قضايا سياسية

ما مصير مبدأ الصين الواحدة في ظل إدارة الرئيس ترامب؟

تعد المسألة التايوانية شديدة الحساسية بالنسبة للجمهورية الصينية الشعبية ، وهي بمثابة بوصلة موجِهة لعلاقات الصين وتعاملاتها مع باقي دول العالم وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية التي وجدت في المسألة التايوانية منفذا ومتنفسا للضغط على الصين كلما رأتها حادت أو حاولت الخروج عن النهج القويم حسب الرؤية الأمريكية . ومع هذا فإن الصين أيضا تملك ورقة قوية تستند إليها كلما زاد الضغط والابتزاز السياسي الأمريكي . وهذه الورقة هي ميثاق شنغهاي الموقع بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الصينية عقب الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون للصين سنة 1972 ، حيث التزمت أمريكا بموجب هذا الميثاق ب ( مبدأ الصين الواحدة ) . ثم تبعتها إدارة الرئيس جيمي كارتر بقطع علاقاتها الرسمية مع تايوان سنة 1979 ، ولو أنها أبقت على تعاملاتها معها على أساس الأمر الواقع . ومنذ ذلك الحين أمسكت امريكا العصا من الوسط إذ إشترطت إعترافها بتابعية تايوان للصين على أساس توافق وقبول جميع الاطراف بذالك ( الصينيين والتايوانيين ) وألغت تعاملاتها الرسمية مع تايوان في حين إلتزمت بالدفاع عنها في حال هاجمتها الصين بالقوة . هذه الفترة التي اتسمت بالخلاف الحاد بل والقطيعة السياسية بين الإتحاد السوفياتي و الصين حاولت أمريكا الإستثمار فيه على عدة أصعدة محاولة على الأقل جعل الصين حيادية في نصرتها لبعض النزاعات الدولية بين أمريكا والإتحاد السوفياتي كحرب فيتنام مثلا . ​
ورغم تعاقب الإدارات الامريكية ورؤسائها منذ ذلك التاريخ ، ورغم بروز عدة احداث محلية وإقليمية ودولية مثل ( احداث ميدان تيان آن مين سنة 1989 ، نهاية الحرب الباردة ، تنامي النزعة التوسعية للصين في بحر الصين الجنوبي ). كل هذه المعطيات لم تكن لتغير موقف أمريكا بصفة جدية حيال مبدأ الصين الواحدة رغم إستعمال أوراق الضغط المعتادة ضد الصين كتزويد تايوان بالأسلحة المتطورة و مساعدة تايوان في إنتاج أسلحة تكنولوجية تتفوق بها على الصين أو إجراء مناورات بحرية مشتركة . وأيضا إستخدام الإستثمارات الضخمة في كلا البلدين كوسيلة ضغط على الصين . وكان هذا خاصة في عهد الجمهوري بوش الابن . إلا أن الرئيس الأمريكي الخامس والأربعون دونالد ترامب لم ينتظر فوزه بالإنتخابات ليدخل في صراع حاد وقوي مع الصين بل منذ حملته الإنتخابية وهو يهدد ويتوعد الصين بعقوبات تجارية باعتبارها المستفيد الأول والأوحد من هذه العلاقات التجارية البينية ، فقد إتهم الصين بأنها لا تبذل جهودا كافية للجم كوريا الشمالية عن برامجها النووية والباليستية وتماديها في تقديم الدعم للدول التي تعتبرها أمريكا مارقة عن الشرعية الدولية خاصة إيران وسوريا . وهذا الأمر أسعد جدا القيادة التايوانية خاصة وأن تايوان نفسها تحكمها رئيسة (تساي اينغ وين ) وهي مؤيدة لإستقلال الجزيرة عن البر الرئيسي للصين .وقامت بتهنئة الرئيس ترامب بانتخابه عبر مكالمة هاتفية و هو بدوره قدم لها التهنئة بفوزها بالرئاسيات في تايوان . هذه التهنئة لم تمر مرور الكرام عند بكين فوصفت تلك المكالمة من قبل رئيسة تايوان بالعمل التافه ملقية باللوم على رئيسة تايوان ومبرئة للرئيس الأمريكي الجديد . إلا أن ترامب لم يأبه لهذه التبرئة لأنه كان ومنذ البداية واضحا مع الصين . مما جعله يصرح في 11 جانفي 2017 قائلا (( بأن الولايات المتحدة لا يتحتم عليها بالضرورة التمسك بسياستها القائمة منذ فترة طويلة والمتعلقة بالاعتراف بأن تايوان جزء من ”صين واحدة“. )) . هذا التصريح أغضب الصين جدا وردت الخارجية الصينية على هذه التصريحات عبر لو كانغ المتحدث باسم الخارجية الصينية في بيان ان “مبدأ الصين الواحدة غير قابل للتقاوض”. مؤكدا ان هذا المبدأ “هو الاساس السياسي للعلاقات الصينية الاميركية للتفاوض”. واضاف لو “ليس هناك في العالم سوى صين واحدة وتايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية. وحكومة جمهورية الصين الشعبية هي الحكومة الشرعية الوحيدة التي تمثل الصين )) . ولم يكن هذا التصريح وحده المغضب للصين والذي إستفزها بل أيضا تمادى ترامب في عداءه للصين بتوقيع قانون تبادل الزيارات الرسمية بين الولايات المتحدة الأمريكية و تايوان ويبدوا أن هذا القرار الذي وقعه ترامب تأتى نتيجة الخلافات التجارية الحادة وهو وسيلة ضغط على بكين لتقليص العجز التجاري بين البلدين .​
ترامب بعقليته وتفكيره كإقتصادي ناجح بحكم انه رجل أعمال يرى في كل العلاقات الدولية مجرد علاقات تنافسية تخضع للربح والخسارة . ماذا أستفيد منك مقابل دعمك ؟ف لا مكان للمجاملات أو الإستراتيجيات البعيدة النظر . ونتج عن هذا التصادم الأمريكي الصيني حربا تجارية لازالت مستمرة بين الطرفين . حتى أن ترامب هدد بالانسحاب من منظمة التجارة العالمية . وقد توحدت كل القوى التي كانت تدور في فلك الولايات المتحدة لمجابهة سياسة ترامب العدائية . فالصين والإتحاد الأروبي يدعمون حاليا تركيا في مواجهة ترامب وهو ما قد يفرز نظاما جديد يتجه إلى التعددية القطبية واضحة المعالم .​

بقــلم : نورالدين عفـــان 
ماستر دراسات أمنية وإستراتيجية جامعة قاصدي مرباح ولاية ورقلة

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock