضيف ليبيا وإيران وتركيا وباكستان.

5. المنظور الاقتصادي المستقبلي

يضم كل من الأردن وفلسطين وإسرائيل وسورية ولبنان ومصر والعراق.

تلك المفاهيم السابقة لمنطقة الشرق الأوسط بدأت تأخذ تعبيراً جديداً، عبر عنه أحياناً باسم “الشرق أوسطية”، و”الشرق الأوسط الجديد”، و”السوق شرق أوسطية”، وبدأ ظهور هذا الاسم بشكل أو آخر حتى قبل حرب الخليج الأولى.

إن الشرق الأوسط وفق هذه الحدود يتألف من ثلاثة أضلاع

·   الأول جغرافي: يمتد على مساحة سبعة ملايين ومائتي ألف كم 2.

·   الثاني بشرى: يشمل ما يزيد عن 340 مليون نسمة.

·   الثالث ضلع عرقي/ لغوى: يتألف من ثلاث كتل كبرى، هي السامية والآرية و”الأفريقية ــ النوبية”، بالإضافة إلى أقليات عرقية متعددة، كالأكراد والأرمن. وتنتمي هذه الكتل إلى الرسالات السماوية الثلاث الكبرى (اليهودية والمسيحية والإسلام). وفي الوقت الذي يعرف فيه “الشرق الأوسط” تنوعاً كبيراً من حيث التضاريس، إذ تتوزعه صحاري شاسعة تمتد على آلاف الكيلومترات، وجبال فاصلة أو شبه قاحلة وسهول وشطآن، فإنه يمثل بوصفه ملتقى لقارات ثلاث“، توليفة تاريخية تشارك فيها ثلاث مجموعات بشرية وثقافية ولغات كبرى هي العربية والتركية والفارسية.

بل إنه أحدث انقلابا جذرياً في هوية آسيا الصغرى، فتحولت من بيزنطية، إلى تركية. على أن الغزو الذي قطع مع التاريخ القديم والوسيط للمنطقة، وأدخلها إلى العصر الحديث، هو الغزو الأوروبي، الذي بدأ مع الحملة الفرنسية على مصر، عام 1798، واكتمل عام 1919، مع اقتسام الفرنسيين والإنجليز مناطق الانتداب، والنفوذ على مدى منطقة “الشرق الأوسط”، وترك جرحاً عميقاً تمثل في الاقتطاع الصهيوني الإسرائيلي لفلسطين.

رابعاً: التعاريف المختلفة للشرق الأوسط

1. تعريف “بايندر”، عام 1958

قسم فيه الشرق الأوسط إلى ثلاثة أقسام: الأول يضم دول القلب (سورية ولبنان والأردن وإسرائيل والعراق ومصر وليبيا والسودان). والثاني دولتان خارج القلب هما إيران وتركيا. والثالث دول الهامش (أفغانستان وتونس والمغرب.

2. تعريف “بريتشو”، عام 1969

التزم أيضاً بالتقسيم الثلاثي، ففي القلب تقع (سورية ولبنان والأردن وإسرائيل والعراق ومصر)، وعلى الهامش (تركيا وإيران والكويت والمملكة العربية السعودية وقبرص وإثيوبيا والجزائر). أما دول الحلقة الخارجية فتضم (ليبيا وتونس والمغرب واليمن الجنوبي والشمالي).

3. تعريف “كانفورى ــ شيجل”، عام 1970

التزم تقسيماً ثنائياً، فهناك دول القلب (سورية ولبنان والأردن والعراق والكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات واليمن الشمالي والجنوبي ومصر والسودان)، وفي الهامش (إسرائيل وتركيا وإيران)0

4. تعريف “تومسون”، عام 1970

تعامل فيه مع المنطقة ككتلة واحدة تضم (سورية والأردن ولبنان والعراق ومصر والمملكة العربية السعودية والكويت واليمن الشمالي وليبيا والسودان والجزائروتونس والمغرب).

5. تعريف “بيرسون”، عام 1971

ركز على دول القلب وهي (سورية ولبنان والأردن وإسرائيل والعراق والكويت والمملكة العربية السعودية واليمن الشمالي ومصر)، وهو يستمد دراسته للمنطقة، عامي 1963 و1964. ويلاحظ أن الدولة الوحيدة غير العربية هي إسرائيل.

6. تعريف “أفرون”، عام 1973

التزم تقسيماً ثلاثياً، وإن اختلفت المسميات التي أطلقها على كل مجموعة، باستثناء دول القلب التي شملت (سورية والأردن ولبنان وإسرائيل والعراق ومصر)، ثم دول منطقة البحر الأحمر (إثيوبيا واليمن الشمالي والجنوبي والمملكة العربية السعودية والسودان ومصر وإسرائيل)، ودول منطقة الخليج (إيران والعراق والمملكة العربية السعودية والكويت).

7. تعريف “تومسون”، عام 1976

كان أشمل من تعريفه السابق، عام 1970، فأضاف كل من (إسرائيل وإيران وأفغانستان وباكستان وتركيا) إلى تعريفه السابق.

8. تعريف “هدسون”

التزم تقسيماً ثنائياً لدول النظام، فالقلب يضم (سورية وإسرائيل وتركيا وإيران والعراق والمملكة العربية السعودية ومصر والجزائر)، أما دول الهامش فتضم (الأردن ولبنان وقبرص والكويت وقطر والبحرين والإمارات وسلطنة عمان واليمن الشمالي والجنوبي وليبيا وتونس والمغرب والسودان).

كما يتضح فإن الأغلب الأعم من التعريفات تتفق على أن (مصر والعراق وسورية ولبنان والأردن) تمثل دائماً قلب النظام، وإلى هنا ينتهي ما يشبه الإجماع، ويبدأ الخلاف حول وضع إسرائيل، ودول المغرب العربي، ودول الجوار الجغرافي (إيران وتركيا وإثيوبيا)، فضلاً عن باكستان، وأفغانستان. ويعود مصدر هذا الاختلاف إلى غياب موضوعي لتحديد نطاق النظام الإقليمي الشرق أوسطي.

خامساً مشكلة التركيز على تحديد نطاق معين لمنطقة الشرق الأوسط

ترجع هذه المشكلة لعدة أسباب، هي:

1. الأهمية الإستراتيجية للمنطقة وارتباطها بالمصالح الإستراتيجية للقوى الكبرى.

2. تعدد الأصول العرقية للسكان وتنوع اللغات والأديان.

3. وجود نزاعات ومشكلات سياسية قائمة بين دول المنطقة.

4. اختلاف الرؤية العربية لمنطقة الشرق الأوسط عن الرؤية الأمريكية والأوروبية، واختلاف الدول العربية حول المفهوم في بدايته، حيث رأى البعض أن التركيز على مفهوم الشرق الأوسط يؤثر على النظام العربي والهوية العربية وفكرة العروبة، بإدخال إسرائيل وتركيا وإيران وإثيوبيا في المنطقة. ويرى البعض الآخر أن النظام العربي يمكن أن يتواءم مع فكرة الشرق الأوسط، ودليل ذلك انعقاد مؤتمرات دول الجوار العراقي، ودخول أطراف غير عربية، مثل إيران وتركيا، على خط الشؤون العربية دون هواجس عربية كما كان يحدث من قبل، ونفس الأمر حدث بالنسبة للحالة السودانية، حيث ظهر لاعبون أساسيون في الساحة السودانية من غير العرب.

سادساً: رؤية في تحديد النطاق الجغرافي لمنطقة الشرق الأوسط

إن النطاق الجغرافي لمنطقة الشرق الأوسط، بوصفها محل الدراسة، سوف يستند على أساس الرؤية العربية لمفهوم الشرق الأوسط، والتي اعتمدت على أُسس جغرافية وتاريخية وسياسية وحضارية، وطبقاً لتعريف جامعة الدول العربية، فإن منطقة الشرق الأوسط تمتد من المحيط الأطلسي غرباً حتى حدود شبه القارة الهندية شرقاً، ومن البحر المتوسط والبحر الأسود شمالاً حتى بحر العرب والقرن الأفريقي جنوباً، بمعنى أن إقليم الشرق الأوسط يتكون من 27 دولة تضم دول الجامعة العربية (22 دولة) بالإضافة إلى خمس دول غير عربية هي: إيران وتركيا وإسرائيل وإثيوبيا وإريتريا.

وقبل الإشارة إلى الأهمية الإستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط يمكن أن نشير إلى عدة أمور هي:

1. أن التكوين السياسي لدول الشرق الأوسط يتسم بالتنوع ما بين دول ملكية وجمهورية وتتنوع أيضاً في تجاربها الديمقراطية.

2. أن منطقة الشرق الأوسط من الناحية الجغرافية تتقاطع فيها الجيوبولتيكية الإسلامية مع الجيوبولتيكية العربية، ومن ثم فإن هذه المنطقة تشهد مساحة كبيرة من التفاعلات التاريخية والصراعية والفكرية، ما يدفع بالاعتبارات الدينية في استخدام هذا المصطلح “الشرق الأوسط”.

3. أن الأهمية الجيوإستراتيجية للمنطقة خلقت قضايا عديدة في المنطقة مثل قضية الصراع العربي/ الإسرائيلي، وقضية السيطرة على النفط والتحكم في المنافذ البحرية الإستراتيجية، ما أدى إلى توسيع مفهوم الشرق الأوسط وتقسيمه إلى دوائر إستراتيجية مثل: دائرة دول الطوق، ودائرة الخليج العربي، ودائرة الشمال الشرقي، ودائرة المغرب العربي، ودائرة القرن الأفريقي.

4. إعداد البيئة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط لدمج إسرائيل وتكوين ثقافة التطبيع معها.

سابعاً: الأهمية الجيواستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط

1. الموقع الجغرافي

تمتد منطقة الشرق الأوسط من ناحية الشرق، من إيران والخليج العربي وجبال زاجروس، التي تطل على سهول دجلة والفرات حتى شواطئ المملكة المغربية على المحيط الأطلسي في الغرب، ومن الشمال جبال طوروس وسواحل البحر المتوسط وتركيا وحافة هضبة الأناضول الجنوبية المطلة على العراق وسورية، حتى شواطئ المحيط الهندي وإثيوبيا في الجنوب. 

تمثل منطقة الشرق الأوسط، من حيث الموقع الجغرافي، امتداد إقليمي ككتلة جغرافية واحدة تستند في الشرق على جبال زاجروس والخليج العربي، ومن الغرب المحيط الأطلسي، ومن ثم فهي نطاق إقليمي يتسم بالعمق الإستراتيجي. وهي كتلة جغرافية تقع بين دائرتي عرض 8 و42 شمالاً، وخطى طول 60 شرقاً و25 غرباً، وتُعد قلب العالم، فهي نطاق الأمن الجنوبي والجنوبي الشرقي لأوروبا، وهي خط الحدود الرئيس الذي يجب أن تعبره روسيا، للوصول إلى المياه الدافئة، كما أنها المنطقة الوسطى التي تفصل بين العالم المتقدم في الشمال والعالم النامي في الجنوب.

يزيد من أهمية الموقع الجغرافي أن كتلة اليابس الشرق أوسطية يحيطها ويخترقها العديد من المسطحات المائية ذات الأهمية الإستراتيجية، مثل المحيط الأطلسي غرباً، والبحر المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين شمالاً، وبحر عمان والمحيط الهندي شرقاً وجنوب شرق. كما يخترقها البحر الأحمر والخليج العربي وخليج العقبة. وما بين هذه المسطحات المائية يوجد العديد من المضايق والقنوات تمثل حلقات وصل إستراتيجية، مثل مضيق باب المندب ومضيق جبل طارق ومضيق البسفور والدردنيل ومضيق هرمز ومضيق تيران، وكلها منافذ بحرية إستراتيجية تربط حركة الملاحة الدولية والتجارة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.

تبلغ مساحة منطقة الشرق الأوسط نحو 17.5 مليون كم2، ويحتل الوطن العربي مساحة تبلغ 13.86 مليون كم2 بنسبة 79.2% من مساحة الشرق الأوسط، بينما تشغل الدول غير العربية (إيران وتركيا وإسرائيل وإثيوبيا) نحو 3.63 مليون كم2 تقريباً، بنسبة 20.8% من مساحة منطقة الشرق الأوسط.

تمتاز منطقة الشرق الأوسط بتنوع التضاريس، حيث توجد بها الجبال والسهول والهضاب، ويمتاز مناخها بالاعتدال طوال العام، بما يسمح بصلاحية مياهها للملاحة طوال العام، وتنوع مواردها النباتية والمحاصيل الزراعية والاقتصادية. كما تمتاز المنطقة بوفرة مواردها المائية اللازمة للقطاع الزراعي، ففيها نهر النيل ونهرا دجلة والفرات، كما توجد فيها الأمطار والمياه الجوفية.

2. الأهمية الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط

تُعد منطقة الشرق الأوسط ذات أهمية حيوية من الناحية الاقتصادية، ويرجع ذلك لعوامل عديدة، أهمها النفط والغاز الطبيعي، بالإضافة إلى الأرصدة النقدية الكبيرة المتمثلة في العائدات النفطية، وموجودات المنطقة من الثروات المعدنية.

اكتشف نفط الشرق الأوسط في بداية القرن العشرين، وبالتحديد عام 1908، في إيران، ولم يكن لنفط الشرق الأوسط في البداية تلك الأهمية الكبرى التي له الآن، ويرجع ذلك إلى أن نقل النفط من الأمريكيتين إلى أوروبا كان أقل تكلفة وأكثر سرعة وأمنا، لا سيما خلال الحرب العالمية الثانية.

تزايد الاهتمام بشؤون المنطقة مع تزايد اعتماد الدول الصناعية على النفط، الذي أصبح عصب الحياة الاقتصادية والتقدم في تلك البلاد، حيث تزايد الطلب العالمي على النفط، بداية من الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، والتي صاحبها مشروع مارشال للانتعاش الاقتصادي في أوروبا.

يتركز إنتاج الشرق الأوسط من النفط في منطقة الخليج العربي، والتي تنتج 27% من حجم الإنتاج العالمي للنفط، كما تحتوي منطقة الشرق الأوسط على أكثر من 65% من الاحتياطي العالمي، يتركز أغلبها أيضاً في منطقة الخليج العربي.

أ. النفط

لنفط الشرق الأوسط أهمية حيوية، تتضح من الحقائق التالية:

(1) أن إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية سوف يأخذ في الانخفاض تدريجياً بعد أن وصل إلى أعلى معدلاته في الثمانينيات.

(2) واردات الدول الصناعية الكبرى، وكذلك واردات الدول النامية سوف تتزايد، مع الإشارة إلى أن بدائل الطاقة الأخرى لن تسهم إلا بقدر محدود من احتياجات الطاقة.

(3) أن صادرات روسيا الاتحادية والصين معرضة للانخفاض، نتيجة لتزايد الاستهلاك الداخلي وتناقص معدلات الإنتاج.

(4) قرب حقول نفط الشرق الأوسط من السوق الأوروبي وشرق آسيا.

(5) أن الولايات المتحدة الأمريكية تقلل من معدلات إنتاجها من النفط، وتحتفظ به مخزوناً في باطن الأرض، بسبب توقعها حدوث ندرة نفطية عالمية، مفضلة بذلك استيراد النفط من الخارج، وهي بذلك تدخل السوق العالمي مستورداً، فضلاً عن عدم استطاعتها إمداد دول أوروبا الغربية واليابان باحتياجاتهم النفطية المتزايدة، وهو ما يعنى زيادة الطلب العالمي عليه.

(6) يتمتع نفط الشرق الأوسط بمزايا نسبية أخرى عديدة، منها انخفاض أسعاره وتكاليف إنتاجه، بالمقارنة بالمناطق الأخرى، وكذا الميزة التي يتمتع بها من حيث تنوع الإنتاج الذي يشتمل على خامات خفيفة ومتوسطة وثقيلة، تناسب الأسواق المختلفة.

الأرصدة النقدية الهائلة الناتجة من عائدات النفط نوضحها في الآتي:

أدى الحظر النفطي العربي، أثناء حرب أكتوبر 1973، وما تبعه من ارتفاع كبير في أسعار النفط خلال عقد السبعينيات، من ثلاثة دولارات تقريباً للبرميل الواحد إلى حوالي أربعين دولارا للبرميل، ما أسهم في تضخم ثروات الدول النفطية، والتي يقع معظمها في منطقة الشرق الأوسط.

زادت تلك الأرصدة النقدية الهائلة من العملات الدولية القابلة للتحويل من أهمية الشرق الأوسط النفطية لدى الدول الصناعية ودول العالم المتقدمة، من خلال اقتحامها ميدان العلاقات الاقتصادية الدولية، بتقديم المعونات الاقتصادية والقروض لدول العالم الثالث، بل وللدول الصناعية المتقدمة ذاتها، الأمر الذي أدى إلى تزايد أهمية الدور الذي تلعبه تلك الدول في العلاقات الدولية من خلال الأداة الاقتصادية.

ب. الغاز الطبيعي

يٌعد الغاز الطبيعي أيضا من أهم مصادر الطاقة، إذ بلغ الاحتياطي منه في منطقة الشرق الأوسط نحو 54.8 تريليون م3، بما يوازى 29.1% من الاحتياطي العالمي.

يبلغ الإنتاج السنوي للشرق الأوسط من الغاز الطبيعي نحو 21.2 مليون برميل/ يوم، بما يوازى 29.4% من الإنتاج العالمي.

ج. موجودات المنطقة من الثروات المعدنية والزراعية

لقد حبا الله منطقة الشرق الأوسط بثروات هائلة في باطن الأرض وعليها، فمن العناصر الطبيعية التي أعطت إقليم الشرق الأوسط تلك الثروات، البنية الجيولوجية والتركيب الصخري، حيث تكمن فيه على شكل نطاقات بنيوية متتابعة من الشمال إلى الجنوب، توضح فيما يلي:

(1) نطاق الجبال الاستوائية في الشمال والشرق، في إيران وتركيا، حيث له امتدادات محدودة في العالم العربي، تكمن في سلسلة الجبال الموازية لساحل البحر المتوسط الشرقي، والجبل الأخضر في عمان، ويمتاز هذا النطاق باحتمالات وجود كثير من المعادن.

(2) نطاق الصخور البلورية القديمة ذات التكوينات الجيولوجية، التي تحتوي على الفوسفات والبوتاسيوم، وأحياناً الذهب، وتوجد في الوطن العربي جنوب البحر المتوسط، من المغرب إلى العراق.

(3) الثروات المعدنية والسمكية، وهي متفاوتة، فمن حدود الفائض المُعد للتصدير، كما في بلاد الشام وتركيا وإيران، إلى سلة خبز العالم العربي السوداني، إلى الاكتفاء الذاتي في معظم أقطاره الباقية.

ولو نظرنا للشرق الأوسط من حيث التكامل في الثروة الزراعية والحيوانية والسمكية، يمكننا القول بأنه مكتفٍ ذاتياً وينتج فائضاً عن حاجته، يصدره للعالم مقابل عملات صعبة يحتاجها لتطوير نفسه وتكنولوجياته، للحاق بركب العالم الصناعي في فترة ليست طويلة، إذا توفرت لديه عوامل الأمن والاستقرار.

3. الأهمية العسكرية لمنطقة الشرق الاوسط

يقصد بالأهمية العسكرية، مجموعة العناصر ذات الصلة المباشرة بالعمليات العسكرية، سواء ما يتعلق مباشرة بالقوات المسلحة، في البر والبحر والجو، أو ما يتعلق بالقواعد التي تعمل منها تلك القوات.

تشتمل أهم العناصر التي تشكل الأهمية العسكرية لمنطقة الشرق الأوسط، على ما يلي:

أ. الاتساع والعمق الكافي لمنطقة الشرق الأوسط، والذي يتيح الآتي:

(1) إمكان نشر القواعد العسكرية لتأمينها ضد أخطار العدوان.

(2) تنوع طبيعة التربة، ما يوفر الظروف المختلفة لتدريب القوات على القتال، في مختلف أنواع الأراضي وميادين القتال.

(3) القوة البشرية الهائلة التي يمكن تجنيدها واستخدامها في العمليات العسكرية.

(4) تمتاز المنطقة باعتدال مناخها طوال العالم، بما يسمح بصلاحية أجوائها للطيران، ومياهها للملاحة طوال العام، كما تمتاز أراضيها عامة بإمكان مد شبكات الطرق البرية لها، وتمتاز باتساع رقعتها، وتنوع مواردها ونباتاتها، ما يعطيها مزايا اقتصادية وعسكرية واستراتيجية، في الوقت نفسه.

(5) امتداد السواحل المطلة على البحار والمحيطات، مع وجود موانئ عديدة تصلح قواعد بحرية مهمة، بالإضافة إلى تحكم دول المنطقة في العديد من الممرات البحرية ذات الأهمية الإستراتيجية الفائقة.

(6) الاكتفاء الذاتي في مصادر الطاقة والوقود اللازمة للعمليات الحربية، وأهمها النفط.

(7) توافر عوامل الإنتاج اللازمة لقيام صناعات حربية، كصناعة الأسلحة والذخائر، ولا سيما إذا أمكن تحقيق نوع من التعاون مع الدول ذات الخبرة في تكنولوجيا التسليح المتطورة، بما يمكن من تطوير صناعات الإنتاج الحربي الناشئة في بعض دول الشرق الأوسط، مثل مصر وتركيا وإسرائيل.

(8) وجود العديد من المطارات والقواعد الجوية، ما يوفر حرية المناورة للوصول إلى أي بقعة في تلك المنطقة الملتهبة في العالم.

(9) توفر شبكة كبيرة من خطوط المواصلات البرية والبحرية والجوية، ما يسهل من إمكان نقل وتحريك القوات والمعدات.

ب. القوى الكبرى تحاول السيطرة على هذه المنطقة نظراً لموقعها الإستراتيجي دولياً، والمسيطر عليها يمكنه السيطرة الدولية عسكرياً، شرقاً وغرباً وشمالا وجنوباً.

4. الأهمية الثقافية لمنطقة الشرق الأوسط

تُعد منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية بداخلها، مهد الأديان السماوية، الإسلام ــ المسيحية ــ اليهودية، وتحتوي على المقدسات الدينية للديانات السماوية الثلاث، ومن ثم فهي تتمتع بمنزلة روحية لدى غالبية شعوب العالم.

ساعد انتشار الإسلام في المنطقة على نشر اللغة العربية، ما ساعد على إذكاء الهوية العربية الإسلامية، لتلعب دوراً مرموقاً في سبيل الوحدة بين دول المنطقة، ما يعني خلق قدرة جماعية قادرة على المشاركة مشاركة فعالة ومؤثرة في مجرى العلاقات الدولية، الأمر الذي يهدد المصالح الحيوية للدول الكبرى في المنطقة.

لعب العامل الديني دوراً بارزاً في علاقات دول المنطقة بالعالم الخارجي، فشهدت منطقة الشرق الأوسط سلسلة من الحملات الصليبية الأوروبية، التي استهدفت حصر المد الإسلامي، كما لعب الإسلام دوراً رئيساً في الحيلولة دون تغلغل الأيديولوجية الشيوعية في المنطقة، وفي بعض الأحيان تهديد مصالح القوى الكبرى في المنطقة، على نحو ما حدث في إيران أعقاب سقوط الشاه.

كما أن منطقة الشرق الأوسط هي مهد الحضارات القديمة، كالحضارة الفرعونية، والبابلية، والأشورية، وكذا الحضارة الإسلامية، التي استقى منها الغرب الكثير، إذ أسهمت هذه الحضارة بقدر كبير في نشأة الحضارة الأوروبية والغربية.

ثامناً: دور الشرق الأوسط في الإستراتيجية العالمية

لعب سكان الشرق الأوسط ثلاث أدوار متباينة في الإستراتيجية العالمية، هي:

1. دور النسق الدولي الأول (السيادي والريادي) أيام الإمبراطورية العربية الإسلامية.

2. دور النسق الدولي الثاني (الشريك والمشارك في صنع القرار الإستراتيجي) أيام كانت الإمبراطورية الفارسية والرومانية، وأحيانا الإمبراطورية الأفريقية “مملكة اكسوم”، أحيانا أخرى تتقاسم السيطرة على مقدرات العالم.

3. دور النسق الدولي الثالث (أي التبعية والتنفيذ دون المشاركة في صنع القرار الإستراتيجي)، حيث بدأ لعب هذا الدور بعد انتهاء نفوذ الدولة العثمانية على المنطقة، أثر هزيمتها في الحرب العالمية الأولى ويمارس حتى تاريخه.

يستطيع الشرق الأوسط، إذا انحصر التهديد الداخلي وساده السلام والتفاهم بين قومياته الثلاث الرئيسية (العرب والفرس والأتراك)، لدرجة يمكن عندها من تشكيل حلف أو مجموعة شرق أوسطية متجانسة، وبعد الوصول إلى السلام الشامل العادل المشرف مع إسرائيل، أن يلعب دور النسق الثاني حداً أدنى، إذا لم يستطيع في البداية لعب دور النسق الأول في الإستراتيجية العالمية، للأسباب التالية:

عوامل القوة التي يمتلكها

·     بانضمام إسرائيل يمتلك الشرق الأوسط قوة كبيرة، بامتلاكه السلاح النووي ومصادر التكنولوجيا الحديثة والمتطورة في الصناعات الحربية والثقيلة.

·     بعد إرساء قواعد للسلام في المنطقة، فإنه من الطبيعي أن تتركز كل الجهود نحو التطوير والنهضة الصناعية والزراعية الشاملة، وسيتحول الشرق الأوسط إلى قوة اقتصادية مؤثرة على مستوى العالم، وخاصة بعد أن يمتلك قرار نفسه ويسيطر على ثرواته.

يعتمد مدى الدور الذي يمكن أن يلعبه الشرق الأوسط عالمياً على مدى استعداده بكل قواه وفعالياته، فإذا تحقق له الانسجام السياسي والثقافي والحضاري، بالإضافة إلى التكافؤ في معدل الدخل لجميع أقطاره، يستطيع لعب دور السيادة والريادة في الإستراتيجية العالمية، أو يمكن أن يكون شريكاً متكافئا مع دول وجماعات النسق الأول، ويشارك ويؤثر في صنع القرار الإستراتيجي العالمي. أما إذا بقي الأمر على حاله كما هو الأن، سيبقى الشرق الأوسط يلعب دور النسق الثالث، وهو دور التبعية والتنفيذ دون المشاركة في صنع القرار، حيث يتبلور التهديد ليأخذ الأشكال التالية:

1. التهديد الخارجي

بسبب قيمة المنطقة الإستراتيجية وما تعكسه من رغبات وأطماع دول النسق الأول العالمية في السيطرة عليه وتوظيفه، ليخدم مصالحها في الصراع الدولي، وفي حالة وقوعه ضمن منطقة نفوذ العالم الغربي، كما هو الآن ستوكل له المهام التالية:

أ. خط الدفاع الأول عن مصالح العالم الغربي ضد مصدر التهديد الأسيوي، الكامن حالياً والمتوقع أن ينفجر يوما ما، كونه يمتلك أكبر قنبلة بشرية في العالم، على حد رأى علماء الجغرافيا السياسية.

ب. منطقة امتصاص الصدمة الأولى للحركات الأصولية والمتطرفة في آسيا وأفريقيا.

ج. مستودع طاقة هائل يمثل خط التزويد الرئيس للقوات المقاتلة في مسرح العمليات الدولي في أي منطقة في العالم، وكذلك محرك الطاقة للصناعات الحربية والثقيلة ولأساطيل وطائرات جماعات النسق الأول، لدى انفتاحها ضمن مسرح العمليات السوقي، ولإدامة الصناعات الثقيلة.

2. التهديد من الداخل، ويمكن تصنيفه كالتالي:

أ. يتمثل بالصراع بين القوميات الرئيسة الثلاث (العرب والفرس والأتراك)، إلا أن درجته وحدته غير خطيرة، بسبب عوامل التقارب في الدين والتاريخ والمصالح المشتركة.

ب. الصراع الاثني من أجل الاستقلال عن القومية الأم، ويتمثل في حركات الأكراد والبربر وغيرهم من الأقليات العرقية في المنطقة، ولا يحتمل أن يتعدى في حدته أكثر من حرب عصابات أو عصيان وعمليات انتقامية، يمكن السيطرة عليها والتعامل معها من قِبل الدولة السياسية الحاضنة لتلك الأقليات، ويكون حلها سياسيا بقبول الحكم الذاتي.

ج. التهديد الناجم من الأقلية القومية الإسرائيلية في المنطقة وإصرارها على نهج التفوق في القدرة والقوة العسكرية، وامتلاك قدرات الردع النووية في جميع الظروف، بما فيها السلام، معتمدة إستراتيجية تفوق وإرهاب نفسي، تعتقد بأنه أفضل وسيلة للبقاء ضمن جزيرة صغيرة في محيط عدائي من العرب، الذين يجمعهم مع الفرس والأتراك الدين والتاريخ والجوار. وعليه فهو التهديد الحقيقي الداخلي في منطقة الشرق الأوسط، والتهديد الأكثر خطورة للعرب، حتى لو حدث وانسحبت إسرائيل من المناطق العربية المحتلة وتحقق السلام.

تاسعاً: النزاعات والتوترات في منطقة الشرق الأوسط

تشهد المنطقة العديد من النزاعات والتوترات، من أهمها:

1. الصراع العربي/ الإسرائيلي المشتعل دائماً وخصوصاً القضية الفلسطينية في الوقت الحالي.

2. الوجود الكثيف للقوات الأجنبية في دول الخليج الستة.

3. التهديدات المستمرة من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لسورية وإيران.

4. نظرة الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، للمنطقة على أنها راعية للإرهاب.

5. تنامى ظاهرة التطرف والإرهاب في المنطقة وانتشار المليشيات المسلحة.

6. احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاثة، منذ عام 1970 وحتى الآن، دون التوصل لحل لهذه المشكلة.

7. التوتر العسكري التركي مع العراق وسورية.

8. وجود مشكلات حدودية بين بعض الدول العربية وبعضها، لم تحل جذرياً حتى الآن.

9. عدم وجود أي إرادة سياسية لتنسيق إستراتيجية دفاعية عربية لتحقيق أمن قومي عربي، لمجابهة المتغيرات والتحديات على المستوى الدولي والإقليمي.

إن القضايا العربية المصيرية متروكة الحل لجهة أجنبية، ويجري تدويل كل مشكلة عربية، بدلاً من أن يأخذ النظام العربي موقفاً لحلها. وأبرز تلك المشكلات أزمة العراق، ابتداء من عام 1990، وتطوراتها حتى الآن. والصراع العربي/ الإسرائيلي المتروك للولايات المتحدة الأمريكية لتحركه، بتنسيق كامل مع إسرائيل كيفما تشاء. وما حدث في تونس ومصر والسودان، وما يحدث في سورية وليبيا، كما منحت الولايات المتحدة الأمريكية المسوغات لتنفيذ إستراتيجيتها في المنطقة.

المبحث الثالث الأهمية الإستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط

أضحت المنطقة العربية، بالنسبة لأجندة السياسات الدولية، موضوعاً لعملية التأهيل أو التغيير، منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين، أي منذ انتهاء حقبة القطبين بانهيار الاتحاد السوفيتي (السابق)، وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على النظام العالمي الجديد، وأصبحت المنطقة العربية من أولويات الولايات المتحدة، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، أي في إطار الحرب الدولية على الإرهاب.

أولاً: نشأة مفهوم مصطلح الشرق الأوسط وتطوره:

إن مصطلح الشرق الأوسط بدأ في عصر “تحتمس الثالث”، أعظم قادة العصر القديم، حيث أطلق على المنطقة الممتدة من مصر وشرقاً لتشمل فلسطين وسورية الكبرى “الحوض الشرقي للبحر المتوسط”، وسبق تعريف البحر المتوسط في هذا العصر لأنه كان يتوسط مناطق الفتوحات المصرية ما بين وادى النيل والحيثيين، ثم استمر ما بعد ذلك وحتى عهد سليمان القانوني، حيث عُدّ بعدها أن هذا البحر يتوسط القارات الثلاث القديمة، وبدأ العالم الغربي يتعرف القارة الأفريقية منذ أوائل القرن الخامس عشر، بعد أن هزم العرب الصليبيين وأجلوهم عن بيت المقدس والبلاد العربية، ولهذا سعت أوروبا جدياً لإيجاد طريقة تمكنها من تطويق العالم العربي والإسلامي من الجنوب، والسيطرة على التجارة الشرقية مصدر قوته ورخائه.

أرسل “يوحنا الثاني” ملك البرتغال، عام 1488، بعثة مهمتها البحث عن مملكة الحبشة وجمع معلومات عن المناطق المنتجة للتوابل والطرق المؤدية إليها، وكان لتلك الحملة دافع خفي، هو أن لتلك البعثة بعداً دينياً، وهو ما أفصح عنه “فاسكو دي جاما” و”وردى كوفيهام wrody kofiham“، وكانا على رأس حملة بحرية مكونة من عدة سفن، عام 1497، بقوله: “إن الغرض من اكتشاف الطريق البحري إلى الهند هو نشر المسيحية والحصول على ثروات الشرق”.

باكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجاء الصالح، في أواخر القرن الخامس عشر، تمكن الأوروبيون من المرور إلى المستعمرات التي أصبحت محلاً للصراعات فيما بين القوى الاستعمارية الغربية، ابتداء من البرتغاليين والهولنديين، وانتهاء بالصراعات المريرة التي استمرت بين الفرنسيين والبريطانيين بالمنطقة.

أول من استعمل تعبير الشرق الأوسط، الكاتب الأمريكي المتخصص في الإستراتيجية البحرية “الفريد ماهان”، عام 1902، لدى مناقشته الإستراتيجية الإمبريالية البريطانية، وذلك للإشارة إلى المسالك الغربية والشمالية إلى الهند.

ثانياً: الشرق أوسطية “أصولها وتطوراتها”

يتفق الكتاب والمؤرخون والسياسيون وأصحاب الفكر المهتمون بالدراسات الشرق أوسطية، أو بما اصطلح عليه بالشرق الأوسط، أن هذا المصطلح وهذه المسميات وردت من خارج المنطقة، وارتبطت ارتباطا وثيقاً بالمصالح الاستعمارية الغربية. فحينما كان تعبير “الشرق الأقصى” أكثر وضوحاً في دلالته وارتباطه بمنطقة واسعة وهائلة مطلة على المحيط الهادي، وتضم كيانات كبرى مثل الصين واليابان وغيرها من البلدان المجاورة، فإن تعبير “الشرق الأدنى” ظهر في فترة الاكتشافات الأوروبية، منذ القرن الخامس عشر، ليشير إلى البلاد الواقعة في شرق البحر المتوسط بين الشرق الأقصى وأوروبا.

إن التعريف المتداول حالياً للشرق الأوسط هو تعبير جغرافي سياسي عسكري، أُدخل عليه الكثير من التغيرات، منذ أوائل القرن العشرين حتى الآن، وتحَدَّد نتيجة البُعد أو القرب بين أوروبا ومستعمراتها. وعلى ذلك فإن التقسيمات الثلاثة مع بداية القرن العشرين وحتى الحرب العالمية الثانية كانت تتحدد كالآتي:

1. الشرق الأدنى

تعبير جغرافي يُقصد به مجموعة البلدان الواقعة على السواحل الشرقية من البحر المتوسط، وشمال أفريقيا، وجنوب غرب آسيا، وأحياناً شبه جزيرة البلقان.

2. الشرق الأوسط

يمتد من الخليج العربي إلى جنوب آسيا.

3. الشرق الأقصى

يشمل المنطقة المواجهة للمحيط الهادي، أي الدول التي تلي منطقة الشرق الأوسط، ويمتد حتى اليابان. صدر كتاب “هاملتون”، عام 1909، تحت عنوان “مشاكل الشرق الأوسط”. أما الحاكم البريطاني “كيررون” فتحدث عن الشرق الأوسط، عام 1911، بوصفه مدخلا للهند وللمناطق المجاورة.

استخدم اللورد “كيررون” اصطلاح الشرق الأوسط عندما كان حاكماً للهند، عام 1911، وتضمن الاصطلاح تركيا وإيران والخليج العربي، ثم اتسع نطاقه ليشمل كل من فلسطين وشرق الأردن والعراق أثناء الحرب العالمية الأولى، عندما أدمج وزير المستعمرات البريطانية “ونستون تشرشل” تلك الدول لقائمة دول الشرق الأوسط.

زاد نطاق الشرق الأوسط من حيث عدد الدول أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما اتحدت قيادة الشرق الأوسط للقوات الجوية الملكية البريطانية التي كانت متمركزة في العراق، مع قيادة الشرق الأدنى التي كانت متمركزة في القاهرة، لتشمل أجزاء شاسعة من شمال أفريقيا، وغرب ووسط آسيا حتى حدود الهند، وراح هذا المصطلح في هذا التوقيت يحل تدريجياً محل الشرقين الأدنى والأقصى.

ثالثاً: مفاهيم الشرق الأوسط

للشرق الأوسط العديد من المفاهيم منها:

1. المنظور الأمريكي يرتكز على الأسس التالية

أ. منع انتشار أسلحة الدمار الشامل بأنواعها.

ب. التقسيم للمنطقة إلى شرق وغرب، دون تحديد حدودها الجغرافية، كالآتي:

(1) شرق المنطقة: دول الخليج العربي الستة، بالإضافة إلى إيران والعراق.

(2) غرب المنطقة: دول الصراع العربي/ الإسرائيلي.

ج. فكرة الاحتواء المزدوج (العراق / إيران).

د. إنشاء الحلف الإسرائيلي / التركي.

هـ. تطوير فكرة الاحتواء المزدوج إلى الاحتواء الشامل.

2. المنظور الغربي

يشمل البلدان العربية الواقعة في قارة آسيا، وبلدان شمال أفريقيا والسودان.

3. المنظور السياسي الغربي الحالي

يشمل سورية ولبنان والأردن وفلسطين وإسرائيل ومصر.

4. المنظور الإسرائيلي

مفهوم الشرق الأوسط من المنظور الإسرائيلي ينصب على عدة صور، هي:

أ. جوهر العملية السلمية: سورية ولبنان والأردن ومصر وإسرائيل.

ب. الجوهر السياسي: يضيف العراق للدول السابقة.

ج. الجوهر السياسي الاقتصادي: يضيف دول الخليج.

د. الجوهر الإستراتيجي: يضيف ليبيا وإيران وتركيا وباكستان.

5. المنظور الاقتصادي المستقبلي

يضم كل من الأردن وفلسطين وإسرائيل وسورية ولبنان ومصر والعراق.

تلك المفاهيم السابقة لمنطقة الشرق الأوسط بدأت تأخذ تعبيراً جديداً، عبر عنه أحياناً باسم “الشرق أوسطية”، و”الشرق الأوسط الجديد”، و”السوق شرق أوسطية”، وبدأ ظهور هذا الاسم بشكل أو آخر حتى قبل حرب الخليج الأولى.

إن الشرق الأوسط وفق هذه الحدود يتألف من ثلاثة أضلاع

·   الأول جغرافي: يمتد على مساحة سبعة ملايين ومائتي ألف كم 2.

·   الثاني بشرى: يشمل ما يزيد عن 340 مليون نسمة.

·   الثالث ضلع عرقي/ لغوى: يتألف من ثلاث كتل كبرى، هي السامية والآرية و”الأفريقية ــ النوبية”، بالإضافة إلى أقليات عرقية متعددة، كالأكراد والأرمن. وتنتمي هذه الكتل إلى الرسالات السماوية الثلاث الكبرى (اليهودية والمسيحية والإسلام). وفي الوقت الذي يعرف فيه “الشرق الأوسط” تنوعاً كبيراً من حيث التضاريس، إذ تتوزعه صحاري شاسعة تمتد على آلاف الكيلومترات، وجبال فاصلة أو شبه قاحلة وسهول وشطآن، فإنه يمثل بوصفه ملتقى لقارات ثلاث“، توليفة تاريخية تشارك فيها ثلاث مجموعات بشرية وثقافية ولغات كبرى هي العربية والتركية والفارسية.

بل إنه أحدث انقلابا جذرياً في هوية آسيا الصغرى، فتحولت من بيزنطية، إلى تركية. على أن الغزو الذي قطع مع التاريخ القديم والوسيط للمنطقة، وأدخلها إلى العصر الحديث، هو الغزو الأوروبي، الذي بدأ مع الحملة الفرنسية على مصر، عام 1798، واكتمل عام 1919، مع اقتسام الفرنسيين والإنجليز مناطق الانتداب، والنفوذ على مدى منطقة “الشرق الأوسط”، وترك جرحاً عميقاً تمثل في الاقتطاع الصهيوني الإسرائيلي لفلسطين.

رابعاً: التعاريف المختلفة للشرق الأوسط

1. تعريف “بايندر”، عام 1958

قسم فيه الشرق الأوسط إلى ثلاثة أقسام: الأول يضم دول القلب (سورية ولبنان والأردن وإسرائيل والعراق ومصر وليبيا والسودان). والثاني دولتان خارج القلب هما إيران وتركيا. والثالث دول الهامش (أفغانستان وتونس والمغرب.

2. تعريف “بريتشو”، عام 1969

التزم أيضاً بالتقسيم الثلاثي، ففي القلب تقع (سورية ولبنان والأردن وإسرائيل والعراق ومصر)، وعلى الهامش (تركيا وإيران والكويت والمملكة العربية السعودية وقبرص وإثيوبيا والجزائر). أما دول الحلقة الخارجية فتضم (ليبيا وتونس والمغرب واليمن الجنوبي والشمالي).

3. تعريف “كانفورى ــ شيجل”، عام 1970

التزم تقسيماً ثنائياً، فهناك دول القلب (سورية ولبنان والأردن والعراق والكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات واليمن الشمالي والجنوبي ومصر والسودان)، وفي الهامش (إسرائيل وتركيا وإيران)0

4. تعريف “تومسون”، عام 1970

تعامل فيه مع المنطقة ككتلة واحدة تضم (سورية والأردن ولبنان والعراق ومصر والمملكة العربية السعودية والكويت واليمن الشمالي وليبيا والسودان والجزائروتونس والمغرب).

5. تعريف “بيرسون”، عام 1971

ركز على دول القلب وهي (سورية ولبنان والأردن وإسرائيل والعراق والكويت والمملكة العربية السعودية واليمن الشمالي ومصر)، وهو يستمد دراسته للمنطقة، عامي 1963 و1964. ويلاحظ أن الدولة الوحيدة غير العربية هي إسرائيل.

6. تعريف “أفرون”، عام 1973

التزم تقسيماً ثلاثياً، وإن اختلفت المسميات التي أطلقها على كل مجموعة، باستثناء دول القلب التي شملت (سورية والأردن ولبنان وإسرائيل والعراق ومصر)، ثم دول منطقة البحر الأحمر (إثيوبيا واليمن الشمالي والجنوبي والمملكة العربية السعودية والسودان ومصر وإسرائيل)، ودول منطقة الخليج (إيران والعراق والمملكة العربية السعودية والكويت).

7. تعريف “تومسون”، عام 1976

كان أشمل من تعريفه السابق، عام 1970، فأضاف كل من (إسرائيل وإيران وأفغانستان وباكستان وتركيا) إلى تعريفه السابق.

8. تعريف “هدسون”

التزم تقسيماً ثنائياً لدول النظام، فالقلب يضم (سورية وإسرائيل وتركيا وإيران والعراق والمملكة العربية السعودية ومصر والجزائر)، أما دول الهامش فتضم (الأردن ولبنان وقبرص والكويت وقطر والبحرين والإمارات وسلطنة عمان واليمن الشمالي والجنوبي وليبيا وتونس والمغرب والسودان).

كما يتضح فإن الأغلب الأعم من التعريفات تتفق على أن (مصر والعراق وسورية ولبنان والأردن) تمثل دائماً قلب النظام، وإلى هنا ينتهي ما يشبه الإجماع، ويبدأ الخلاف حول وضع إسرائيل، ودول المغرب العربي، ودول الجوار الجغرافي (إيران وتركيا وإثيوبيا)، فضلاً عن باكستان، وأفغانستان. ويعود مصدر هذا الاختلاف إلى غياب موضوعي لتحديد نطاق النظام الإقليمي الشرق أوسطي.

خامساً مشكلة التركيز على تحديد نطاق معين لمنطقة الشرق الأوسط

ترجع هذه المشكلة لعدة أسباب، هي:

1. الأهمية الإستراتيجية للمنطقة وارتباطها بالمصالح الإستراتيجية للقوى الكبرى.

2. تعدد الأصول العرقية للسكان وتنوع اللغات والأديان.

3. وجود نزاعات ومشكلات سياسية قائمة بين دول المنطقة.

4. اختلاف الرؤية العربية لمنطقة الشرق الأوسط عن الرؤية الأمريكية والأوروبية، واختلاف الدول العربية حول المفهوم في بدايته، حيث رأى البعض أن التركيز على مفهوم الشرق الأوسط يؤثر على النظام العربي والهوية العربية وفكرة العروبة، بإدخال إسرائيل وتركيا وإيران وإثيوبيا في المنطقة. ويرى البعض الآخر أن النظام العربي يمكن أن يتواءم مع فكرة الشرق الأوسط، ودليل ذلك انعقاد مؤتمرات دول الجوار العراقي، ودخول أطراف غير عربية، مثل إيران وتركيا، على خط الشؤون العربية دون هواجس عربية كما كان يحدث من قبل، ونفس الأمر حدث بالنسبة للحالة السودانية، حيث ظهر لاعبون أساسيون في الساحة السودانية من غير العرب.

سادساً: رؤية في تحديد النطاق الجغرافي لمنطقة الشرق الأوسط

إن النطاق الجغرافي لمنطقة الشرق الأوسط، بوصفها محل الدراسة، سوف يستند على أساس الرؤية العربية لمفهوم الشرق الأوسط، والتي اعتمدت على أُسس جغرافية وتاريخية وسياسية وحضارية، وطبقاً لتعريف جامعة الدول العربية، فإن منطقة الشرق الأوسط تمتد من المحيط الأطلسي غرباً حتى حدود شبه القارة الهندية شرقاً، ومن البحر المتوسط والبحر الأسود شمالاً حتى بحر العرب والقرن الأفريقي جنوباً، بمعنى أن إقليم الشرق الأوسط يتكون من 27 دولة تضم دول الجامعة العربية (22 دولة) بالإضافة إلى خمس دول غير عربية هي: إيران وتركيا وإسرائيل وإثيوبيا وإريتريا.

وقبل الإشارة إلى الأهمية الإستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط يمكن أن نشير إلى عدة أمور هي:

1. أن التكوين السياسي لدول الشرق الأوسط يتسم بالتنوع ما بين دول ملكية وجمهورية وتتنوع أيضاً في تجاربها الديمقراطية.

2. أن منطقة الشرق الأوسط من الناحية الجغرافية تتقاطع فيها الجيوبولتيكية الإسلامية مع الجيوبولتيكية العربية، ومن ثم فإن هذه المنطقة تشهد مساحة كبيرة من التفاعلات التاريخية والصراعية والفكرية، ما يدفع بالاعتبارات الدينية في استخدام هذا المصطلح “الشرق الأوسط”.

3. أن الأهمية الجيوإستراتيجية للمنطقة خلقت قضايا عديدة في المنطقة مثل قضية الصراع العربي/ الإسرائيلي، وقضية السيطرة على النفط والتحكم في المنافذ البحرية الإستراتيجية، ما أدى إلى توسيع مفهوم الشرق الأوسط وتقسيمه إلى دوائر إستراتيجية مثل: دائرة دول الطوق، ودائرة الخليج العربي، ودائرة الشمال الشرقي، ودائرة المغرب العربي، ودائرة القرن الأفريقي.

4. إعداد البيئة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط لدمج إسرائيل وتكوين ثقافة التطبيع معها.

سابعاً: الأهمية الجيواستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط

1. الموقع الجغرافي

تمتد منطقة الشرق الأوسط من ناحية الشرق، من إيران والخليج العربي وجبال زاجروس، التي تطل على سهول دجلة والفرات حتى شواطئ المملكة المغربية على المحيط الأطلسي في الغرب، ومن الشمال جبال طوروس وسواحل البحر المتوسط وتركيا وحافة هضبة الأناضول الجنوبية المطلة على العراق وسورية، حتى شواطئ المحيط الهندي وإثيوبيا في الجنوب.

تمثل منطقة الشرق الأوسط، من حيث الموقع الجغرافي، امتداد إقليمي ككتلة جغرافية واحدة تستند في الشرق على جبال زاجروس والخليج العربي، ومن الغرب المحيط الأطلسي، ومن ثم فهي نطاق إقليمي يتسم بالعمق الإستراتيجي. وهي كتلة جغرافية تقع بين دائرتي عرض 8 و42 شمالاً، وخطى طول 60 شرقاً و25 غرباً، وتُعد قلب العالم، فهي نطاق الأمن الجنوبي والجنوبي الشرقي لأوروبا، وهي خط الحدود الرئيس الذي يجب أن تعبره روسيا، للوصول إلى المياه الدافئة، كما أنها المنطقة الوسطى التي تفصل بين العالم المتقدم في الشمال والعالم النامي في الجنوب.

يزيد من أهمية الموقع الجغرافي أن كتلة اليابس الشرق أوسطية يحيطها ويخترقها العديد من المسطحات المائية ذات الأهمية الإستراتيجية، مثل المحيط الأطلسي غرباً، والبحر المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين شمالاً، وبحر عمان والمحيط الهندي شرقاً وجنوب شرق. كما يخترقها البحر الأحمر والخليج العربي وخليج العقبة. وما بين هذه المسطحات المائية يوجد العديد من المضايق والقنوات تمثل حلقات وصل إستراتيجية، مثل مضيق باب المندب ومضيق جبل طارق ومضيق البسفور والدردنيل ومضيق هرمز ومضيق تيران، وكلها منافذ بحرية إستراتيجية تربط حركة الملاحة الدولية والتجارة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.

تبلغ مساحة منطقة الشرق الأوسط نحو 17.5 مليون كم2، ويحتل الوطن العربي مساحة تبلغ 13.86 مليون كم2 بنسبة 79.2% من مساحة الشرق الأوسط، بينما تشغل الدول غير العربية (إيران وتركيا وإسرائيل وإثيوبيا) نحو 3.63 مليون كم2 تقريباً، بنسبة 20.8% من مساحة منطقة الشرق الأوسط.

تمتاز منطقة الشرق الأوسط بتنوع التضاريس، حيث توجد بها الجبال والسهول والهضاب، ويمتاز مناخها بالاعتدال طوال العام، بما يسمح بصلاحية مياهها للملاحة طوال العام، وتنوع مواردها النباتية والمحاصيل الزراعية والاقتصادية. كما تمتاز المنطقة بوفرة مواردها المائية اللازمة للقطاع الزراعي، ففيها نهر النيل ونهرا دجلة والفرات، كما توجد فيها الأمطار والمياه الجوفية.

2. الأهمية الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط

تُعد منطقة الشرق الأوسط ذات أهمية حيوية من الناحية الاقتصادية، ويرجع ذلك لعوامل عديدة، أهمها النفط والغاز الطبيعي، بالإضافة إلى الأرصدة النقدية الكبيرة المتمثلة في العائدات النفطية، وموجودات المنطقة من الثروات المعدنية.

اكتشف نفط الشرق الأوسط في بداية القرن العشرين، وبالتحديد عام 1908، في إيران، ولم يكن لنفط الشرق الأوسط في البداية تلك الأهمية الكبرى التي له الآن، ويرجع ذلك إلى أن نقل النفط من الأمريكيتين إلى أوروبا كان أقل تكلفة وأكثر سرعة وأمنا، لا سيما خلال الحرب العالمية الثانية.

تزايد الاهتمام بشؤون المنطقة مع تزايد اعتماد الدول الصناعية على النفط، الذي أصبح عصب الحياة الاقتصادية والتقدم في تلك البلاد، حيث تزايد الطلب العالمي على النفط، بداية من الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، والتي صاحبها مشروع مارشال للانتعاش الاقتصادي في أوروبا.

يتركز إنتاج الشرق الأوسط من النفط في منطقة الخليج العربي، والتي تنتج 27% من حجم الإنتاج العالمي للنفط، كما تحتوي منطقة الشرق الأوسط على أكثر من 65% من الاحتياطي العالمي، يتركز أغلبها أيضاً في منطقة الخليج العربي.

أ. النفط

لنفط الشرق الأوسط أهمية حيوية، تتضح من الحقائق التالية:

(1) أن إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية سوف يأخذ في الانخفاض تدريجياً بعد أن وصل إلى أعلى معدلاته في الثمانينيات.

(2) واردات الدول الصناعية الكبرى، وكذلك واردات الدول النامية سوف تتزايد، مع الإشارة إلى أن بدائل الطاقة الأخرى لن تسهم إلا بقدر محدود من احتياجات الطاقة.

(3) أن صادرات روسيا الاتحادية والصين معرضة للانخفاض، نتيجة لتزايد الاستهلاك الداخلي وتناقص معدلات الإنتاج.

(4) قرب حقول نفط الشرق الأوسط من السوق الأوروبي وشرق آسيا.

(5) أن الولايات المتحدة الأمريكية تقلل من معدلات إنتاجها من النفط، وتحتفظ به مخزوناً في باطن الأرض، بسبب توقعها حدوث ندرة نفطية عالمية، مفضلة بذلك استيراد النفط من الخارج، وهي بذلك تدخل السوق العالمي مستورداً، فضلاً عن عدم استطاعتها إمداد دول أوروبا الغربية واليابان باحتياجاتهم النفطية المتزايدة، وهو ما يعنى زيادة الطلب العالمي عليه.

(6) يتمتع نفط الشرق الأوسط بمزايا نسبية أخرى عديدة، منها انخفاض أسعاره وتكاليف إنتاجه، بالمقارنة بالمناطق الأخرى، وكذا الميزة التي يتمتع بها من حيث تنوع الإنتاج الذي يشتمل على خامات خفيفة ومتوسطة وثقيلة، تناسب الأسواق المختلفة.

الأرصدة النقدية الهائلة الناتجة من عائدات النفط نوضحها في الآتي:

أدى الحظر النفطي العربي، أثناء حرب أكتوبر 1973، وما تبعه من ارتفاع كبير في أسعار النفط خلال عقد السبعينيات، من ثلاثة دولارات تقريباً للبرميل الواحد إلى حوالي أربعين دولارا للبرميل، ما أسهم في تضخم ثروات الدول النفطية، والتي يقع معظمها في منطقة الشرق الأوسط.

زادت تلك الأرصدة النقدية الهائلة من العملات الدولية القابلة للتحويل من أهمية الشرق الأوسط النفطية لدى الدول الصناعية ودول العالم المتقدمة، من خلال اقتحامها ميدان العلاقات الاقتصادية الدولية، بتقديم المعونات الاقتصادية والقروض لدول العالم الثالث، بل وللدول الصناعية المتقدمة ذاتها، الأمر الذي أدى إلى تزايد أهمية الدور الذي تلعبه تلك الدول في العلاقات الدولية من خلال الأداة الاقتصادية.

ب. الغاز الطبيعي

يٌعد الغاز الطبيعي أيضا من أهم مصادر الطاقة، إذ بلغ الاحتياطي منه في منطقة الشرق الأوسط نحو 54.8 تريليون م3، بما يوازى 29.1% من الاحتياطي العالمي.

يبلغ الإنتاج السنوي للشرق الأوسط من الغاز الطبيعي نحو 21.2 مليون برميل/ يوم، بما يوازى 29.4% من الإنتاج العالمي.

ج. موجودات المنطقة من الثروات المعدنية والزراعية

لقد حبا الله منطقة الشرق الأوسط بثروات هائلة في باطن الأرض وعليها، فمن العناصر الطبيعية التي أعطت إقليم الشرق الأوسط تلك الثروات، البنية الجيولوجية والتركيب الصخري، حيث تكمن فيه على شكل نطاقات بنيوية متتابعة من الشمال إلى الجنوب، توضح فيما يلي:

(1) نطاق الجبال الاستوائية في الشمال والشرق، في إيران وتركيا، حيث له امتدادات محدودة في العالم العربي، تكمن في سلسلة الجبال الموازية لساحل البحر المتوسط الشرقي، والجبل الأخضر في عمان، ويمتاز هذا النطاق باحتمالات وجود كثير من المعادن.

(2) نطاق الصخور البلورية القديمة ذات التكوينات الجيولوجية، التي تحتوي على الفوسفات والبوتاسيوم، وأحياناً الذهب، وتوجد في الوطن العربي جنوب البحر المتوسط، من المغرب إلى العراق.

(3) الثروات المعدنية والسمكية، وهي متفاوتة، فمن حدود الفائض المُعد للتصدير، كما في بلاد الشام وتركيا وإيران، إلى سلة خبز العالم العربي السوداني، إلى الاكتفاء الذاتي في معظم أقطاره الباقية.

ولو نظرنا للشرق الأوسط من حيث التكامل في الثروة الزراعية والحيوانية والسمكية، يمكننا القول بأنه مكتفٍ ذاتياً وينتج فائضاً عن حاجته، يصدره للعالم مقابل عملات صعبة يحتاجها لتطوير نفسه وتكنولوجياته، للحاق بركب العالم الصناعي في فترة ليست طويلة، إذا توفرت لديه عوامل الأمن والاستقرار.

3. الأهمية العسكرية لمنطقة الشرق الاوسط

يقصد بالأهمية العسكرية، مجموعة العناصر ذات الصلة المباشرة بالعمليات العسكرية، سواء ما يتعلق مباشرة بالقوات المسلحة، في البر والبحر والجو، أو ما يتعلق بالقواعد التي تعمل منها تلك القوات.

تشتمل أهم العناصر التي تشكل الأهمية العسكرية لمنطقة الشرق الأوسط، على ما يلي:

أ. الاتساع والعمق الكافي لمنطقة الشرق الأوسط، والذي يتيح الآتي:

(1) إمكان نشر القواعد العسكرية لتأمينها ضد أخطار العدوان.

(2) تنوع طبيعة التربة، ما يوفر الظروف المختلفة لتدريب القوات على القتال، في مختلف أنواع الأراضي وميادين القتال.

(3) القوة البشرية الهائلة التي يمكن تجنيدها واستخدامها في العمليات العسكرية.

(4) تمتاز المنطقة باعتدال مناخها طوال العالم، بما يسمح بصلاحية أجوائها للطيران، ومياهها للملاحة طوال العام، كما تمتاز أراضيها عامة بإمكان مد شبكات الطرق البرية لها، وتمتاز باتساع رقعتها، وتنوع مواردها ونباتاتها، ما يعطيها مزايا اقتصادية وعسكرية واستراتيجية، في الوقت نفسه.

(5) امتداد السواحل المطلة على البحار والمحيطات، مع وجود موانئ عديدة تصلح قواعد بحرية مهمة، بالإضافة إلى تحكم دول المنطقة في العديد من الممرات البحرية ذات الأهمية الإستراتيجية الفائقة.

(6) الاكتفاء الذاتي في مصادر الطاقة والوقود اللازمة للعمليات الحربية، وأهمها النفط.

(7) توافر عوامل الإنتاج اللازمة لقيام صناعات حربية، كصناعة الأسلحة والذخائر، ولا سيما إذا أمكن تحقيق نوع من التعاون مع الدول ذات الخبرة في تكنولوجيا التسليح المتطورة، بما يمكن من تطوير صناعات الإنتاج الحربي الناشئة في بعض دول الشرق الأوسط، مثل مصر وتركيا وإسرائيل.

(8) وجود العديد من المطارات والقواعد الجوية، ما يوفر حرية المناورة للوصول إلى أي بقعة في تلك المنطقة الملتهبة في العالم.

(9) توفر شبكة كبيرة من خطوط المواصلات البرية والبحرية والجوية، ما يسهل من إمكان نقل وتحريك القوات والمعدات.

ب. القوى الكبرى تحاول السيطرة على هذه المنطقة نظراً لموقعها الإستراتيجي دولياً، والمسيطر عليها يمكنه السيطرة الدولية عسكرياً، شرقاً وغرباً وشمالا وجنوباً.

4. الأهمية الثقافية لمنطقة الشرق الأوسط

تُعد منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية بداخلها، مهد الأديان السماوية، الإسلام ــ المسيحية ــ اليهودية، وتحتوي على المقدسات الدينية للديانات السماوية الثلاث، ومن ثم فهي تتمتع بمنزلة روحية لدى غالبية شعوب العالم.

ساعد انتشار الإسلام في المنطقة على نشر اللغة العربية، ما ساعد على إذكاء الهوية العربية الإسلامية، لتلعب دوراً مرموقاً في سبيل الوحدة بين دول المنطقة، ما يعني خلق قدرة جماعية قادرة على المشاركة مشاركة فعالة ومؤثرة في مجرى العلاقات الدولية، الأمر الذي يهدد المصالح الحيوية للدول الكبرى في المنطقة.

لعب العامل الديني دوراً بارزاً في علاقات دول المنطقة بالعالم الخارجي، فشهدت منطقة الشرق الأوسط سلسلة من الحملات الصليبية الأوروبية، التي استهدفت حصر المد الإسلامي، كما لعب الإسلام دوراً رئيساً في الحيلولة دون تغلغل الأيديولوجية الشيوعية في المنطقة، وفي بعض الأحيان تهديد مصالح القوى الكبرى في المنطقة، على نحو ما حدث في إيران أعقاب سقوط الشاه.

كما أن منطقة الشرق الأوسط هي مهد الحضارات القديمة، كالحضارة الفرعونية، والبابلية، والأشورية، وكذا الحضارة الإسلامية، التي استقى منها الغرب الكثير، إذ أسهمت هذه الحضارة بقدر كبير في نشأة الحضارة الأوروبية والغربية.

ثامناً: دور الشرق الأوسط في الإستراتيجية العالمية

لعب سكان الشرق الأوسط ثلاث أدوار متباينة في الإستراتيجية العالمية، هي:

1. دور النسق الدولي الأول (السيادي والريادي) أيام الإمبراطورية العربية الإسلامية.

2. دور النسق الدولي الثاني (الشريك والمشارك في صنع القرار الإستراتيجي) أيام كانت الإمبراطورية الفارسية والرومانية، وأحيانا الإمبراطورية الأفريقية “مملكة اكسوم”، أحيانا أخرى تتقاسم السيطرة على مقدرات العالم.

3. دور النسق الدولي الثالث (أي التبعية والتنفيذ دون المشاركة في صنع القرار الإستراتيجي)، حيث بدأ لعب هذا الدور بعد انتهاء نفوذ الدولة العثمانية على المنطقة، أثر هزيمتها في الحرب العالمية الأولى ويمارس حتى تاريخه.

يستطيع الشرق الأوسط، إذا انحصر التهديد الداخلي وساده السلام والتفاهم بين قومياته الثلاث الرئيسية (العرب والفرس والأتراك)، لدرجة يمكن عندها من تشكيل حلف أو مجموعة شرق أوسطية متجانسة، وبعد الوصول إلى السلام الشامل العادل المشرف مع إسرائيل، أن يلعب دور النسق الثاني حداً أدنى، إذا لم يستطيع في البداية لعب دور النسق الأول في الإستراتيجية العالمية، للأسباب التالية:

عوامل القوة التي يمتلكها

·     بانضمام إسرائيل يمتلك الشرق الأوسط قوة كبيرة، بامتلاكه السلاح النووي ومصادر التكنولوجيا الحديثة والمتطورة في الصناعات الحربية والثقيلة.

·     بعد إرساء قواعد للسلام في المنطقة، فإنه من الطبيعي أن تتركز كل الجهود نحو التطوير والنهضة الصناعية والزراعية الشاملة، وسيتحول الشرق الأوسط إلى قوة اقتصادية مؤثرة على مستوى العالم، وخاصة بعد أن يمتلك قرار نفسه ويسيطر على ثرواته.

يعتمد مدى الدور الذي يمكن أن يلعبه الشرق الأوسط عالمياً على مدى استعداده بكل قواه وفعالياته، فإذا تحقق له الانسجام السياسي والثقافي والحضاري، بالإضافة إلى التكافؤ في معدل الدخل لجميع أقطاره، يستطيع لعب دور السيادة والريادة في الإستراتيجية العالمية، أو يمكن أن يكون شريكاً متكافئا مع دول وجماعات النسق الأول، ويشارك ويؤثر في صنع القرار الإستراتيجي العالمي. أما إذا بقي الأمر على حاله كما هو الأن، سيبقى الشرق الأوسط يلعب دور النسق الثالث، وهو دور التبعية والتنفيذ دون المشاركة في صنع القرار، حيث يتبلور التهديد ليأخذ الأشكال التالية:

1. التهديد الخارجي

بسبب قيمة المنطقة الإستراتيجية وما تعكسه من رغبات وأطماع دول النسق الأول العالمية في السيطرة عليه وتوظيفه، ليخدم مصالحها في الصراع الدولي، وفي حالة وقوعه ضمن منطقة نفوذ العالم الغربي، كما هو الآن ستوكل له المهام التالية:

أ. خط الدفاع الأول عن مصالح العالم الغربي ضد مصدر التهديد الأسيوي، الكامن حالياً والمتوقع أن ينفجر يوما ما، كونه يمتلك أكبر قنبلة بشرية في العالم، على حد رأى علماء الجغرافيا السياسية.

ب. منطقة امتصاص الصدمة الأولى للحركات الأصولية والمتطرفة في آسيا وأفريقيا.

ج. مستودع طاقة هائل يمثل خط التزويد الرئيس للقوات المقاتلة في مسرح العمليات الدولي في أي منطقة في العالم، وكذلك محرك الطاقة للصناعات الحربية والثقيلة ولأساطيل وطائرات جماعات النسق الأول، لدى انفتاحها ضمن مسرح العمليات السوقي، ولإدامة الصناعات الثقيلة.

2. التهديد من الداخل، ويمكن تصنيفه كالتالي:

أ. يتمثل بالصراع بين القوميات الرئيسة الثلاث (العرب والفرس والأتراك)، إلا أن درجته وحدته غير خطيرة، بسبب عوامل التقارب في الدين والتاريخ والمصالح المشتركة.

ب. الصراع الاثني من أجل الاستقلال عن القومية الأم، ويتمثل في حركات الأكراد والبربر وغيرهم من الأقليات العرقية في المنطقة، ولا يحتمل أن يتعدى في حدته أكثر من حرب عصابات أو عصيان وعمليات انتقامية، يمكن السيطرة عليها والتعامل معها من قِبل الدولة السياسية الحاضنة لتلك الأقليات، ويكون حلها سياسيا بقبول الحكم الذاتي.

ج. التهديد الناجم من الأقلية القومية الإسرائيلية في المنطقة وإصرارها على نهج التفوق في القدرة والقوة العسكرية، وامتلاك قدرات الردع النووية في جميع الظروف، بما فيها السلام، معتمدة إستراتيجية تفوق وإرهاب نفسي، تعتقد بأنه أفضل وسيلة للبقاء ضمن جزيرة صغيرة في محيط عدائي من العرب، الذين يجمعهم مع الفرس والأتراك الدين والتاريخ والجوار. وعليه فهو التهديد الحقيقي الداخلي في منطقة الشرق الأوسط، والتهديد الأكثر خطورة للعرب، حتى لو حدث وانسحبت إسرائيل من المناطق العربية المحتلة وتحقق السلام.

تاسعاً: النزاعات والتوترات في منطقة الشرق الأوسط

تشهد المنطقة العديد من النزاعات والتوترات، من أهمها:

1. الصراع العربي/ الإسرائيلي المشتعل دائماً وخصوصاً القضية الفلسطينية في الوقت الحالي.

2. الوجود الكثيف للقوات الأجنبية في دول الخليج الستة.

3. التهديدات المستمرة من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لسورية وإيران.

4. نظرة الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، للمنطقة على أنها راعية للإرهاب.

5. تنامى ظاهرة التطرف والإرهاب في المنطقة وانتشار المليشيات المسلحة.

6. احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاثة، منذ عام 1970 وحتى الآن، دون التوصل لحل لهذه المشكلة.

7. التوتر العسكري التركي مع العراق وسورية.

8. وجود مشكلات حدودية بين بعض الدول العربية وبعضها، لم تحل جذرياً حتى الآن.

9. عدم وجود أي إرادة سياسية لتنسيق إستراتيجية دفاعية عربية لتحقيق أمن قومي عربي، لمجابهة المتغيرات والتحديات على المستوى الدولي والإقليمي.

إن القضايا العربية المصيرية متروكة الحل لجهة أجنبية، ويجري تدويل كل مشكلة عربية، بدلاً من أن يأخذ النظام العربي موقفاً لحلها. وأبرز تلك المشكلات أزمة العراق، ابتداء من عام 1990، وتطوراتها حتى الآن. والصراع العربي/ الإسرائيلي المتروك للولايات المتحدة الأمريكية لتحركه، بتنسيق كامل مع إسرائيل كيفما تشاء. وما حدث في تونس ومصر والسودان، وما يحدث في سورية وليبيا، كما منحت الولايات المتحدة الأمريكية المسوغات لتنفيذ إستراتيجيتها في المنطقة.

المبحث الرابع مصالح الصين وأهدافها في الشرق الأوسط

تُعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق حساسية في العالم بأسره، لعوامل إستراتيجية عديدة، ومما يزيد من أهميتها وحساسيتها أنها تحتوي على مصالح متشابكة أو متعارضة للقوى الكبرى والعظمى، ومن بينها جمهورية الصين الشعبية، حيث أصبحت المنطقة محل الاهتمام، وبؤرة التركيز الرئيسة لنشاط هذه القوى، إذ تحتوي على نحو ثلثي الاحتياطي العالمي من النفط الخام، إلى جانب العديد من الثروات.

العلاقات الودية بين الصين والدول العربية تعود إلى قديم الزمان، وقبل أكثر من ألفي عام ربط طريق الحرير القديم الصين بالدول العربية ربطاً وثيقاً، وترك تراثاً نفيساً يجسد مجد الحضارتين الصينية والعربية، ولبُعد المسافة بينهما استعملت الصين مجازاً للبُعد والاستحالة والمشقة، إذ حث الرسول e صحابته على طلب العلم ولو في الصين، وما تدل مقولته e إلا على تلك العلاقة الوطيدة التي تجمع بين الصين والدول العربية منذ القدم.

في السنوات الأخيرة أخذ يتجلى بمزيد من الوضوح طموح الصين الى لعب دور أكبر في الشرق الأوسط وفي القارة الأفريقية، لضمان احتياجات اقتصادها من النفط والغاز، وتأمين المتطلبات الاقتصادية الأخرى، وربما المطامح السياسية أيضاً. وتستخدم الصين لبلوغ اهدافها الإستراتيجية مختلف السبل والوسائل، ابتداء من الاستثمارات والجهود الدبلوماسية، وانتهاء بصفقات السلاح. ويلفت الانتباه بهذا الشأن خصوصاً نشاط الصينيين في ،السودان الذي تحول بمنتهى السرعة إلى أحد المصادر الرئيسة لتصدير النفط إلى الصين.

على الرغم من العلاقات التاريخية الموغلة في القدم، والتي تعود لعدة قرون خلت، إلا أن منطقة “الشرق الأوسط” لم تكن يومًا ما محور اهتمام في الإستراتيجية الصينية كما هي عليه اليوم، كما أن دول المنطقة من جانبها لم تنظر إلى الصين لاعباً دولياً يمكن الاعتماد عليه، إذ ظل الدور الصيني محدوداً وهامشياً، يقتصر على التبادلات التجارية والثقافية، ولم تسعَ بكين إلى وجود فعلي، أو إلى إقامة مناطق نفوذ لها في المنطقة، أسوة بالقوى الدولية الأخرى.

كانت الصين دائمًا تنظر إلى الشرق الأوسط بثرواته وموقعه الإستراتيجي على أنه “منطقة تشابك” في الصراع المحتدم والمتواصل بين القوى الدولية المتنافسة على مناطق النفوذ، وترى أن حسم الصراع لصالح أية قوة دولية سيتحدد في رمال هذه المنطقة الملتهبة.

بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية، عام 1949، ظل اهتمام الصين في المنطقة مُنصب على البحث عن شرعيتها وتوسيع دائرة الاعتراف الدبلوماسي بها، في منطقة كانت معظم دولها تعترف بتايوان، لهذا ركزت الدبلوماسية الصينية في بداياتها على محاولة الدخول إلى المنطقة من بوابة الوقوف إلى جانب حركات التحرر الوطني، والسعي للحيلولة دون خضوع المنطقة لهيمنة شاملة من قِبل القوى الخارجية، وظل السلوك الصيني يقوم على أسس “المبادئ الخمسة للتعايش السلمى”، التي أطلقها الزعيم الراحل “شوان لاي”، وظلّت بكين متمسكة بشعار “مشكلات الشرق الأوسط يجب أن تُحل عن طريق شعوب المنطقة وبعيدًا عن أية تدخلات خارجية”.

لم يرق مفهوم “الأمن القومي الصيني” إلى درجة “حماية المصالح”، وظل محكوماً لعدة عقود، منذ تأسيس الجمهورية، بقناعة راسخة تقتصر على “حماية الحدود”، أو ما يُطلق عليه نظرية “سور الصين العظيم”، وهو كناية عن التقوقع داخل الحدود، والابتعاد عن لعب أي دور حيوي خارج هذه الأسوار. ولكن مع التطورات الأخيرة يبدو أن الصين شرعت في توسيع رؤيتها لمفهوم الأمن القومي، آخذة في الحسبان النمو المتسارع لاقتصادها، واتساع رقعة المصالح الصينية في الخارج، وبروز “أمن الطاقة”، بوصفه أحد أهم مرتكزات الأمن القومي، الذي يضمن استمرار عجلة الاقتصاد الصيني بالدوران، وتبعًا لذلك يبدو أن اهتمام الصين بمنطقة الشرق الأوسط سيكون أكبر من السابق، لكن دون الانخراط الفاعل في قضاياها، مراعاة للأسس التي تحكم سياستها الخارجية، لأنها أهم مصدر من مصادر الطاقة في العالم، كما أنها أحد أهم الأسواق الاستهلاكية.

ويمكن القول حاليًا إن ميزان التبادل التجاري مع أية دولة، هو المقياس الوحيد لمستوى تطور العلاقات مع الآخرين، من وجهة النظر الصينية، وهيمنت العلاقات الاقتصادية على معظم تحركات الصين وسلوكها الدبلوماسي في منطقة الشرق الأوسط، في تأكيد على تصدر هذه العلاقة أولويات صناع القرار في الصين.

أولاً: مصالح وأهداف جمهورية الصين الشعبية في المجال السياسي

طرحت الصين ثلاثة مبادئ أساسية للتعامل مع الاضطرابات السياسية والامنية التي تمر بها معظم دول الشرق الأوسط، تمثلت في الاتي:

·   استبعاد استخدام القوة.

·   الالتزام بميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية.

·   أن تكون المساعدات الخارجية للدول ذات طبيعة بناءة.

وبناء على ذلك تم تحديد الاتي:

1. تتجه الصين في مجال سياستها الخارجية إلى تنشيط تحركاتها تجاه الشرق الأوسط، خلال المرحلة الحالية لمزاحمة الولايات المتحدة الأمريكية في الهيمنة والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط، من خلال المنح والمساعدات.

2. السعي للحصول على دعم الدول العربية لسياستها الرامية أن تظل تايوان تابعة للوطن الأم.

3. المشاركة الصينية في عملية التسوية السلمية للصراع العربي/ الإسرائيلي، في أعمال عدد من اللجان المنبثقة عن مؤتمر مدريد، في إطار المفاوضات متعددة الأطراف.

4. الحرص على استثمار علاقاتها المتميزة بالأطراف العربية كافة، لتطوير التعاون الثنائي معها في المجال السياسي، وتستضيف منتدى التعاون الصيني العربي، بهدف تفعيل الشراكة الاستراتيجية بعيدة المدى.

5. تعتمد موقفاً متوازناً تجاه قضية الجزر الإماراتية، حفاظا على مصالحها مع طرفي النزاع، وتحث الطرفين على تسوية القضية بالطرق الدبلوماسية وفي إطار إقليمي.

6. رأت الصين أن تحقيق هذه المصالح سوف يأتي من خلال إقامة علاقات دبلوماسية وسياسية واقتصادية مع دول منطقة الشرق الأوسط، وبناء عليه فقد نفذت الآتي:

أ. وقعت وزارة الخارجية الصينية والأمانة العامة لجامعة الدول العربية، مذكرة تفاهم بإنشاء اّلية للمشاورات الصينية العربية، تشتمل على الآتي:

(1) توسيع وتعزيز نطاق التقاء المصالح المشتركة للجانبين.

(2) بحث سبل التشاور والتنسيق في إطار المؤتمرات والمحافل الدولية.

(3) تبادل وجهات النظر والمواقف بشأن القضايا الإقليمية والدولية، فضلاً عن الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

(4) بحث سبل انشاء وسائل جديدة لتطوير ودعم علاقات التعاون بين الصين والدول الأعضاء في جامعة الدول العربية في كافة المجالات.

ب. إصدار مجلس جامعة الدول العربية عدداً من القرارات بشأن العلاقات العربية الصينية، كالتالي:

(1) قرار المجلس الرقم 5809، لسنة 1998، والقرار الرقم 5863، لسنة 1999.

(2) قرار المجلس الرقم 5910، لسنة 1999، والقرار الرقم 5972، لسنة 2000.

(3) قرار المجلس الرقم 6024، لسنة 2000.

ثانياً: موقف جمهورية الصين الشعبية من أهم القضايا في الشرق الأوسط

لفترة طويلة، ورغم تأييد الصين لتسوية تاريخية للصراع العربي/ الإسرائيلي، إلا أنها كانت تتعمد الابتعاد عن الدخول في تفاصيل هذه العملية. كان الموقف الغالب للصين هو التأييد عن بُعد لكل ما هو متصل بالمفاوضات العربية/ الإسرائيلية، دون التدخل المباشر في تفاصيلها، مع الاستمرار في نسج علاقات قوية مع كل أطراف الصراع، دون الانحياز لأحد في مواجهة آخر.

خلال مؤتمر أنابوليس، الذي عُقد في نوفمبر 2007، لإحياء عملية تفاوض فلسطينية ــ إسرائيلية، طرح وزير خارجية الصين رؤية شاملة لما رأى أنه تعزيز أسس السلام في الشرق الأوسط، تضمنت خمسة مبادئ، كالآتي:

1. احترام التاريخ، والعمل من أجل حل القضايا المتعلقة بالحدود واللاجئين وموارد المياه، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، تقوم على أساس خارطة الطريق ومبادرة السلام العربية.

2. نبذ العنف وإزالة العقبات، ومواصلة الالتزام الصارم بمحادثات السلام، فالقوة لا يمكنها أن تحقق سلاماً دائماً.

3. دفع محادثات السلام بطريقة كلية ومتوازنة، وتوفير البيئة المؤدية إلى محادثات سلام.

4. إعطاء أولوية للتنمية وتعزيز التعاون، من أجل تدعيم أساس محادثات السلام.

5. بناء توافق وزيادة الإسهامات وتعزيز مساندة عملية السلام.

تبنت الصين مواقف الحياد التام تجاه الحل وتهدئة للصراعات في منطقة الشرق الأوسط. وفي عام 1984، أي بعد عامين من اجتياح إسرائيل للبنان، عام 1982، أعلنت الصين عن عقد أول صفقة كبرى لتصدير السلاح وتبادل الخبراء بينها وبين إسرائيل، لتعلن للعالم العربي أن مجال تكنولوجيا السلاح هو القاعدة الصلبة لتوثيق علاقاتها مع إسرائيل.

امتنعت الصين عن التصويت لصالح قرار مجلس الأمن الرقم 678، لسنة 1991، أثناء حرب الخليج الثانية، الذي نص على قيادة الولايات المتحدة الأمريكية للمجتمع الدولي لاستعادة الأراضي الكويتية من العراق، ولم يكن الموقف الصيني مرضياً لدول الخليج العربي، التي قبلت القرار لشعورها بالخطر على سلامة أراضيها.

إن الصين في المسألة الإيرانية تدعو إلى التزام الطرق الدبلوماسية، وتعارض بشدة فرض عقوبات على إيران، ومنع المصارف الأجنبية من التعامل مع المصرف المركزي الإيراني، قبل تقديم أدلة دامغة على أن إيران تقوم بتطوير أسلحة نووية. والصين في هذا الشأن توازن بين مصالحها مع طهران، التي تحصل منها على 11% من إجمالي وارداتها النفطية، بما يمثل نحو 22% من مبيعات النفط الإيراني، ومصالحها مع الولايات المتحدة الأمريكية شريكها التجاري الأكبر، والدول العربية النفطية المزود الرئيس لها في احتياجاتها النفطية. وفي هذا الإطار كان الاهتمام المتزايد للدبلوماسية الصينية في أعلى مستوياتها بمنطقة الخليج، وزيارة رئيس الوزراء الصيني “وين جيا باو” للمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات، في يناير 2011.

بالرغم من التراجع في العلاقات بين الدول العربية والصين، خلال فترة الثمانينيات من القرن العشرين، إلا أنه في عام 1990، أقامت المملكة العربية السعودية علاقات دبلوماسية مع الصين، وأقدمت الصين على اتخاذ خطوات ايجابية على المسار العربي/ الإسرائيلي، بمشاركتها في خمس لجان لخفض التوتر بالنسبة لقضية المياه، إلا أن الموقف السياسي بدا هامشياً إذا ما قورن بالاهتمام الاقتصادي الصيني تجاه منطقة الشرق الأوسط.

تبلورت رؤية الصين للمحافظة على مصالحها خاصة النفطية لاستكمال التقدم في نهضتها الاقتصادية، في عدة نقاط أهمها الآتي:

1. تركيز أعمال الدبلوماسية الصينية على دول الخليج العربي، اتضح ذلك في الزيارات المتعددة التي نفذها كبار المسؤولين الصينيين، كزيارة الرئيس الصيني الحالي “هو جنتاو” للملكة العربية السعودية، عامي 2004 و2006، وزيارة رئيس الوزراء الصيني “وين جيا باو” للمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات، في يناير 2011.

2. تركيز العمل الدبلوماسي في اندفاع شركات النفط الصينية إلى الحصول على حقوق الاستثمارات في النفط العربي، والإسهام في أعمال تطوير الحقول النفطية.

3. تحفيز الصين للدول الخليجية للاستثمار في قطاعي تنمية النفط وتسويقه.

وعلى الرغم من ذلك لم تكن الخطوات السابقة لها انعكاس إيجابي على تطور العلاقات العربية الصينية في المجال السياسي، وخاصة في النطاق الدولي.

ثالثاً: موقف جمهورية الصين الشعبية من التطورات الاخيرة في الشرق الأوسط

اقتضى السلوك البراجماتى للسياسة الخارجية الصينية الصمت حيال أحداث العالم العربي بداية، وأعرضت عن الاعتراف بأن هذه الأحداث ثورات، وهي تقف مع النظم أيا كانت، مادامت في السلطة، ثم تنسحب عنها إلى تأييد المعارضة والتوافق معها حين تنتقل هذه المعارضة الى السلطة.

ولم يكن هذا جديداً عليها، ففي أحداث الثورة الإيرانية كانت الصين تقف إلى جانب الشاه، وتقف سلبياً تجاه الثورة. ومع نجاح الثورة الإيرانية في الإطاحة بنظام الشاه، أخذت الصين تفتح أبوابها للثورة الايرانية الوليدة، ثم غدت أكبر موردي الأسلحة لإيران في حربها ضد العراق، وكان موقفها الرسمي حيال هذه الحرب أنها تقف على الحياد، وعلى مسافة متساوية من الجانبين المتصارعين، مطالبة كليهما بوقف الحرب وتسوية النزاعات عبر الحوار والتفاوض.

فسر الموقف الصيني الصامت حيال أحداث الربيع العربي في بدايته، بأنه خشية انتقال عدوى هذه الأحداث إلى الصين، وهى مهيأة لها بحكم استمرار تسلط الحزب الشيوعي الصيني على مجريات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وخنق الحريات والفساد واسع النطاق، وسوء توزيع الثورة والدخل، وهو التفسير الذى تعزز في الإجراءات التي نفذتها الحكومة الصينية على مستوى حظر مواد الانترنت، مثل عبارة زهرة الياسمين رمز الثورة التونسية ومصر، ولكن حين نجحت المعارضة في تونس ومصر، سعت الصين إلى تحسين صورتها لديهما، فمنحت تونس هبة مالية بقيمة 40 مليون يوان، واستقبل اتحاد الصناعات المصري وفداً صينياً يضم ممثلين عن الشركات والمؤسسات التمويلية، لإبداء الرغبة في التعاون في المجالات الاقتصادية بين البلدين

مثلت الانتفاضة الليبية التحدي الأكثر تعقيداً للقادة الصينيين، نظراً لوجود علاقات معقدة بينهما إلى حد ما على مدار السنين، ومن ناحية أخرى توجد علاقات تجارية تجمع البلدين في المجال الاستثماري، إذ استثمرت شركات صينية بكثافة في ليبيا، على الرغم من أن القيمة الإجمالية لهذه الأصول تتضاءل بالمقارنة مع المقتنيات ذات الصلة بالطاقة من الشركات الغربية، ومع ذلك كان هناك وجود كبير للصينيين، خاصة في البنية التحتية والخدمات، وأكدت البيانات الصينية الرسمية عن أسفها لتوجيه ضربة عسكرية ضد ليبيا، وأن الصين لا توافق دائماً على استخدام القوة في العلاقات الدولية، مشيراً إلى أنها تحب احترام سيادة ليبيا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها. ولكن ما أن نجحت الثورة الليبية حتى اعترفت الصين بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي، وعادت إلى الحياد مرة أخرى تجاه الأحداث الأخيرة في ليبيا والعراق.

جاء الموقف الصيني باستخدامها حق النقض الفيتو لثلاث مرات منذ اندلاع الثورة السورية، وتناول مجلس الأمن لها، ليحقق أسلوب دبلوماسية الحضور السياسي للصين في المنطقة، لاعباً دولياً يملك أدوات ترجيح كفة على أخرى، وفي هذا الإطار أيدت الصين مشروعاً روسياً يدين جميع الأطراف السورية المتنازعة لاستخدامها العنف، ويدعو إلى حوار سياسي مباشر لتسوية الأزمة، وأعلنت الصين معارضتها مبدأ تدويل الأزمة السورية، وأنها ترى أن الحل الأمثل من طريق الحوار بين أطراف الصراع. كما أعربت مرارً عن معارضتها تغيير النظام السياسي في سورية بالقوة العسكرية، سواء المدعومة من الخارج، أو عبر التدخل الخارجي المباشر.

رابعاً: مصالح جمهورية الصين الشعبية وأهدافها في المجال الاقتصادي

تُعد العوامل الاقتصادية واحداً من المحددات الرئيسية والمهمة في صياغة العلاقات الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، والمنطقة العربية بصفة خاصة، حيث تُعد هذه المنطقة نموذجاً لتداخل العلاقات السياسية والاقتصادية، وتوظيف البعد الاقتصادي لتحقيق مكاسب سياسية، وخلق شبكة من المصالح والتحالفات المالية والاقتصادية، يجري استخدامها في عمليات التوجيه، والتأثير في القرار السياسي لبعض الدول.

تُعد سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط بقضاياه ومشكلاته وفرصه الاقتصادية الرائعة، نموذجاً حياً للطريقة التي تفكر بها الصين لتأمين مصالحها الحيوية، كما تعكس العلاقة الوثيقة بين متطلبات التنمية في الداخل، والنفاذ إلى أسواق الخارج.

تطورت العلاقات الاقتصادية الصينية مع دول منطقة الشرق الأوسط كالآتي:

1. احتلت قضية الإصلاح والتنمية والاقتصاد أهمية كبرى في الصين منذ بدء تنفيذ سياسة الانفتاح الاقتصادي، عام 1978، بحسبان أن الاقتصاد والتنمية أكبر ضمانات للاستقرار ووحدة الوطنية الصينية والممر نحو صعود الصين، ونفاذها نحو القطبية. وفي هذا الإطار تبادلت الصين ودول منطقة الشرق الأوسط عديد من الخبرات والتجارب في هذا المجال.

2. تصاعد دور العوامل الاقتصادية في العلاقات الدولية وارتباطها بالأمن القومي للصين، وكذلك لدول منطقة الشرق الأوسط، كما أن السلام والتنمية هما أحد أهداف السياسة الخارجية الصينية.

3. خلال سياسة الانفتاح التي اتبعتها كل من الصين والدول العربية، حقق التعاون الاقتصادي التجاري بين الصين والدول العربية إنجازات مثمرة، في العقد الأول للقرن الحادي والعشرين، تضاعف حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية نحو ثماني مرات، وقفز من 20.3 مليار دولار، عام 2001، إلى 145.4 مليار دولار، عام 2010. وعلى الرغم من التحديات الناجمة عن الأزمة المالية العالمية والتغيرات الكبيرة في المنطقة، حافظ التعاون الاقتصادي والتجاري الصيني العربي على زخم النمو القوى، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين 195.9 مليار دولار، عام 2011، بزيادة 34.7% بالمقارنة مع العام السابق، كما حقق الجانبان تقدماً مستمراً في التواصل والتعاون في مجالات الثقافة والتعليم والإعلام.

4. شهد الحوار والتعاون الجماعي بين الصين والدول العربية، تطوراً كبيراً حقق منتدى التعاون الصيني العربي تقدماً مستمراً، وأنشئت أكثر من عشر آليات للتعاون على التوالي، من بينها الاجتماع الوزاري، واجتماع كبار المسؤولين، ومؤتمر رجال الأعمال، وندوة العلاقات الصينية العربية، والحوار بين الحضارتين الصينية والعربية، ومنتدى التعاون الصيني العربي في مجال الإعلام… إلخ، ما دفع بقوة التعاون المشترك بين الصين والدول العربية في المجالات كافة، ولعب دور متزايد الأهمية في توجيه العلاقات الصينية العربية ودفع تطورها.

5. إن المساواة والثقة المتبادلة سياسيا والتعاون والفوز المشترك اقتصادياً، والتواصل والاستفادة المتبادلة ثقافياً أساس مهم، وتجارب رائدة للعلاقات الصينية العربية في عملية تطوير العلاقات مع الدول العربية، وظلت الصين حكومة وشعباً تحترم حق الدول العربية في اختيار طرق التنمية والإصلاح، التي تتناسب مع ظروفها الوطنية وبإرادتها المستقلة، وتلتزم بإجراء التعاون العملي والنزيه مع الدول العربية، على أساس المساواة والمصالح المتبادلة والانفتاح والشفافية، وتعمل على دفع الحوار الحضاري والتواصل الإنساني بين الجانبين بروح من الانسجام والتسامح.

خامساً: أبرز المصالح لدول الشرق الأوسط للتعاون مع جمهورية الصين الشعبية

تتعدد المصالح لدول الشرق الاوسط التي تسعى لتحقيقها على مختلف المستويات وفي مختلف المجالات، ولكن على صعيد توقع الدعم الصيني، فإن أبرز هذه المصالح يتمثل فيما يلي:

1. تشجيع التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يحقق استقراراً سياسيا، ويعالج نسبة كبيرة من مشكلات الفقر والبطالة في معظم البلاد العربية.

2. تطوير دور العرب في رسم مستقبل الشرق الأوسط وسياسات النظام الدولي، لبناء نظام دولي يتمتع بالنزاهة والعدالة، وأن يتحقق للعرب مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي.

3. دعم الموقف العربي والفلسطيني بالضغط على إسرائيل، للتجاوب مع الحقوق الفلسطينية والعربية، وخاصة تلك المتعلقة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ووقف عدوانه على الشعب الفلسطيني.

4. تطوير التعاون العربي/ الصيني في مجالات الأمن في الخليج، بما يحقق التوازن مع التواجد الأمريكي والأوروبي، ويحقق الأمن لدول الخليج، ويحافظ على حماية مصادر الطاقة فيه لحماية الحضارة الإنسانية والتطور الصناعي الدولي، وبما يحقق النماء والاستقلال في دول الخليج.

5. الاستفادة من تطور القوة الاقتصادية الصينية ونفوذها السياسي في تحجيم اتجاهات الهيمنة في السياسة الأمريكية المعاصرة، خاصة في سياسات النظام الدولي تجاه الشرق الأوسط.

6. المساعدة في تطوير الصناعة والتكنولوجيا في الوطن العربي، بما يحقق اقتصاداً صناعياً متنامياً، ويطور استخدامات التكنولوجيا فيها، ويوطن الصناعات التكنولوجية.

7. الاستفادة من تجربة الصين في تحقيق معدلات مرتفعة للتنمية الاقتصادية، ومعالجة مشكلتي الفقر والبطالة في الوطن العربي.

8. الاستفادة من القدرات والخبرات العسكرية الصينية في تطوير القدرات العسكرية العربية، التقليدية منها وغير التقليدية، لدعم اتجاه التوازن الإستراتيجي للعرب مع إسرائيل، وكذلك في مجال تكنولوجيا التصنيع العسكري.

سادساً: المصالح والأهداف الاقتصادية الصينية في منطقة الشرق الأوسط

1. النفط

يُعد الشرق الأوسط المصدر الأساس للنفط والغاز للصين ولمدة طويلة، إذا يزود الشرق الأوسط الصين بنحو 45 % من احتياجاتها النفطية في الوقت الراهن، ويقدر أنه في عام 2015، سيرتفع الاعتماد الصيني على نفط الشرق الأوسط إلى نسبة 70% من احتياجاتها الضرورية، وتُعد الصفقات الصينية الكبرى في مجالي النفط والغاز، مع كل من المملكة العربية السعودية وإيران وقطر، عنصراً أساسيا في التحركات الصينية في الاقليم.

2. الممرات

تأمين ممرات النفط الدولية، لا سيما القادمة من الشرق الأوسط، ويبدو هذا الاهتمام جلياً فيما أكده الكتاب الأبيض عن الطاقة، الصادر عام 2007، من أن حماية البيئة السياسية السليمة الأمنة والمستقرة، وحماية السلم العالمي والاستقرار الإقليمي، هما الشرطان المسبقان لتحقيق أمن الطاقة العالمية، وأنه على المجتمع الدولي أن يعمل على حماية استقرار الأوضاع في الدول المنتجة للطاقة، والدول المسؤولة عن نقل الطاقة، على وجه الخصوص الدول المنتجة للنفط في منطقة الشرق الأوسط، وضمان أمن وسلامة ممرات الطاقة الدولية.

3. الاستثمارات

اجتذاب الاستمارات المتبادلة مع بلدان الشرق الأوسط، لا سيما في ظل تنامى الفوائض المالية لدى الدول الشرق أوسطية المنتجة للنفط.

4. الاستفادة من الخبرة في مجال التكنولوجيا المتطورة

إلى جانب الاتصالات والزراعة ونظم الري الحديثة، والحصول على تقنيات عسكرية غربية متقدمة، في الوقت الذي تفرض فيه الولايات المتحدة الأمريكية والغرب حظر نقل الأسلحة للصين، التي تسعى إلى تحديث قواتها العسكرية.

5. على مستوى التعاون والتبادل والدعم

يمكن للدول العربية أن تقدم خدمة للصين في تحقيق العديد من مصالحها وأهدافها الاقتصادية، ومن أبرز ذلك:

أ. التعاون الاقتصادي على صعيد فتح الأسواق العربية، وتطبيق أنظمة الإعفاءات الجمركية المتبادلة مع الصين.

ب. استفادة الصين من النفط والغاز العربي (الطاقة)، دون المرور عبر معبر السياسة الأمريكية أو الغربية.

ج. دعم الصين قوة دولية اقتصادياً وسياسيا في منظومة النظام الدولي، خاصة في ظل النفوذ الهائل لتكتل الدول الصناعية الثمانية في التجارة والاقتصاد والسياسة الدولية، إذ للصين أي دور فيها.

سابعاً: التعاون الصيني الشرق أوسطي في المجال الاقتصادي

تسعى الصين بقوة لتأمين احتياجاتها من النفط والغاز من الدول العربية، في ظل نمو حجم الطلب على الطاقة، والذى يبلغ نحو 4% سنوياً، وهو الأمر الذى يجعل الصين أكثر اهتماماً بتطوير علاقاتها مع الدول العربية والشرق أوسطية، خاصة دول الخليج العربية، والسودان، وهى الدول المنتجة والمصدرة للطاقة، في حين تُعد الأسواق الخليجية مهمة للصين لارتفاع القوه الشرائية بها، حيث تُعد سوقاً استهلاكية ضخمة، في حين تُعد مصر وإيران وتركيا أسواقاً ضخمة من حيث عدد السكان، ولتعدد الأنشطة المتبادلة وكثرتها بين الصين ودول منطقة الشرق الأوسط. وفيما يلي نستعرض جزءاً من النشاط في المجال الاقتصادي:

1. أسست الشركة السعودية الوطنية للنفط “آرامكو السعودية”، واحدة من أكبر منتجي النفط والكيماويات في العالم، شركتها الفرعية “آرامكو آسيا” في بكين، لتقديم خدمات تسويق النفط الخام والمواد الكيماوية، وتنسيق المشروعات المشتركة والمشتريات، والبحوث والتطوير، وإدارة المشاريع. وتمتلك شركة آرامكو آسيا حالياً أسهماً في مشروعين مشتركين في الصين، هما شركة “فوجيان” للمصافي والبتروكيماويات، وشركة “سينوبك سنمي” المحدودة للنفط، وتُعد الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط الخام في العالم، بينما تُعد المملكة العربية السعودية أكبر مورد للصين، وتدير شركة آرامكو السعودية أكبر احتياطات مؤكدة من النفط الخام التقليدي، ويقدر بنحو 259.1 مليار برميل.

2. لتعزيز دور الصين في تنمية الزراعة، بدخول المزيد من الاستثمار الصيني الى مجال الزراعة في السودان الغنية بالموارد الزراعية، كانت الصين والسودان أسستا مركزاً نموذجيا للتعاون الزراعي الصيني ــ السوداني في الفاو بولاية القضارف السودانية، عام 2011، من أجل تحسين سلالات المحاصيل الزراعية وتربيتها وتعميمها في أنحاء البلاد، ودخل هذا المشروع فترة التعاون الأساس المستمرة لثلاث سنوات، مع إدخال العديد من السلالات الجديدة للقطن والقمح والذرة والفول ودوار الشمس.

3. أطلق بنك دبي التجاري خدمة مصرفية جديدة مصممة خصيصاً لتوفير متطلبات مجتمع الأعمال الصيني وأفراد الجالية الصينية في دولة الإمارات من الخدمات المالية، ليصبح بذلك أول مؤسسة مالية في الخليج العربي توفر مثل هذه المنصة الشاملة، أن تطوير خدمة “تيينلنك” المصرفية الجديدة يأتي تماشياً مع النمو الكبير في المبادلات التجارية بين الإمارات والصين، وتحول الإمارات إلى مركز إقليمي متنامي الأهمية للشركات الصينية، التي تستهدف منطقة جغرافية واسعة، تشمل منطقة الشرق الأوسط، وشبه القارة الهندية، والجمهوريات السابقة في دول الاتحاد السوفيتي (السابق)، والعديد من دول القارة الأفريقية، إذ تلبى خدمة “تيينلنك” متطلبات الشركات المملوكة للصينيين في دولة الإمارات، التي يقدر عددها بنحو خمسة آلاف شركة، وأفراد الجالية الصينية الذين يصل عددهم إلى نحو 300 ألف شخص.

4. أقامت الصين 16 منطقة للتعاون الاقتصادي والتجاري على المستوى الوطني خارج البلاد، في الشرق الأوسط وأفريقيا ومناطق أخرى، وتعد منطقة شمال غرب السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط، إذ استوعبت المنطقة 38 مؤسسة، حتى نهاية عام 2011، وبدأت تظهر منافعها الاجتماعية والاقتصادية بعد أكثر من ثلاث سنوات. وحتى نهاية عام 2011، وصل حجم الاستثمارات التراكمية في المنطقة إلى 49.405 مليون دولار أمريكي، حيث أظهرت الأرقام الإحصائية لشركة “تيدا” للاستثمارات الصينية والأفريقية، والمسؤولة عن تنمية منطقة شمال غرب خليج السويس، أن حجم الاستثمارات في المنطقة بلغ 72% من إجمالي الاستثمارات الصينية في مصر، عام 2011، وساهمت منطقة شمال غرب السويس في النمو الاقتصادي، سواء للصين أو لمصر، والحد من الفائض التجاري بين الصين وأفريقيا.

أبرز التحديات التي تواجه تعميق التعاون الصيني الشرق أوسطي

1. عدم وجود سياسة خارجية محددة أو رؤية إستراتيجية للدول الشرق أوسطية، مع اعتماد سياستها الخارجية على ردود الأفعال، واقتصارها على قرارات شخصية لا تراعى المصالح العامة للدولة.

2. ضعف التعاون الثقافي الإعلامي، والذي لا يرقى بتاتاً إلى مستوى العلاقات والمصالح الاقتصادية بين الطرفين والعلاقات التاريخية القديمة.

3. قلة عدد الباحثين بالشأن الصيني في دول الشرق الأوسط، نسبة إلى المختصين في الشأن الأمريكي والأوروبي، بالإضافة إلى قلة انتشار معاهد تعليم اللغات الصينية لدول الشرق الأوسط.

4. تردد الصين في إنشاء علاقات إستراتيجية على شكل تحالفات، خوفاً من أن يحدث تحركها رد فعل سلبي لدى الولايات المتحدة الأمريكية، فتدخل معها في دائرة صراع قبل أن تتهيأ لهذا الوضع.

ثامناً: المصالح والأهداف الأمنية والعسكرية الصينية في منطقة الشرق الأوسط

لطالما كانت الصين متحفظة من الناحية العسكرية، فكان الاهتمام الصيني ينصب بداية على الوضع الداخلي الاقتصادي والسياسي، لكن بعد أن بلغ الاقتصاد الصيني مرحلة متقدمة وضعته في مصاف الدول الكبرى، من حيث أرقام الدخل والادخار والاحتياطات الأجنبية من العملة الصعبة والتجارة الدولية، فلا بد أن تواكب القوة العسكرية الصينية الوضع الاقتصادي الذي يحتاج إلى تدعيم عسكري. فعلى الرغم من أولوية الأداة الدبلوماسية في تحقيق الأهداف والمصالح القومية للصين، إلا أنه أصبح هناك قناعة جازمة لدى قادة الصين بأن الأداة العسكرية أصبحت آلية محورية في لعب دور رئيس في دعم الأهداف والمصالح القومية للصين وتأكيدها.

رغم أن الصين تُعد إحدى القوى العالمية الواعدة والمؤثرة على الساحة الدولية إلى حد كبير، إلا أنها لم تصل بعد لنقطة التكامل في قدراتها الشاملة، خاصة من منظور قدرتها التكنولوجية والعسكرية رغم الجهود الكبيرة المبذولة لتطويرهما، ففطنت الصين إلى صغر حجم مشاركتها في سوق السلاح الدولية، وتمشياً مع سياسة الانفتاح وتطوير الفكر الاقتصادي الصيني، فقد واكبه تطور مماثل في الصناعات العسكرية الصينية حتى يمكنها أن تحصل على نصيبها من سوق السلاح العالمي، أدى ذلك إلى الانفتاح للحصول على التقنيات الحرجة والحديثة، من منطلق السعي لتحديث صناعاتها العسكرية، من خلال التعاون على عدة مسارات، مسار التصنيع المشترك، ومسار الحصول على تقنيات التسلح الحديثة من الشرق والغرب، خاصة روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وذلك من أجل نقل التقنيات المتقدمة، ثم توطينها وصولاً إلى تقنية صينية.

أكد نائب مدير مكتب الشؤون الخارجية لوزارة الدفاع الصينية، الجنرال “تشيان لي هوا”، قائلاً: “مازالت بلادنا تواجه تحديات خارجية معقدة في الوقت الحالي والمستقبل، على حد سواء، فعلينا تعزيز علاقاتنا العسكرية مع الخارج للارتقاء بمستوى التعاون العسكري، وتوسيع مجالات التعاون العسكري الدولي، ومواصلة الإصلاحات في بعض المجالات لتحفيز حيوية الدبلوماسية العسكرية، وإطلاق الدبلوماسية العسكرية ذات الخصائص الصينية، واستخدام ذلك لحماية سيادة الدولة وأمن الوطن والحفاظ على مصالحه”.

بناءً على ذلك تكمن المصالح والأهداف الصينية في منطقة الشرق الأوسط في المجال الأمني والعسكري، في التعاون مع دول المنطقة بحاجتها إلى التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، وتطوير وتنمية التعاون العسكري العربي الصيني، ودعم التصنيع الحربي والتصنيع المشترك للأسلحة وقطع الغيار، للاستفادة من السوق العربية لتصريف منتجاتها، في إطار العلاقات المتبادلة.

1. التعاون الأمني والعسكري الصيني مع المملكة العربية السعودية

بدأت العلاقات الصينية ــ السعودية، في منتصف وأواخر الثمانينيات، عبر صفقات عسكرية وتجارية، تضمنت تزويد المملكة العربية السعودية بصواريخ بالستية متوسطة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية، ويبلغ مداها ثلاثة آلاف كم، وهي قادرة نظرياً على الوصول إلى معظم مناطق الشرق الأوسط، وبناء عدة منصات صواريخ في جنوب الرياض.

في عام 1991، ساعدت الصين المملكة العربية السعودية على تطوير رؤوس حربية كيماوية. وفي عام 1992، ورد العديد من التقارير الأمريكية عن قيام الصين بمساعدة المملكة على تطوير قدراتها النووية. وتُعد المملكة العربية السعودية من أكثر بلدان العالم شراء للأسلحة، وهي الأولى بالتأكيد في منطقة الشرق الأوسط.

التعاون الإستراتيجي السعودي الصيني، الذي ينص على أن تقوم المملكة العربية السعودية بزيادة حجم صادرات النفط للصين، لكي تقوم الصين ببناء مخزون إستراتيجى. هذا دور المملكة العربية السعودية، أما دور الصين أن تقوم ببيع ونقل التكنولوجيا العسكرية للمملكة العربية السعودية، لكي تبنى صناعة عسكرية خاصة استناداً على التكنولوجيا الصينية، وتهدف الصين من تشكيل هذا الحلف لتأييد سياساتها بخصوص استعادة المناطق الصينية المقتطعة منها، وخاصة جزيرة “تايوان”، بالإضافة إلى محاولة تشكيل تكتل جديد في مواجهة تكتل حلف شمال الأطلسي.

2. التعاون الأمني والعسكري الصيني مع دولة السودان

دعمت الصين الحكومة السودانية، التي لجأت إليها طلباً للسلاح، وقدمت بكين للحكومة السودانية أسلحة مصنعة في الصين، في مقدمتها الدبابات والقاذفات، والأسلحة المضادة للطائرات، والطائرات العمودية، والمدافع الرشاشة، وراجمات الصواريخ، والذخائر. كما ساعدت الخرطوم على إنشاء مصانع للأسلحة الصغيرة المعروفة باسم مصانع التصنيع العسكري، لتواجه بها الحاجة الى السلاح، بعد فرض حصار اقتصادي على السودان يحظر عليه بموجبه استيراد الأسلحة من الدول الغربية.

ترسم الصين أهدافها الاستثمارية الثنائية على المستوى الاقتصادي والسياسي والعلاقات البينية التي تقيمها مع الدول الأفريقية، وفق خبراء مختصين في الشأن الصيني، على مرسوم صيني رسمي، صدر عام 2006، يحمل عنوان “السياسة الصينية تجاه أفريقيا”، ويحدد هذه المرسوم أهداف الصين في خلق شراكة إستراتيجية جديدة مع دول القارة، وتشترط هذه السياسة أن ترسى العلاقات الرسمية الصينية مع دول القارة على التزامٍ وتعهدٍ بمبدأ الصين الواحدة في التعاون مع جمهورية الصين الشعبية، أي عدم الاعتراف بتايوان، بجعل ذلك المبدأ هو حجر الأساس الذى تقوم عليه تلك العلاقات الثنائية. والملاحظ أنه مع زيادة الاستثمارات الصينية في صناعة النفط بالسودان، يزداد التعاون العسكري بين الدولتين.

3. التعاون الأمني والعسكري الصيني مع بعض الدول العربية

أ. منذ عام 2005، زار وزراء الدفاع ورؤساء أركان الحرب العامة ورؤساء هيئات الأركان المشتركة من مصر وسلطنة عمان وتونس وغيرها، الصين، وفي المقابل رد قادة الجيش الصيني بزيارات مماثلة إلى الدول العربية، ممثلة بالكويت والمملكة العربية السعودية وقطر وغيرها. كما أقام الجيش الصيني آلية لتبادل زيارات كبار الضباط مع سورية ومصر والأردن ولبنان، وذكر “تشيان” نائب رئيس اللجنة العسكرية التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي، أن التبادل العسكري رفيع المستوى يعزز العلاقات بين الصين والدول العربية، ويرسى أساساً للتبادل والتعاون العسكري بين الطرفين، كما يسهم في دفع التطورات متعددة المستويات والمجالات للعلاقات العسكرية الثنائية.

ب. بفضل دفع التبادل رفيع المستوى يلتحق كثير من الطلبة العرب الوافدين بجامعة الدفاع الوطني لجيش التحرير الشعبي الصيني وغيرها من الجامعات العسكرية والمعاهد الفنية، لإعداد الأكفاء المتخصصين للدول العربية، فضلاً عن ذلك، أجرت بعثات الجامعات العسكرية العربية من عمان والإمارات والمملكة العربية السعودية وسورية والأردن ومصر، نشاطات تعليمية متبادلة في جامعة الدفاع الوطني الصينية، وجامعة الهندسة لجيش التحرير الشعبي الصيني وغيرهما.

ج. في عامي 2009 و2010، أقام الجيش الصيني مع الجيشين المصري والإماراتي آلية للتشاور حول أمور الدفاع والأمن، يتبادل الجانبان بموجبها الآراء بصورة دورية حول الوضع الأمني الإقليمي والدولي، والعلاقات العسكرية الثنائية، وغيرها من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

د. يتمتع التبادل العسكري بين الصين والدول العربية بدرجة من التكامل كبيرة تخدم مصالح شعوب الجانبين، ويشير تاريخ هذه العلاقات العسكرية إلى أن الجيوش بمختلف توجهاتها ونظم مجتمعاتها وجنسياتها يمكنها أن تعزز التعاون والتضامن، على أساس المساواة والمصالح المتبادلة، وتسهم في المحافظة على السلام والاستقرار الدائمين في العالم.

4. التعاون الأمني والعسكري الصيني مع إسرائيل

شهد عام 1980، أول صفقة علنية بينهما، ليصبح المجال العسكري هو القاعدة الصلبة التي تنمو من خلاله باقي المجالات. في هذا الإطار بدأ تطور ونمو العلاقات بين البلدين، بدءاً من هذا العام. ففي نوفمبر 1980، زار وفد إسرائيلي الصين لدراسة بيعها تقنيات متقدمة.

في عام 1983، شاركت عناصر عسكرية إسرائيلية في تحديث بعض قطاعات الجيش الصيني، واكب ذلك عقد الصين صفقة عسكرية مع إسرائيل قيمتها مليار دولار، حصلت بموجبها على 54 طائرة من نوع كافير، وعلى عدد من الدبابات الميركافا، وصواريخ جبرائيل، ومعدات إلكترونية مختلفة، بالإضافة للخبراء العسكريين الإسرائيليين.

في عام 1984. أُعلن أن عقوداً عسكرية أخرى تزيد قيمتها على ثلاثة مليارات دولار عُقدت بين البلدين.

في عام 1985، عقدت صفقة أخرى بين البلدين، غيرت إسرائيل بموجبها عدداً من مواسير الدبابات الصينية B-62، لتعمل بالمدفع 105 مم الإسرائيلي.

في عام 1986، أنتجت الصين الصاروخ المضاد للدبابات SL-8 بفضل التقنية الإسرائيلية. وفي العام نفسه طورت إسرائيل المقاتلة الصينية F-8، كما جرى الاتفاق بينهما على تحديث الدبابة الصينية T-59 بالاستفادة من تقنية الدبابة ميركافا، وكذلك عملت إسرائيل بمساعدة الصين على تطوير وبناء غواصة تقليدية من نوع Song.

استمرت العلاقات في التطور التدريجي إلى أن شهدت طفرة كبيرة، خلال الخمس السنوات الماضية، تركزت في تطوير تصنيع التقنية للطائرات المقاتلة والغواصات ونقلها بخبرة إسرائيلية، والتعاون في مجال تصنيع الصواريخ البالستية من حيث المدى وأنواع الوقود وإمكانات التتبع، ونقل الخبرة الإسرائيلية، والمعاونة في تطوير منظومات التسليح ذات التقنية المتقدمة، خاصة بالنسبة لاستخدامات الليزر والذخائر الذكية.

أثمر ذلك عن عدد من مشروعات التعاون العسكري الرئيسة، كالتعاون المشترك عام 1997، لتصنيع طائرة مقاتلة صينية F-10 بالاستفادة من تقنية الطائرة لافي، وتعاون مشترك عام 1998، لإنتاج طائرة مماثلة للطائرة الروسية MiG-29 والطائرة FC-1، بعد إدخال تعديلات إسرائيلية عليها. كما عملت إسرائيل، عام 1999، على تجهيز طائرة روسية اليوشن IL-76 لتحويلها إلى طائرة إنذار مبكر (بقيمة 250 مليون دولار)، وكذلك التعاون في تطوير نظام رادار فالكون.

5. التعاون الأمني والعسكري الصيني مع إيران

بدأت العلاقات العسكرية بين البلدين بعد أن توجهت إيران إلى الصين، بهدف تعظيم قدراتها العسكرية، بعد تعرضها لخسائر كبيرة وجسيمة خلال حربها مع العراق، في ظل حظر قطع الغيار، نتيجة اقتصار معظم التجهيزات الإيرانية على النوع الأمريكي. فاستجابت الصين لهذا التوجه وعملت على مساعدة إيران.

جاءت الصين في المركز الثاني بعد روسيا في توريد السلاح إلى إيران، طوال الفترة من عام 1995 إلى عام 2005، إذ وردت الصين 18% من احتياجات إيران العسكرية، كما قدمت خبرات عملية نادرة لمصانع السلاح الإيرانية.

استمرت الصين في تزويد إيران بالمساعدات اللازمة في مجال تكنولوجيا الصواريخ، كما زودتها بالمعدات اللازمة لتطوير مصانع الأسلحة والذخيرة الإيرانية، فضلاً عن المساعدات ونقل الخبرات في المجال النووي.

تاسعاً: المصالح والأهداف الاجتماعية الصينية في منطقة الشرق الأوسط

تمثل الصداقة بين الشعوب إحدى حقائق السياسة الدولية، رغم أنها لا تعد من الحقائق المادية الملموسة التي تقاس من خلالها قوة الدولة، ولكن بالنسبة للعلاقات الصينية الشرق أوسطية، فإن الصداقة تُعد أحد أعمدة الحركة للصين، وهي أحد مصادر القوة لدول الشرق الأوسط، إذ أثبت التاريخ هذه الحقائق.

بدأت جمعية الصداقة الصينية العربية، في ديسمبر 2001، تحت رئاسة “تيمور دمواتى، وهو من إحدى قوميات الصين الإسلامية، وكان يشغل منصب نائب رئيس المجلس الوطني لنواب الشعب، وكان الهدف وراء ذلك هو الدفاع عن الوجه العربي في الشارع الصيني، بعد أن تأثر عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، وهدفها اظهار وجه آخر للعالم العربي في الصين، وربط هاتين الثقافتين العريقتين ببعضهما، كما كانتا مترابطتين تاريخياً، خصوصاً مع الإمبراطورية العربية.

تحرص الجمعية على زيادة التبادل التجاري، والثقافي، والاستثماري بين المنطقتين العربية والصينية، كما تأمل في أن تصبح هناك مواءمة بين المدن العربية والصينية، وتم الإعلان عن تدشين الجمعية في العاصمة الصينية بكين بحضور وفد من المسؤولين والسفراء العرب والصينيين، وممثلين من دول إسلامية عديدة، وإرسال وفد من الصينيين والعرب ليجوبوا الصين، ثم المرور بآسيا الوسطى، ومن ثم إلى المناطق العربية كلها.

1. التعاون الصيني في المجال الاجتماعي والثقافي والإعلامي

أ. التعاون الصيني في المجال الثقافي والحوار الحضاري

(1) الاتفاق على مواصلة الجهود الصينية العربية لتطوير التعاون والتواصل الثقافي وتعزيزه على المستوى الثنائي ومتعدد الأطراف.

(2) إقامة الفعاليات الثقافية مثل المعارض والعروض الفنية والأيام والأسابيع الثقافية، بحسبان أنها تسهم في تدعيم التعارف والصداقة بين الشعبين الصيني العربي.

(3) وضع خطة عمل لاستخدام وسائل التقنية والمعلومات الحديثة في تحويل الثقافة التقليدية إلى ثقافة إلكترونية، وتأسيس مكتبة إلكترونية صينية عربية على شبكة الإنترنت، لتقديم معلومات في شتى المجالات عن الجانبين.

(4) وضع برنامج لترجمة أهم المصنفات لدى الجانبين من مختلف جوانب المعرفة، من وإلى اللغتين الصينية والعربية.

(5) إقامة تعاون مشترك بين المؤسسات والهيئات الثقافية من الجانبين (اتحاد الكتاب والمؤلفين والناشرين والمكتبات الثقافية)، ووضع برنامج لتبادل الزيارات، والتعاون في مجال الآثار تنقيباً وبحثاً وتنسيقاً.

ب. التعاون في المجال الإعلامي

(1) التعاون بين الجانبين في مجال الإعلام والنشر وتعزيز التواصل، من خلال تبادل الزيارات المشاركة في الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتقديم التسهيلات للصحفيين المعتمدين بين الجانبين.

(2) عقد ندوة التعاون الإعلامي الصيني العربي، لتوثيق أواصر التفاعل بين الجانبين.

(3) تشجيع تبادل المواد والبرامج الإعلامية المسموعة والمرئية والمكتوبة بانتظام.

(4) التعاون بين المؤسسات الإعلامية الصينية والعربية، والعمل على تعزيز التعاون في المجالات التقنية والمهنية واللغوية بين محطات الإذاعة والتلفزيون في الجانبين.

ج. التعاون في مجال التعليم العالي والبحث العلمي

(1) تبادل المعلومات بين الجامعات العربية ومؤسسات البحث العلمي العربي والجامعات الصينية، فيما يخص:

(أ) الأبحاث الجارية فيها ووسائل تطبيق نتائجها في مختلف الميادين.

(ب) الكتب والدوريات الصادرة عن هذه الجامعات.

(2) الزيارات العلمية لأساتذة الجامعات ولطلبة الدراسات العليا بين الجانبين.

(3) التعاون في مجال البحوث العلمية بين الجامعات ومراكز البحث العلمي العربية والجامعات الصينية.

(4) التعاون في مجال إعداد الكوادر وتبادل الأساتذة والطلاب بين الجانبين.

(5) زيادة عدد المنح الدراسية التي يمنحها كلا الجانبين لاستضافة خبراء الجانب الآخر وباحثيه، ولا سيما لطلبة الدراسات العليا في الجامعات والمعاهد العليا، ومراكز البحث العلمي في كل منهما.

(6) دعم التعاون الثنائي والتبادل العلمي والتعليمي بين الجهات الرسمية والجامعات الصينية والدول العربية في إطار منتدى التعاون العربي الصيني.

المبحث الخامس رؤية لدور جمهورية الصين الإقليمي والدولي

تهدف السياسة الخارجية الصينية إلى صيانة السلام العالمي وتعزيز التنمية المشتركة، وتدعو الصين إلى بناء عالم متناغم يسوده السلام الدائم والرخاء المشترك، وتعمل مع الدول الأخرى على تحقيق ذلك بوصفه هدفاً طويل المدى ومهمة ملحة في آن واحد. ومن أجل بناء عالم متناغم، يجب أن نبذل جهودا على الأصعدة التالية:

1. سياسيا

يجب على دول العالم معاملة بعضها بعضاً على أساس الاحترام المتبادل والتشاور المتكافئ، وأن تعمل معاً على تعزيز الديمقراطية في العلاقات الدولية، وأن جميع دول العالم، سواء أكانت كبيرة أم صغيرة، قوية أم ضعيفة، غنية أم فقيرة، أعضاء متساوون في المجتمع الدولي وتستحق منه الاحترام. ويجب على جميع الدول دعم الدور المركزي للأمم المتحدة في الشؤون الدولية، والتمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة ومقاصده، والالتزام بالقانون الدولي والقواعد المعترف بها في العلاقات الدولية، وترسيخ روح الديمقراطية والتعاون المشترك في العلاقات الدولية. ويجب ترك شعوب العالم تقرر شؤون بلدانها، في حين يجب معالجة الشؤون الدولية من خلال التشاور المتكافئ بين جميع دول العالم، ويجب حماية حق الدول واحترامها في المشاركة في الشؤون الدولية على قدم المساواة.

2. اقتصادياً

يجب على دول العالم أن تعمل على تعزيز التعاون وتحقيق التكامل لمزاياها النسبية، ودفع العولمة الاقتصادية في اتجاه التنمية المتوازنة والمنافع المتبادلة والفوز المشترك. كما يجب على جميع الدول العمل على إقامة نظام تجاري متعدد الأطراف منفتح وعادل ومنصف وغير تمييزي، لكي تستفيد جميع الدول من العولمة الاقتصادية. فيجب أن تبذل جميع الدول جهودا متضافرة من أجل تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية للأمم المتحدة، وتمكين جميع الناس من الاستفادة من فوائد التنمية في القرن الحادي والعشرين.

3. ثقافياً

يجب على دول العالم أن تحقق الاستفادة المتبادلة وتسعى إلى رؤى مشتركة مع ترك الخلافات جانباً، وتحترم تنوع العالم، وتعمل سوياً على تحقيق الازدهار والتقدم للحضارة البشرية. وذلك بترسيخ لغة الحوار والتواصل بين مختلف حضارات العالم لإزالة التعصب الأيديولوجي وعدم الثقة، بما يجعل المجتمع البشري أكثر تناغما والعالم أكثر تنوعاً.

4. أمنياً

يجب على دول العالم أن يثق بعضها ببعض، وتُعزز التعاون فيما بينها، وتتمسك بحل النزاعات الدولية عبر طرق سلمية بدلاً من الحروب، وتعمل معاً على حماية السلام والاستقرار في العالم؛ كما يجب اعتماد أسلوب التشاور والحوار لتعزيز الثقة المتبادلة، وتقليل الخلافات وتسوية النزاعات، بدلاً من استخدام القوة أو التهديد باستخدامها.

5. في مجال حماية البيئة

يجب على دول العالم مساعدة بعضها بعضاً والتنسيق والتعاون، من أجل حماية كوكب الأرض. في هذا الصدد، يجب التشجيع على ابتكار نمط جديد للتنمية، واتباع طريق التنمية المستدامة، وتعزيز الانسجام بين الإنسان والطبيعة. ويجب على دول العالم الالتزام بمبدأ المسؤولية المشتركة، وتعزيز التعاون الدولي في مجال حماية البيئة، ومواجهة التغير المناخي.

أولاً: دور جمهورية الصين إقليمياً

1. الدور الاقتصادي للصين إقليمياً

تتبع الصين إستراتيجية حذرة، سماها بعض الدارسين الإستراتيجية المحسوبة، أي أنها إستراتيجية تهدف إلى حماية الصين من التهديدات الخارجية، في الوقت الذي تواصل فيه صعودها الاقتصادي والحصول على عناصر القوة.

وفي هذا الإطار سعت الصين إلى تجنب الاصطدام المباشر بالقوة الإقليمية، أو على الأقل وضع سقف لهذا الاصطدام، بما في ذلك أي صدام محتمل مع تايوان. وفي الوقت ذاته سعت إلى بناء علاقات إستراتيجية مع دول جنوب شرق آسيا، من خلال دخول التجمع الاقتصادي لشرقي آسيا، الذي يضم دول الآسيان بالإضافة إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية.

2. العلاقات الاقتصادية بين الصين والآسيان

بلغ حجم التجارة 136.5 مليار دولار، في النصف الأول لعام 2010، بزيادة 55% عن عام 2009، ما أنقذ الاقتصادات الآسيانية من أعباء الركود الذي يمر به الاقتصاد الأمريكي والأوروبي، وازدادت واردات الصين من الآسيان بنسبة 64%، عام 2010، كما ازدادت صادراتها إلى الآسيان بنسبة 45%.

لجأت دول الآسيان، في محاولة لموازنة تصاعد النفوذ الصيني، إلى دعوة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا إلى قمة شرق آسيا، في العاصمة الفيتنامية، في أكتوبر 2010، حيث دعت وزيرة الخارجية الأمريكية لتسوية نزاعات بحر الصين الجنوبي، وكفالة حرية المرور فيه. بينما نشط الآسيان في تفعيل صيغة “الآسيان +3″، لتدخل معها إلى جانب الصين كوريا الجنوبية واليابان، بما يوجد توازناً في علاقتها الاقتصادية الخارجية.

لجأت الصين إلى تهدئة مخاوف الآسيان من خلال زيادة تعاونها معها عبر التجارة الحرة والمناطق الاقتصادية الخاصة، عبر الحدود وعبر بحر الصين الجنوبي وبين دول نهر الميكونج.

في عام 2010، أصبحت سبعة آلاف سلعة يجري تداولها بين الصين ودول الآسيان (المرحلة الأولى) بدون جمارك، لتنشأ بذلك أكبر منطقة تجارة حرة في العالم النامي، تضم 1,9 مليار نسمة، بناتج محلى إجمالي قدره ستة تريليونات دولار.

تتخوف دول الآسيان من تهديد الصادرات الصينية لبعض قطاعاتها الاقتصادية، ولكن من المنتظر أن تتم إعادة تخصيص الموارد في اتجاه القطاعات الأكثر تنافسية في كل من هذه الدول، وأثبتت الصين تاريخياً مساندتها لدول الآسيان، خاصة أثناء الأزمة المالية الأسيوية، عام 1997.

3. منظمة شنغهاي للتعاون الدولي

أنشئت منظمة شنغهاي للتعاون في ختام سلسلة من المجهودات التي بذلتها روسيا والصين، للتعامل مع ما سمى القضايا الأمنية الجديدة، وسعيهم إلى بناء نظام عالمي متعدد القطبية. وبناءً على مبادرة صينية اجتمع قادة الصين وروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، في شنغهاي، في أبريل 1996، حيث جرى توقيع اتفاقية إنشاء مجموعة شنغهاي من الدول الخمس.

حددت الاتفاقية أن الدول الأعضاء تتعهد بإقامة منطقة منزوعة السلاح على طول الحدود بين الصين وباقي الدول الأعضاء، وعدم مهاجمتها بعضها بعضاً، أو إجراء مناورات عسكرية تستهدف الدول الأخرى، مع إبلاغها بتلك المناورات مسبقاً، كما اتفق على عقد اجتماع دوري بين الدول الأعضاء.

في القمة الرابعة، التي عُقدت في بيكشيك عاصمة قيرغيزستان، اتفق على توسيع نطاق الاهتمامات لتشمل قضايا مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، والحركات الانفصالية غير الشرعية، وتجارة المخدرات والسلاح، وغيرها. كما أبرم الاتفاق على إبعاد القوات المسلحة لكل دولة إلى مسافة 300 كم من حدودها مع الدول الأخرى.

في القمة التي عُقدت في شنغهاي، في يونيه 2001، وُقِّع إعلان إنشاء منظمة شنغهاي للتعاون، بدلاً من المسمى السابق، وانضمت أوزباكستان إلى المنظمة في هذا الاجتماع، ووضح من سير المناقشات اتجاه المنظمة إلى التعامل مع القضايا الأمنية الجديدة، مثل الإرهاب والتطرف الديني، والحركات الانفصالية، والاتفاق على مفهوم جديد، هو أن أمن آسيا الوسطى يشكل جوهر أمن أورآسيا كلها.

في القمة المنعقدة في سان بطرسبرج في روسيا، في يونيه 2002، وُقِّع ميثاق المنظمة، وإنشاء مركز إقليمي لمكافحة الإرهاب، وإنشاء أمانة عامة في بكين. وتعقد المنظمة مؤتمر قمة سنوياً بالتناوب بين الدول الأعضاء، ومؤتمر وزراء خارجية يسبق القمة، بالإضافة إلى مجلس للتنسيق القومي بين أنشطة الوزارات المختلفة في الدول الأعضاء، والمركز الإقليمي لمكافحة الإرهاب، ومقره في بيشكيك.

في أكتوبر 2007، وقعت منظمة شنغهاي للتعاون معاهدة للأمن الجماعي، في مدينة دوشنيه، تقضى بتوسيع نطاق التعاون في مجال الأمن والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات.

ثانياً: الدور السياسي والأمني للصين إقليمياً

سعت الصين إلى حل المشكلات الإقليمية مع الهند، دون التنازل عن الأراضي الهندية التي تحت سيطرتها، وتمثل ذلك في عقد صفقة إقليمية مع الهند، تعترف بها الصين بضم الهند لإقليم سيكيم، مقابل اعتراف الهند بأن التبت جزء من الصين. كذلك سعت الصين إلى بناء ترتيبات إقليمية أسيوية لمقاومة الحركات الإسلامية، والتي تسمى حركات الإرهاب الإسلامي في الأدبيات الصينية، ومن ذلك، المشاركة الفعالة في إنشاء مؤتمر إجراءات التفاعل وبناء الثقة في آسيا، عام 2002، مع 18 دولة أسيوية أخرى ومنظمة شنغهاي للتعاون، بالتعاون مع روسيا ودول آسيا الوسطى الخمس، عدا تركمانستان بوصف ذلك تجمعاً مضاداً للإرهاب.

حرصت الصين وروسيا على الاحتفاظ بكل البدائل مفتوحة، ما يؤدى بنا إلى القول إن تحالفات ما بعد الحرب الباردة في أورآسيا هي تحالفات في طور التكوين، تجسدت الظواهر التي أشرنا إليها، عام 2010، في التحرك الغربي في اليمن، بدعوى أن الحركات المساه بالإرهابية تتخذ من هذه الدولة ملاذاً، وهو التحرك الذي وصفه السفير الهندي السابق “بادرا كومار” بأنه يستهدف الصين وليس تنظيم القاعدة.

تمثل هذا التحرك في عقد مؤتمر دولي حول اليمن في بريطانيا، ويمكن القول أن التحرك الغربي تجاه اليمن هو جزء من الصراع، وبالتحديد في مجال التنافس العالمي للسيطرة على المحيط الهندي، واتجاه القوى الأسيوية الناشئة إلى التحول نحو امتلاك القوى البحرية التي تمكنها من تحقيق تلك السيطرة.

يدور التنافس الصامت بين الولايات المتحدة الأمريكية، مدعومة من الهند واليابان، من ناحية وبين الصين، مدعومة من باكستان وميانمار من ناحية أخرى. وفي هذا السياق نفهم اهتمام الهند والصين وباكستان بتطوير قواتها البحرية، حيث اتسع نطاق عمل الأسطولين الهندي والصيني ليشمل المحيط الهندي بأكمله، ويشبه هذا التنافس المباراة الكبرى بين روسيا وبريطانيا للسيطرة على آسيا الوسطى وأفغانستان، في القرن التاسع عشر، والمباراة الكبرى الجديدة، في العقد الأخير من القرن العشرين، بين إيران وتركيا للسيطرة على المنطقة ذاتها.

الجديد في الصراع الراهن أنه صراع بحري أكثر منه صراعاً برياً، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية والصين هما أهم أعمدة هذا الصراع. فجاء إعلان الصين، في ديسمبر 2009، عزمها إقامة قاعدة بحرية في خليج عدن لحماية سفنها من القرصنة الصومالية، ليشكل جرس إنذار للقوى الغربية، وكانت الصين أرسلت عدة مدمرات حربية إلى الخليج في أكبر وجود بحري صيني في المنطقة. أتى الإعلان في سياق جهد صيني لتطوير القوى البحرية الصينية، بما يمكنها لأول مرة في تاريخها من نشر أسطولها في المحيطات البعيدة، بما يمكن معه حماية خطوط نقل النفط المستورد من أفريقيا ومنطقة الخليج العربي.

لعل أهم تلك المحيطات التي يعبرها النفط الذي تستورده الصين، هو المحيط الهندي، حيث ينقل النفط من منطقة الخليج العربي وأفريقيا إلى الصين، وهو النفط الذي يُعد عماد الصعود الصيني، بعد أن تحولت الصين، عام 1993، لأول مرة لدولة مستوردة للنفط.

كان إعلان الصين عزمها إقامة قاعدة عسكرية في خليج عدن، على الأرجح في ميناء عدن، بمنزلة إنذار مبكر أن الصين تسعى إلى إكمال سلسلة نقاط الارتكاز البحرية لها في المحيط الهندي، امتدادا من سواحل ميانمار إلى خليج عدن على طول سواحل المحيط الهندي، إذ أقامت الصين نقاط ارتكاز لأسطولها في المحيط الهندي في ميانمار وسريلانكا وباكستان.

هذه النقاط ليست قواعد عسكرية دائمة، ولكنها توفر للأساطيل الصينية تسهيلات بحرية، من خلال المنشآت البحرية التي أنشأتها الصين في تلك البلاد. ولهذا جاء الإعلان الأنجلو ــ أمريكي تجاه اليمن لقطع الطريق أمام التحرك الصيني، وإحكام السيطرة الغربية على الممرات البحرية لنقل النفط، بحيث يسهل قطعها في حالة حدوث تصادم بين القوى الغربية والصين.

استكمالا لهذا المخطط، عملت الهند على مد نطاق عمل أسطولها إلى مضيق ملقا، حيث يضطلع الأسطول الهندي بحماية السفن اليابانية العابرة للمضيق من القرصنة. كما أنها مدت نطاق عمل أسطولها إلى الخليج العربي.

كما سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى حرمان الصين من نقاط ارتكازها في المحيط الهندي، من طريق فتح باب الحوار مع المجموعة العسكرية الحاكمة في ميانمار، وتخيير باكستان بين الصين أو الولايات المتحدة الأمريكية. ومساعدة حكومة سريلانكا على تصفية حركة التمرد التاميلية.

في هذا السياق، نفهم التعاون النووي الهندي ــ الأمريكي لجعل الهند قوة نووية أمام القوة الصينية، ونفهم التعاون الهندي ــ الأمريكي لهزيمة حركة طالبان في أفغانستان، ونفهم زيارة “مانموهان سينج” رئيس الوزراء الهندي، للولايات المتحدة الأمريكية، في نوفمبر 2009، وزيارة “روبرت جيتس” وزير الدفاع الأمريكي للهند، في يناير 2010، إذ بدا أن جيتس يتحدث باسم الهند، في تهديد باكستان أن الهند قد لا تطيق صبراً على هجوم “إرهابي” جديد عليها من باكستان، بقوله “لا يمكن ضمان رد فعل محسوب من قِبل الهند إذا ما تعرضت لهجوم جديد”. كما نفهم الإعلان الأمريكي بتزويد تايوان بصفقة أسلحة حجمها ستة مليارات دولار، وهي صفقة مُتفق عليها منذ فترة، لكن الإعلان عنها مرة أخرى كان رسالة للصين فهمت دلالتها. وأخيراً نفهم في هذا السياق التحول الدرامي في سياسة حكومة “هاتوياما” اليابانية السابقة، نحو التراجع عن تعهداتها السابقة بإتباع سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة الأمريكية، في 19 يناير 2010.

أضاف السفير الهندي السابق “كومار”، أن إسرائيل ليست بعيدة عن هذه التحالفات، مشيراً إلى تفاهم أمريكي ــ هندي ــ إسرائيلي في المحيط الهندي، كما أضاف أن إسرائيل تعمل الآن في اليمن بالفعل في إطار هذا التنافس، وهي كلها حلقات متكاملة يؤدي كل طرف فيها دوره الذي يكمل دور الآخر، بيد أن إسرائيل حريصة على عدم الإفصاح عن دورها، حتى لا تغضب الصين بعد أن نجحت في تحقيق اختراقات مهمة في تلك الدولة.

من ناحيتها احتفظت الصين ببدائلها مفتوحة، رغم ارتباطها بمنظمة شنغهاي للتعاون، فإنها حرصت على الاحتفاظ بمسافة معينة مع روسيا، هذه المسافة لا تسمح بوصف العلاقة الروسية ــ الصينية بأنها علاقة تحالف إستراتيجى، بدليل رفض الصين دعم روسيا في الحرب الروسية الجورجية. كما أتبعت روسيا سياسة مماثلة خاصة فيما يتعلق بعلاقاتها مع الهند، فروسيا تراهن إستراتيجياً على الهند في مواجهة باكستان، التي تعدها مصدر للتهديد الأمني.

ثالثاً: السياسة الصينية تجاه آسيا الوسطى

منذ نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق إلى عدد من الجمهوريات المستقلة، منها جمهوريات آسيا الوسطى الخمس، اتجهت الصين في سياساتها إلى البحث عن موطئ قدم لها في هذه الجمهوريات، في إطار ما أطلق عليه اللعبة الكبرى في آسيا الوسطى.

تنحصر دوافع الاهتمام الصيني بهذه المنطقة في التوصل إلى مواردها الطبيعية، وفي مقدمتها النفط والغاز الطبيعي، والقلق من تنامى الوجود الأمريكي في هذه المنطقة، التي تُعد الجبهة الغربية للصين، والرغبة في ترويج مفهومها الجيد للأمن في المنطقة، والحاجة الملحة لمنع مظاهر عدم الاستقرار، التي تشمل لإرهاب، والحركات الانفصالية ذات التوجهات الإسلامية من الامتداد من هذه المنطقة، إلى التأثير في مقاطعة إكسجيانج الإسلامية المطالبة بالاستقلال عن الصين.

1. اقتصادياً

على الرغم من ضآلة معدلات التبادل التجاري الصيني مع هذه الدول، التي بلغت نحو 12 مليار دولار، عام 2005، زادت إلى 15 مليار دولار، عام 2006، وقفزت إلى نحو ملياري دولار، عام 2007، تستأثر جمهورية كازاخستان بنحو 78% منها. إلا أن الصين تطمح بزيادة هذه المعدلات لتصل إلى قرابة ستة مليارات دولار سنوياً، في نهاية عام 2012، بعد التدبير وفتح اعتمادات مالية للشركات الصينية من البنك الصيني للتنمية، للعمل في هذه المنطقة، وكذلك بعد حصول الشركة الوطنية للنفط في الصين على حقوق التنقيب والبحث واستخراج النفط والغاز الطبيعي في جمهوريات كازاخستان وقرغيزستان وأوزباكستان، وتنفيذ خط أنابيب لنقل النفط من أتاسو “Atasu” في وسط كازاخستان إلى منطقة إشنكايو – Aashanku في غرب الصين، ودخوله حيز العمل، أوائل عام 2007، بالإضافة إلى وجود خطط لنقل نفط منطقة آسيا الوسطى وبحر قزوين على هذا الخط.

2. على الصعيد السياسي والأمني

اتجهت الصين، في إطار إستراتيجيتها للوجود في هذه المنطقة، إلى تسوية خلافاتها ونزعاتها الحدودية مع أغلب دول المنطقة بروح المودة وحسن الجوار والنوايا الطيبة بينهما، كما عملت على توظيف خطوة تسوية النزاعات الحدودية، في دعوة دول المنطقة إلى تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون Shanghai Cooperation Organization (SCO)، وذلك لمواجهة ما أطلق عليه الشرور الثلاثة، التي تشمل الإرهاب، والتطرف الديني، والانفصال. علاوة على تشجيع التكامل الاقتصادي والتنمية فيما بينهم، وتستخدم الصين منظمة شانغهاي آلية لتطبيق مفهومها أو سياستها الجديدة للأمن، وتأكيد دعوتها لخلق عالم متعدد الأقطاب، وعلى الرغم من التزام الصين الصمت إزاء إقامة الولايات المتحدة الأمريكية قواعد عسكرية لها في أوزباكستان وقرغيزستان، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، بزعم محاربة تنظيم القاعدة في أفغانستان؛ إلا أنها بمرور الوقت، بدأت في الإعراب عن عدم ارتياحها تجاه البقاء العسكري طويل الأجل للولايات المتحدة الأمريكية على حدودها الغربية، وأصبحت على قناعة بأن الوجود العسكري الأمريكي على حدودها الغربية يستهدف احتواء الصين والتهديدات المستقبلية القادمة منها، علاوة على خلق وضع إستراتيجى طويل الأمد يمنع الصين من مد نفوذها إلى جنوب آسيا.

سعت الصين إلى استغلال بعض الخلافات مع بعض دول آسيا الوسطى لتقليل الوجود الأمريكي، في دول مثل أوزباكستان، حيث استضافت الصين الرئيس “إسلام كاريموف” رئيس أوزباكستان، بعد أسبوعين فقط من ارتكاب أجهزة الأمن مذبحة إنديجان، وإدانة الولايات المتحدة الأمريكية الشديدة له، ولم يمر وقت طويل حتى أمر الرئيس “كاريموف” الولايات المتحدة الأمريكية بسحب قواتها وعتادها العسكري، من قاعدة كارشى كان أباد Karshi – Khanabad (K2)، في غضون ستة أشهر، كما دعمت الصين الرئيس “كاريموف” في مواجهة ما يُعرف بالثورات الملونة التي اندلعت في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، عامي 2004 و2005.

يؤكد بعض المسؤولين الصينيين أن الولايات المتحدة الأمريكية تدعم العديد من الحركات الانفصالية المطالبة بالاستقلال في هذه الجمهوريات، ويأتي الدعم الصيني للنظم الحاكمة في هذه الجمهوريات، خشية قيام الولايات المتحدة الأمريكية على تمويل عدد من الحركات الانفصالية الصينية المشابهة ودعمها، وكذلك خوف الصين من تأثير الحركات الانفصالية في كازاخستان وقيرغيزستان، حيث توجد لديها حدود مشتركة مع هاتين الدولتين، على الأمن الاجتماعي في الصين.

رابعاً: دور جمهورية الصين دولياً

1. العلاقات الصينية بالدول النامية

ترى القيادات الصينية أن مصطلح ومفهوم الدول النامية يستوعب الدول كافة التي لا تندرج تقليدياً في مصاف الدول الكبرى والمتقدمة، التي تنحصر في دول الاتحاد الأوروبي، واليابان، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وروسيا، وهو المعيار نفسه الذي تعتمده هيئات ومنظمات دولية، مثل البنك الدولي التابع للأمم المتحدة. ووفقاً لهذا التصور الصيني، فإن مفهوم الدول النامية كافة يشمل الدول التي لا تندرج تحت مصطلح الدول المتقدمة في آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا الشرقية.

ترى الصين في الدول النامية ميداناً حيوياً لتحقيق الطموح الاستراتيجي لها في طرح مفهوم جديد للأمن، الذي يؤمن الصعود السلمي للصين قوة عالمية، ويمنحها صك الشرعية من المجتمع الدولي، بالإضافة إلى تحقيق هدفها طويل المدى بإقامة نظام دولي ديمقراطي متعدد الأقطاب، ويحقق العدالة والمساواة بين أطرافه.

لذا فإن هناك مصالح قومية واحتياجات إستراتيجية ملحة تقف وراء الاهتمام الصيني بالدول النامية، تتعلق بقدرتها على الحفاظ على استدامة تنميتها الاقتصادية، ومن ثم استقرارها السياسي. إن الصين تحتاج إلى هذه الدول لإمدادها بالموارد الضرورية لأهداف التنمية الصينية، كما أن الأسواق الهائلة لهذه الدول تلعب دوراً مهماً في استدامة نمو اقتصادها.

تعتقد القيادات الصينية أن لدى الصين خبرة تاريخية ونموذجاً في التنمية، يمكن أن يكون مدخلاً للتعاون الاستراتيجي مع الشركاء في الدول النامية، وهو ما يخلق ميزة مهمة للسياسة الصينية، مقارنة بنظيرتها الغربية، إذ تمكنت الصين من الخروج من قبضة الاستعمار، وتجنبت الفوضى الداخلية، وحققت نمواً اقتصادياً متواصلاً، وتنمية شاملة في البنية التحتية، دون اللجوء إلى القروض الغربية وما يرتبط بها من شروط سياسية تنتقص من السيادة الوطنية. وتروج الصين لهذا النموذج بين الدول النامية على انه أقل إيلاماً في تكلفته السياسية والاقتصادية، مقارنة بالنموذج الغربي.

كما تحرص على تقديم المساعدات والمعونات الفنية والتكنولوجية والاقتصادية لعدد كبير من هذه الدول، دون اشتراطات أو مطالب سياسية، مع التأكيد فقط على الاستقرار السياسي والتنمية اقتصادية في الدول المتلقية لهذه المساعدات، وتفخر الصين بأنها على مدى الأعوام الخمسين الماضية أسست تراثاً كبيراً من المشاركة الإستراتيجية مع الدول النامية، ترتكز على التضامن السياسي والتعاون التنموي فيما بينها، في الوقت الذي كانت الصين فيه معزولة دولياً وفقيرة ومحاصرة بالضغوط والتحديات الداخلية الكبرى، إيمانا منها بمبادئ مؤتمر باندونج.

في عام 1955، قامت الصين بمساندة الدول النامية في الحفاظ على سيادتها، مع عدم التدخل في شؤونها الداخلية، والاعتراف بحاجة الدول النامية حديثة الاستقلال إلى الحماية من إرهاب الدول الكبرى وهيمنتها عليها.

تعتقد الصين أن هذا التاريخ المشرف لها أفضل مما خلفته سياسات السباق والتنافس بين الدول العظمى، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي (السابق) من تراث سياسي وأمني خطير لدى جانب كبير من الدول النامية، ومنها أنجولا، وموزنبيق، وإثيوبيا، في أفريقيا. وفيتنام، وكوريا، والهند، وباكستان، وأفغانستان، والعراق، وإيران في آسيا. وكولومبيا، وبيرو، وتشيلي، وفنزويلا، والسلفادور في أمريكا اللاتينية، وتحالفها في قيادات سياسية فاسدة لضمان هيمنتها على هذه الدول.

كما يدرك القادة الصينيون أن علاقاتهم مع عدد كبير من الدول النامية، أمدت الصين بدعم دبلوماسي هائل في المحن والأزمات الدولية التي تعرضت لها السياسات الصينية، ومن أهمها الدعم الحيوي الذي قدمته الدول النامية للصين، في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، لاستعادة مقعدها في الأمم المتحدة. كما تعول الصين حالياً على هذه الدول في رفض الاعتراف بتايوان، وهو ما يعزز الجهود والسياسات الصينية لعزل تايوان في الساحة الدولية.

علاوة على توظيفها للأعداد الكبيرة للدول النامية في منظمة التجارة العالمية، في عرقلة جولات تحرير التجارة الدولية الخاصة بضوابط استخدام الأيدي العاملة في الأنشطة الزراعية والصناعية، وتحرير تجارة السلع الزراعية، وفرض عقوبات خاصة ضد إغراق المنتجات الصينية للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.

يرى العديد من الخبراء والمتخصصين الصينيين أن جانباً كبيراً من الدول النامية التي عبرت فترات تاريخية صعبة وأصبح لها مستقبل مشترك، تستطيع الصين أن تلعب فيه دوراً نشطاً وإيجابياً، وتعي القيادات الصينية أن هناك نزاعات وصراعات لا تزال مستمرة في بعض الدول تستدعى من الصين التدخل، لتهدئة هذه النزاعات وتسويتها من خلال تقديم المساعدات التنموية، وإرسال مبعوثين خاصين لها يحملون حلولاً وأطروحات جديدة لتحقيق السلام والاستقرار في هذه الدول، وتهدف الصين من ذلك إلى الحصول على مكاسب تنموية لها في مرحلة ما بعد التسويات، ولذلك أوفدت مبعوثين لتحقيق السلام والاستقرار في دارفور بالسودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وساحل العاج، والصومال، وكوريا الشمالية، والفيليبين، وآسيا الوسطى، وكولومبيا، وفنزويلا، وغيرها.

تعي الصين أن هناك مصالح وعلاقات حيوية تربط بين بعض الدول النامية والدول الكبرى والدول الإقليمية المحورية، لذا تحرص على طمأنة هذه الدول أن العلاقات الصينية مع الدول النامية لن تكون على حساب مصالح هذه الدول وعلاقاتها.

سعت الصين إلى خلق تشكيل لجان تنسيق وتشاور صينية مع دول، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، واليابان، وفرنسا، بشأن قضايا النزاع والصراع في أفريقيا وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية، غير أن هذه اللجان، ناهيك عن ضعف مستوى التمثيل فيها، لم تعقد اجتماعات مكثفة، بل اقتصر أغلب أعمالها على إخطار كل جانب للآخر بما يقوم به من جهود وسياسات بشأن الأزمات والصراعات محل النقاش، دون طرح خطط وبرامج وسياسات مشتركة لتسوية هذه النزاعات.

تحرص الصين على التزام الجانب الرسمي في علاقاتها مع الدول النامية، على الرغم أن هناك أحزاب وقوى سياسية وجامعات ومصالح بازغة في العديد من الدول، وتصر الصين على عدم التعاون والتعامل مع هذه المجتمعات والقوى السياسية والمجتمعية، والتعامل فقط مع جهاز الدولة ومؤسساته الإدارية الرسمية، انطلاقا من أن غالبية هذه الجماعات والقوى لا تزال في طور النمو والتشكيل، وتتسم بالضعف وعدم القدرة على التأثير في السياسات الرسمية التي تعتمدها غالبية الدول النامية.

من ناحية أخرى ترى الصين أن جانباً كبيراً من هذه الجماعات والقوى نشأ بدعم وتمويل صريح أو غير معلن من الدول الغربية، سواء ممثلة في دول أوروبية أو الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما ينعكس سلبياً في أفكارها وبرامجها عن الصين وسياستها الخارجية، فضلاً عن أن جانباً كبيرا ًمن هذه القوى والجماعات مصدر عدم ارتياح وعدم قبول من الأنظمة الحاكمة في الدول النامية، نظراً لاتباعها سياسات ومواقف معادية أو غير مرحبة بالتوجهات الرسمية للدولة خاصة، فيما يتعلق ببرنامج الإصلاح السياسي والاقتصادي، بالإضافة إلى منع الصين إنشاء علاقات تعاون وتنسيق بين هذه الجماعات والقوى ونظيرتها الصينية، خوفاً من اختراق السياسات الرسمية الصينية.

تعتمد الصين على الشركات الصينية المملوكة للدولة أو الشركات التابعة والخاضعة لنفوذ الدولة، في تنفيذ المشروعات المشتركة في الدول النامية، وتدفعها لاقتراح وتخطيط مشروعات التعاون المستقبلية مع هذه الدول، كما تعمل على اصطحاب رؤساء هذه الشركات في الزيارات الخارجية للمسؤولين الصينيين للدول النامية.

2. السياسة الصينية في أفريقيا

على الرغم من سعي الصين، بعد تأسيس نظامها السياسي، عام 1949، للحفاظ على علاقات طيبة مع الدول النامية عموماً، والدول الأفريقية على وجه الخصوص، إلا أن العلاقات بين الطرفين لم تكتسب حيويتها وأهميتها إلا بعد زيارة الرئيس الصيني السابق “جيانج زيمين”، للقارة الأفريقية عام 1996، وطرحه خطة الاقتراحات الخمسة لإقامة علاقات صداقة صينية أفريقية مستقرة وأكثر تعاوناً في القرن الحادي والعشرين. وتشمل هذه المقترحات إقامة علاقة صداقة متينة، وتحقيق المساواة بين الطرفين في التجارة البينية، والوحدة والتعاون والتنمية المشتركة، والنظرة الواحدة للمستقبل. وأصبحت هذه المقترحات الخمسة الركائز الأساسية للسياسة الصينية تجاه أفريقيا، التي ارتكزت على تنفيذ المبادرات الصينية في مجال تدعيم الوجود السياسي والاقتصادي بالقارة الأفريقية، كالآتي:

أ. إعادة هيكلة صنع السياسة الصينية تجاه أفريقيا، حيث أنشأت الحكومة الصينية، بدءاً من عام 1997، عدداً من الإدارات الخاصة في وزارات التجارة والخارجية والتعليم والصحة والزراعة والدفاع الوطني، وتيسير إنشاء عدد من المراكز والمعاهد البحثية والتعليمية المختصة بالدراسات والشؤون الأفريقية، بهدف تنمية العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية الصينية مع الدول الأفريقية.

ب. تشكيل منتدى التعاون الصيني ــ الأفريقي، حيث توصلت الحكومة الصينية مع عدد من الدول الأفريقية، في منتصف عام 2000، إلى اتفاق مشترك بشأن تأسيس منتدى لتعزيز التعاون الصيني الأفريقي، أطلق عليه منتدى التعاون الصيني ــ الأفريقي The China- Africa- Cooperation- From (CACF)، بهدف العمل على التشاور الثنائي، وتعميق التفاهم وزيادة التوافق وتمتين أواصر الصداقة، وتشجيع التعاون المشترك، ومجابهة التغيرات في البيئة الدولية، وتلبية احتياجات العولمة الاقتصادية، والسعي نحو توطين التنمية المشتركة من خلال التفاوض والتعاون.

ج. طرح رؤية صينية للتعامل بين الدول المتقدمة والدول الأفريقية، حيث يتخوف العديد من قيادات الكونجرس والبرلمان الأوروبي من بزوغ الصين وطرحها رؤية إستراتيجية في مجال تعامل الدول المتقدمة والنظام الدولي مع الدول الأفريقية، أطلق عليها “اتفاق بكين”، وهو اتفاق جديد يتناقض مع “اتفاق واشنطن”، تعمل الصين بموجبه على تشجيع الدول الأفريقية والآسيوية (المارقة) أو غير الديمقراطية، على رفض الانصياع للمطالب الغربية والدولية الخاصة بالإصلاح السياسي والاقتصادي لصالح القطاع الخاص، والسماح بالتعددية الحزبية والسياسية وتداول السلطة من خلال انتخابات حرة نزيهة

ج. تعزز الصين من خلال طرحها لاتفاق بكين سياسات الدول الأفريقية في مجال استمرار هيمنة جهاز الدولة على إدارة التنمية بمفهومها الاقتصادي والسياسي، ومساعدتها عدداً من الدول الأفريقية، مثل السودان ونيجيريا والكونغو وإثيوبيا، للإفلات من قرارات العقوبات التجارية والاقتصادية التي فرضتها عدة منظمات ومؤسسات دولية، من قبيل مجلس الأمن، فضلاً عن رفض الصين ممارسة أية ضغوط على هذه الدول للقبول بالقرارات الدولية الخاصة بتسوية الصراعات العرقية والمذهبية والدينية، المندلعة في مناطق مثل دارفور بالسودان، وكتنيجا في الكونغو. 

3. السياسة الصينية في أمريكا اللاتينية

لا تختلف توجهات السياسة الصينية وأهدافها في أمريكا اللاتينية عن توجهاتها تجاه الدول النامية عموماً، حيث يحكمها عاملان هما:

·   الدخول للمصادر الطبيعية والاستحواذ عليها، والحصول على أسواق جديدة لتصريف صادراتها الخارجية.

·   حجب الاعتراف الدولي عن دولة تايوان، التي تعدها الصين جزءاً من الصين الأم، والعمل على إعادته إليها.

وانطلاقا من حدوث طفرات كبرى في تجارة الصين العالمية، تمكنت الصين من توسيع علاقتها الاقتصادية مع دول أمريكا اللاتينية، ما ساعد في حدوث عمليات تنمية اقتصادية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، إذ أصبحت الصين، منذ عام 2005، ثالث أهم شريك تجارى لدول المنطقة.

مع ذلك تتطلع الصين إلى زيادة معدلات تجارتها الخارجية مع دول هذه المنطقة، خاصة في مجالات استخراج وشراء الخامات الأولية التي تحتاج إليها الصين بشكل حيوي، لدعم استمرار النمو الصناعي لديها، ومنها البوكسايت والفحم والحديد والمنجنيز والتبغ. وتُعد الصين حالياً من أكبر مستهلكي الفحم المستخرج من أمريكا اللاتينية، حيث تستورد نحو 20% من احتياجاتها من الفحم من تشيلي. وعلى الرغم من ضعف واردات الصين من النفط المستخرج من دول المنطقة، والذي لا يزيد نسبته على 3% من إجمالي الواردات الخارجية الصينية من النفط، إلا أن هذه النسبة مرشحة للزيادة بعد توقيع الصين اتفاقات للتنقيب والكشف عن النفط مع البرازيل وكوبا وفنزويلا، وسعيها لإبرام اتفاقات مماثلة مع كل من الأرجنتين وبيرو وبوليفيا وكولومبيا والأكوادور.

على الرغم من تعاظم الروابط الاقتصادية للصين مع أمريكا اللاتينية ونموها، إلا أن هناك عدة مخاوف لدى بعض دول المنطقة من مخاطر النمو الاقتصادي الصيني على اقتصاداتها، ومن أبرز هذه الدول المكسيك، التي فقد قطاع صناعة المنسوجات والملابس الجاهزة فيها 20 ألف فرصة عمل، خلال الفترة من عامي 2000 – 2004، نتيجة سياسة الإغراق التي اتبعتها الصين في مجال صناعة الملابس الجاهزة.

كما تضررت البرازيل والأرجنتين من مخالفة الصادرات الصناعية الصينية لقواعد وضوابط المنافسة الاقتصادية النزيهة داخل أسواقها، ما عرض صناعتها الوطنية للانهيار والإفلاس، ولم يخفف من حدة مخاوف هذه الدول التصريحات المنسوبة للرئيس الصيني “هو جينتاو”، برغبته في ضخ استثمارات صينية في المنطقة، تقدر بنحو 100 مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة، وينبغي تأكيد أن هناك مصالح اقتصادية مشتركة تجمع بين كل من الصين ودول أمريكا اللاتينية، قوامها الحاجة الصينية للموارد والمواد الخام الموجودة لدى دول المنطقة، التي تحتاج بدورها للسلع الصينية المصنعة زهيدة الثمن.

أما العلاقات السياسية بين الصين وغالبية هذه الدول، فتُعد متقدمة جداً عن مثيلاتها الاقتصادية، نظراً لقيام القيادات الصينية على اختلاف درجاتها وتسلسلها داخل منظومة الحكم الصيني بزيارات متزايدة ومتواترة لدول المنطقة، بدأت في أبريل 2002، بجولة خارجية للرئيس الصيني السابق “جيانج زيمين” في دول أمريكا اللاتينية، استغرقت 13 يوما، وزيارة الرئيس الحالي “هو جينتاو” لأربع دول في المنطقة، في نوفمبر 2004، على هامش مشاركته في قمة الأبيك التي عقدت بتشيلي في هذا التوقيت. وفي عام 2005، زار كل من السيد “زينج كونهونج” نائب الرئيس الصيني و”جيا كونلان” رئيس الحزب الشيوعي الصيني والرئيس الصيني جينتاو، دول المنطقة. وأعلن أثناء زياراته للمنطقة عن مبادرته الجديدة لتنمية العلاقات السياسية الصينية مع دول أمريكا اللاتينية، والتي ترتكز على تأكيد سياسة الصين الواحدة في العلاقات الخارجية، وتحقيق اقتصاد السوق الذي يتفق مع قواعد منظمة التجارة العالمية وضوابطها، وما تفرضه من إجراءات حمائية في مجال مكافحة إغراق الصادرات الخارجية.

على مستوى العلاقات الثنائية مع دول المنطقة، تحتفظ الصين بعلاقات متميزة مع البرازيل، التي تتوافق مع الصين في التطلع لممارسة دور قيادي في الشؤون العالمية، وتقليص النفوذ والقوة الأمريكية. وتستند علاقات البلدين إلى اتفاق المشاركة الإستراتيجية بينهما، عام 1994، وهو ما يدعم فرص تنمية هده العلاقات في المستقبل. وفي السنوات الأخيرة تعاون الجانبان في مجالات تكنولوجيا البث الفضائي، والطاقة، وتصنيع الطائرات، وتصنيع السيارات، وفي مجال التجارة الدولية تشترك الدولتان في عضوية مجموعة العشرين، وهو تجمع أسس على هامش اجتماع منظمة التجارة العالمية في جولة الدوحة بقطر، للمطالبة بحماية المنتجات الزراعية للدول الأقل فقراً. ورغم هذا التعاون الوثيق بين الدولتين، إلا أن الصين لم تؤيد مطلب البرازيل في الحصول على مقعد دائم بمجلس الأمن عن منطقة أمريكا اللاتينية.

عقدت الصين اتفاقات لتعزيز التجارة البينية والاستثمار مع الأرجنتين، وبالرغم من ذلك فإن لدى الأخيرة مخاوف من غزو المنتجات الصينية الرخيصة لأسواقها، خاصة في مجالات صناعة المنسوجات والملابس الجاهزة والأحذية والأجهزة المنزلية وألعاب الأطفال، ما يسهم في إفلاس العديد من الشركات الصناعية الأرجنتينية. لذا قدمت الأرجنتين، خلال الفترة من عام 1995 – 2004، نحو عشر قضايا إغراق، رفعتها ضد الصين في منظمة التجارة العالمية.

على الرغم من تزايد حجم التجارة الخارجية الصينية مع المكسيك، التي تُعد ثاني أهم شريك تجارى للصين في منطقة أمريكا اللاتينية، وكذلك حدوث نوع من التوافق السياسي بينهما فيما يخص قضايا النظام الدولي، إلا أن هناك نوعاً من الاختلافات والتباينات والنزاعات التي تثور بين البلدين من آن لآخر، بسبب تزايد الفائض في الميزان التجاري بين البلدين لصالح الصين، بالإضافة إلى تزايد حدة المنافسة بينهما في الاستحواذ على السوق الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بصناعة المنسوجات والملابس الجاهزة والسلع المصنعة، حيث تمكنت الصين من تبوء المرتبة الثانية في واردات السوق الأمريكية من هذه السلع بدلاً من المكسيك.

أما فنزويلا، فإن العلاقات الاقتصادية الصينية معها تُعد ضعيفة للغاية، مقارنة بالعلاقات السياسية. ويعزى ذلك إلى ارتفاع تكاليف نقل السلع والمنتجات المصنعة من الصين إلى فنزويلا، والعكس نظراً لطول المسافة الفاصلة بينهما مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية، التي رغب الرئيس الفنزويلي الراحل “هوجو شافيز” في خفض الاعتماد الاقتصادي عليها، كما أن الصين لا تتحمس كثيرا لدعم التوجيهات الثورية للرئيس “شافيز” في سياسته الخارجية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، حتى لا تُتهم بدعم النظم اليسارية والثورية المناوئة للولايات المتحدة الأمريكية، وهو الأمر نفسه الذي تتجنبه الصين في علاقاتها المحدودة للغاية مع كوبا، التي تُعد أقل دول المنطقة في علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الصين، بعكس دول مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي، التي برمت اتفاقية إقامة منطقة تجارة حرة مع الصين، في نوفمبر 2005.

استخدمت الصين تنامي علاقاتها السياسية والاقتصادية مع دول المنطقة في عزل تايوان، وإجبار 12 دولة من الـ 26 دولة في المنطقة، على الاعتراف بسياسة الصين الواحدة، وإنهاء الاعتراف بتايوان. وتشمل قائمة هذه الدول كلا من بليز، وكوستاريكا، والدومنيكان، والسلفادور، وجواتيمالا، وهايتي، وهندوراس، ونيكاراجوا، وبنما، وباراجواي، وسانت كيتس ونيفيس، وسانت فينيسنت.

تستخدم كل من الصين وتايوان دبلوماسية الدولار وتقديم المساعدات الاقتصادية، لمنع دول المنطقة أو تشجيعها على الاعتراف بالصين الواحدة، ومن ثم قطع العلاقات الدبلوماسية مع تايوان، أو الاعتراف بتايوان دولة مستقلة عن الصين. واستخدمت الصين عضويتها ما تتمتع به من صفة عضو مراقب في منظمة الدول الأمريكية Organization OF American States (OAS)، لمنع تايوان من الحصول على وضع العضو المراقب بالمنظمة، ودعوة الدول الأعضاء في المنظمة لرفض الاعترافات بتايوان.

مما سبق يتضح أن السياسة الصينية قد ركزت في إطار توجهها صوب منطقة أمريكا اللاتينية على تقديم نفسها دولة رائدة في الدول النامية، تبغي المشاركة في صياغة السياسات العالمية، من خلال إطار نظام دولي متعدد الأقطاب، يشملها مع دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وتعتمد الصين في إطار سياستها بالمنطقة على البرامج والأدوات الاقتصادية، أكثر من اعتمادها على الأدوات السياسية، ودفع دول المنطقة للتجاوب مع أهدافها الاقتصادية والتجارية المتعددة، وتحجيم العلاقات الدبلوماسية لتايوان مع دول أمريكا اللاتينية، بوصف ذلك أحد أهداف سياستها الخارجية الرامية لتنفيذ سياسة الصين الواحدة عالمياً.

4. التأثير الصيني في العالم العربي

ما يشهده العالم العربي اليوم من أحداث داخلية مهمة، ليس معزولا عما يجري على المستويين الإقليمي والدولي. وسرعان ما توزعت القوى العربية المنتفضة على محاور الدول الكبرى، التي تهيمن على الاقتصاد العالمي. فالتحالف الأمريكي ــ الأوروبي يعمل على تغيير بعض الأنظمة العربية بالقوة، في حين يرفض التحالف الصيني ــ الروسي التدخل العسكري الغربي، من خلال استخدام الفيتو في مجلس الأمن. ورغم المظاهر الخادعة لنجاح تدخل قوات حلف الناتو في ليبيا، فإن أسلوب تغيير الأنظمة العربية عبر التدخل الخارجي أثبت فشله في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان وغيرها. وتركز الدول الكبرى التي تعتمد خيار التصالح الداخلي على مساندة الانتفاضات العربية، لتصبح قادرة على تعزيز مواقعها دون تدخل خارجي.

رفضت روسيا والصين مبدأ استخدام القوة لتغيير أنظمة سياسية في دول عربية مستقلة وأعضاء في الأمم المتحدة، وطالبت الصين الأمم المتحدة، في 23 مايو 2011، بوضع “إستراتيجية شاملة لمنع النزاعات الدموية والحفاظ على السلام العالمي”. وأكد الموقف الصيني على رفض الحرب أسلوباً لحل النزاعات الدولية، مهما كانت الذرائع، ودعت الصين المجتمع الدولي إلى مساعدة الدول التي تشهد نزاعات دموية، من أجل الحفاظ على وحدة الشعب والأرض، وبناء القدرة الوطنية، وتوظيف الشباب، ونشر التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعاون المؤسسات الدولية والمنظمات الإقليمية مع الدول المنتفضة، لمساعدتها على تسريع الإصلاحات ووقف الحرب الأهلية، ما يستوجب رؤية جديدة لمستقبل الانتفاضات العربية.

بالنسبة لروسيا والصين، تتمحور القضية الملحة في زمن الانتفاضات حول استعادة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وحل النزاعات القائمة من طريق الحوار والمفاوضات. علما أن “أوباما” نفسه أعلن دعمه لقيام دولة فلسطينية تعبّر عن حق مشروع للشعب الفلسطيني، وعودة إسرائيل إلى حدود عام 1967. ورغم تراجعه عن موقفه تحت ضغط اللوبي الصهيوني الأمريكي، كررت الصين مطالبة إسرائيل بتطبيق قرارات الأمم المتحدة، والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، ودعت إلى تسوية مشكلة الحدود وغيرها عبر الحوار السياسي، وصولا إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، وتحقيق تعايش سلمي في منطقة الشرق الأوسط، ودعت المجتمع الدولي للضغط على الفلسطينيين والإسرائيليين من أجل استئناف محادثات السلام، على أن تلعب المنظمات الدولية دوراً بنّاء في تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.

أثبت الفيتو المزدوج الصيني ــ الروسي، الذي أسقط مشروع قرار في مجلس الأمن بإدانة سورية، أن المنظمة الدولية يمكن أن تلعب دوراً بارزاً في إعادة هيكلة النظام العالمي الجديد، ليكون متعدد الأقطاب. وأكد عجز الأمريكيين عن فرض إرادتهم على المجتمع الدولي. فبات مجلس الأمن المكان الملائم لصنع القرارات الدولية التي تحمي الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط، وتجنب شعوبه مخاطر حرب مدمرة. والتحالف الجديد، في حال استمراره، يمكن أن يعيد التوازن إلى المنظمة الدولية.

الصين تمسكت بمبادئ الأمم المتحدة والشرعية الدولية، وتبنّت سياسة نشر الاستثمارات على نطاق واسع، وتعزيز التبادل التجاري المتنامي، ودعت انتفاضات الربيع العربي إلى الحوار السلمي، ونبذ العنف، وإيجاد تسوية سلمية شاملة لأزمة الشرق الأوسط، وشددت على تنفيذ إصلاحات شاملة وفق ظروف كل دولة. على أن يساعد المجتمع الدولي في تقديم الدعم المالي والتقني لها، وإيجاد المناخ الملائم لحوار بناء بين القوى المعارضة والموالاة، وهي تأمل في أن يلعب مجلس الأمن دوراً فاعلاً في تخفيف حدة التوتر في الشرق الأوسط، وتعزيز الحوار السياسي لحل النزاعات بالطرق السلمية بدل تأجيج الصدامات الدموية في منطقة ملتهبة كالشرق الأوسط.

التقت إستراتيجية كل من الصين وروسيا على ضرورة منع الأمريكيين والأوروبيين من السيطرة التامة على النفط العربي، والتحكم بالانتفاضات العربية وإلزامها بالتعاون مع إسرائيل، التي ترفض تقديم أي تنازلات للفلسطينيين. وأثبت الصراع في مجلس الأمن أن المنظمة الدولية يمكن أن تسهم في ولادة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب. يتوقع بعض المحللين السياسيين أن يلعب مجلس الأمن دوراً فاعلاً في حل الأزمات الدولية المتفجرة، وأن يعمل على إيجاد حل سلمي لمشكلات الشرق الأوسط. فشعوب هذه المنطقة بحاجة ماسة إلى دور فاعل للأمم المتحدة لجمع أطراف النزاع تحت رعايتها، وإيجاد حلول عادلة ودائمة لأزماتها. وذلك يتطلب حث المجتمع الدولي على تنفيذ ميثاق الأمم المتحدة القاضي بإلزام جميع دولها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ودعوة القوى المتناحرة إلى تجنب العنف لمنع وقوع المزيد من النزاعات الدموية. 

خامساً: الرؤية للدور الصيني اتجاه أهم المشكلات الدولية

إن المتابع الدقيق لنبض السياسة الخارجية الصينية في الشهور الأخيرة، يستطيع بوضوح شديد أن يلحظ نهجاً جديداً في سياسة الصين الخارجية، وأن تعديلاً أو إصلاحاً في الرؤية التقليدية الصينية للعالم الخارجي قد تم، ذلك لصالح رؤية التيار الإصلاحي المنادي بالتعاون والتقارب مع الغرب في القضايا الدولية الملحة.

بين أيدينا عدد من المؤشرات لسياسة صينية جديدة تدل على أن هذا التيار نجح بالفعل في تعديل بعض سمات سياسة الصين الخارجية، لصالح مزيد من الانخراط في قضايا الكوكب، والتنسيق والتعاون مع الغرب والقوى الدولية الأخرى، وفي تحمل عبء إدارة هذا العالم، والنظر برؤية جديدة للقضايا الإقليمية والدولية التي تقلق الغرب. ويمكن ملاحظة هذا التغير في تعامل الصين خلال الشهور الأخيرة مع قضايا أربع تؤرق مضاجع الغرب، وهي المسألتان النوويتان الكورية والإيرانية، والوضع في إقليم دارفور في غرب السودان، وسورية.

من المعروف أن بعض الباحثين الصينيين، وخصوصاً في الورش المغلقة، يعبرون عن قلقهم عن نتائج سياسات بعض الدول (إيران والسودان وكوريا الشمالية وسورية)، ويصفون سياستها الإقليمية والدولية بأنها تتسم بعدم الوضوح والتشدد، وأنها لا تتماشي مع مبادئ التعايش السلمي التي بنت عليها الصين سياستها الخارجية، مطالبين القيادة الصينية بأن لا تُحمل الدبلوماسية الصينية تبعات أزمات الأصدقاء، وألا ترسل إشارات خاطئة لمثل هذه الدول تشجعها على الاستمرار في مواجهة الغرب، ونادوا بوجود قدر من التنسيق مع الغرب حول ملفات، مثل دارفور، والملفين النوويين الكوري الشمالي والإيراني، كما دعوا إلى ضرورة إرسال رسائل واضحة لكل من إيران والسودان بضرورة الفصل بين التجارة والاستثمار والسياسة.

استجابت مراكز صناعة القرار إلى هذا الطلب بالتحديد، حيث دعا مساعد وزير الخارجية “زاي جون”، في 26 أكتوبر 2006، إلى عدم ربط الاستثمارات بشروط سياسية. وكانت الحكومة السودانية قد مارست في تلك الفترة ضغوطاً على بكين لدعمها في مجلس الأمن لتعطيل القرارات الغربية ضدها.

1. ردود الفعل الدولية على هذه السياسة

أهم ردود الفعل جاءت من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، إذ أعلنت واشنطن عدة مرات عن ترحيبها بسياسة الصين الجديدة تجاه ملفات الأزمات في دارفور وكوريا الشمالية، بل أحياناً ونتيجة للتنسيق الجيد بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، تعلن واشنطن عن بعض السياسات الصينية، حتى قبل أن تعلن عنها بكين رسمياً، مثال ذلك إعلان واشنطن بأن بكين سترسل قوات لحفظ السلام في دارفور للمشاركة في بناء القوات الدولية، في وقت لم تكن الصين قد أعلنت بعد رسمياً عن هذا الخطوة المهمة.

إن سياسة الصين الجديدة أسهمت في اعتراف الغرب، ولأول مرة منذ نصف القرن، بأهمية الصين ودورها الحيوي في التنمية والسلام في العالم، ونلاحظ إن الرئيس الفرنسي “نيكولاس ساركوزي” لم يشر فقط إلى أهمية الدور الصيني في الوصول إلى حلول للنزاعات الإقليمية والدولية، بل أكد بوضوح “أن المشاكل الدولية الرئيسة لا يمكن حلها بدون تعاون، وإسهام الصين مجدداً في عدد من الأزمات الدولية كالملفين النوويين الكوري الشمالي والإيراني، بالإضافة إلى الأزمة الإنسانية في دارفور”.

2. رؤية لمستقبل هذه السياسة

كثيراً ما رفضت الصين الضغوط والمطالب الأمريكية والروسية واليابانية للإفصاح والشفافية عن سياساتها وبرامجها وخططها السياسية والاقتصادية في أفريقيا وآسيا الوسطى وشبه الجزيرة الكورية، وهو ما يعكس استمرار المخاوف الصينية من السعي الأمريكي والروسي المشترك لكبح التطلعات الصينية في الوصول إلى مصاف القوى العالمية الكاملة، لذا فإن ما تطرحه الصين من تنسيق مشترك مع الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا ينبغي أن يستمر وينهض وفقاً للشروط الصينية، التي تتضمن البطء والمشروطية والتحفظ الشديد، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الاقتصادية والأطروحات والمشاورات السياسية الصينية مع الدول النامية.

من الواضح إن سياسة الصين الخارجية المعدلة لا تزال في بدايتها، ولم تنجذب بعد في تربة السياسة الخارجية الصينية المنكفئة على ذاتها لعقود طويلة، إن لم يكن لقرون طويلة. والتيار الذي قاد الإصلاحات الجديدة في رؤية الصين للعالم الخارجي والمعني في هذه الدراسة، سبق وأن مُني بهزائم ونكسات، أشدها قسوة تلك التي حدثت بعد أحداث “تيان آن مين” (ميدان السلام السماوي) من الطلاب، ولا يزال رموز هذا التيار يخشون ويتحسبون لانتكاسات جديدة.

إن استمرار الاتجاه الراهن في سياسة الصين الخارجية، الذي يدفع باتجاه دمج الصين في المجتمع الدولي رهينة بتفهم الغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية لهذه السياسة واحترامها للصين وثقلها الدولي والإقليمي وأمنها القومي.

فالصين بالرغم من حاجتها لبناء علاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ودفعها بإخلاص في اتجاه بناء هذه الشراكة وتعميقها، فإنها لن تقبل الضغوط الأمريكية التي لا مسوِّغ لها أو تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية.

إن استمرار توجه الصين للتعامل على أنها دولة عظمى ومسهمة في حل مشكلات العالم، وإطفاء بؤر التوتر، ابتداءً من الأزمات الدولية والإقليمية إلى التغيرات المناخية والنضال ضد الفقر في العالم، رهين إلى حد كبير بتجاوب الولايات المتحدة الأمريكية والغرب مع سياسة الصين الخارجية الجديدة، واحترام خصوصية الصين التاريخية والثقافية والاقتصادية، ووزنها الجديد في العالم، وإيجاد صيغة إستراتيجية مرنة للتعاون بين دولة عظمى راسخة الجذور، وقوى عظمى ناهضة وجديدة.

إن تفهم الولايات المتحدة الأمريكية لهذه الخصوصية، والتعامل باحترام مع الصين، يشجعها على المضي في هذا الخط الجديد الذي يفيد الصين والغرب والعالم قاطبة بالطبع. أما إذا فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في التقاط وتفهم الرسائل والتغييرات الصينية الحاصلة تفهماً إيجابياً، وتعاملت مع الصين تعاملاً لا يحترم كيان هذه الأمة الناهضة ولا دورها الجديدة على الساحة الدولية، وواصلت ضغوطها عليها وسياسات الاحتواء والمنافسة، وليس الشراكة والتعاون، فإن الصين مستعدة للتراجع عن المسار الحالي، الذي كسبت منه الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، مهما كلفها الأمر، وستدفع حينها الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً ثمناً غالياً، بل قد يدفع العالم كله ثمناً باهظاً أيضاً.

المبحث السادس الرؤية المستقبلية لجمهورية الصين حتى عام 2030

لماذا تعد الصين هي قصة العالم الكبرى؟ الواقع أنه بغض النظر عما انتهى إليه القرن الماضي، على صعيد تحطيم الدول ونشوء دول أخرى، وتحطم الأيديولوجيات وازدهار غيرها، إلا أن المؤرخين المستقبليين ترنو أنظارهم إلى اتجاه إقليم معين، يرون فيه كل تباشير المستقبل المزدهر، ألا وهو الإقليم الآسيوي، وحاضرته الكبرى الصين، الموعودة بأكبر نصيب فيما يبدو من ذلك الازدهار، الذي ربما قادها إلى ما يشبه مجدها الماضي.

غداً يصبح الاسم الأكبر في هذه الدنيا هو اسم الصين، ذلك أن خُمس سكان العالم يسكنون هناك، وهؤلاء يكونون 1.4 مليار نسمة، كلهم إلا هامشاً محدوداً منهم لا يُذكر، أفراد عمليون ألفوا خشونة العمل الشاق المنتج، وبلادهم غنية بكل المصادر الطبيعية، ذات القيمة الفائقة. ولحسن حظهم انحسرت الآن ظلال الايدولوجيا الشيوعية المتطرفة، وكذلك انتهت عهود أمراء الحرب، وعهود الإقطاع، وجميع العقبات التاريخية الأخرى.

حسب تقارير البنك الدولي، فإن نحو 170 مليون صيني خرجوا من إسار الفقر خلال العشرين سنة الماضية، وهذا أكبر رقم لمجموعة بشرية تتحرر من الفقر خلال أي فترة أخرى من تاريخ الإنسان، وهكذا استيقظت الصين أخيراً من الكوابيس المزعجة، وهذه مجرد علامات اليقظة، وربما الانتفاض، فكيف بالسير الحثيث، أو القفز الأعظم إلى الإمام.

باستخدام مقاييس متنوعة للقوة الشرائية، يتبين لنا أن الصين أصبحت الآن، إما القوة الثانية في العالم، أو الثالثة على أسوأ تقدير، على الرغم من أن المواطن الصيني لا ينال من كدحه ذاك أكثر من 530 دولاراً في العام (بالمتوسط)، أي ما يوازي مستوى الدخل السنوي للمواطن في إريتريا أو زيمبابوي، أو ما يعادل ثٌمن متوسط الدخل السنوي للمواطن في المكسيك. ولكن كثيراً من الاقتصاديين يعتقدون أن معدل الدخل السنوي الفردي في الصين، يمكن أن يتضاعف مرتين أو ثلاث أو خمس مرات أو ربما أكثر، خلال العشرين عاماً المقبلة.

المعدل الحالي تضاعف ست مرات خلال العشرين عاماً الماضية، وإذا كان ذلك قد حدث على الرغم من الظروف السيئة نسبياً، فماذا يمنع من حدوث ذلك في المستقبل، في ظل تحسن مطرد لكل الظروف والمعطيات.

أولاً: عواقب النجاح والفشل

1. إن نجاح المطامح والمجهودات النهضوية الجبارة أو فشلها لن يؤثر على الصين وحدها، وإنما على كل فرد في أنحاء المعمورة، بصورة يصعب تقديرها وحسابها.

2. إن أسعار الطعام والطاقة عبر العالم ستشهد ارتفاعاً واضحاً، وسيؤثر النجاح الصيني سلباً على الوضع البيئي العالمي.

3. أما إذا فشلت الصين في تحقيق استقرارها ونهضتها، فإن ذلك سينعكس أيضاً، وبصورة فظيعة ومريعة على بقية العالم. فالصين ليست كبقية الأقطار الفقيرة التي تعاني من حالة عدم الاستقرار، وأنها قطر يملك ترسانة من الأسلحة النووية، ولها مخزون غير معروف القدر من الأسلحة الكيميائية، والبيولوجية. ويوم تدخل الصين في دورة تمزق. أو حرب أهلية، وتفقد السيطرة على تلك الأسلحة المرعبة، فإن ذلك سيكون وبال على الإنسانية بأسرها.

إن المحللين السياسيين المتشائمين يرسمون صوراً قاتمة للمحيط الهادي، يوم تنهض الصين، وتشتبك في صراع عسكري مع الهند، طلباً لتحديد من هو الأقوى، ومن هو السيد المطاع في جنوب آسيا. ويوم تشتبك في حرب مع اليابان تصفية لحساباتها التاريخية معها، أيام كانت اليابان تستبيح الصين، وتنهب خيراتها، وتقتل جموع الصينيين كأسراب الذباب. ويوم تشتبك في صراع أو حرب مع فيتنام وإندونيسيا حول ملكية الجزر النفطية، ويوم تصارع روسيا حتى تنتزع منغوليا وسيبيريا، والموانئ التي لا تزال الصين تعتقد أنها جزء لا يتجزأ من جغرافيتها. كل هذه احتمالات واردة على الرغم من أن تاريخ الصين تاريخ سلمي ولا توجد سوالف تاريخية توسعية للصين، ولكنها قد تخوض حروباً مستقبلية مثل هذه، ليس بإيحاء التوسع، وإنما بتسويات الحرب العادلة.

هذا إذا ما تضاعفت أقدار القوة الصينية. أما إذا قُدر للصين، أن تدخل مرحلة فوضى عارمة، فقد تتمزق كما يتنبأ البعض إلى أربع دويلات معينة، وهنا لا يمكن التحكم في علاقات تلك الدويلات مع بعضها البعض، الأمر الذي ستنجم عنه مآس ما عرف لها تاريخ الإنسان من مثيل.

في تقرير صدر من الأكاديمية الصينية للعلوم في الصين، ويفرد رؤية متفائلة للبلاد بعد 50 عاماً، تعتمد فيه التوقعات على أن الصين تمر بمرحلة انتقال من مجتمع زراعي أساساً إلى مجتمع اقتصادي قائم على العلم والمعرفة، مع الحفاظ على معدل نمو قوي يصل إلى نسبة 9%. مشيراً إلى أن الصين متخلفة عن الولايات المتحدة الأمريكية بنحو 100 سنة، وأن تحقيق الأهداف سيكون تحدياً، وأن التحضر السريع يمكن أن يجلب الويلات البيئية. اتفق المراقبون في الولايات المتحدة الأمريكية على أن الصين لديها الإمكانات لتحقيق هذه الرؤية الاقتصادية، وأفرد “البنتاجون” الصين بوصفها البلد الوحيد ذا القدرة على الظهور منافساً عسكرياً، وحذر الساسة الأمريكيين أن اقتصاد الصين سوف يتفوق على الولايات المتحدة الأمريكية، بحلول عام 2050، وسوف تتمكن الصين من استئصال الفقر وتأسيس نفسها قوة عالمية.

إذا كان يمكن الحفاظ على معدل 9% الحالية للنمو الاقتصادي، فإنه يتنبأ بان متوسط الدخل للفرد في الصين سيرتفع إلى 1300 دولار (750 جنيه إسترليني)، أي نحو عشر مرات قدر المستوى الحالي، بحلول عام 2050.

وفي تقرير منفصل، لمجلس الدولة الصيني (لمجلس الوزراء)، أعلنت عن خطط لزيادة الاستثمار في الطاقة النظيفة والطاقة، بحلول عام 2030، ليتحقق الاكتفاء الذاتي للصين.

ثانياً: الدور الذي تلعبه الشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات في مستقبل الصين

منذ لقاء “هنري كيسنجر” وزير الخارجية الأمريكي بكل من “ماوتسي تونج” و”شو إين لاي” في بكين، في عام 1972، أصبحت الصين تنفتح بزاوية تنفرج باستمرار على العالم أجمع، وخاصة على العالم الأمريكي، مركز القوة السياسية والتكنولوجية الأهم في العالم.

وعقب موت “ماو” ازداد انفراج زاوية الإطلالة الصينية على العالم. ومنذ يوم أن وصل “دنيج شياو بينج” إلى السلطة، توطدت سياسة الإصلاح الاقتصادي والانفتاح الخارجي، وأصبحت الدراسات الصينية من أروج دراسات العلوم السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وإن كانت الدراسات الأولى تُعد خطيرة ومشبعة بنكهة أيديولوجية عدائية صارخة، إلا أن خط تلك الدراسات أصبح يجنح نحو الموضوعية.

وعندما أصبحت الصين تلوح قطراً يزداد قوة وثروة مع كل عام جديد، ويفرض نفسه في مدارات السياسة العالمية، أصبح على الدارسين الأمريكيين أن يتعاملوا مع تلك التطورات بمنتهى الجدية، لا سيما وأن الأمر أصبح يتطلب مراقبة نمو الصين الاقتصادي والعسكري مراقبة وثيقة، وإعداد دراسات متوالية عنه، والتنبؤ قدر الإمكان بمستقبله.

كانت الصين هي الحريصة على فتح أبوابها في وجه الغرب، ودوافعها إلى ذلك كانت اقتصادية إلى حد بعيد، أما الولايات المتحدة الأمريكية فلم تكن أقل حرصاً إن لم تكن أشد على الانفتاح على الصين، لكن دوافعها كانت سياسية في المقام الأول.

كان هدف الصين تحديث الاقتصاد والتكنولوجيا. أما هدف الولايات المتحدة الأمريكية فكان يتخلص في إبعاد الصين أكثر عن الاتحاد السوفيتي خلال سنوات الحرب الباردة. ثم دارت سنوات ربع القرن الماضي، فإذا أهداف الولايات المتحدة الأمريكية تنقلب تماماً لتصبح اقتصادية الطابع، بعد أن فقدت قضايا الاستراتيجية القديمة أهميتها.

أصبحت الشركات متعددة الجنسيات وعابرة القارات، وهي شركات أمريكية في الأصل وذات نفوذ في أروقة السياسة في واشنطن، أصبحت تلك الشركات هي التي تصوغ سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الصين.

تركت تلك الشركات للحكومة الأمريكية، في الكونجرس، والبيت الأبيض، ووزارة الخارجية، حق الحديث المكرر عن حقوق الإنسان في الصين، وعن حاجة الصين إلى أن تخطو بخطوات أسرع في سبيل الديموقراطية… الخ، لكن جوهر سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الصين أصبحت اقتصادية، تصوغها وتتبناها وتدفع بها إلى حيز التنفيذ تلك الشركات الأمريكية العملاقة، التي تستثمر في الصين ليكشف صراحة عن ارتباط تلك الشركات حتمياً بالصين.

ثالثاً: الصين قوة فضائية كبيرة

شهد العقد الأخير تقدماً كبيرا في النشاط الفضائي في دول جنوب وجنوب شرق آسيا، سواء في إنتاج الأقمار الصناعية وخدماتها، أو في إطلاق المركبات الفضائية، وهو ما يرشح تلك المنطقة لتصبح قوة فضائية عالمية منافسة للولايات المتحدة الأمريكية. تمثل الصين واليابان والهند قوي فضائية صاعدة ومتنافسة على نحو يعبر عن تحول للقوة الاقتصادية والجيوسياسية باتجاه آسيا، وبروز توجهات عسكرية واستراتيجية لاستخدام الفضاء الخارجي. وينعكس ذلك على نمط علاقات هذه الدول إقليمياً ودولياً، وعلى طبيعة دورها في مستقبل النظام الدولي.

أكدت الصين، في وثيقة أصدرتها عام 2002، أن الهدف من برنامجها الفضائي هو الحفاظ على مصالحها القومية، وتنفيذ إستراتيجيتها في التنمية، وتنفيذ سياسة دفاعية قوية، واستكشاف الفضاء لتوظيفه لخدمة الأغراض السلمية، والخوف من تمكن الولايات المتحدة الأمريكية من الاستعداد لحروب الفضاء في المستقبل.

تعتزم الصين إقامة قاعدة لها دائمة على سطح القمر، والقيام بتطوير أنظمة التشويش والتعطيل لأنظمة تحديد المواقع، وبناء وتصميم مركبات تعمل بوصفها جسماً طفيلياً لتدمير تكنولوجيا الأقمار الصناعية، فضلاً عن تدعيم إمكاناتها في مجال إطلاق الأقمار الصناعية المختلفة.

تعد الصين ثالث بلد في العالم يبعث بالإنسان خارج الأرض، بعد الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، ويقدر أنها من الممكن أن تصبح قادرة على إرسال رواد فضاء للقمر، بحلول عام 2025، واستكشاف كوكب المريخ، وكوكب الزهرة، بحلول عام 2035، وبحلول ذلك الوقت ستكون الصين واحدة من الأمم الأكثر تقدماً في العالم في مجال استكشاف الفضاء والتكنولوجيا.

يمثل برنامج الفضاء الصيني تحدياً للولايات المتحدة الأمريكية والهند واليابان. ورغم أن الصين تتخلف عن مواكبة التقدم الأمريكي في الفضاء بما يزيد على أربعة عقود، فإنها تسير بخطي سريعة للحاق بالتفوق الأمريكي، وسد الفجوة بينها وبين روسيا. وتدرك الصين أن وضعها في القرن الحادي والعشرين يتطلب قدرة هائلة على امتلاك القوة الفضائية، التي تؤهلها لأن تصبح قوة عظمي في المستقبل، حيث سيصبح التفوق في مجال الفضاء معيار التفوق في القرن الجديد، كما كانت القوة البحرية هي معيار القوة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والقوة الجوية في القرن العشرين.

رابعاً: السيناريوهات المحتملة لمستقبل الصين في حدود عام 2030

1. اقتصادياً

بدراسة الصورة المستقبلية للتوازن والترتيب بين القوي الاقتصادية الكبرى‏. وبناء على مستويات النمو المقارنة كان من المفترض أن تبدأ الصين في اللحاق بالولايات المتحدة الأمريكية من زاوية حجم الناتج المحلي الإجمالي، بعد الربع الأول من القرن الحادي والعشرين‏.

نهوض الصين والأفول الأمريكي واشتعال المنافسة الاقتصادية بين القوي الكبرى، والاستمرار القوي للنهوض الصيني رغم الأزمة الاقتصادية العالمية‏، والتراجع الأمريكي المستمر‏، واندلاع حرب العملات بين الشركاء الاقتصاديين الكبار‏، ‏وتصاعد الدعوات لإصلاح النظام النقدي الدولي الفاسد فعلياً والمعتمد على الدولار، الذي لا يملك أسس الاستمرار بصفة عملة احتياط دولية‏، كل ذلك مؤشرات مهمة على المستوى العالمي.

مع كل هذه المؤشرات أصبح من الضروري إعادة الحسابات من جديد حول صورة الترتيب الاقتصادي العالمي حتى نصيغ إستراتيجيتنا الاقتصادية وحتى السياسية، بناء على صورة مستقبلية صحيحة عمن سيملك القوة الاقتصادية التي تشكل الأساس المتين للقوة الشاملة لأي دولة‏.‏ وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الدخل القومي الإجمالي الحقيقي المحسوب وفقاً لتعادل القوى الشرائية‏،‏ بلغ في عام ‏2008،‏ نحو ‏14724‏ مليار دولار في الولايات المتحدة الأمريكية‏،‏ ونحو ‏7961‏ مليار دولار في الصين‏،‏ ونحو ‏3339‏ مليار دولار في الهند‏.‏ وانطلاقاً من هذا الحجم للناتج في كل دولة من الدول الثلاث‏،‏ يمكن تقدير الناتج المستقبلي لكل منها، بناء على متوسط معدل النمو السائد فعلياً، والمتوقع في هذه الدول الثلاث‏.‏

وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي، فإنه خلال الفترة من عام ‏1989‏ -‏1998‏، بلغ متوسط معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي نحو ‏3%‏ سنوياً‏، ‏ ونحو ‏2.5%‏ سنوياً، خلال الفترة من عام ‏1999‏ – 2010، وحتى قبل الأزمة المالية والاقتصادية الأمريكية، التي انفجرت عام ‏2008، ‏ فإنه بلغ نحو ‏2.5%‏، خلال الفترة من عام‏ 2000‏ –  2007. ومن ثم فإننا لو أخذنا معدل ‏3%‏ متوسطاً لمعدل النمو الحقيقي للناتج الأمريكي، خلال الثلاثين عاماً القادمة‏، ‏ فإننا نكون منصفين أكثر مما ينبغي بشأن التقديرات المستقبلية لحجم هذا الناتج. وبناء على حجم الدخل القومي الإجمالي الأمريكي، عام ‏2008، ‏ ومعدل نمو حقيقي بنسبة ‏3%‏ سنوياً‏، ‏ فإن هذا الناتج سيبلغ، في عام ‏2021، ‏ نحو ‏21.6‏ تريليون دولار بالأسعار الثابتة لعام ‏2008 (التريليون يساوي ألف مليار‏)، ‏ وسيبلغ نحو ‏33.6‏ تريليون دولار، عام ‏2036، ‏ ونحو ‏43.9‏ تريليون دولار، عام 2045‏.

بالمقابل ووفقا لصندوق النقد الدولي أيضا‏، ‏ فإن متوسط معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي للصين، بلغ نحو ‏9.8%‏ سنوياً، خلال الفترة من عام ‏1989‏ – ‏1998، ‏ وبلغ ‏10.1%‏ سنوياً، خلال الفترة من عام ‏1999‏ – 2010‏. وبناء على حجم الدخل القومي الصيني، عام ‏2008‏، والمشار إليه آنفاً‏، ‏ وبناء على معدل نمو حقيقي يبلغ ‏8%‏ فقط، وهو أقل كثيراً من المعدلات الفعلية التي تحققها الصين‏، ‏ فإن الدخل القومي الإجمالي الحقيقي للصين بالأسعار الثابتة لعام ‏2008، ‏ سيبلغ نحو ‏21.8‏ تريليون دولار، عام ‏2021، ‏ متجاوزاً نظيره الأمريكي لأول مرة في العصر الحديث‏، وفي عام ‏2036‏ سيبلغ الناتج القومي الصيني ‏69‏ تريليون دولار، متجاوزا ضعف نظيره الأمريكي‏، ‏وفي عام ‏2044‏، سيبلغ نحو ‏127.8‏ تريليون دولار، بما يساوي ثلاثة أضعاف الناتج القومي الأمريكي في العام نفسه. ومن المرجح أن تحقق الصين هذه التجاوزات قبل التواريخ المذكورة لأنها تحقق بالفعل معدلات للنمو أعلى من المعدل المتوسط، الذي اعتمدنا عليه في الحسابات لتفادي أي تأثيرات ناتجة عن أي ظروف طارئة باستثناء الحروب الكبرى‏.

حتى الاقتصاد الهندي الذي يحقق، منذ عام ‏2003‏، معدلات نمو مرتفعة‏، ويتجاوز معدل نموه ‏8%‏ في المتوسط سنوياً في الوقت الراهن‏، ‏ فإنه لو حافظ على هذا المعدل فإن الناتج القومي الهندي بالأسعار الثابتة، لعام‏ 2008، ‏سيبلغ نحو ‏39.1‏ تريليون دولار، عام ‏2040، ‏ متجاوزاً نظيره الأمريكي الذي سيبلغ نحو ‏37.9‏ تريليون دولار في العام المذكور‏.

فيما يتعلق بالحجم والنوع للصادرات التي تبين القدرة التنافسية للاقتصاد في علاقاته الدولية‏،‏ فإن الصين تتصدر دول العالم من زاوية قيمة صادراتها، وتليها ألمانيا، وتأتي الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الثالثة في الوقت الراهن‏.‏ وحتى الصادرات عالية التقنية‏،‏ فإن بيانات البنك الدولي في تقريره عن مؤشرات التنمية في العالم‏،‏ تشير إلى أن صادرات الصين من تلك السلع بلغت ‏381.4‏ مليار دولار، عام ‏2008،‏ مقارنة بنحو ‏231.1‏ مليار دولار للولايات المتحدة الأمريكية في العام نفسه‏.‏ وحتى لو كان قسماً كبيراً من الصادرات الصينية عالية التقنية يجري إنتاجه من خلال شركات أجنبية تعمل في الصين‏،‏ فإنها في النهاية موجودة في الصين، التي وضعت شروطاً للاستثمارات الأجنبية لديها، تكفل لها السيطرة على الحلقة التكنولوجية‏.‏

حين بدا أن الإمبراطورية الأمريكية تفرض قواعدها ونموذجها على العالم اقتصادياً وسياسيا بصورة مباشرة، أو من خلال المؤسسات الدولية السياسية والاقتصادية، التي حققت ما تريده الإمبراطورية الأمريكية منذ عقدين من الزمن‏، ‏ وعندما بدا أنها تعزز سيطرتها العالمية من خلال استعادة النموذج الاستعماري بالغزو العسكري لبلدان أخرى، بصورة خارجة على القانون الدولي والمؤسسات الدولية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة الأمريكية، مثل مجلس الأمن الدولي، مثلما حدث في الغزو الأمريكي للعراق، عام 2003‏. عندما بدا كل ذلك مكملاً لصورة الإمبراطورية الأمريكية المهيمنة عالمياً‏، ‏ كان في الحقيقة وعلى العكس من تصور الإدارة الأمريكية الذكية ومنظريها المحليين في مصر وبلدان أخرى‏، ‏ يشكل بداية النهاية لهذه الإمبراطورية التي لا تقرأ دروس التاريخ، والتي تغرق بالفعل في مستنقع أفعالها اقتصادياً.

يرى العالم أن آسيا ستتمتع بقوة أكبر من الولايات المتحدة الأمريكية، في عام 2030. ويتوقع التقرير الاستخباراتي الأمريكي احتمال أن يشهد عام 2030، تفوقاً كبيراً للدول الآسيوية، وعلى رأسها الصين على اقتصادات الدول الغربية. ما يعني أن الصين يمكنها أن تحل محل الولايات المتحدة الأمريكية قوة عظمى.

إن تفوق الناتج القومي للصين على الولايات المتحدة الأمريكية ليس تقييماً جديداً، والحديث يجري عن هذا الموضوع منذ سنين، وكثرت هذه التوقعات من خلال مؤشرات عديدة. فالصين قادرة على اللحاق بالولايات المتحدة الأمريكية، إذا ما قارنا حجم الاقتصاد، وسوف تتقدم عليها. ولكن مؤشر الناتج القومي لكل فرد سيكون أقل من الولايات المتحدة الأمريكية، أي أن مستوى معيشة المواطن في الصين والهند، سيكون أقل من مستوى المعيشة في الولايات المتحدة الأمريكية، حتى في عام 2030.

2. سياسياً وامنياً

أحد المشاهد المطروحة لمستقبل التحالفات الأوراسية، هو مشهد نشوء كتلة أوراسية تضم الصين والهند وروسيا، وهو المشروع الذي سبق أن أشار إليه “بريماكوف” رئيس وزراء روسيا الأسبق.

المشروع الهندي الكبير مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن المشهد الأكثر احتمالاً هو مشهد التصادم التدريجي بين المحور الأمريكي ــ الياباني ــ الهندي ــ من ناحية، والصين من ناحية أخرى، وهو مشهد يتسم بالأرجحية لعدة اعتبارات، أهمها أن الولايات المتحدة الأمريكية ترغب في عدم إعطاء الصين الفسحة الزمنية التي تحتاج إليها لالتقاط الأنفاس، وتحقيق رحلة الصعود، وتقوم تدريجياً ببناء حلقة من مناطق التمركز حول الصين، تتمثل في وجودها العسكري في آسيا الوسطى، على مقربة من حدود الصين الغربية، وهى موجودة بالفعل في اليابان والمحيط الهندي على حدود الصين الشرقية، وعلى حدودها الغربية في قيرغيزستان.

وهناك من المؤشرات من تصريحات القادة الأمريكيين ما يدل على أن وتيرة هذا الصدام في تصاعد مستمر، وتستخدم الولايات المتحدة الأمريكية أوراقاً متعددة في هذه العملية، كورقة حقوق الإنسان في الصين، وورقة كوريا الشمالية. وبدأت في استخدام الورقة النفطية للضغط على المصالح النفطية الصينية في الخارج.

ومن ثم فإن الصراع العالمي القادم سيكون الأرجح صراعاً أمريكيا يابانياً هندياً، في مواجهة الصين، وسيكون هذا الصراع مفروضاً على الصين، وربما تنجح الصين في تأجيل هذا الصراع لأطول فترة زمنية ممكنة، ولكن ربما لا تنجح في ذلك إذا ضغطت الدولتان على الصين في ملف كوريا الشمالية، ومحاولة استهدافها عسكرياً، ذلك أن من يسيطر على كوريا الشمالية يهدد أمن الصين مباشرة، ولذلك ربما كانت كوريا الشمالية شرارة الصراع القادم، وليس تايوان.

كذلك يحتمل تبلور هذا الصراع في شكل الضغط القوى على المصالح النفطية الصينية، في أفريقيا ومنطقة الخليج العربي، أو يكون تهديداً مباشراً لطرق نقل هذا النفط عبر البحار الدولية.

خامساً: الاحتمالات الجيوسياسية الدولية

تنطلق التقارير عن الوضع الراهن، وتسرد سيناريوهات متوقعة كالآتي:

1. السيناريو الأول

يظهر أن الولايات المتحدة الأمريكية ستتجاوز مشكلاتها وستكون في طليعة دول العالم، كما هي الآن، وستهيمن عليه.

2. السيناريو الثاني

عدم تجاوز الولايات المتحدة الأمريكية لمشكلاتها، ولن تبقى مهيمنة على العالم، ويتكون لدينا عالم متعدد الأقطاب، تسوده المنافسة والصراع واللا استقرار.

3. السيناريو الثالث

يقول إن الولايات المتحدة الأمريكية ستتجاوز مشكلاتها جزئياً، وسيتقلص نفوذها، ولكنها لن تكون الدولة الأقوى في العالم.

4. في أحد السيناريوهات الأخرى

من المنتظر، في عام 2030، بزوغ حلف آسيوي جديد، أو الصين بمفردها، ستحكم العالم في مقابل احتمال ضعيف لاستمرار قيادة واشنطن للنظام العالمي، في حال انفجرت حرب باردة بين القوى الآسيوية الصاعدة، أهمها الصين والهند. كما أن التاريخ نفسه من المتوقع أن يسجل انفجار الطبقة الوسطى في العالم، وانتشار قوى جديدة بعيدة عن الغرب، مع ارتفاع احتمالات صراعات داخلية في الدول.

حدد تقرير المخابرات الأمريكية “البديلين العالميين لقيادة الولايات المتحدة الأمريكية للعالم مستقبلاَ”، وقدم مفاتيح الاتجاهات العليا التي ستشكل مستقبل النظام الدولي، حيث توقع أن الصين ستصبح أكبر اقتصاد في العالم، والهند ستصبح أكبر محرك لنمو الطبقة المتوسطة على الأرض.

5. وجود سيناريوهات لارتفاع الصراع بين عدد من القوى الأسيوية

من المحتمل أن يتعرض السلام الإقليمي للخطر. وأن مستقبل القيادة الأمريكية للنظام الدولي سيشهد اختبارا أكثر حسماً أمام مستقبل نفوذ آسيا، التي تضم عمالقة ناشئة، مثل الهند وإندونيسيا، وستكون الصين منافساً كاملاً للولايات المتحدة الأمريكية، مع خطورة ميل كبير لمركز الاقتصاد الدولي وانتقاله من المحيط الأطلسي إلى المحيطين الهندي والهادئ. وهناك أربعة مسارات يمكن أن تتخذها آسيا في العقدين المقبلين.

من المنتظر تعدد الأقطاب التي ستنمو داخل القارة الآسيوية، وتكون خارج السيطرة الأمريكية والغربية، وهناك عدة مسارات:

أ. المسار الأول: ظهور تجمع أو حلف آسيوي يضم العمالقة الناشئة، كالصين والهند وإندونيسيا.

ب. المسار الثاني: نشوب حرب باردة آسيوية جديدة بين هذه القوى.

ج. المسار الثالث: حرب باردة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، على مستوى النفوذ في العالم.

د. المسار الرابع: تحول القوة الآسيوية إلى مملكة الطبقة الوسطى.

وبشكل أكثر تحديدا، هناك ثلاثة أشكال من التعددية القطبية في آسيا:

أ. الشكل الأول نظام متعدد الأقطاب متعاون، للمنافسة مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي هي أقوى قوة.

ب. الشكل الثاني عبارة عن نظام متعدد الأقطاب تنافسي بشكل أساس، مركز على الصين، والتي هي أقوى قوة.

ج. الشكل الثالث الذي يخيف الولايات المتحدة الأمريكية، هو تشكل القوى في آسيا في تجمع دول قوية متعددة، تتحالف على التعاون بدلاً من المنافسة.

في حال بقاء الريادة الأمريكية سيكون خاضعاً للتعددية القطبية، التي تعني أن النظام متعدد الأقطاب سيكون مزيجاً من التعاون والتنافس والترابط مع الولايات المتحدة الأمريكية، استمرار هذا النمط يفترض استمرار الولايات المتحدة الأمريكية في المشاركة الكاملة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

سيناريو قيادة الصين للعالم مع تعدد الأقطاب، هذا النظام متعدد الأقطاب سيكون جوهرياً تنافسياً ومتناقضاً، مع استمرار الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على النفوذ البحري والإقليمي، وضمان غلبة ديناميكيات التوازن لها. أما الصين فستصبح القوة الاقتصادية الأولى.

مثل هذا السيناريو هو الأكثر احتمالاً في حالة فك الارتباط بين دول آسيا، أو تقلص النفوذ الأمريكي في آسيا. أما سيناريو التجمع أو التكتل الآسيوي فهذا من شأنه أن يدعم النظام الليبرالي في آسيا، وتحقيق الوفاق الإقليمي الذي يقود إلى التحرر السياسي في الصين، ما يجعل من الممكن زيادة التعاون الديموقراطي على أساس من الشفافية والثقة، وظهور مؤسسات إقليمية فعالة. ومثل هذا الأمر يكون أكثر استدامة إذا شمل الولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من استبعاد هذا وهناك ثلاثة أشكال لثنائية قطبية السيادة كالآتي:

أ. الشكل الأول، الذي يبدو ممكناً هو سيناريو انقسام آسيا إلى كتلتين تنافسيتين، واحدة تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، والأخرى تقودها الصين.

ب. أما الشكل الثاني، فيصور إمكان نشأة تجمع أمريكي ــ صيني بقيادة الصين، ضد أي قوى كبرى ناشئة أخرى.

ج. وفي الشكل الثالث الأخير لرسم أقطاب حكم العالم إمكان حصول تفاهم بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، على التعاون الثنائي القطبي في المنطقة.

إلى ذلك لا يستبعد حصول حرب باردة بين القطبين المتوقعين لسيادة العالم، أي بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، فتكون بذلك الولايات المتحدة الأمريكية ضد الصين، وسيكون بذلك النظام العالمي ثنائي القطب يرتكز على الكتل المتنافسة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

سيناريو القطب الواحد سيكون ممكناً في حالة واحدة، وهي سيادة الصين التي يمكن أن تقلل من دور وشأن الدول الأخرى، وتستثني بشكل فعال الولايات المتحدة الأمريكية من لعب دور قيادي في المنطقة الآسيوية على الأقل. ويصف التقرير أن إمكان تحول آسيا إلى “المملكة الوسطى” أو مملكة الطبقة الوسطى، يمكن أن يحولها إلى قطب واحد يسيطر على العالم انطلاقاً من بكين، وستكون الولايات المتحدة الأمريكية مستبعدة عملياً من آسيا. أما الدول الكبرى الإقليمية فستجد مصالحها تابعة للسيادة الصينية.

6. على صعيد تولى زعامة العالم

أهم توقعات التغيرات على صعيد سيادة العالم ستكون بهذا الترتيب الزمني، بداية من عام 2015، وستكون على الأرجح المتغيرات الآجلة الاستراتيجية خصوصاً المتعلقة بنفوذ آسيا مستقبلاً، على هذا النحو في ترتيب تنازلي:

أ. تعدد الأقطاب بسيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ب. حرب باردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

ج. تعدد الأقطاب بقيادة الصين.

د. حرب باردة بين دول آسيا والصين.

هـ. تفاهمات بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وعصر المملكة الوسطى.

من المنتظر أن يكون دور الولايات المتحدة الأمريكية في قيادة العالم رهن خيارات وظروف مختلفة. فأمام واشنطن خيار تعزيز وجودها في آسيا بالوجود العسكري المستمر، والقيادة الدبلوماسية الاقتصادية، وهذا الخيار سيكون مرتبطاً بقدرة الولايات المتحدة الأمريكية على تنشيط مواردها والدفاع عن حلفائها، وتعميق الشراكة الاستراتيجية مع الهند، وطبيعة علاقتها مع الصين.

 

الخيار الثاني أمام الولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بزعامة العالم، فسيتشكل وفقاً للمتغيرات الحاسمة الأخرى كنطاق وتيرة التغيير السياسي الداخلي في الصين، وسرعة صعود الهند اقتصادياً وعسكرياً، ومستقبل اليابان والتحالف بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان.

المصادر والمراجع

أولاً: الرسائل العلمية

1. هلال جمعة بن سالم النجاشي، تداعيات حرب الخليج الثالثة وتأثيراتها الجيوبولتيكية والجيوإستراتيجية على منطقة الشرق الأوسط، زمالة كلية الدفاع الوطني، مايو 2004.

2. شريف على شحاتة، الطلب على النفط كمحدد للسياسة الخارجية الصينية تجاه الشرق الأوسط، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2007.

3. الشيماء عبد السلام ابراهيم، العلاقات العربية الصينية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، دراسة حالة مصر والسعودية، رسالة ماجستير في العلوم السياسية، القاهرة، 2008.

4 . توفيق وهيب بخيت، الصين قوي فاعلية كبري في النظام العالمي، بحث إجازة زمالة كلية الدفاع الوطني، الدورة 40 عام 2011.

5. عماد شوقي رياض، الرؤية المستقبلية لدور جمهورية الصين حتى عام 2030، بحث إجازة زمالة كلية الدفاع الوطني، الدورة 42، عام 2013.

6 . خالد دياب محمد دياب، مصالح وأهداف جمهورية الصين الشعبية في منطقة الشرق الأوسط، بحث إجازة زمالة كلية الدفاع الوطني، الدورة 42، عام 2013.

ثانياً: النــدوات

7. جمال عبد الجواد، المصالح الإستراتيجية الأمريكية في الوطن العربي، ندوة “الوطن العربي والولايات المتحدة الأمريكية “، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1996.

ثالثاً: الكتب

8. محمد على حوات، “مضيق باب المندب وأهميته الإستراتيجية”، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1996.

9. فاروق عثمان، “عدن والسياسة البريطانية في البحر الأحمر”، الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1987.

10. صلاح سالم، “حروب المنطقة العربية”، دار الشروق، القاهرة، 2001.

11. ممدوح منصور، “الصراع الأمريكي السوفيتي في الشرق الأوسط”، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1995.

12. محمد محروس إسماعيل، “الجديد في اقتصاديات البترول والطاقة”، الدار الجامعية، الإسكندرية، 1986.

13. محمد كمال عبد الحميد، “الشرق الأوسط في الميزان الإستراتيجي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1995.

14. محاضرات القوى الكبرى، “القوى الكبرى الفاعلة في النظام العالمي”، أكاديمية ناصر العسكرية العليا، 2011.

15. عمرو موسى، “سياسة مصر الخارجية”، الكتاب الأبيض، وزارة الخارجية المصرية، الجزء الثاني، 1999.

16. محمد نعمان جلال، “تأملات حول جمعية الصداقة الصينية العربية”، جمعية الترجمة العربية، القاهرة، 2005.

17. ذيب القرالة، “التعاون الإستراتيجي بين الصين وإسرائيل”.

18. ريني جويمو، “العلاقات بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية”.

19. تشو انفي واتس، “قوة الرؤية الصينية لعام 2050”.

20. علي سيد النقر، “السياسة الخارجية للصين وعلاقاتها بالولايات المتحدة”، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2009.

21. إبراهيم نافع، “الصين معجزة نهاية القرن العشرين”، مركز الأهرام للترجمة والنشر، مؤسسة الأهرام، كتاب مترجم.

22. التوازن العسكري 2003/2004، معهد الدراسات الإستراتيجية، لندن، المملكة المتحدة.

23. Wayne M. Morrison, Chinas Economic Conditions.

24. Christopher Mcconnauhy, Chinas Undersea Nuclear Deterrent.

رابعـاً: الإحصائيات الرسمية

25. التقرير الاقتصادي العربي الموحد، صندوق النقد العربي، ـأبو ظبي، 2011.

26. وزارة خارجية جمهورية الصين الشعبية، المعلومات الأساسية عن العلاقات الصينية العربية ومنتدى التعاون الصيني العربي، 20/05/2012.

27. الصين 2030، دراسة لصندوق النقد الدولي.

28. بيانات البنك الدولي في تقريره عن مؤشرات التنمية في العالم، عام 2012.

29. تقرير الأمم المتحدة، عام 2012، شبكة المعلومات الدولية.

خامساً: الدوريات

30. الملف الاستراتيجي، “الصين نموذج جديد للقوة الصاعدة”، مركز الدراسات الإستراتيجية للقوات المسلحة، العدد السادس، أكتوبر 2008.

31. ماجد كيالى، “مشروع الشرق الأوسط دلالاته وإشكالاته”، مركز الإمارات للدراسات الإستراتيجية، العدد 122، 2005.

32. سلامة أحمد سلامة، “الشرق أوسطية هل هي الخيار الوحيد”، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 1995.

33. التقرير الإستراتيجي العربي، 2004/2005.

34. عزت شحرور، “الصين والشرق الأوسط ملامح مقاربة جديدة”، تقارير مركز الجزيرة للدراسات السياسية والإستراتيجية، يونيه 2012.

سادساً: الصحف والمجلات

35. صحيفة الشعب الصينية باللغة العربية، “الصين ملتزمة على نحو جيد بالإتفاقية المنظمة للتجارة العالمية، بكين، 7 يناير 2011.

36. محمد عبد السلام، “القدرات العسكرية الصينية والتوازن الإقليمي”، مجلة السياسة الدولية، أكتوبر 2012.

37. صحيفة أخبار الخليج، “الدور السياسي للصين في الشرق الأوسط”، مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية، العدد ١٢٤٥٩، ٣ مايو ٢٠١٢.

38. يوسف فضل حسين، “الصراع حول البحر الأحمر”، مجلة حائل، العدد 321، الرياض، 1998.

39. عبد العزيز حمدي عبد العزيز، “العلاقات الصينية الإسرائيلية”، السياسة الدولية، العدد 34، القاهرة، 1998.

40. محمد سعيد أبو عامود، “الشرق أوسطية في الفكر السياسي العربي، السياسة الدولية، العدد 113، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 1993.

41. محمد سعيد النابلسي، “البديل العربي حقيقي أم وهم”، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، 1995.

42. محمد نعمان جلال، “العالم العربي ودواعي التحاور الجاد مع الصين”، مجلة الصين اليوم، العدد 4، 2003.

43. عبد المنعم سعيد كاطو، “الخريطة السياسية للشرق الأوسط وإنعكاساتها على الأمن القومي العربي”، مجلة الدفاع، وزارة الدفاع، العدد 237، أبريل 2006.

44. موسوعة أطلس والعالم، إدارة المساحة العسكرية للقوات المسلحة، القاهرة، أكتوبر 2006.

45. مركز الدراسات الإستراتيجية للقوات المسلحة، دراسة حالة الصين، القاهرة 2010.

46. دراسة بحثية، “الصين كقوة كبري دولياً وانعكاس ذلك علي الأمن القومي العربي والمصري”، مركز الدراسات الإستراتيجية، الأهرام، القاهرة.

47. تقرير المجلس الوطني المخابرات المركزية الأمريكية، عام 2012.

48. النظام الإقليمي لآسيا عام 2030، المخابرات المركزية الأمريكية، عام 2012.

سابعاً: المحاضرات

49. مصطفى أبو سديرة،, “القوى الشاملة للصين”، محاضرة أكاديمية ناصر العسكرية، القاهرة، أكتوبر 2012.

50. أحمد عبد الحليم، “مفاهيم وأبعاد الشرق الأوسط”، محاضرة أكاديمية ناصر العسكرية العليا، يوليه 2006.

51. محمود خلف، “الإستراتيجية الأمريكية للشرق الأوسط”، محاضرة أكاديمية ناصر العسكرية، يوليه 2004.

ثامناً: شبكة الإنترنت

52 . شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، جمهورية الصين الشعبية، أخر تعديل للصفحة 59 – 71، 12 سبتمبر 2012.

53. شرق أوسط كبير أم شكوك كبيرة، 19/2/2004م، المنتدى السويسري للأنباء والإعلام، نقلاً عن موقع  http://www.swissinfo.ch/ara/index.html

54. محمد شاهر عبدالله، مقالة عن “الأمن القومي العربي وفق المعطيات الدولية الجديدة”، نقلا عن موقع http://www.ayamm.org/arabic/Partleadership.htm

55. صمويل بلاتيس، “تاريخ العلاقات السعودية الصينية”، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلامية، نقلاً عن موقع http://www.kfcris.com

56. المنتدى الاقتصادي التجاري الصيني والدول العربية http://arabic.people.com.cn/.

57. شريف نسيم قلتة، “الاستراتيجية العسكرية الصينية لتأمين الطاقة”، السياسة والعلاقات الدولية، مؤسسة الحوار المتمدن، العدد 3616، 23/1/2012، من موقع http://www.ahewar.org

58. إذاعة الصين الدولية، “القوة العسكرية الصينية تتطور بشكل سلمي خلال العقد الماضي”، 7/11/2012، نقلاً عن موقع http://arabic.people.com.cn

59. منتدى الجيش العربي، الصين والسعودية، 28/5/2011، نقلا عن موقع http://www.arabic.military.com

60. السودان والصين. موجبات التعاون العسكري، العدد: 6582 سياسة (الأرشيف)، 20/11/2011

http://www.alsahafa.sd.

61. استعراض التبادلات العسكرية بين الصين والدول العربية، 1/11/2010، نقلا من موقع [email protected].

62. محمد نبيل، الصناعات العسكرية الصينية ومبيعاتها لدول الشرق الأوسط، السياسة الدولية، أبريل 2000، نقلا عن موقع http://digital.ahram.org.eg .

63. موقع وزارة خارجية جمهورية الصين الشعبية http://www.fmprc.gov.cn/ara/

المصدر موقع المقاتل