قضايا اقتصادية

التنافس التركي – اليوناني والصراع الجيواستراتيجي على منابع الطاقة في شرق المتوسط وبحر إيجة

تشهد العلاقات التركية – اليونانية حالة من التنافس والصراع الجيواستراتيجي على منابع الطاقة في شرق المتوسط وبحر إيجة نتيجة افتقار كل منهما لمصادر الطاقة من النفط والغاز الأمر الذي انعكس بشكل عميق على توجهاتهما الخارجية فرغم أن الدولتين حليفتان لحلف شمال الأطلسي ويتشاطران نفس الجغرافيا والقيم الديمقراطية المشتركة للدول الغربية إلا أنهما غير متوافقتين حول عدد من القضايا التي مثلت حجر عثرة في مسيرة العلاقات رغم أنها تقاربت في بعض الأحيان إلى إنها مازالت غير مستقرة حتى الآن.

تعد ظاهرة الصراع الدولي من أهم الظواهر وأكثرهم تعقيدًا نتيجة تشابك أسبابها ودوافعها وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على الدول. يُعرف الصراع على أنه تنازع الإرادات الوطنية، نتيجة اختلاف دوافع الدول في تصوراتها لتحقيق أهدافها ومصالحها الوطنية، الأمر الذي ينعكس على توجهات صانع القرار في سياساته الخارجية، وقد تؤدي هذه السياسة إلى توتر في العلاقات ولكنه قد تصل إلى حد الحرب العسكرية.

جاءت آخر هذه التطورات بين البلدين في بداية عام 2018 عندما منعت قوات خفر السواحل التركية، وزير الدفاع اليوناني “بانوس كامينوس” من الاقتراب بزورق عسكري من جزر “كارداك” الصخرية المتنازع عليها بين البلدين في بحر إيجة.

وأوضحت الداخلية التركية، في بيان أن “كامينوس” أراد الاقتراب من منطقة “كارداك” لوضع إكليل من الزهور، لكن قوات خفر السواحل التركية منعته من ذلك، وغادر المياه الإقليمية التركية بعد التحذيرات، دون حدوث أي توتر، وذلك في 28 يناير/ كانون الثاني 2018.

استبقت هذه الأحداث زيارة تاريخية لرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” إلى أثينا في ديسمير/ كانون الأول 2017، دعا “أردوغان” قبل توجه إليها لتحديث معاهدة “لوزان” التي تم التوقيع عليها عام 1923 في أعقاب نهاية الحرب العالمية الأولى والقاضية بترسيم حدود الجمهورية التركية، وأسفرت عن رحيل مليون ونصف يوناني من تركيا إلى اليونان، وكذلك انتقال نصف مليون تركي من الأراضي اليونانية إلى تركيا، مع الحفاظ على أوضاعهم في كلا البلدين.

أبدى “أردوغان” رغبته في الاعتراف بالأقلية المسلمة في اليونان باعتبارهم أقلية تركية وذلك وفقًا لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبية، كما أشار إلى أن الوضع الاقتصادي المهمش للمسلمين في غرب تراقيا مقارنتهم بباقي اليونانيين، والعنصرية فيما يخص استخدام اللغة التركية. الأمر الذي رفضه الرئيس اليوناني “بروكوبيس بافلوبولوس”، موضحًا أن بلاده لا ترى حاجة لإجراء مثل هذا التعديل على المعاهدة.

تتناول الورقة البحثية العلاقات التركية- اليونانية من خلال التطرق إلى خلفية عن تاريخ العلاقات التركية- اليونانية، ومجالات التعاون بينهما، وأهم القضايا الخلافية، والموقف اليوناني من الادعاءات والانتهاكات التركية المستمرة فيما يتعلق بالمياه الإقليمية والمجال الجوي، هذا بجانب توضيح التحرك التركي تجاه سياسة اليونان الخارجية مع قبرص ومصر.

أولاً- خلفية عن تاريخ العلاقات التركية – اليونانية:

تتمتع الدولتان بعلاقات تاريخية شهدت فترات من التقارب والتباعد منذ استقلال اليونان عن الدولة العثمانية عام 1832، خاضت البلدان 4 حروب كبيرة؛ هي الحرب التركية اليونانية عام 1897، وحرب البلقان الأولى عام 1912، والحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، والحرب اليونانية التركية (1919-1922). تبلورت العلاقات في أعقاب الحرب الأخيرة بالتوقيع على معاهدة لوزان عام 1923، ثم بدأت فترة جديدة في تاريخ العلاقات بانضمام كلا الدولتين إلى حلف شمال الأطلسي عام 1952 إلا أن الأوضاع لم تسير على وتيرة واحدة.

انهارت العلاقات بعد ثلاث سنوات نتيجة استهداف اليونانيين في إسطنبول ما عجل بالنزوح اليوناني من تركيا، واضطر ما يصل إلى 50 ألف يوناني آخرين إلى مغادرة تركيا عام 1964 عقب اشتباكات بين القبائل في قبرص. وغزو تركيا لشمال قبرص في 1974، واحتلال 37% من مساحتها وطردت سكانها اليونانيين منها، وتكرار المعارك بين الطائرات المقاتلة التركية واليونانية، علاوة على المواجهة بين البلدين حول بحر إيجة.

بدأت فترة من التطبيع في العلاقات عام 1999 عندما تعاطف اليونانيون مع الأتراك في أعقاب الزلزال المدمر الذي تعرضت له تركيا، ورد الترك على ذلك عندما ضرب زلزال أثينا بعد ذلك بأسابيع، كما أدت إلى تغيير في المعارضة اليونانية لطلب تركيا الانضمام للاتحاد الأوروبي، ومنذ ذلك الحين تبادلت الدولتان زيارات رفيعة المستوى بانتظام، والجدير بالذكر أن “أردوغان” سافر إلى اليونان رئيسًا للوزراء في عامي 2004 و2010.

شهدت الزيارات رفيعة المستوى زخمًا، فبناء على دعوة من الرئيس “أردوغان”، زار الرئيس اليوناني “بافلوبولوس” إسطنبول لحضور قمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود في 22 مايو 2017، وعلى الرغم من أنها لم تكن زيارة رسمية، إلا أنها كانت لا تزال الزيارة الأولى على مستوى رؤساء الدول بين تركيا واليونان منذ الزيارة الرسمية للرئيس “سيلال بيار” إلى اليونان عام 1952، فيما قام رئيس الوزراء “يلديرم” بزيارة عمل إلى اليونان في 19 يونيو 2017، بناء على دعوة من نظيره “تسيبراس”. وفي أعقابها زار “يلديرم” تراقيا الغربية للاجتماع مع الأقلية التركية.

كما تجري مشاورات سياسية منتظمة بين وزارات الخارجية على مستوى وكيل الوزارة/ الأمين العام، وقد عقدت المشاورات السياسية الأخيرة في أثينا يوم 9 يونيو/ حزيران 2017.

نتج عن هذا التقارب مجموعة آليات مختلفة للحوار بين البلدين تمثلت في المشاورات السياسية، والاتصالات الاستكشافية بشأن قضايا بحر إيجة، وتدابير بناء الثقة، واجتماعات مجلس التعاون الرفيع المستوى، فضلاً عن الزيارات والاتصالات رفيعة المستوى.

و شهد عام 2010 إنشاء مجلس التعاون بين البلدين، يهدف إلى معالجة القضايا المتعلقة بالعلاقات بين البلدين، بما يعزز من تحقيق التعاون على كافة الأصعدة ليضع أساسًا مؤسسيًا للعلاقات التركية اليونانية، ويتم عقد الاجتماعات بالتناوب بين البلدين ويرأسه رئيس وزراء البلدين بالتنسيق مع وزراء الخارجية.

عقدت أربعة اجتماعات للجنة الرفيعة المستوى. الاجتماع الأول في أثينا في 14 و 15 مايو/ أيار 2010، الاجتماع الثاني في إسطنبول في 4 مارس 2013، الاجتماع الثالث في أثينا في 6 ديسمبر 2014، وآخرها في أزمير في 8 مارس 2016، وتم التوقيع على 54 اتفاقية وبروتوكولات ومذكرات تفاهم خلال تلك الاجتماعات، وعُقدت منتديات الأعمال على هامش اجتماعات اللجنة رفيعة المستوى.

ثانيًا- مجالات التعاون بين تركيا واليونان:

امتدت مجالات التعاون بين تركيا واليونان لتشمل كافة الأصعدة، وتمثلت أهم هذه المجالات في التجارة والاقتصاد والنقل والسياحة على النحو التالي:

مجال التجارة والاقتصاد:

اكتسبت العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين زخمًا منذ 1999 على إثر التطورات الإيجابية التي شهدتها العلاقات السياسية الثنائية، وإنشاء لجنة التعاون رفيعة المستوى في عام 2010 على وجه الخصوص إلى تمهيد السبيل أمام زيادة كبيرة في العلاقات التجارية. أدت إلى تضاعف حجم التجارة الثنائية بين عامي 2010 و 2014 ليصل إلى 5.6 مليار دولار أمريكي بحلول نهاية عام 2014، فيما بلغ حجم التجارة الثنائية 2.6 مليار دولار أمريكي في عام 2016، إلا إنه لم يصل إلى الحد المأمول الذي اتفقت عليه البلدين هو 10 مليارات دولار كهدف مشترك إبان الاجتماع الثاني للجنة التعاون رفيعة المستوى في 2012.

بلغت قيمة الاستثمارات المباشرة من اليونان إلى تركيا6.1 مليار دولار بنهاية عام 2016،حيث يستثمر اليونانيون في مجال تكنولوجيا المعلومات، والسياحة، والزراعة، والتعبئة، والبلاستيك، والأدوية، ومستحضرات التجميل، ومصائد الأسماك، والبناء في تركيا باستثناء القطاع المالي.

وفي المقابل يبلغ رصيد الاستثمارات التركية المباشرة في اليونان، بما في ذلك الاستثمارات عبر الدول الأوروبية الأخرى، حوالي 500 مليون دولار أمريكي، ويركز المستثمرون الأتراك في الغالب على الاستثمار في المراسي والموانئ والقطاع السياحي العام في اليونان. علاوة على ذلك، تمتلك تركيا فروع لبعض بنوكها في أثينا.

مجال النقل:

يعمل كلا الجانبين إلى تعزيز وتكثيف التعاون فيما بينهما رغم ما تشهده العلاقات من توتر من آن إلى آخر، ومن المتوقع أن تمهد المشروعات المتعلقة بخط العبارات روباكس في أزمير- سالونيك، وربط القطار السريع بين إسطنبول وسالونيك تكثيف التعاون في النقل البحري والسكك الحديدية بين تركيا واليونان، وفيما يتعلق بالمجال الجوي فقد بلغت عدد الرحلات بين البلدين 49 رحلة أسبوعيًا تجريها شركات الطيران التركية.

مجال السياحة:

من أهم المجالات الواعدة للتعاون بين البلدين، وساهمت إجراءات التأشيرة الميسرة سارية المفعول منذ عام 2012 في زيارة سبع جزر يونانية على مقربة من الشواطئ التركية في زيادة عدد السياح الأتراك الذين يزورون اليونان، واجتذبت اليونان 785.905 سائحًا من تركيا في 2016، في مقابل اجتذاب تركيا 593.150 سائحًا من اليونان.

ثالثًا- أهم القضايا الخلافية بين تركيا واليونان:

بدأت تركيا في أوائل السبعينات سياسة من الادعاءات والمطالبات حول السيادة في جوارها الجغرافي مع اليونان في بحر إيجة، بهدف تغيير الوضع الراهن الإقليمي المنصوص عليه في المعاهدات الدولية- معاهدة لوزان-  والوضع القانوني للمناطق البحرية والمجال الجوي لأنها مستمدة من القانون الدولي وقانون البحار. تميزت المطالبات الأولى على الجرف القاري Neritic zone””   اليوناني عام 1973، والنزاع حول مدى المجال الجوي الوطني اليوناني في عام 1975، ومنذ ذلك الحين بدأت تركيا في نسج مجموعة من النزاعات والمزاعم المتزايدة حتى أنها جلبت البلدين إلى حافة النزاع المسلح (أزمة آذار/ مارس 1987 وأزمة إيميا في كانون الأول/ ديسمبر 1996. تتمثل أهم القضايا الخلافية على النحو التالي:

• بحر إيجة؛ تحاط السواحل التركية على بحر إيجة بالعديد من الجزر اليونانية، وتنطوي هذه الجزر على أهمية استراتيجية من الناحية الأمنية بالنسبة لتركيا، حيث منعت اتفاقية لوزان عام 1923 اليونان من تسليح هذه الجزر التي وصل عددها 12 جزيرة، ما تلتزم به اليونان ابتداء من السبعينات القرن الماضي نتيجة التدخل العسكري التركي في قبرص في 1974، لكن مازالت أنقرة تمتلك العديد من الهواجس تجاه هذه الجزر من كونها مسلحة وتهدد أمنها القومي.

• الجرف القاري: تتنافس الدولتان حول مسألة الجرف القاري حيث تقول اليونان إن الجزر الواقعة بالقرب من تركيا هي جزء لا تنفصل عن السيادة اليونانية، ما يعني أن الجرف القاري لليونان ينتهي عند أقصى الجزر اليونانية في بحر إيجة، وتنبع أهمية الجرف القاري وتحديده في الثروات الاقتصادية والنفطية في قاع البحر، وترفض تركيا الموقف اليوناني وتحتكم إلى ميثاق قانون البحار الخاص بمنظمة الأمم المتحدة في عام 1982 الذي لا يسمح لليونان أن تجمع الجزر التي يمكنها الاستفادة من نظام الأرخبيل مع جرفها القطري، وفي هذا السياق لم تبت محكمة العدل الدولية عام 1978 في طلب يونان في هذا الموضوع خوفًا من أن يؤدي قرارها إلى صراع مسلح بين البلدين.

• المياه الإقليمية: ادعت اليونان أن من حقها التوسع في مياها الإقليمية إلى 12 ميلًا، وذلك وفقًا للمادة 3 من قانون البحار، بينما ترفض تركيا هذا الادعاء لأنه يتناقض مع المادة 300 من القانون البحار التي تؤكد على منع الإضرار بمصالح الدول الأخرى نتيجة سوء استخدام الحق المكتسب، حيث تتخوف أنقرة من خطورة الادعاء اليوناني لما له من تداعيات سلبية حال تنفيذه باعتباره سيقضي بتحول 53.71% من مياه بحر إيجة إلى اليونان مقابل 76.8 % كمياه إقليمية لتركيا، ما سيؤدي إلى تبعية التحركات التركية للقرار اليوناني والاستئذان منها للعبور نحو المتوسط أو إجراء أي مناورة بحرية.

• النزاع حول المدى الجوي لليونان: تشكيك تركيا في مدى المجال الجوي الوطني لليوناني، والرفض المستمر من جانبها الالتزام بقواعد الحركة الجوية من خلال الانتهاكات المستمرة للطائرات المقاتلة التركية.

• تقسيم قبرص؛ تعد جزيرة قبرص من أكبر جزر البحر المتوسط، وهى محل نزاع بين تركيا واليونان منذ أكثر من 4 عقود، وبلغ الخلاف ذروته بين البلدين عام 1974 باحتلال تركيا لشمال قبرص ردًا على الانقلاب العسكري الحادث في الجزيرة بدعم من اليونان، ما أدى إلى تقسيم قبرص إلى دولتين بين القبارصة اليونانيين حيث التابعية السياسية لأثينا، والقبارصة الأتراك التي بدورها لتركيا ويُشرف عليها الجيش التركي، ومازالت قضية عدم توحيد الجزيرتين حتى الآن محل خلاف وعثرة في مسيرة العلاقات برغم استمرار المفاوضات بين البلدين لتوحيدها.

• التنقيب في شرق المتوسط: انعكست قضية انقسام قبرص على مسألة التنقيب عن الثروات الطبيعية في شرق المتوسط خاصةً عن النفط والغاز الطبيعي، واستطاع القبارصة اليونانيون الاستفادة من الثروات النفطية الموجودة في قاع البحر وإبرام العديد من الشركات والاتفاقية للاستفادة من هذه الثروات، في مقابل عجز القبارصة الأتراك استغلال هذه الثروات فمازالت شمال قبرص حتى الآن غير معترف به كدولة إلى من قبل أنقرة، وفي هذا السياق ترى أنقرة أن القبارصة اليونانيون لا يمتلكون الحق في استغلال هذه الموارد مادامت الجزيرة غير موحدة.

رابعًا- الموقف اليوناني من الادعاءات التركية  :

التزمت اليونان بمبدأ التسوية السلمية للمنازعات وفقًا لقواعد القانون الدولي العام. وسعت أثينا إلى تجنب التصعيد مع تركيا رغم انتهاكاتها المستمرة سواء في محيط السيادة اليونانية جوًا وبرًا وبحرًا، وتمثل ذلك بشكل جلي في إعلانها قبول الاختصاص الالزامي العام لمحكمة العدل الدولية في لاهاي باستثناءات محددة في الإعلان المعني، فيما وقعت اليونان وصدقت على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982، وبموجب الإعلان الصادر في عام 2015، استبعدت اليونان من اختصاص المحكمة اتفاقية تعيين المناطق البحرية وفقًا للمادة 298 من الاتفاقية وفي هذا الإطار، تسعى اليونان إلى تعيين حدود  الجرف القاري، وفقًا لقواعد القانون الدولي، خاصة قانون البحار بينها وبين تركيا.

وفي هذا السياق؛ تدعم أثنيا انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي وفقًا لنظرية أن الاحتواء وفقًا لقواعد وقيم الغربية سينعكس بشكل إيجابي على سياسة أنقرة الخارجية تجاه جوارها الجغرافي وباقي دول العالم، ويُشكل اندماج أنقرة في إطار مؤسسي مثل الاتحاد الأوروبي أداة ردع قوية للسياسات العدائية التركية، إلزامًا لها بالوفاء بمعايير الانضمام بما فيها احترام مبدأ حسن الجوار، واحترام الأقليات والحريات الدينية، وعلى الرغم من أن الخطوات الأخيرة جاءت في الاتجاه الصحيح فيما يتعلق بالأقلية اليونانية في تركيا والبطريركية، إلا أن أنقرة لا تزال غارقة في الأساس المنطقي القديم للمعاملة بالمثل.

خامسًا- رد الفعل التركي على توجهات السياسة الخارجية اليونانية تجاه قبرص ومصر:

تزايدت حدة الخلاف التركي اليوناني حول جزيرة قبرص وفشل مفاوضات توحيدها وانعكس ذلك بشكل عميق على توجهات قبرص اليونانية تجاه استغلالها لمواردها من الطاقة في شرق المتوسط، تجلى ذلك بشكل كبير في اعترض قطعًا بحرية تركية كانت تجري مناورات في المتوسط سبيل سفينة “The  Saipem 12000”  التابعة لشركة “إيني” الإيطالية، والمتجهة نحو حقل الغاز رقم 3 الواقع جنوب شرق الجزيرة، في 9 فبراير/ شباط  2018، حيث مُنحت “إيني” ترخيصًا من الحكومة القبرصية للبحث والتنقيب عن الغاز هناك، وقد أبلغ العسكريون الأتراك طاقم السفينة بعدم مواصلة الرحلة، لأن المنطقة ستشهد مناورات عسكرية، وكانت شركة “إيني” أعلنت أنها اكتشفت حقلًا للغاز الطبيعي قبالة جزيرة قبرص، كما أنها ستعتزم إجراء المزيد من البحوث حول هذه الاكتشاف، وتابع ذلك العديد من التصريحات المشككة في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع مصر، معلنةً عدم الاعتراف بها ما دامت الجزيرة غير موحدة، معربةً عن رغبتها في البدء في أعمال التنقيب عن الغاز والنفط في شرق المتوسط.

وفي المقابل؛ وجهت مصر تحذيرًا إلى أنقرة، من محاولة المساس بسيادتها على المنطقة الاقتصادية الخاصة بها في شرق المتوسط، عقب إعلان أنقرة عدم اعترافها باتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص عام 2013.  وأكدت الخارجية المصرية في تصريحات لها أن جميع خطوات التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط قانونية، كما أن اتفاقها مع قبرص يحظى بشرعية دولية، وجرى تسليم الوثائق اللازمة للأمم المتحدة، كما تحركت حاملة الطائرات من طراز “ميسترال” باتجاه حقول الغاز شرق المتوسط لتأمينها واستعدادًا لأي عمل عدائي.

جاءت التحركات التركية كرد فعل على أعمال التنقيب المستمرة التي تقوم بها قبرص اليونانية خاصةً بعد إبرام اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع مصر واليونان التي أتاحت فرصة لاكتشافات الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، كما مثل توافق الدول الثلاثة حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية مثل (مكافحة الإرهاب، وتوحيد جزيرة قبرص، والتصدي للهجرة غير الشرعة) نواة لتشكيل تحالف استراتيجي يساند مصالح دول شرق المتوسط.

وهنا يُثار تساؤل مهم حول الدوافع الحقيقية لتحركات تركيا العدائية تجاه اليونان وقبرص ومصر خاصًة في شرق المتوسط؟

في البداية تسعى الدول إلى الحفاظ على سيادتها الوطنية بما يتوافق مع مصالحها الوطنية، ومصالح شعبها، حيث تعد هذه أبرز العوامل المحركة للدول في سياساتها الخارجية.

أدى فقر تركيا واليونان لمصادر الطاقة من الغاز الطبيعي والنفط في إطار موقعهم الاستراتيجي وقربهم من جزيرة قبرص إلى التنافس الذي وصل إلى حد الصراع لتأمين مصادر الطاقة لهم في المستقبل، وذلك في إطار حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي تشهدها معظم دول شرق المتوسط، وبدأت تركيا تتحرك لاستفادة من هذه الأوضاع بما يحقق لها مصالحها الوطنية، حيث تعد تركيا واليونان من أكبر الدول المستوردة للطاقة من الخارج رغم امتلاكها للعديد من خطوط نقل الغاز إلى أوروبا، الأمر الذي يفسر رغبتها في البدء في أعمال التنقيب في شرق المتوسط، كما هو موضح بالجدول التالي:

السنة/ الدولةتركيااليونان
احتياطي الغاز(مليار م3)احتياطي البترول(مليون برميل)الواردات من الغاز(مليار م3)الواردات من البترول(مليون برميل)احتياطي الغاز(مليار م3)احتياطي البترول( مليون برميل)الواردات من الغاز (مليار م3)الواردات من البترول
2000431514.374331112.01387
2005830326.40468172.78374
2010627737.353391103.85403
2012727245.103901104.38417
2013628144.463711103.86389
2014628048.373501102.94417
2015628047.565011103.19442
2016634845.504991104.13469

المصدر: https://www.eni.com/docs/en_IT/enicom/company/fuel-cafe/WORLD-OIL-REVIEW-2017-Volume-1.pdf

https://www.eni.com/docs/en_IT/enicom/company/fuel-cafe/WORLD-GAS-AND-RENEWABLES-2017-Volume-2.pdf

وعلى الجانب الأخر؛ استطاعت اليونان أن تحقيق هذا الهدف من خلال التزامها بحسن الجوار، وإبرام اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع مصر وقبرص في منطقة شرق المتوسط من خلال عدد من القمم المشتركة بين هذه البلاد، بدأت القمة الأول في نوفمبر 2014 في القاهرة، والثانية في أبريل 2015 في قبرص، والثالثة في ديسمبر 2015 في اليونان، ثم الرابعة في 2016  في القاهرة، ثم القمة الخامسة في نوفمبر 2017.

وفيما يتعلق بالصراع المصري – التركي الذي أصبح ذات أبعاد اقتصادية بالدرجة الأولى فنتيجة التعاون المصري مع قبرص واليونان؛ ستتحول مصر إلى مركز إقليمي للطاقة مستغلة هذه الاتفاقية في استخراج الغاز من شرق المتوسط، بما أفضى إلى اكتشاف حقل “ظهر” الذي يمثل أكبر حقول الغاز في البحر المتوسط، حيث تقدر احتياطياته بنحو 30 تريليون قدم مكعب حتى الآن. بالإضافة إلى وجود تسهيلات نقل الغاز، وأيضًا البنية التحتية اللازمة لتسييل الغاز الطبيعي، مثل مصنع الإسالة في إدكو، ودمياط.

فتحت هذه القمم آفاق جديدة للتعاون على المستوى الاقتصادي والثقافي والعسكري وهو ما عكسته المناورات البحرية المصرية – اليونانية التي أجريت في نوفمبر 2017، قرب سواحل جزيرة “روديس” اليونانية وبالقرب من الساحل الجنوبي لتركيا، كما إنها ستدعم مصر داخل الاتحاد الأوروبي حيث تتمتع اليونان وقبرص بعضوية الاتحاد الأوروبي.

والجدير بذكر؛ أن التحرك المصري جاء بعد عدد من الخطوات الثابتة تجلت في تأمين مصر حدودها البحرية بأسطول بحري عالي القدرات يتمركز بالقرب من خط الحدود البحرية، جاء التحضير لهذا الأسطول من خلال انتهاج القيادة المصرية سياسة الباب المفتوح في تنوع مصادر السلاح بما يعكس استقلالية القرار الداخلي، وطرحها العديد من مبادرات نقل إنتاج آبار الغاز الدول المتشاطئة على شرق حوض المتوسط إلى أوروبا عبر أنابيب الغاز المصرية.

الأمر الذي اعتبرته أنقرة معاديًا لها، رغم حرص الدول الثلاث على توضيح أن هذه الاتفاقيات تأتي في إطار التعاون المشترك وحسن الجوار وليست موجهه ضد أي دولة، إنه سيحرمها من فرصة نقل هذا الغاز إلى أوروبا، بما سيدعم المصالح المصرية الأوروبية في المستقبل ويدفعها بشكل غير مسبوق.

ختامًا؛ من المتوقع أن تستمر السياسة التركية بنفس المنطق العدائي لرغبتها في تأمين مصادر الطاقة في شرق المتوسط والذي سينعكس على دول شرق المتوسط، وفي المقابل ستسمر القيادة المصرية في الحفاظ على سيادتها ومصالحها الاقتصادية من خلال توثيق التعاون مع قبرص واليونان بما يتوافق مع مصالحها الوطنية.

المصدر

باسم دباغ، “أردوغان يفتح ملفّات معاهدة “لوزان” في اليونان.. الخلافات التاريخيّة تخيّم على الزيارة”، العربي الجديد، 7 ديسمبر 2017” محطات رئيسية في العلاقات بين تركيا واليونان”، bbc عربي، 7 ديسمبر 2017شيماء إبراهيم، “تاريخ الخلافات اليونانية التركية”، شبكة الأخبار العربية، 9 ديسمبر 2015“تحرك عسكري تركي يمنع عملية تنقيب في البحر المتوسط”، Sky News Arabia، 11فبراير 2018“رغم تحذيرات مصر.. تركيا تتحرك عسكريا لمنع عملية تنقيب في المتوسط”، روسيا اليوم، 11 فبراير 2018منى سليمان، “التحالف المصري-اليوناني-القبرصي وتغيير موازين شرق المتوسط”، السياسة الدولية، 2 ديسمبر 2017محمد القادر، “صراع اقتصادي بأبعاد سياسية بين مصر وتركيا في شرق المتوسط”، العرب، العدد: 10894، 8 فبراير 2018Why Turkey and Greece cannot reconcile”, The Economist, Dec 14th 2017Relations between Turkey and Greece”, Republic of Turkey Ministry of Foreign AffairsIssues of Greek – Turkish Relations”, Hellenic Republic – Ministry of Foreign Affairs

بقلم آية عبد العزيز

اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock