دراسات سياسيةقضايا اجتماعية

ملف شامل عن المواطنة ( المفهوم، الأسس،الأهداف…) – الجزء الثاني

نبذة تاريخية عن مفهوم المواطنة
يعد الحفر في الأصول اللغوية والاصطلاحية للمواطنة في الفكر العربي والغربي أمراً لا يقتضيه اختلاف النظم المرجعية التي استمدت منها المفاهيم فحسب ،بل يضاف إليه اختلاف حقول المعرفة التي كانت محتضنا مباشراً لكل مصطلح وموجهاً لدلالته في الثقافتين العربية والغربية ومن ثم تتضح أهمية تأصيل المفهوم وبحثه في إطار المحا ضن الفكرية بمنطلقاتها المرجعية والتي توجب على الباحث القراءة التاريخية لهذا المصطلح.
لقد أقترن مبدأ المواطنة بحركة نضال التاريخ الإنساني من أجل العدل والمساواة والإنصاف. وكان ذلك قبل أن يستقر مصطلح المواطنة وما يقاربه من مصطلحات في الأدبيات السياسية والفكرية والتربوية، وتصاعد النضال وأخذ شكل الحركات الاجتماعية منذ قيام الحكومات الزراعية في وادي الرافدين مروراً بحضارة سو مر وأشور وبابل وحضارات الصين والهند وفارس وحضارات الفينيقيين والكنعانيين .
وأسهمت تلك الحضارات وما انبثق عنها من أيديولوجيات سياسية في وضع أسس للحرية والمساواة تجاوزت إرادة الحكام فاتحة بذلك آفاقاً رحبة لسعي الإنسان لتأكيد فطرته وإثبات ذاته وحق المشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات وتحديد الخيارات الأمر الذي فتح المجال للفكر السياسي الإغريقي ومن بعده الروماني ليضع كل منها أسس مفهومه للمواطنة والحكم الجمهوري ( الذي كان يعني حتى قيام الثورة الأمريكية في أواخر القرن الثامن عشر ، الحكم المقيد في مقابلة الحكم المطلق وليس الحكم الجمهوري كما نفهمه اليوم ) وقد أكد كل من الفكر السياسي الإغريقي والروماني في بعض مراحلها على ضرورة المنافسة من أجل تقلد المناصب العليا و أهمية إرساء أسس مناقشة السياسة العامة باعتبار ذلك شيئاً مطلوباً في حد ذاته.
تعتبر دولة الإغريق هي أول من توصلت إلى معنى لمفهوم المواطنة المعاصرة في التاريخ والذي اعتبر نموذجاً للممارسة الديمقراطية في أثينا. على الرغم من قصور هذا المفهوم من حيث الفئات التي يمثلها وعدم تغطيته لبعض النواحي التي يتضمنها المفهوم المعاصر للمواطنة إلا انه قد نجح بتحقيق المساواة على قاعدة المواطنة بين الأفراد المتساوين وذلك من خلال إقرار حقهم في المشاركة السياسية الفعالة وصولاً إلى تداول السلطة ووظائفها العامة.
لاحظ اليونانيون بعقلهم الفلسفي الثاقب إن الكون بما فيه من حيوان ونبات وجماد يسير حسب نظام محدد وقواعد لا تتبدل، فاعتقدوا بوجود قوة عليا تسير حسب نظام محدد وقواعد لا تتبدل فاعتقدوا بوجود قوة عليا تسيّر الكون، أطلق عليها بعض فلاسفتهم اسم (الطبيعة) ونسبها آخرون (الآلهة) وذهب كل من هؤلاء وأولئك إلى اعتبار أحكام (نظام الطبيعة)، أو قانونها عامة وأولية وثابتة، ولذلك احلوا هذا القانون في المحل الأول بالنسبة للقانون الذي هو من صنع البشر واعتبروا قانون الطبيعة صورة العدل المطلق أو القانون الصالح كما نسب إلى أفلاطون في كتابه ((القوانين)) وأما أرسطو فقد اسماه بالعدل الطبيعي الذي أعدته الطبيعة ليعم على جميع الناس، بينما قال عن القانون الوضعي انه العدل التشريعي أو العرفي وهو خاص وضعته كل امة لنفسها.
استنتج اليونانيون من هذا التصوير أن على كل مشرع من البشر أن يجعل من القانون الطبيعي مثله الأعلى الذي يسعى إلى تشريع قوانينه على منواله أو على الأقل أن تكون قريبة منه، حتى إذا تعارضت أحكام القانون الوضعي مع سقراط، وقد طورت بعض المدارس الفلسفية هذه الفكرة وصاغت منها نظريات في الأخلاق تقوم على الزهد والتقشف
وقد استمد الرومان مبادىء العدالة في أول الأمر من قانون الشعوب وبعد ذلك من مفهوم القانون الطبيعي الذي نادت به الفلسفة اليونانية.
كان القانون القديم قد وضع للرومان وحدهم أما الأجنبي عنهم فكانوا يقولون بان ليس له أن يتمتع بالحقوق إلا في بلده الأصلي، غير أن الرومان ما لبثوا أن غيروا نظرتهم إلى هذه إلى الأجانب فسمح للأجنبي أن يقيم في روما إذ احتمى مؤقتاً بأحد الرومان اوخضع له بصورة دائمة كنزيل لديه هذا بصورة فردية وإما بصورة جماعية فقد أبرمت روما مع المدن معاهدات تقضي بحماية رعايا كل مدينة إذا جاءوا إلى المدينة الأخرى .
ولعل الحضارات القديمة والشرائع والأديان، قد ساهمت في وضع أساس للمساواة أعلى من إرادة الملوك والحكام لقيم أسس العدل والمساواة في الأرض مبتدئة بذلك خطوات حسنة لسعي الإنسان إلى تأكيد إنسانيته وحقوقه واعتباره، مما أدى ذلك بالفكر الروماني السياسي والقانوني بتحديد أسس المواطنة والحكم الجمهوري.
وبعد تراجع مبدأ المواطنة في الفكر السياسي خلال العصور الوسطى واندثار التجارب الديمقراطية المحددة في ظل الحضارتين الإغريقية والرومانية، تم العمل على إعادة اكتشاف مبدأ المواطنة عند بروز بوادر النهضة الأوربية نتيجة حركات الإصلاح الديني وما تلاها من حركات النهضة والتنوير في الحياة السياسية، حيث استفاد هذا الفكر من الفكر السياسي الإغريقي والفكر الروماني.
وأفرزت تلك التجارب التاريخية معانٍي مختلفة للمواطنة فكراً وممارسة تفاوتت قرباً وبعداً من المفهوم المعاصر للمواطنة حسب آراء المؤرخين. وحتى في التاريخ المعاصر تنوعت إفرازات مفهوم المواطنة بحسب التيارات الفكرية السياسية والاجتماعية التي لا يمكن قراءتها وفهمها ونقدها بمعزل عن الظروف المحيطة بها أو بعيداً عن الزمان والمكان بكل أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأيديولوجية والتربوية ، ومن ثم لا يمكن التأصيل السليم لمفهوم المواطنة باعتباره نتاجاً لفكر واحد مبسط وإنما باعتبار أنه نشأ ونما في ظل محا ضن فكرية متعددة تنوعت نظرياتها وعقائدها بل وظروف تشكلها على المستوى المحلي والقومي والدولي . ولأن قضية المواطنة محوراً رئيساً في النظرية والممارسة الديمقراطية الحديثة ، فإن تحديد أبعادها وكيفية ممارستها ينبع من الطريقة التي يمنح بها هذا النظام أو ذاك حقوق المواطنة للجميع ومدى وعي المواطنين وحرصهم على أداء هذه الحقوق والواجبات.
دشنت الثورة الفرنسية الكبرى عام 1798 الخطوات الأولى لتثبيت الحقوق المدنية / الاجتماعية للمواطن/ الإنسان حيث جاءت تلك النقلة النوعية نتيجة للصراع الضاري بين الملكية المطلقة وقوانينها الإقطاعية وبين البرجوازية المكافحة في سبيل نشر علاقات الإنتاج الرأسمالية وسوقها الوطنية الموحدة، وما يشترطه ذلك من تحرير القوى المنتجة المكبلة بملكية الأرض وموروثها الإقطاعي.وهنا من المفيد التذكير بأن مفهوم المواطنة ارتبط في فكر الثورة البرجوازية بوحدة الوطن ووحدة أسواقه الداخلية، لذلك فان شعار” دعه يمر دعه يعمل” يلخص رفض البرجوازية الثورية لنمط الإنتاج الإقطاعي المبني على التجزئة وتقييد حركة القوى المنتجة.
لقد كرست الثورة الفرنسية رؤيتها للعالم الجديد بإعلان حقوق الإنسان ,والدفاع عنها بعد إغناءها بروح المواطنة وبذلك رفعت البرجوازية الصاعدة مصالحها الطبقية إلى مصاف مصالح الوطن والأمة.
إن الأفكار التي نادت بها الثورة الفرنسية المرتكزة على اعتبار المواطن أساس شرعية الحكم وديمقراطيته انتشرت بسرعة كبيرة بعد تحولها إلى أداة لدك العالم القديم المتمثل بالحكومات الملكية الإقطاعية ومؤسسات حكمها المطلق. وفي هذا الاتجاه نشير إلى أن حقوق الإنسان المواطن الذي جرى تجسيدها في قوانين نابليون عام 1804 شكلت عوامل دافعة لانتصارات الثورة الفرنسية في القارة الأوربية.

زود التطور الكبير الذي أحدثته الثورة الفرنسية بجانبيه الفكري / السياسي الحركات اليسارية العمالية ببرامج جديدة لتطور حركتها الثورية الصاعدة, حيث استطاعت كومونة باريس ورغم قصر ممارستها السياسية في تثبيت الكثير من الحقوق الفعلية للمواطن العامل, الأمر الذي استفادت منه ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى حينما ركزت على الجوانب السياسية / الاجتماعية التي نادت بها الثورات البرجوازية/ الديمقراطية وربطتها بخيارها الاشتراكي بعد نقل حقوق الإنسان من إطارها الشمولي العام ووضعها في محيطها الطبقي، الذي تجسد بمرسوم حقوق الشعب العامل الذي أصبح صيغة قانونية شاملة جرى اعتمادها في دستور جمهوريات الاتحاد السوفيتي الاشتراكية.
أدى انقسام العالم إلى ازدواجية خيار التطور الاجتماعي رأسمالي / اشتراكي إلى نشوء حالة من التوازنات الدولية تجسدت في ظهور الأمم المتحدة التي أصبحت ميداناً دولياً للصراع بين الأيدلوجيتين المتناقضتين الأمر الذي سمح بإصدار الوثيقة العالمية لحقوق الإنسان التي جرى إقراراها في الجمعية العمومية عام 1948 حيث تمت المزاوجة بين الحقوق السياسية والاجتماعية للإنسان حيث جاء في مقدمتها التأكيد على ضرورة خلق عالم ( يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة ).
ساعد انهيار نموذج الدولة الاشتراكية وولوج العالم مرحلة الرأسمالية المعولمة على إعلاء شأن الحقوق السياسية للإنسان / حق الرأي، التظاهر، حرية الصحافة وتشكيل الأحزاب بموازاة تخفيض الضمانات الاجتماعية للإنسان، ويقترن تغييب الحقوق الاجتماعية للمواطن بالليبرالية الجديدة الساعية إلى تفكيك آليات تدخل الدولة في تطوير الضمانات الاجتماعية للإنسان المواطن. وفي هذا السياق تبرز مفاهيم جديدة منها عالمية المواطن، وما يعنيه ذلك من نقل مصير الإنسان وحقوقه إلى قوى مجهولة لن تستطع الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية من خوض صرا عات وطنية ملموسة لنيل حقوقها الاجتماعية ، وبهذا السياق تتساوى الليبرالية الجديدة الأمريكية مع الفوضوية الرافضة للحدود والسلطة الوطنية رغم اختلاف النزعتين التاريخيتين. وفي هذا المنحى نشير إلى أن رفض الدستور الأوربي جاء تعبيراً عن جوهر الصراعات الجديدة بين الحقوق الوطنية الملموسة التي جسدتها قوانين السوق الاجتماعي في دول الرفاه الاجتماعي وبين سعي الاحتكارات الدولية الرامي إلى صياغة حقوق هلامية ومواطنة عالمية شكلية لا تلزم المؤسسات الدولية بأية معايير اجتماعية، بهذا المعنى فان الصراع المحتدم حول الدولة والمواطنة في أوربا سيبقى السمة المميزة لتطورات العولمة في ظروفنا التاريخية الملموسة.
تدعو الليبرالية الجديدة بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية إلى نشر الديمقراطية وتفكيك المراكز القمعية للدول التسلطية إلا أن شعاراتها الديمقراطية لا تترابط والدعوة إلى حقوق المواطنة وذلك لاعتبارات عدة منها:
ـ تسعى الليبرالية الجديدة إلى تفكيك دور الدولة في رعاية الضمانات الاجتماعية، بمعنى تمييع الحقوق الاجتماعية للإنسان بعد نقلها إلى قوى السوق المنفلت.
ـ تهدف العولمة الرأسمالية إلى تفكيك مفهوم المواطنة بعد تمييع دور الدولة وذلك من خلال تشتيت دائرة انتماء الإنسان إلى قوى وتجمعات احتكارية كبرى في المراكز الرأسمالية وتجمعات بدائية / الطائفة / العشيرة / العرق في الدول الوطنية الأمر الذي يعني تحجيم الولاء للوطن والكفاح في إطاراته السياسية / الجغرافية.
ـ الليبرالية الجديدة تدعو إلى التركيز على الحقوق السياسية للإنسان دون الحقوق الاجتماعية، و بهذا المعنى فإنها تطلق العنان لحرية الفوضى والتفكك والصراعات الاجتماعية.
تلخيصاً لما جرى استعراضه نحاول صياغة بعض الاستنتاجات الضرورية:
1: ـ ترتبط حقوق الإنسان ارتباطاً وثيقاً بطبيعة نمط الإنتاج السائد تاريخيا. بكلام آخر إن حقوق الإنسان ذات معطى تاريخي متغير تأخذ أشكالها الملموسة استناداً إلى مضامين الصراعات الاجتماعية السائدة في اللحظة التاريخية الملموسة.
2: ـ يرتبط مفهوم المواطنة ارتباطاً وثيقاً بظهور الدولة القومية وما نتج عن ذلك من تلازم مفهومي المواطنة والدولة وعلاقة ذلك بالشرعية الوطنية للنظام السياسي.
3: ـ هناك علاقة بين المواطن والوطنية والديمقراطية. بكلام آخر إن الديمقراطية والتوزيع العادل للثروة الوطنية تدفع المواطن للدفاع عن المصالح الوطنية. وبعكسه فان سيادة الاستبداد والاستحواذ على الثروة الوطنية تعني انهيار المواطنة وفضلاً عن مستلزمات الدفاع عن الوطن.
4: ـ يتعرض مفهوم المواطنة خاصة في الدول الوطنية إلى انتهاكات صارخة تتمثل في طبيعة النظم الاستبدادية من جهة وميول العولمة الرأسمالية الهادفة إلى تفكيك مفهوم الدولة من جهة أخرى.
وفي القرن الحادي والعشرين شهد مفهوم المواطنة تطوراً مال به منحى العالمية وتحددت مواصفات المواطنة الدولية على النحو التالي:

– الاعتراف بوجود ثقافات مختلفة .
– احترام حق الغير وحريته.
– الاعتراف بوجود ديانات مختلفة .
– فهم وتفعيل أيديولوجيات سياسية مختلفة .
– فهم اقتصاديات العالم .
– الاهتمام بالشؤون الدولية .
– المشاركة في تشجيع السلام الدولي .
– المشاركة في إدارة الصراعات بطريقة اللاعنف.

وهذه المواصفات لمواطن القرن الواحد والعشرين يمكن فهمها بشكل أفضل في صورة كفاءات تنميها مؤسسات المجتمع لتزيد فاعلية الارتباط بين الأفراد على المستوى الشخصي والاجتماعي والمحلي والقومي والدولي ويكون ذلك بتنمية قدرات معينة للتفكير تحسم وتنظم في الوقت نفسه الاختلافات الثقافية ، ومواجهة المشكلات والتحديات كأعضاء في مجتمع عالمي واحد .
ويستند هذا المنحى في إرساء مبدأ المواطنة العالمية على ركيزتين:

الأولى: عالمية التحديات في طبيعتها كعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية ، والامتلاك غير المتساوي لتقنيات المعلومات وانخفاض الخصوصية ، والتدهور البيئي وتهديد السلام .
الثانية: أن هناك أمماً ومجتمعات ذات ديانات وثقافات وأعراف وتقاليد ونظم مختلفة.

ولقد أسفرت الاجتهادات الغربية المعاصرة لتحليل طرفي هذه المعادلة عن تفاعلات جدية تتلخص في صياغة عناصر جديدة للمواطنة ، وتأسيس مصطلح جديد في الخطاب المعاصر هو (المواطنة العالمية) أو (المواطنة عديدة الأبعاد) التي لخصت في (البعد الشخصي – البعد الاجتماعي – البعد المكاني – البعد الزماني) وأهابت بالمؤسسات السياسية والتربوية تحقيقها من خلال العناصر التالية:
1) الإحساس بالهوية .
2) التمتع بحقوق معينة .
3) المسؤوليات والالتزامات والواجبات .
4) مسؤولية المواطن في لعب دور ما في الشؤون العامة .
5) قبول قيم اجتماعية أساسية.
وعلى الرغم مما وصل إليه مفهوم المواطنة من وضوح في الفكر الغربي المعاصر إلا أنه ما زال يشهد في الوعي العربي بعض التداخلات مع مفهوم الانتماء ، ويقتضي ذلك وفق أهداف الدراسة التأصيل النظري لمفهوم الانتماء .

مكونات المواطنة
الوطنية – كما أشرنا سابقاً – ليست مفهوماً سياسياً فحسب، بل إنها مفهوم يستوعب مجالات مختلفة في واقع حياتنا الاجتماعية. وهذا الفكر مقيد بحدود الزمان والمكان. ولا يستطيع البحث العلمي النزيه أن يُجرد الفكر الوطني الإنساني من حدود الزمان والمكان. وإذا كان الإسلام يعطي لمفهوم الأمة تصوراً شاملاً أو كلياً يتخطى حدود المكان والزمان. فإن ذلك التصور لا يتعارض مع تصور الوطنية في حدود الزمان والمكان. ذلك أن التصور السليم للوطنية له مستويان هما:
أ ‌- مستوى العلاقة بين الفرد ووسطه الاجتماعي.
ب- مستوى العلاقة بين الفرد والوسط الاجتماعي الإنساني العالمي.
ورقيِّ الوسط الثاني يعتمد اعتماداً كلياً على رٌقي الوسط الأول. فإذا حافظ الفرد على اتزان حبه وانتماءه لوطنه وأهله وأبناء عشيرته فإنه من الطبيعي أن يحافظ على ذلك بالنسبة للأمة..بل والعالم أجمع.
غير أن القوى العالمية المعاصرة لا تريد للوطنية أن تنمو في هذين المستويين. وإنما تريد هذه القوى استبدال الوطنية/المواطنة المحلية بالتغريب Westernization والوطنية/المواطنة العالمية بالعولمةGlobalization ولا شك أن عملية الاستبدال هذه تتم بوسائل الترغيب والترهيب. ووسائل الترغيب كثيرة منها الانضمام إلى اتفاقيات التجارة العالمية والمشاركة في المشروعات وإقامة منطقة تجارية عالمية في المنطقة الإسلامية وغيرها من المنظمات والشركات العالمية. ووسائل الترهيب كثيرة منها: الحرب الإعلامية على القيم الإسلامية، والغزو العسكريهي:ذية الصراعات الطائفية.
للمواطنة عناصر ومكونات أساسية ينبغي أن تكتمل حتى تتحقق المواطنة وهذه المكونات هي:

I- الانتماء
ا – مفهوم الانتماء

يشير مفهوم الانتماء إلى الانتساب لكيان ما يكون الفرد متوحداً معه مندمجاً فيه ، باعتباره عضواً مقبولاً وله شرف الانتساب إليه ، ويشعر بالأمان فيه ، وقد يكون هذا الكيان جماعة ، طبقة ، وطن ، وهذا يعني تداخل الولاء مع الانتماء والذي يعبر الفرد من خلاله عن مشاعره تجاه الكيان الذي ينتمي إليه .
ولقد ورد في الانتماء آراء شتى للعديد من الفلاسفة والعلماء و تنوعت أبعاده ما بين فلسفي ونفسي واجتماعي ، ففي حين تناوله ماسلوMaslo من خلال الدافعية ، اعتبره إريك فروم Fromm حاجة ضرورية على الإنسان إشباعها ليقهر عزلته وغربته ووحدته ، متفقاً في هذا مع وليون فستنجر Leon Festinger الذي اعتبره اتجاهاً وراء تماسك أفراد الجماعة من خلال عملية المقارنة الاجتماعية ، وهناك من اعتبره ميلاً يحركه دافع قوي لدى الإنسان لإشباع حاجته الأساسية في الحياة .
وعلى الرغم من اختلاف الآراء حول الانتماء ما بين كونه اتجاهاً وشعوراً وإحساساً أو كونه حاجة أساسية نفسية – لكون الحاجة هي شعور الكائن الحي بالافتقاد لشيء معين، سواء أكان المفتقد فسيولوجياً داخلياً ، أو سيكولوجياً اجتماعياً كالحاجة إلى الانتماء والسيطرة والإنجاز- أو كونه دافعاً أو ميلاً، إلا أنها جميعاً تؤكد استحالة حياة الفرد بلا انتماء، ذاك الذي يبدأ مع الإنسان منذ لحظة الميلاد صغيراً بهدف إشباع حاجته الضرورية ، وينمو هذا الانتماء بنمو ونضج الفرد إلى أن يصبح انتماءً للمجتمع الكبير الذي عليه أن يشبع حاجات أفراده . ولا يمكن أن يتحقق للإنسان الشعور بالمكانة والأمن والقوة والحب والصداقة إلا من خلال الجماعة ، فالسلوك الإنساني لا يكتسب معناه إلا في موقف اجتماعي، إضافة إلى أن الجماعة تقدم للفرد مواقف عديدة يستطيع من خلالها أن يظهر فيها مهاراته وقدراته ، علاوة على أن شعور الفرد بالرضا الذي يستمده من انتمائه للجماعة يتوقف على الفرص التي تتاح له كي يلعب دوره بوصفه عضواً من أعضائها.

ب – أبعاد الانتماء 
يعد مفهوم الانتماء مفهوماً مركباً يتضمن العديد من الأبعاد والتي أهمها:

1) الهوية Identity :
يسعى الانتماء إلى توطيد الهوية، وهي في المقابل دليل على وجوده، ومن ثم تبرز سلوكيات الأفراد كمؤشرات للتعبير عن الهوية وبالتالي الانتماء.

2) الجماعية Collectivism :
إن الروابط الانتمائية تؤكد على الميل نحو الجماعية ، ويعبر عنها بتوحد الأفراد مع الهدف العام للجماعة التي ينتمون إليها ، وتؤكد الجماعة على كل من التعاون والتكافل والتماسك ، والرغبة الوجدانية في المشاعر الدافئة للتوحد. وتعزز الجماعية كل من الميل إلى المحبة ، والتفاعل والاجتماعية ، وجميعها تسهم في تقوية الانتماء من خلال الاستمتاع بالتفاعل الحميم للتأكيد على التفاعل المتبادل .

3) الولاء Loyalty :
الولاء جوهر الالتزام، يدعم الهوية الذاتية ، ويقوي الجماعية ، ويركز على المسايرة ، ويدعو إلى تأييد الفرد لجماعته ويشير إلى مدى الانتماء إليها ، ومع أنه الأساس القوي الذي يدعم الهوية ، إلا أنه في الوقت ذاته يعتبر الجماعة مسئولة عن الاهتمام بكل حاجات أعضائها من الالتزامات المتبادلة للولاء ، بهدف الحماية الكلية .

4) الالتزام Obligation :
حيث التمسك بالنظم والمعايير الاجتماعية ، وهنا تؤكد الجماعية على الانسجام والتناغم والإجماع ، ولذا فإنها تولد ضغوطاً فاعلة نحو الالتزام بمعايير الجماعة لإمكانية القبول والإذعان كآلية لتحقيق الإجماع وتجنب النزاع.
5) التواد:
ويعني الحاجة إلى الانضمام أو العشرة Affiliation، وهو- التواد- من أهم الدوافع الإنسانية الأساسية في تكوين العلاقات والروابط والصداقات ويشير إلى مدى التعاطف الوجداني بين أفراد الجماعة والميل إلى المحبة والعطاء والإيثار والتراحم بهدف التوحد مع الجماعة ، وينمي لدى الفرد تقديره لذا ته وإدراكه لمكانته ، وكذلك مكانة جماعته بين الجماعات الأخرى ، ويدفعه إلى العمل للحفاظ على الجماعة وحمايتها لاستمرار بقائها وتطورها ، كما يشعره بفخر الانتساب إليها.

6) الديمقراطية:
هي أساليب التفكير والقيادة، وتشير إلى الممارسات والأقوال التي يرددها الفرد ليعبر عن إيمانه بثلاثة عناصر:
أ – تقدير قدرات الفرد وإمكانياته مع مراعاة الفروق الفردية، وتكافؤ الفرص، والحرية الشخصية في التعبير عن الرأي في إطار النظام العام، وتنمية قدرات كل فرد بالرعاية الصحية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية.
ب- شعور الفرد بالحاجة إلى التفاهم والتعاون مع الغير ، ورغبته بأن تتاح له الفرصة للنقد مع امتلاكه لمهارة تقبل نقد الآخرين بصدر رحب ، و قناعته بأن يكون الانتخاب وسيلة اختيار القيادات ، مع الالتزام باحترام النظم والقوانين ، والتعاون مع الغير في وضع الأهداف و المخططات التنفيذية وتقسيم العمل وتوزيعه ومتابعته وهي بذلك تمنع الديكتاتورية، وترحب بالمعارض ، مما يحقق سلامة ورفاهية المجتمع .
ج- إتباع الأسلوب العلمي في التفكير .
في ضوء ما سبق ذكره من أراء متعددة حول الانتماء وجماعة الانتماء، يمكن استخلاص عدة خصائص ، كمؤشرات لدينامكية العلاقة الجدلية بين الانتماء وجماعة الانتماء أهمها :

· الانتماء مفهوم نفسي، اجتماعي، فلسفي، وهو نتاج العملية الجدلية التبادلية بين الفرد والمجتمع أو الجماعة التي يفضلها المنتمي.
· باعتبار الانتماء ذا طبيعة نفسية اجتماعية ، فإن وجود المجتمع أو الجماعة هام جداً كعالم ينتمي إليه الفرد ، حيث يعبر عن الانتماء بالحاجة إلى التجمع والرغبة في أن يكون الفرد مرتبطاً أو يكون في حضور الآخرين ، وتبدو هذه الحاجة وكأنها عامة بين أفراد البشر .
· يفضل أن تكون جماعة الانتماء بمثابة كيان أكبر وأشمل وأقوى لتكون مصدر فخر واعتزاز للفرد، وأن يكون الفرد العضو في جماعة الانتماء في حالة توافق متبادل معها ليتم التفاعل الإيجابي بينهم.
· يعبر عن جماعة الانتماء بالجماعة المرجعية ، تلك التي يتوحد معها الفرد ويستخدمها معياراً لتقدير ألذات ، ومصدراً لتقويم أهدافه الشخصية ، وقد تشمل الجماعة المرجعية كل الجماعات التي ينتمي إليها الفرد كعضو فيها.
· على الفرد أن يثق ويعتنق معايير ومبادئ، وقيم الجماعة التي ينتمي إليها ومن ثم يحترمها ويلتزم بها.
· على الفرد نصرة الجماعة التي ينتمي إليها، والدفاع عنها وقت الحاجة والتضحية في سبيلها إذا لزم الأمر مقابل أن توفر الجماعة له الحماية والأمن والمساعدة.
· أن يكون توحد الفرد مع الجماعة ضمن إطار ثقافي مشترك، وتعتبر اللغة والمعايير الثقافية الأخرى عناصر أساسية للجماعة، ويتحدد مدى الانتماء بدرجة التمسك بها.
· الانتماء بمثابة حاجة أساسية ( إنسانية ، طبيعة سيكولوجية ) في البناء النفسي ، باعتباره خاصية نفسية اجتماعية .
· الانتماء متعدد الأنماط، اتساعاً وضيقاً، تباعداً وتكاملاً، وللتنشئة الاجتماعية دور إما في إضعاف الانتماء أو تقويته، إذ عن طريقها يتشبع الفرد بالقيم المعززة للانتماء ومفردات الثقافة كاللغة والفكر والفن.
· يتأثر الانتماء بالظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة، ولذلك فإن أنماط السلوك التي يصعب تفسيرها أو تبريرها أحياناً ما تكون نتيجة لفشل الفرد في الشعور بالانتماء وإحساسه بالعزلة عن الجماعة.
· إذا أنكر المجتمع على الفرد إشباع حاجاته ، فإنه- الفرد- قد يتخذ موقفاً سلبياً إن لم يكن أحياناً عدائياً للمجتمع ،إذ قد يلجأ إلى مصادر بديلة ، يوجه إليها اهتمامه وانتماءه ، وقد تكون مصادر غير مرغوب فيها أحياناً ، ولها عواقبها السيئة على كل من الفرد والمجتمع .
· لا انتماء بلا حب ولذا فالحب جوهر الانتماء.
· يشير ضعف الانتماء إلى الاغتراب وما يصاحبه من مظاهر السلبية واللامبالاة نحو المجتمع، وغالباً كلما زاد عطاء المجتمع لإشباع حاجات الفرد، كلما زاد انتماء الفرد إليه، والعكس صحيح إلى حد ما.
· الانتماء يؤدي إلى نمو ألذات وتحقيقها ، وكذا تحقيق تميز الفرد وفرديته ، وتماسك المجتمع .
· الانتماء يدعم الهوية باعتبارها الإدراك الداخلي الذاتي للفرد، محددة بعوامل خارجية يدعمها المجتمع، والانتماء هو الشعور بهذه العوامل، ويترجم من خلال أفعال وسلوكيات تتسم بالولاء لجماعة الانتماء أو المجتمع.
· الولاء متضمن في الانتماء والانتماء أساس الوطنية .
· للانتماء أبعاد حددها البعض بثمانية هي:( الأمان – التوحد – التقدير الاجتماعي – الرضا عن الجماعة – تحقيق ألذات – المشاركة – القيادة – الإطار المرجعي) وبينها جميعاً قدر من الانسجام ويمكن من خلالها دراسة دوافع الانتماء .
· الانتماء باعتباره قيمة جوهرية متعدد المستويات بتعدد أبعاد القيمة ( وعي ، وجدان ، سلوك ) ، فهو (مادي) لحظة عضوية الفرد في الجماعة ، و(معلن) لحظة تعبير الفرد عنه لفظياً مؤكداً مشاعره تجاه جماعة الانتماء ، و(سلوكي) عندما يتخذ الفرد مواقف سلوكية حيال جماعة الانتماء ، وقد تكون هذه المواقف إيجابية تعبر عن قوة الانتماء ، أو سلبية تعبر عن ضعف الانتماء .
وانطلاقاً من أهمية هذا المفهوم في حياة البشر ، والذي أعطاه العلماء والباحثون جل اهتمامهم ، كان من الضروري إعداد وسائل تقيس السلوك والمشاعر المرتبطة بمظاهر الانتماء قوة أو ضعفاً ، مستندا في ذلك إلى نظريات علمية ، ومن ذلك على سبيل المثال محاولة (ريتشارد . م .لي )و (ستيفن . ب . روبنز)- التي استندت إلى نظرية علم نفس ألذات للعالم (هل) 1984 م – في تطوير مقياس الانتماء من خلال مقياس الترابط الاجتماعي ومقياس التأمين الاجتماعي وجاءت أبعاد الأول ( الترابط – التواد – العشرة ) ، وأبعاد الثاني ( التواد- العشرة ) ، بما تتضمن هذه الأبعاد من قيم إيجابية .
وكذلك حاولت إحدى الدراسات العربية تصميم مقياس للانتماء واستندت في تصميمه إلى سبعة عشر عنصراً – تمحورت في أربعة محاور ( المشاركة – المسؤولية – تقبل أهداف ومعايير المجتمع ، الفخر والاعتزاز بالمجتمع ) – وطبقته ميدانيا على سكان أحد الأحياء في القاهرة .

ج- التعريفً النظريً للانتماء للوطن
هو اتجاه إيجابي مدعم بالحب يستشعره الفرد تجاه وطنه ، مؤكداً وجود ارتباط وانتساب نحو هذا الوطن – باعتباره عضواً فيه – ويشعر نحوه بالفخر والولاء ، ويعتز بهويته وتوحده معه ، ويكون منشغلاً ومهموماً بقضاياه ، وعلى وعي وإدراك بمشكلاته ، وملتزماً بالمعايير والقوانين والقيم الموجبة التي تعلي من شأنه وتنهض به ، محافظاً على مصالحه وثرواته ، مراعياً الصالح العام ، ومشجعاً ومساهما في الأعمال الجماعية ومتفاعلاً مع الأغلبية ، ولا يتخلى عنه حتى وإن اشتدت به الأزمات .
د- تصنيف الانتماء
وحسب هذا المفهوم تتعدد محاولات تصنيف الانتماء التي أفرزتها كتابات الباحثين والمتخصصين على النحو التالي :
1) تصنيف حسب الموضوع ( الانتماء للإسلام – الأسرة – الوطن) والمستويين الآخرين متفرعين عن الأول.
2) تصنيف نوعي ( مادي يعتبر الفرد عضو في الجماعة، ظاهري يعبر عن مشاعره لفظياً، إيثاري يعبر عن الموقف الفعلي).
3) تصنيف حسب طبيعته ( إما قبل عضوية الفرد في الجماعة – أو بعد عضويته فيها )
4) تصنيف في ضوء السوية ( سوي يتفق مع معايير الجماعة – وغير سوي يتخذ مواقف عدوانية منها ) .
5) تصنيف كيفي ( شكلي بحكم العضوية تحت تأثير الجنسية واللغة، وموضوعي حقيقي يدرك الفرد فيه حقائق الواقع ويكون فيه مشاركاً، زائف حيث الرؤية غير الحقيقية للواقع).

ه- أنماط أللانتماء
1)
 انتماء حقيقي:
يكون فيه لدى الفرد وعي حقيقي لأبعاد الموقف ، والظروف المحيطة بوطنه داخلياً وخارجياً ، ويكون مدركاً لمشكلات وقضايا وطنه ، وقادراً على معرفة أسبابها الحقيقية وطبيعة هذه المشكلات ، وموقفه منها ، والاكتراث بآرائها ونتائجها ، ويكون المنتمي هنا مع الأغلبية ويعمل لصالحها ، ويؤمن بأن مصلحة الأغلبية والعمل من أجل الصالح العام وسلامة المجتمع ونموه وتطوره ، هو الهدف الذي يجب أن يسمو على الفردية والأنانية .

2) انتماء زائف:
هو ذاك الانتماء المبني على وعي زائف ، بفعل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية التي قد تشوه حقيقة الواقع في عقول المواطنين ، وبالتالي قد تصبح رؤيتهم للأمور والمواقف غير حقيقية وغير معبرة عن الواقع الفعلي، ومن ثم يصبح الوعي والإدراك لهذا الواقع وعياً مشوهاً وبالتالي ينبثق عنه انتماء زائف ضعيف .

3) انتماء لفئة بعينها:
وهنا يعمل الفرد على مصالح الفئة التي ينتمي إليها دون سواها من الفئات داخل المجتمع الواحد ، وبالرغم من أن وعيه بها وعي حقيقي وانتماءه لها انتماء حقيقي ، إلا أنه قياساً على انتمائه للمجتمع ككل فهو وعي غير حقيقي وانتماء غير حقيقي ، لأنه يعمل وينتمي لجزء من الكل فقط ، فلا يعي ولا يدرك ولا يعمل إلا لصالح هذا الجزء ، ويترتب على ذلك آثار وخيمة من تفتيت لبنية المجتمع وربما كان سببا لوجود الصراع بين فئاته ، ويزداد حدةً كلما ازدادت الهوة بين هذه الفئات والمحصلة النهائية تدهور المجتمع وتفككه ، إذ ستعمل كل فئة في الغالب الأعم لصالحها هي فقط ، ولو على حساب غيرها من الفئات .
إن التأصيل النظري لمفهوم المواطنة والانتماء يبين أن المواطنة هي الدائرة الأوسع التي تستوعب مختلف الانتماءات في المجتمع كما أنها تضع من المعايير التي تلزم الأفراد بواجبات والتزامات معينة تحقق الاندماج والتشاركية في تحقيق مصالح الأفراد والوطن من ناحية ، ومن ناحية أخرى تتسم المواطنة وسبل تكريسها بالمسؤولية العامة والأهداف الوطنية التي يمكن تحقيقها من خلال أطر رسمية وبنية وعي مخطط لها ويتم الإشراف عليها وتقييمها من قبل أجهزة الدولة والمحاسبة على الإخلال بمبادئها من خلال مؤسسات الدولة كل حسب تخصصها وطبيعة عملها ، في حين أن الانتماء يلعب الدور الأساس في تشكيله العديد من القوى الأيديولوجية والثقافية والاجتماعية التي قد لا يمكن السيطرة عليها ، إذ يتم ذلك في الأسر والقبائل والعشائر ، و من خلال الدوائر الفكرية والدينية الأخرى التي ربما تفضي في بعض الأحيان إلى ممارسات مناوئة لمبدأ المواطنة ذاته .
ومن ثم تعد المواطنة هي البوتقة التي تضمن انصهار جميع الانتماءات لصالح الوطن ضمن أطر نظامية ومن خلال الالتقاء على أرضية المصلحة الوطنية العامة، ويتم ذلك بناء على معطيات الفكر العالمي اليوم والتي يروج لها في ساحاتنا الفكرية ومنتدياتنا الثقافية من خلال الأبعاد التالية :
1) الهوية.
2) الانتماء.
3) التعددية وقبول الآخر.
4) الحرية والمشاركة السياسية.
فما هو موقف الشباب المغربي محل هذه الدراسة الاستكشافية من الأبعاد الأساسية الأربع لمفهوم المواطنة في ظل المتغيرات العالمية التي نمر بها، وما هي أهم هذه المتغيرات المصاحبة للانفتاح الثقافي المعاصر، وما هي أهم الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة ?.

II- الحقــوق
هناك نوعان من الحقوق في النظام الدستوري على اختلاف توجهاته ومنطلقا ته هما:
حقوق الإنسان، وحقوق المواطن. وتمثل الأولى مجموعة الحريات التي يجب أن تتوفر لكل فرد من أفراد الجماعة الاجتماعية دون أن يترتب على ممارسته لها ارتكاب عمل يخالف القانون، ومن تلك الحريات حرية التعبير عن الرأي، وحرية الاعتقاد ، وحرية الانتقال، إضافة إلى حق الملكية (في النظم اللبرالية) وحرمة مكان الإقامة، وتوفير الأمان للحياة الشخصية. هذه الحزمة من الحقوق يتمتع بها كل من يسكن البلد المعني وفق نظام الإقامة الذي يوفره القانون، ولا تقتصر مظلتها على المواطنين وحدهم، وهو ما يطلق عليه “الحقوق المدنية”.
النوع الثاني من الحقوق فيقتصر على كل من يتمتع بالمواطنة وهو أوسع مدى إذ يكفل لصاحبه حق المشاركة السياسية باختيار أعضاء المجالس النيابية، وحق الترشيح لتلك المجالس، وإبداء الرأي في كل أمر من الأمور السياسية والانتماء إليها، وممارسة الاحتجاج السياسي بمختلف مظاهره ووسائله، وهذه الحزمة من الحقوق هي ما يعبر عنه “بالحقوق السياسية” وتمثل جوهر “المواطنة”.
ولا توجد تلك الحقوق في النظم السياسية غير الدستورية حيث تولى الحكم أرستقراطية تمارس السلطة الأبوية أو تستمد شرعيتها بالوكالة من سلطة سيادة أجنبية ولا تنظر إلى الشعب المكون لنسيج الجماعة الاجتماعية سوى النظرة إلى الرعية التي يقع على كاهلها إعالة حكامها، وتدين لهم بالسمع والطاعة، عندئذ لا يحصل هؤلاء على أي نوع من الحقوق إلا مما تمنحهم إياه الطبقة الحاكمة. كما لا تعدم السلطة الدكتاتورية- في النظم الدستورية اسما- لا تعدم السبيل إفراغ النصوص الدستورية المتعلقة بالحقوق السياسية من مضمونها وبذلك يتم تقييد حقوق المواطنة، وحرمان المواطنين من المشاركة السياسية.
ولما كانت الحركة الدستورية في بلد ما تأتي نتاج قيام القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في وضع حد للسلطة المطلقة بتحريك الجماهير لانتزاع الحقوق السياسية للأمة من خلال الدستور.
إن مفهوم المواطنة يتضمن حقوقاً يتمتع بها جميع المواطنين المغاربةوهي في نفس الوقت واجبات على الدولة والمجتمع منها:
– جميع المغاربة سواء أمام القانون.
– الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية.
– الرجل والمرآة متساويان في التمتع بالحقوق السياسية.
– حرية التجول وحرية الاستقرار بجميع أرجاء المملكة.
– حرية الرأي وحرية التعبير بجميع أشكاله وحرية الاجتماع.
– حرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في أية منظمة نقابية وسياسية حسب اختيارهم. ولا يمكن أن يوضع حد لممارسة هذه الحريات إلا بمقتضى القانون.
– لا يلقى القبض على أحد ولا يعتقل ولا يعاقب إلا في الأحوال وحسب الإجراءات المنصوص عليها في القانون.
– المنـزل لا تنتهك حرمته ولا تفتيش ولا تحقيق إلا طبق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في القانون.
– لا تنتهك سرية المراسلات.
– يمكن جميع المواطنين أن يتقلدوا الوظائف والمناصب العمومية وهم سواء فيما يرجع للشروط المطلوبة لنيلها.
– التربية والشغل حق للمواطنين على السواء.
– حق الإضراب مضمون.
– حق الملكية وحرية المبادرة الخاصة مضمونان.
هذه الحقوق يجب أن يتمتع بها جميع المواطنين بدون استثناء سواء أكانوا مسلمين أم أهل كتاب أم غيرهم في حدود التعاليم الإسلامية فمثلاً حفظ الدين يجب عدم إكراه المواطنين من غير المسلمين على الإسلام قال تعالى : ¼لا إكراه في الدين» (البقرة : 256)، وكذلك الحرية فهي مكفولة لكل مواطن بغض النظر عن دينه أو عرقه أو لونه، بشرط ألا تتعدى إلى حريات الآخرين أو الإساءة إلى الدين الإسلامي.

III- الواجبـات:
تختلف الدول عن بعضها البعض في الواجبات المترتبة على المواطن باختلاف الفلسفة التي تقوم عليها الدولة، فبعض الدول ترى أن المشاركة السياسية في الانتخابات واجب وطني، والبعض الآخر لا يرى المشاركة السياسية كواجب وطني.
ويمكن إيراد بعض واجبات المواطن في المملكة المغربية التي منها :
– على المواطنين جميعهم أن يساهموا في الدفاع عن الوطن.
– على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية التي للقانون وحده الصلاحية لإحداثها وتوزيعها حسب الإجراءات المنصوص عليها في الدستور.
– على الجميع أن يتحملوا متضامنين التكاليف الناتجة عن الكوارث التي تصيب البلاد.
هذه الواجبات يجب أن يقوم بها كل مواطن حسب قدرته وإمكانياته وعليه الالتزام بها وتأديتها على أكمل وجه وبإخلاص.

VI – المشاركة المجتمعية
إن من أبرز سمات المواطنة أن يكون المواطن مشاركاً في الأعمال المجتمعية، والتي من أبرزها الأعمال التطوعية فكل إسهام يخدم الوطن ويترتب عليه مصالح دينية أو دنيوية كالتصدي للشبهات وتقوية أواصر المجتمع، وتقديم النصيحة للمواطنين وللمسئولين يجسد المعنى الحقيقي للمواطنة.

V – القيم العامـة
وتعني أن يتخلق المواطن بالأخلاق الإسلامية والوطنية والتي منها:
· الأمانة: ومن معاني الأمانة عدم استغلال الوظيفة أو المنصب لأي غرض شخصي.
· الإخلاص: ويشمل الإخلاص لله في جميع الأعمال، والإخلاص في العمل الدنيوي وإتقانه، والإخلاص في حماية الوطن.
· الصدق: فالصدق يتطلب عدم الغش أو الخداع أو التزوير، فبالصدق يكون المواطن عضواً نافعاً لوطنه.
· الصبر: يعد من أهم العوامل التي تساعد على ترابط المجتمع واتحاده.
· التعاضد والتنا صح: بهذه القيمة تجعل المجتمع مترابطاً، وتتألف القلوب وتزداد الرحمة فيما بينهم.

المواطنة في التشريع الإسلامي
الإسلام لا يحكم على أساس قومي ولا عرفي فالناس عنده سواء. هذا إذا كانت الدولة الإسلامية تتحرك بمنطق الإسلام، وبمفهوم الإسلام وبقيم الإسلام، وبأحكام الإسلام، فلو كان فيها اختلاف قومي وعرقي أو لوني أو لغوي وجب على هذه الدولة أن تساوي بين الجميع في كل الحقوق كما تساوي في كل الواجبات فان الدولة الإسلامية تعترف بهذه الأقليات العرقية بثقافتها التي لا تتنافى مع الثقافة الإسلامية.
كما أن الإسلام يعترف بالثقافة القومية أي إذا كانت هناك أكثرية عربية في دولة ما كالعراق أو أكثرية فارسية مثلاً كما إيران فلو طلب الأكراد أن يكون هناك برنامج لثقافتهم ولغتهم لتبقى لهم ثقافتهم، فعلى الدولة أن تكفل لهم ذلك.
ولو فرضنا أنهم طلبوا بعض الحقوق التي تتصل بوجودهم بصفتهم شعباً معيناً له خصائصه دون أن تتنافى مع المصالح العليا للشعب، لا مع كيان الدولة ووحدتها فعلى الأمة الإسلامية أن تكفل لهم ذلك.
أما بالنسبة للأقليات الدينية فالإسلام اعترف بالأديان الأخرى (كل من امن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله) البقرة/285.
إن الإنسان المسلم يعترف بالتوراة والإنجيل والقرآن كما يعترف بكل الكتب الأخرى كزبور داوود وصحف إبراهيم وما إلى ذلك، فعندما يعترف الإسلام بالديانات فانه يحتضنها وان اختلف معها.
عندما ندرس وضع المسيحيين في العالم الإسلامي ووضع اليهود في العالم الإسلامي، فإننا نجد أن الإسلام لم يلغ اليهود بل استمروا حتى الآن وعاشوا مع المسلمين أكثر مما عاشوا مع الغربيين بعكس ما هو الحال في الغرب، حيث كان يمنع دخول الكلاب واليهود إلى أماكن معينة.
هكذا نجد المسيحيين موجودين في العالم العربي وان حدثت مشاكل بين المسلمين والمسيحيين فهي كالمشاكل التي تحدث بين المسلمين أنفسهم كأي مجتمع متنوع يعيش مشاكل يومية وغير يومية.
اماالعلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب فهي قائمة على عنوانين :
عنوان(الذمة) الذي يجعل الأقلية الدينية في ذمة الأكثرية الإسلامية الممثلة بالدولة بمعنى حمايتها لهم والدفاع عنها والعدل فيهم ومنحهم الحريات العامة والحقوق الإنسانية بما يتناسب مع النظام العام وعدم فرض المشاركة في الحروب الإسلامية مع الآخرين ولاسيما إذا كانوا من أتباع دينهم إلا إذا اختاروا المشاركة في التوافق مع الدولة.
والثاني: عنوان المعاهدة التي تنظم العلاقات بين المسلمين وغيرهم فهي أساس الدراسة المشتركة لكل القضايا الحيوية المتصلة بالخط الفكري والعملي مما يقبله هذا أو ذاك ويرفضه في خط التعايش القائم على الاحترام المتبادل في نطاق الوضع العام وانطلقت التجربتان في الواقع الإسلامي التاريخي وعرضت كل واحد منها لنكسات واقعية وتعقيدات تطبيقية ولكنهما بقيتا في بعدهما الفكري الإنساني تشيران إلى ضرورة الوقوف على الكلمة السواء بينهم.
ويقدم الإسلام الإنسان بوصفه كائناً مكرماً ومحترماً، ويعتبره خليفة الله في الأرض، ويشير بان خالق العالم قد جعل الكون كله تحت تصرفه، ومنَّ عليه بمواهب وقوى واستعدادات كي يصيب حظه من الاستمتاع بما في الوجود من مواهب ونعم وألاء، ويكون بالمستوى المطلوب في التصرف بها واستثمارها ويكشف رموزها وأسرارها
وجاءت هذه الحقيقة في القرآن الكريم مسجلة في قوله تعالى( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني اعلم ما لا تعلمون) البقرة/3.
وجاء في مكان آخر من القرآن قوله جل من قائل (( ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا))/ الإسراء/70.
ولوحظ ثناؤه على الإنسان في قوله عز شأنه ((وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)) الجاثية/ 13.
ويرى الإسلام أن جميع الناس متساوون في هذه الكرامة والشرف الذاتي، ويعتبر كل إنسان يجسد معنى الإنسانية قميناً بهذه الكرامة العظيمة، ويلغي الاختلافات الاعتيادية والعنصرية، وقد أعلن النبي الأكرم (ص) في احد خطاباته التاريخية بصراحة قائلاً ” كلكم لآدم وادم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”.
وكان رسول الله ذات يوم جالساً مع جمع من أصحابه فمرت جنازة فقام لها احتراماً فغمز احد أصحابه قائلاً: انه يهودي فقال: أليست نفساً؟ .
وفي ضوء هذا الاحترام والكرامة الذاتية اعتبر الإسلام جميع الناس امة واحدة، وأمة تستوعب المجموعات الإنسانية برمتها وأعلن القران هذه الوحدة الأصيلة بصراحة، واعتبر ألوان التفرقة والاختلافات عرضية ومنبعثة عن إتباع الأهواء، وصرح أن السر من بعثة الأنبياء يكمن في علاجات هذه الخلافات وقيادة الركب البشري قال تعالى(( وما كان الناس إلا امة واحدة فاختلفوا))يونس/19.
وقال عز من قائل:(( كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم)) البقرة/ 213.
إن القران لا ينظر إلى اختلاف اللغات والألوان كعقبة في طريق الوحدة الإنسانية، بل يرى أن هذا الاختلاف من السنن الكونية ومن مظاهر القدرة الإلهية قال تعالى(( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم)) الروم/22.
ويتطرق القرآن أيضا إلى الاختلافات القبلية والعنصرية بوصفها باعثاً على ترسيخ الوحدة والعلاقات الاجتماعية والتعاون بين اعضاءالمجتمع البشري قال جل شأنه(( يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)) الحجرات/13.
ويسوغ القرآن حتى فلسفة الاختلاف في المستوى المعيشي للشرائح الاجتماعية لئلا يساء استغلاله كما حث على التمييز والاستعلاء وقال تبارك اسمه((نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون)) الزخرف/32.
من جهة أخرى فأن القرآن لا ينظر إلى الفارق الجنسي بوصفه باعثاً على الاختلافات في الأبعاد الإنسانية، وكان يوبخ الذين يتبرمون من ولادة الأنثى، قال تقدس ذكره((وإذا بشر احدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم)) الزخرف/17.
وفي مجال آخر، عندما يروم القران تقويم المثل المادية والظواهر الدنيوية في مقابل الحياة الإنسانية الشريفة الخالدة، فانه يعلن هذه الحقيقة مرة أخرى فيقول((ولولا أن يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون))الزخرف/33.
ولا يسمح القران أبدا أن يشكل التفاوت في المواهب البشرية أو المواقع الاجتماعية المتنوعة، أو بقية الفوارق الطبيعية، حاجزاً ومانعاً في المجتمع الإسلامي، فينقسم المجتمع إلى شرائح مختلفة في ضوء هذه الفوارق، وعند ذلك تتولد التكثلات والتجمعات، -فتصبح سبباً في التمايز، وقد تؤدي إلى الظلم والإجحاف، قال تعالى((إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء)) الأنعام/159.
تمثل هذه التعاليم والنداءات في الحقيقة تنشيط معنوياً في توطيد الوشائج والأواصر لمجتمع امن بأصل هذه التعاليم والنداءات وأنشد إليها من أعماقه ويمكن أن تشكل إنذارا لتوعية الأمة وإيقاظها أمام كل لون من ألوان الغزو والتفريق الذي تمارسه القوى الشيطانية المعادية للبشرية ووحدتها وفي الوقت نفسه، هي صمام أمان في مواصلة الطريق ومقاومة ضرب من ضروب الانصهار والذوبان.
هناك عدد من العناصر المهمة التي تمثل وجهة نظر الإسلام تمثل المواطنة في الدولة الإسلامية وهي :
1- عنصر الفكر والعقيدة
من الجدير بالذكر أن الأسس الفكرية والعقائدية هي من انجح الدعائم وأهمها في إنشاء النظم وكيفية تطبيق متطلباتها من اجل إيجاد الحياة الاجتماعية والمحافظة على بنائها. ولما كان لابد لهذه النظم من أن تكون منسجمة ومتطابقة تماما مع الحقائق والأسرار التي تخص خلق الإنسان والعالم، فانه يبقى في قياس القيمة الحقيقية لهذه النظم الاجتماعية أن تأخذ بنظر الاعتبار حجم الأسس الفكرية والعقائدية ويمكن عن هذا الطريق تحديد الصواب والخطاب، والضرورة، وعدم الضرورة، ومدى الحاجة إلى تلك لنظم. وعندما ننظر إلى الإنسان، كما ينظر إليه عدد من علماء الاجتماع، فنفرضه كائناً مجرداً من الدافع الذاتي( كونه اجتماعياً) فطرياً، ونعتبر حياته الاجتماعية حالة عرضية وتعاقدية، فلا بد لنا من الإذعان لهذه الحقيقة مرة أخرى وهي أن مبدأ (الفكر والعقيدة) يؤدي دوراً مهماً في هذا العقد وما لم تكن هناك أسس فكرية وعقائدية، فان تحقق مثل هذا لعقد واستمرار يته أمر متعذر وخلاصة القول( إن العقيدة أساس الحياة الاجتماعية) .
وهناك مبدأ آخر لان المبدأ المذكور لا يكفي وحده لإثبات الهدف الأساس المواطنة على أساس العقيدة وهذا المبدأ الآخر هو المبدأ القائل بان( العقيدة ضامنة لوحدة حياة المجتمع)
إن مبدأ التعاون الذي يعد من المبادىء الضرورية للمجتمع وبقائه، ولا تزدهر الحياة الاجتماعية ولا تنسجم بد ونه، لا يتحقق في مجال وحدة العقيدة.
والناس الذين يحملون عقائد مختلفة وآراء وميول متضاربة ورغبات متعارضة لا يبدون أي استعداد للتعاون فيما بينهم، ولا تتضافر جهودهم أبدا من اجل سد الحاجات القائمة وعلاج المشاكل المعيشية كما يليق بمجتمع موحد.
2- عنصر الإيمان
يعد الإيمان في الإسلام مميزاً للشعب وعنصراً حقيقياً يدخل في تكوينه وتتألف الأمة الإسلامية من أفراد وجماهير تؤمن بالإسلام وعقائده وقوانينه، وفي ضوء ذلك يستعمل الإسلام اصطلاح الأمة بديلا عن اصطلاح الشعب ويعتبر الأمة المؤمنة بالإسلام امة واحدة.
ويعلن القران هذه الحقيقة قائلاً ((إن هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)) الأنبياء/92.
إن القانون الإسلامي لا يعبأ بالتفرقة على أساس العنصر والدم والأرض ويرى أن المسلمين كافة متساوون أمام القانون كأسنان المشط.
وقد صرح النبي الأكرم (ص) بهذه الحقيقة الإسلامية مؤكداً عليها في خطبته التاريخية التي ألقاها في (حجة الوداع) قال فيها:
((يا أيها الناس، إن ربكم واحد وان أباكم واحد. كلكم لآدم وادم من تراب، أكرمكم عند الله اتقاكم ليس لعربي على أعجمي ولأعجمي على عربي ولا لأحمر على ابيض ولا لأبيض على احمر فضل إلا بالتقوى ألا بلغت، اللهم فاشهد، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب)) .
إن الوحدة في العناصر المادية مهما كانت قوية ومهما اتفقت إلى تضامن أكثر لاتسطيع أن تشكل دعامة الحياة مشتركة وأهداف ومصالح مشتركة إذ أن التضارب بالمطالب، والتباين في الأفكار، والاختلاف في الرغبات وأخيرا الاختلاف في تحديد المصالح وتعيين الأهداف في الحياة، كل ذلك عقد سيفصم عقد المجتمع ويقوض أساس الوحدة الاجتماعية والتنسيق الاجتماعي.
بينما لو اتسم مجتمع مؤلف من أفراد مختلفين من حيث العنصر والأرض والدم بوحدة الفكر والعقيدة والهدف، سيكون قادراً على تنظيم برنامج واحد على أساس المصالح المشتركة وتطبيق ذلك البرنامج بتنسيق خاص، وتتضافر جهود أبنائه للمحافظة عليها .
وفي ضوء ما تقدم نخلص إلى أن وحدة الفكر والعقيدة كما تضمن الوحدة الاجتماعية فهي تضمن وحدة القومية أيضا وتمثل مؤشراً لها وينبغي تحديد الفوارق بين الشعوب والمجتمعات وتعيين حدود القومية في اختلاف العقيدة أو وحدتها.
إن العلاقة المعنوية والمتماسكة للمواطنة في الإسلام تتألف بشكل أروع وأكثر إنسانية ذلك أنها تتخذ طابعاً اخوياً، وفي صور الإسلام الكامل بان المسلم اخو المسلم فان وحدة الإيمان استبدلت بوحدة أخرى أهم منها وهي ما تعبر عنها بوحدة الدم ومن هذا المنطلق يبقى القول إن المجتمع الإسلامي مجتمع اخوي وهذا أسمى من مظاهر الحياة الاجتماعية الإنسانية التي تليق بمقام الإنسان الرفيع.
ناقش الفقهاء بشكل ضمني نوعاً من التحزب السياسي في قالب مسألة قانونية من خلال طرح أنواع العقود والاتفاقيات المشروعة مع الشعوب والجماعات المختلفة لان كل واحد من هذه العقود عنوان خاص في الفقه كما نجد الصلح، والمهادنة والمحايدة والذمة والاستئمان والموادعة، مفردات معدة للتعبير عن جماعة خاصة وهكذا فان الشعوب التي تشكل طرفاً في هذه العقود وتنقسم من الناحية العقائدية والسياسية إلى أقسام متنوعة.
إن أهم تقسيم فقهي يخص الشعب هو:
1- شعب تسوده علاقة الأخوة الإسلامية ويعيش في سلم تام وكل أفراده يعتنقون الإسلام والتمييز بينه ليس قانونياً.
-2أصحاب الأديان السماوية وهم اليهود والنصارى والمجوس ويسمى القران هؤلا ء أهل الكتاب وعندما يكون لهم عقد ذمة مع المسلمين فإنهم يسمون أهل الذمة أو أهل الجزية.
3- الكفار الذين ليس لهم أعمال عدائية ضد الإسلام والمسلمين وتركوا عقد معاهدة مع المسلمين فيسمى هؤلاء : أهل الحياد.
4- جماعة تنهي تعاملها ألعدائي من خلال الهدنة مع المسلمين بيد أنها ترفض عقد معاهدة معهم وتسمى هذه الجماعة: أهل الاعتزال.
5- الشعوب التي عقدت مع المسلمين معاهدة الصلح وتسمى أهل الصلح.
6- جماعة استفادت من عقد الأمان، ويطلق عليها اسم المستأنسة وقد خصص الفقهاء باباً واسعا للبحث حول عقد الأمان وشروطه وحقوق المستأمنين.
إن الوطن في اصطلاح الفقهاء عبارة عن الأرض التي يتخذها الإنسان سكناً له فينشاً بينها نوع من التعلق والانسداد والتخصيص مما ترتب عليه من أحكام وأثار فقهية كثيرة من الناحية الفقهية ويقسم الفقهاء الوطن إلى ثلاثة أقسام:
1- الوطن الأصلي: الذي يولد فيه الإنسان ويعيش فيه أبواه يجد الطفل نوعا ً من العلاقة القانونية بالمحل الذي يسكنه أبواه متبعاً لهما وبعد بلوغه تشمله أثاره الفقهية ولاتاثير للملكية في الأرض على الآثار القانونية لهذا الوطن.
2– الوطن العرفي: أو المستجد ويعني المحل الجديد الذي يختاره الإنسان لسكنه خارج وطنه الأصلي ويكفي قصد السكن الدائم فيه ليصدق عليه عنوان الوطن العرفي وليس ثمة ضرورة لعلاقة الملكية في هذا الوطن المستجد ومتى عاش هذا الإنسان مدة في الوطن الجديد بحيث يعتبر وطنه في عرف الناس، فستترتب عليه الآثار القانونية والفقهية للوطن
إن هذه المدة الضرورية للصدق العرفي للوطن تتباين تبعاً للأشخاص أنفسهم فتتغير مع الظروف المعيشية والعمل والبيئة ولعل الإقامة شهراً واحداً يصدق عليها اسم الوطن عرفاً بالنسبة إلى البعض وربما يكفي اقل من شهر أيضا بالنسبة إلى البعض الآخر
وآيا كان الموضوع فالفقهاء يصرحون بأنه لا ضرورة لإقامة ستة اشهر بيد أن قصد السكن الدائم يحقق عنوان الوطن العرفي علماً أن بعض الفقهاء لم يشترط وجود ذلك القصد أيضا، لكن اشترط عدم وجود مدة معينة لقصد الإقامة، وكثير من الفقهاء لم يشترط القصد أيضا بل اعتبروا الوطن صادقاً من خلال طول الإقامة، وهكذا يمكن أن يكون للشخص الواحد أكثر من وطن.
3- الوطن الشرعي: وهو المعبر عنه في بعض الروايات بالاستيطان، ينقل ابن بزيع احد أصحاب الإمام موسى الكاظم (ع) قائلاً : فقلت ما الاستيطان؟فقال: أن يكون فيها منزل يقيم فيه ستة اشهر فإذا كان ذلك يتم فيها متى دخلها.
يشترط الفقهاء في صدق الوطن الشرعي شرطين جوهريين هما :
الأول: الإقامة ستة اشهر كحد أدنى.
الثاني: التملك.
بيد أن كثير من الفقهاء لا يرون الوطن الشرعي مقيداً ويعدونه فاقداً للأثر الفقهي والقانوني.
وأما الأقليات الدينية فإنها تستطيع بعد عقد الذمة وانتساب المواطنة في ضوئه أن تعيش كسائر المسلمين في أي بقعة من بقاع الوطن الإسلامي تراها مناسبة لها وتتخذها سكناً دائما أو مؤقتاً وكذلك تستطيع أن تغادر الوطن الإسلامي وتخرج من حدوده. بيد أن عقد الذمة في هذه الحالة يفقد أثره تلقائياً وتلغي الآثار المترتبة على المواطنة المكتسبة على أساس عقد الذمة.
ويمكن إجمال ذلك بالنقاط التالية:
1- لا ضرورة من امتلاك أهل الكتاب والذمة سكناً دائما بالمعنى المتقدم وان تعيين السكن تابع لرغبة الأقليات الدينية واختيارها الشخصي ولا قسر ولا إلزام في هذا المجال إلا في الحالات الاستثنائية التي يتطلب فيها عقد الذمة أو مصالح الطرفين تحديد سكن معين لهم
2- يمكن أن تتعدد مساكن أهل الذمة.
3- أن سكن أهل الذمة ليس دائما فهم يستطيعون تغيير مساكنهم باختيارهم أنى شاءوا .
ولكي نعطي هذا البحث إطاره القانوني ولغته القانونية الدقيقة فإننا نعرف المواطنة على ضوئه بأنها العضوية في الأمة ذات الاستقلال السياسي- أي ذات الوطن.
فالأفراد داخل حدود الوطن ينقسمون إلى مواطنين وأجانب.
المواطنون هم الذين يعتبرون أعضاء في تلك الأمة والأجانب هم الذين يحملون صفة العضوية.
كما أن المواطنة ليست قراراً يتخذ، فقد وضعت الدولة الحديثة شروطاً وضوابط للفرد المواطن للتمييز بينه وبين الأجنبي، واصطلاح المواطنة بالمفهوم الحديث له غير موجود في القاموس الإسلامي ومن هنا فقد يبدو الحديث في المواطنة في الإسلام أمرا غريباً إلا أن المواطنة بمعنى العضوية في الأمة موجود في الفكر السياسي الإسلامي وان لم يكن هذا الاصطلاح مستعملاً وعلى ذلك كان الحديث على المواطنة في الإسلام ليس تحميلاً على المفاهيم الإسلامية وليس فرضاً عليها.
والحديث عن واجبات المواطن وحقوقه هو حديث عن واجبات الفرد تجاه الدولة ومسؤولية الدولة اتجاهه.
ولتأخذ هنا فكرة عامة عن واجبات وحقوق المواطن في الدول الحديثة ثم نقارن بينها وبين ما يمثلها في الإسلام.
يكتب( اوستن رني) عن هذا الموضوع قائلاً:- الواجب الأساس في المواطنة في الدول الحديثة هو الإخلاص والولاء للأمة فالمنتظر من كل مواطن أن يضع مصالح أمنه وسيادتها فوق مصالح أي امة أخرى وسيادتها.
وان من أهم واجبات المواطن التي تنبعث من هذا الواجب الأساس تتمثل في عدة أمور منها :
إطاعة قوانين الأمة، ودفع الضرائب، والخدمة في القوات المسلحة عندما يدعى ذلك ثم يتحدث عن امتيازات المواطن وحقوقه فيقول:-للمواطن امتيازا ن أساسيان:
اولهما: أهلية إذا ما وصل إلى سن الرشد الذي تحدده الدولة للمساهمة في عمليات اتخاذ القرارات التي تحدد سياسة الدولة وذلك عن طريق بعض الوسائل مثل حق التصويت وحق تولي الوظائف.
وثانيها: حقهم في أن تقوم الدولة في الداخل والخارج في حماية ملكه ونفسه.
فإذا كانت المواطنة بمعنى العضوية في الأمة، فان المواطنة في المفهوم الإسلامي ستكون أوسع من الحدود الجغرافية للوطن الإسلامي.
إن كل فرد مسلم يعتبر مواطناً بهذا المعنى لأنه عضو في الأمة الإسلامية له كل الحقوق والامتيازات كما عليه الواجبات والمسؤوليات.
إن الانتماء إلى الإسلام هو أساس هذه العضوية، وكل الحدود الأخرى لا تفصل المسلمين ولا تجعلهم أمتين كما لا تجعل واحداً منهم فاقداً لعضويته في الأمة الإسلامية.
كما أن الموقع الذي أعطى للأمة الإسلامية يشترك فيه كل أفراد الأمة بما فرضه من مسؤولية وواجبات، انه موقع الشهادة على العالمين كما جاء في قوله تعالى ((وكذلك جعلناكم امة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)) البقرة/143.
ومعنى ذلك أن عضوية الفرد المسلم في الأمة الإسلامية التي تمثله مجموعة مسؤوليات كما تفرض له مجموعة حقوق، هذه العضوية قائمة على أساس عقيدي فقط لا أساس جغرافي أو قومي.
أما شروط المواطنة في الدولة الإسلامية فهناك رأي يقول بوجود شرطين وهما:
1- الإسلام.
2- الهجرة إلى دار الإسلام أو اتخاذها وطناً له واعتماداً على قوله تعالى ((والذين امنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا)) الأنفال/72.
ولقد تحدث الأستاذ المورودي عن هذه الآية قائلاً :
هذه الآية تبين أساسين للمواطنة: الإيمان وسكنى دار الإسلام أو الانتقال إليها، فإذا كان المرء مؤمناً ولكنه ما ترك تبعية دار الكفر، أي لم يهاجر ها إلى دار الإسلام ولم يستوطنها فلا يعد من أهل دار الإسلام.
إلا أن هناك رأيا أخر يقول إن هذه الآية الكريمة لم تتحدث عن قانون عام لتستفيد فيها شرطاً عاماً ودائما في المواطنة. إن ما تحدثت الآية الكريمة عن قضية خاصة أوجب الله تعالى فيها الهجرة على المؤمنين حسب الظروف السياسية التي كانت تحكمه في مكة والمدينة وحيث كانت الهجرة واجبة وإلزامية فقد سجل الشارع أن من يتخلف عنها برئت منه ذمة المسلمين وتنقطع الصلة بينه وبينهم.
إن القرآن الكريم هنا لم يسجل قانوناً مطرداً، وإنما قانوناً في حالة خاصة أوجب فيها الشارع الكريم الهجرة إلى بلد المسلمين وهو المدينة المنورة يومئذ ومن المعلوم أن هذا الحكم ليس عاماً، فلا احد يستطيع القول اليوم مثلاً أن على كل المسلمين في العالم الهجرة إلى دار الإسلام واتخاذها وطناً لهم ودليل أخر على ما نقول أن الآية الكريمة لا تفيد مجرد توقف المواطنة على الهجرة وسكنى دار الإسلام، إنما تفيد قطع كل الروابط مع الذين لا يهاجرون، حتى روابط الولاء والمودة، وبالتأكيد فان هذا الحكم لا يقبله احد كقانون عام يحكم المسلمين في كل زمان ومكان، ومهما كانت الظروف فهل مقبول أن المسلم الذي لا يهاجر إلى دار الإسلام في زماننا مثلاً، أو حتى أيام الدولة الإسلامية ماعدا العهد الأول من هجرة رسول الله (ص) إلى المدينة حيث كانت الهجرة واجبة تنقطع معه كل الروابط حتى روابط الود والولاء والتعاطف؟ .
الحقيقة إن الآية الكريمة أفادت حكماً خاصاً في ظروف وحالات خاصة وحكمت فيها ما يلي:
بوجوب الهجرة أولا،ً وبسقوط المواطنة عن غير المهاجرين ثانياً، وبالقطيعة التامة بينه وبين المسلمين ثالثاً.
وهذه الأحكام الثلاثة لا يمكن الالتزام بها كقاعدة عامة ولم يدعها احد في غير زمن الهجرة في عهد رسول الله(ص) .
ويضيف السيد صدر الدين القبانجي بقوله:- إننا من خلال دراسة النصوص والتجربة الإسلامية نستطيع أن نستنتج وجهة النظر التالية أن هناك ثلاثة شروط للمواطنة:
الشرط الأول:– الإسلام، فغير المسلم لا يكون مواطناً بما تعنيه المواطنة من حقوق وامتيازات بل من رعاية الدولة ومن الجدير بالذكر إن من حق الدولة الإسلامية منح هؤلاء الرعايا الحقوق الكاملة للمواطن، كما هو حالياً في قانون الجمهورية الإسلامية إلا أن هذا الحق يعتبر منحة من الدولة الإسلامية وليس حقاً إلزاميا في صلب النظام الإسلامي.
الشرط الثاني: موافقة الدولة الإسلامية، بالنسبة للمسلمين خارج حدود الدولة الإسلامية، والذين لا يعتبر البلد الإسلامي وطنا فعلاً ولا بالأصل كالمسلمين في بلاد إفريقيا مثلاً لا تعتبر الجمهورية الإسلامية-القائمة اليوم في إيران- وطناً لهم، بالنسبة لهؤلاء يشترط من اجل أن يكونوا مواطنين في الدولة الإسلامية ويتمتعون بحق المساهمة في الحكم وحق الحماية اللازمة لهم، أن تقبلهم الدولة الإسلامية وتمنحهم صفة المواطنة.
ومعنى ذلك إن المواطنة- بالنسبة لهؤلاء المسلمين في خارج حدود الدولة الإسلامية- تعتبر منحة من الدولة تستطيع أن تقبلها وان لا تقبلها.
فالذين هاجروا إلى الدولة الإسلامية وهم مسلمون أيضا، يوجد إمام الدولة الإسلامية خيار من احد خيارين، أن تقبلهم بصفتهم مواطنين وتمنحهم صفة المواطنة، ويكون لهم كل حقوق المواطنة وامتيازاتها وبامكانها أن لا تقبلهم ولا تمنحهم صفة المواطنة وبالتالي فليس لهم حق المساهمة ولا حق الحماية المطلقة.
صحيح أن الدولة الإسلامية مسؤولة عن جميع المسلمين، بل جميع المظلومين في العالم، إلا أن الدولة الإسلامية تستطيع أن تتنازل عن هذه الحماية حسب ظروف ومصالح واتفاقات سياسية بالنسبة إلى غير المواطنين فقط، فهي إذن ليست حماية مطلقة لازمة بخلاف الحماية التي يستحقها المواطنون، فان الدولة الإسلامية ملزمة، ولا تستطيع التنكر لها باتفاق سياسي أو معاهدة، مهما كانت الظروف ومهما كانت القدرات. نعم إذا كانت عاجزة عن حمايتهم فان المسؤولية تسقط عنها للعجز كما تسقط كل التكاليف والالتزامات عند العجز.
وفي ضوء هذا الشرط سوف نعرف أن المواطنة ليست حقاً لكل من يلجا إلى الدولة الإسلامية من المسلمين بل هي حق للؤلئك الذين يتمتعون بموافقة الدولة على التحاقهم بها وتجنسهم بجنسيتهم.
ومن التاريخ الإسلامي في عهد رسول الله (ص) نملك شاهداً عن هذا الشرط في الاتفاق الذي جرى بين رسول الله(ص) وبين قريش في صلح الحديبية وقد ذكر في كتاب الصلح: انه من أتى رسول الله(ص) من قريش بغير إذن وليه رده عليه ومن جاء قريشاً ممن مع رسول الله(ص) لم ترده عليه. وفي الوقت الذي أمضى الرسول (ص) وختم هذا الاتفاق قدم (أبو جندل بن سهيل) هارباً من أبيه إلى رسول الله (ص) . فلما رأى سهيل (وكان هو طرف الاتفاق مع رسول الله (ص) في الصلح أبا جندل، قام إليه فضرب وجهه… فقال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذاقال صدقت، فجعل ينثره ويجره ليرده إلى قريش. وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته، يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنوني في ديني. فقال رسول الله(ص):-يا أبا جندل، احتسب فان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقداً وصلحاً… وإننا لا نغدر بهم.
الشرط الثالث: طاعة الإمام، بالنسبة إلى المسلمين داخل حدود الدولة الإسلامية، يشترط فيهم من اجل أن تكون لهم حقوق المواطن إطاعة الإمام وعدم الخروج عليه، أما الخارجون على إمام زمانهم فإنهم أجانب عن الدولة الإسلامية لا يتمتعون بشيء من امتيازات المواطن بل تجب مطاردتهم ومحاربتهم بهذا الصدد نذكر ما كتبه أمير المؤمنين(ع) للخوارج في قوله:- كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا تسكبون دماً حراماً، ولا تقطعوا سبيلاً ولا تظلموا احد فان فعلتموا نبذت إليكم الحرب.
الواجبات والامتيازات
تجب على المواطن في الدولة الإسلامية المسؤوليات التالية:
1- الولاء للدولة الإسلامية.
2- الدفاع عنه.
3- التكافل الاجتماعي.
4- المساهمة في الدفاع عن القيم الإسلامية.
5- الطاعة للقيادة العليا للدولة الإسلامية.
وهذه الواجبات لا تخص المواطن وحده، وإنما تشمل كل مسلم في داخل البلد الإسلامي أو خارجه.
ويتمتع المواطن بما يلي:
1- حق المساهمة في الحكم بمختلف الطرق والأشكال القانونية.
2- حرية التحرك السياسي في ضوء الضوابط التي يضعها القانون.
3- يتمتع بحماية الدولة الإسلامية في الجانب الاقتصادي والاجتماعي والصحي والثقافي والأمني.
والرعايا في الدولة الإسلامية ينقسمون إلى قسمين:
1- رعايا غير مواطنين أو مواطنون من الدرجة الثانية-وهم غير المسلمين من أهل الكتاب.
وهؤلاء على نوعين:
النوع الأول: وهم الذين يصطلح عليهم إسلاميا بأهل الذمة وهو اصطلاح يقصد به أهل الكتاب الذين تعاهدوا مع الدولة الإسلامية بعد الحرب على أن يسكنوا داخل حدودها بالشروط التي يتفقون عليها.
النوع الثاني: من الرعايا غير المواطنين هم الداخلون في أمان المسلمين دون حرب سابقة.
إن هؤلاء الرعايا وفي كلا النوعين تحتضنهم الدولة الإسلامية وتوفر لهم كامل حقوقهم إلا أنهم لا يساهمون في حكومة الدولة الإسلامية بالمستوى الذي يساهم فيه المسلمون حيث لا يحق لهم الترشيح إلى موقع القيادة ولا رئاسة الجمهورية وان ساهموا في ما دون ذلك.
كما أنهم لا يتمتعون بنفس الحقوق الاجتماعية والثقافية التي يتمتع بها المسلمون حيث لا يحق لهم- مثلاً التبليغ لأديانهم ونشر ثقافتهم، كما لا يحق لهم بناء معابد جديدة لهم، بل ذكر الفقهاء انه لا يسمح بان يعلو بناؤهم على أبنية المسلمين في إشارة إلى موقعهم الأدنى من موقع المسلمين.
أما حماية الدولة الإسلامية فإنها ثابتة لهم، على السواء مع المواطنين المسلمين، طالما كانت شروط الذمة التي تعاهدوا عليها محفوظة.
وقد ذكر فقهاء الإسلام مجموعة أحكام لأهل الذمة وهي:
1- لا يكون أهل الذمة إلا من أهل الكتاب، أما المشركون والكفرة فلا ذمة لهم مع الإسلام، ففي الحديث عن الإمام الصادق (ع) إن رسول الله (ص) كتب إلى أهل مكة: اسلموا والا نابذتكم بحرب فكتبوا إلى النبي (ص): أن خذ منا الجزية، ودعنا على عبادة الأوثان، فكتب إليهم النبي (ص) إني لست آخذ الجزية إلا من أهل الكتاب.
وقد كان هذا الكتاب من رسول الله(ص) للسنة الأولى من الهجرة.
2- دفع الجزية، قال تعالى:
(قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) التوبة/29.
وليس للجزية قدر محدد وإنما في تحديدها للإمام ففي الحديث عن الإمام الصادق(ع) حين سئل عن الجزية قال:-ذلك إلى الإمام يأخذ من كل إنسان منهم ما يشاء على قدر ماله وما يطيق.
3- يبقى أهل الذمة على دينهم، ويمارسون أعمالهم بحرية كاملة عدا ما يؤثر منها على البيئة الإسلامية.
ومن هنا إنهم يمنعون عن التبشير لدينهم وتحريف عقيدة المسلمين رغم أنهم يمارسون طقوسهم الدينية بكل حرية وعلن كما أنهم يمنعون عن المجاهرة بالمحرمات التي تلوث البيئة الإسلامية وفي الحديث عن الإمام الصادق(ع).
إن رسول الله (ص) قبل الجزية من أهل الذمة على أن لا يأكلوا الربا ولا يأكلوا لحم الخنزير ولا ينكحوا الأخوات ولا بنات الأخ ولا بنات الأخت فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة الله ورسوله(ص).
وفي حديث آخر عنه (ص)أيضا:-إنما أعطى رسول الله(ص) الذمة وقبل الجزية عن رؤوس أولئك بأعيانهم على أن لا يهودوا أولادهم ولا ينصروا.

ملف شامل عن المواطنة ( المفهوم، الأسس،الأهداف…) – الجزء الاول

ملف شامل عن المواطنة ( المفهوم، الأسس،الأهداف…) – الجزء التالث

ملف شامل عن المواطنة ( المفهوم، الأسس،الأهداف…) – الجزء الرابع

 

الوسوم

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock