مازالت تشهد فرنسا حراكا متزايدا و متصاعدا تحت ما يسمي بإحتجاجات أصحاب السترات الصفراء التي خرجت لتجتاح الشوارع الباريسية منذ قرابة ما يزيد عن خمسة أشهر و ذلك بالتحديد في كل يوم سبت من كل أسبوع. فهذه الجحافل الشعبية التي خرجت صارخة و غاضبة في شوارع العاصمة الفرنسية و بعض المدن الأخري تتلخص مطالبها بالأساس في تخفيض الضرائب و تحسين ظروف العيش و الرفع في الأجور مع تسوية وضعية العمال و الطبقات الفقيرة. بالتالي هذه الثورة الفرنسية الحقيقية علي شتي المستويات تشير في الأفق إلي نذير خطر تمرد شعبي و عصيان مدني قادم في الأيام القليلة القادمة, إذا تواصلت تلك الموجات الإحتجاجية الصفراء أو إذا إنتقلت عدواها إلي الدول الأوروبية المجاورة. إن غياب العدالة الإجتماعية في معظم الدول الأوروبية مع إنتهاج السياسات الإقتصادية الرأسمالية المتوحشة و السيئة عبر دعم نظام السوق الحرة و دعم رجال المال و الأعمال, و أيضا من خلال عبء الضرائب المتزايدة علي المحروقات و الدخل و رواتب التقاعد و غيرها من الضرائب الجبائية المجحفة و التي تعد في مجملها بوادر لكارثة إجتماعية حقيقية ستؤدي بالنتيجة إلي أزمة إجتماعية أوروبية شاملة. إذ علي الرغم من خروج الرئيس الفرنسي إيمانيويل ماكرون علي وسائل الإعلام الفرنسية في العديد من المرات وذلك عبر خطاباته المتتالية للشعب الفرنسي من أجل إحتواء تلك الأزمة الإجتماعية و تطويق تلك الإحتجاجات القادمة لأصحاب السترات الصفراء من خلال طرحه لبعض الحلول المسكنة قصد تلبية الحاجيات الأساسية منها الرفع في الأجر الأدني ب 100 يورو و إلغاء الضرائب علي المحروقات و تقليص الضرائب علي رواتب المتقاعدين, إلا أنه في المقابل لم يتوقف الحراك الشعبي بل زادت حدته و تحول إلي أعمال تخريب و حرق و صدام مباشر مع الشرطة رافعا شعارات مطالبة الرئيس بالإستقالة أو بالأحري إستقالة النظام الرأسمالي.

أما في المقابل فالمطالب الأساسية و الجوهرية  للمحتجين الثائرين و المتضررين منذ أواخر سنة 2018 تحولت مؤخرا إلي مطالب تدعو لتغيير النظام الرأسمالي الليبرالي الموالي لرجال الأعمال و أسواق رؤوس الأموال إلي نظام إقتصادي مركزي إشتراكي أو شيوعي. فمطالب أصحاب السترات الصفراء أصبحت تختزل في المطالبة بتطبيق العدالة الإجتماعية و التوزيع العادل للثروة الوطنية علي كافة أفراد المجتمع الفرنسي و الخروج من دائرة تلك الدويلة الصغيرة التي يديرها أصحاب المال و المستثمرين تحت مظلة القطاع الخاص. إذ بعد الفشل الذريع للسياسات الإقتصادية الفرنسية علي مدي السنوات الفارطة إنطلاقا من فترة حكم حزب الإتحاد من أجل حركة شعبية سابقا تحت زعامة الرئيس نيكولا ساركوزي إلي فترة حكومة الليبرالي و المدير المالي بشركة سابقا الرئيس ماكرون تحولت الأوضاع الإقتصادية و الإجتماعية للطبقات المتوسطة و الفقيرة في مجملها من السيئ إلي الأسوء. إن دعم تحرير الأسواق بالكامل و تعزيز مناخ الإستثمار و المنافسة مع زيادة الضرائب علي الدخل و التقاعد و تقليص الدعم علي المواد الأساسية مع زيادة أسعار المحروقات دون مراعاة أبسط الحقوق لطبقات العمال الكادحة تعتبر هي السبب الرئيسي لإندلاع تلك الشعلة الأولي التي أدت بالنتيجة إلي ثوران ذلك البركان الشعبي الهائج و الغاضب. فالإختلال بين العرض و الطلب في الأسواق مع زيادة الأسعار ساهمت بدورها في إرتفاع نسبة التضخم و البطالة مع تراجع نسبة النمو الإقتصادي.

فهذه الإحتجاجات الشعبية المتواصلة أدت بالنتيجة إلي خسائر مالية كبري مع إرباك سياسات الحكومة الإستراتيجية و الإستشرافية مع كبح مخططات التنمية الإقتصادية في ظل تزايد المديونية و العجز في الميزانية و الفوضي في الشوارع الباريسية. أما عدم التوازن بين القدرة الشرائية و المداخيل الشهرية للطبقات الشعبية محدودة الدخل و الذي يبلغ أجرهم الأدني شهريا ب 1.200 يورو أصبحت لا تغني و لا تسم من جوع نظرا لغلاء المعيشة و زيادة المصاريف بحيث أصبحت هذه المداخيل تغطي فقط أسبوعين من المعيشة اليومية. بالتالي هذا التمرد الشعبي الفرنسي لن ينتهي و هو سيبقي كالبركان الثائر المدمر لجميع المكاسب الوطنية الإقتصادية, إن لم تستجيب الحكومة الحالية لمطالب المحتجين و تتجه السياسة الإقتصادية الإصلاحية نحو تعزيز مكانة دور الدولة في التدخل المباشر في الأسواق و إعادة الدعم للمواد الأساسية مع حذف بعض الضرائب الجبائية خاصة منها علي المداخيل الشهرية و مراجعة الزيادة في الأجور المرحلية. فإحكام إدارة الإقتصاد الوطني الفرنسي الجيد مع إعطاء القطاع العام مكانته عبر التعديلات من طرف اليد الخفية للأسواق المحلية قصد تلبية الحاجيات الأساسية منها الصحة المجانية و التعليم المجاني و الإنتدابات القارة في الوظيفة العمومية و تسوية الوضعية التشغيلية المؤقتة و الزيادة في الأجور و تحقيق التوازن بين القدرة الشرائية و الأجور تعتبر هي الأساس من أجل عودة الثقة لدي المواطنين و الهدوء بالشوارع الباريسية.

عموما تعتبر السياسات الإقتصادية الفرنسية الحالية للرئيس إيمانويل ماكرون غير ناجحة و ناجعة علي مدي فترة حكمه نظرا لإنحيازها الكلي و الدائم للطبقات الغنية و تجاهلها لمطالب الطبقات الفقيرة. كذلك سياسة دعم القطاع الخاص و التحرر المالي و التجاري الكلي ساهمت بدورها أيضا في تأزم الأوضاع المعيشية و خلقت الفوارق الإجتماعية بين الطبقات الشعبية. إن هذا الزحف الشعبي الأصفر لن يقتصر فقط علي فرنسا بل ربما سيشمل في القريب العاجل دول أوروبية أخري مثل بلجيكا و بريطانيا و ألمانيا نظرا لتدهور المقدرة الشرائية لأغلب الطبقات العمالية الأوروبية الفقيرة. فهذه البوادر التبشيرية تشير إلي إنفجار بركان شعبي أوروبي نتيجة لتدهور الأوضاع الإجتماعية و المعيشية في ظل السياسات الإقتصادية للنظام الرأسمالي التعيس و الفاشل مع الغياب الكلي لتحقيق العدالة الإجتماعية و الرفاهية المعيشية.

فؤاد الصباغ – كاتب تونسي.

 

Print Friendly, PDF & Email