1. بات الكثير من المؤشرات يرجِّح أن القارة الإفريقية أصبحت رقعة أساسية لصراع دولي بين لاعبين متعددين. فالولايات المتحدة الأميركية تهتم منذ بعض الوقت بالنواحي الأمنية والعسكرية في العديد من المناطق الإفريقية، وتلعب الصين أدوارًا اقتصادية واستثمارية مهمة في القارة، وتكاد فرنسا تكون اللاعب المتفرد بالعديد من المناطق الإفريقية، خصوصًا تلك التي كانت تحت نفوذها الاستعماري. وقد ظهر اللاعب الروسي مؤخرًا في بعض الدول، فضلًا عن تركيا وإسرائيل وإيران وغيرها. تضم إفريقيا أكبر تجمع للدول النامية في العالم، ذات الأسواق المتعطشة للاستثمارات، والنمو السكاني الأسرع عالميًّا، والثروات الهائلة، والحكومات المفتقرة لأدوات فرض الأمن والاستقرار وتحديث البنى التحتية وتوفير الخدمات الأساسية. يضاف إلى ذلك الموقع الجغرافي لإفريقيا والذي جعل منها قارة ذات أهمية استراتيجية خاصة؛ حيث تحتوي على مضايق مهمة ورئيسة في طرق الملاحة الدولية، وهي ثاني أكبر القارات مساحة وامتدادًا جغرافيًّا.

في هذا السياق، وللوقوف على طبيعة التنافس الدولي في إفريقيا وفهم دوافعه وأطرافه وأبعاده واستشراف مستقبله في ظل اختلاف الاستراتيجيات وتناقضها، نظَّم مركز الجزيرة للدراسات مؤتمرًا دوليًّا بتاريخ 14-15 يوليو/تموز 2021 شاركت فيه مجموعة من الباحثين المتخصصين في الشأن الإفريقي.

المحتويات مجموعة دراسات نشرت بمجلة لباب الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، العدد الثالث عشر، فبراير/شباط 2022، عبر الرابط التالي https://studies.aljazeera.net/ar/magazines/book-1450

  • الصين في إفريقيا: تحقيق غايات القارة أم البحث عن المصالح الاستراتيجية؟ اعداد مصطفى جالي –  باحث في العلوم السياسية.
  • روسيا وإفريقيا.. حرب باردة جديدة؟ – اعداد شمسان عوض التميمي – باحث وإعلامي تنزاني.
  • خريطة السلاح في إفريقيا: بين سياسات الاستعمار الجديد وتنافس القوى الكبرى  اعداد شادي إبراهيم – باحث بمركز سيجا بجامعة صباح الدين زعيم.
  • خيارات الطاقة في إفريقيا: سبل تأمين الإمدادات اعداد هارون با- باحث سنغالي مختص في العلوم السياسية.
  • المعادن الأفريقية في التنافس الدولي.. الرهانات والمآلات إعداد دريس آيات – أكاديمي وباحث متخصص في الشؤون الإفريقية.
  • بروز دور تركيا في إفريقيا الصاعدة سرحات أوراكشي د. سرحات أوراكشي، باحث في مركز البحوث الإنسانية والاجتماعية.
  • الصين وإفريقيا: الشراكات غير المقيدة اعداد بوحنية قوي – بروفيسور بوحنية قوي، باحث وكاتب جزائري.
  • بين الاستعمار والاستنزاف والاستلاب: أي مستقبل للنفوذ الفرنسي في إفريقيا؟ اعداد محمد سالم ولد محمد، كاتب موريتاني.
  • التنافس الدولي في إفريقيا: طبيعة وأبعاد النفوذ الروسي اعداد تاج السر عبد الله محمد عمر – خبير في القضايا الجيوسياسية والعلاقات الدولية.
  • القيادة العسكرية الأميركية ومناورات “الأسد الإفريقي”: نحوتغير خارطة الأمن في إفريقيا نسيم بلهول – أستاذ محاضر بقسم العلوم السياسية بجامعة البليدة 2 (الجزائر).
  • معضلة الأمن في إفريقيا: هياكل الأزمة وفرص الإصلاح اعداد نبيل زكاوي – أستاذ مساعد في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

يعتبر وصول الصين إلى إفريقيا أهم تطور في القارة بعد الحرب الباردة؛ حيث أصبح حضورها المتنامي يعكس أولوياتها من الناحية الاقتصادية والسياسية، ومن الواضح أن الأمر يتعلق أولًا بضمان التفوق التجاري والتنمية الاقتصادية للصين، ويتطلب هذا التطور داخليًّا وخارجيًّا تأمين المواد الأولية الاستراتيجية.

المحور الأول: الصين في إفريقيا: تحقيق غايات القارة أم البحث عن المصالح الاستراتيجية؟

اجتذب الوجود الاقتصادي المتنامي للصين في إفريقيا (تحديدًا إفريقيا جنوب الصحراء) على مدى العقدين الماضيين قدرًا كبيرًا من الاهتمام؛ حيث إن الزيادة السريعة في مشاركة الصين الاقتصادية وحضورها السياسي في إفريقيا يعتبران أهم تطور في قارة إفريقيا منذ نهاية الحرب الباردة. ويشار إلى الصين على أنها “إمبريالية جديدة”، وطرف فاعل حديث، واقتصاد عملاق، وقوة ناشئة. كما يُلاحَظ أن هناك ميلًا قويًّا إلى إطلاق الأحكام الأخلاقية خلال تقييم حضورها في القارة؛ فأنشطة الصين في إفريقيا كثيرًا ما تعتبر “شريرة” عندما يُنظر إليها على أنها تمثل سعي الصين للحصول على الموارد الطبيعية والإضرار بجهود الأفارقة لتحسين الاقتصاد وبناء مستقبل مستدام، في حين أنها توصف بأنها “حميدة” عندما ينظر إليها على أنها تسهم في إرساء أسس للتنمية الاقتصادية طويلة الأجل من خلال مشاريع البنيات الأساسية.

وتهيمن سرديتان على دوافع مشاركة الصين في إفريقيا: الأولى ترى في الدور المتنامي للصين في إفريقيا جزءًا من التدافع الجديد على الفرص الاقتصادية والموارد الاستراتيجية، وخاصة النفط وبعض المعادن، وتشدِّد الثانية على أن طموحات الصين السياسية في إفريقيا جاءت لكي تتحدى النفوذ الغربي في المنطقة.

لا شك أن الحصول على الموارد، يلعب دورًا مهمًّا في مشاركة الصين الاقتصادية في إفريقيا، ولكنه ليس التفسير الوحيد لعلاقاتها مع المنطقة، والتي تختلف كثيرًا عمَّا قد يوحي به ذلك.

تحاول هذه الورقة طرح إشكالية جوهرية مفادها: هل يمكن اعتبار انخراط الصين القوي والسريع اقتصاديًّا في إفريقيا غاية في حدِّ ذاته (أي من أجل مصلحة إفريقيا) أم إنه مجرد وسيلة لتحقيق أهداف أكثر أهمية؟

لمعالجة هذه الإشكالية نتساءل عن التطور التاريخي للعلاقات الصينية-الإفريقية، ودوافع دخولها للقارة، وعن مكانة القارة في سياستها الخارجية والتحديات التي تعترضها، كما نتساءل عن مكاسب القارة من دخول الصين ومخاوفها، وأخيرًا الموقع الذي تحتله الصين بين باقي القوى المتنافسة.

من التعاون السياسي إلى التعاون الاقتصادي

عرفت العلاقات بين جمهورية الصين الشعبية وإفريقيا تاريخيًّا تغيرًا كبيرًا، من سياسية صريحة إلى تركيز أكبر بكثير على العلاقات الاقتصادية. في الخمسينات من القرن العشرين، احتاجت الصين لحركات التحرير في جميع أنحاء إفريقيا في نضالاتها المناهضة للاستعمار. وبعد الاستقلال توددت الحكومة الصينية إلى الحكومات الإفريقية الجديدة للحصول على اعتراف دبلوماسي ودعم لمطالبة بيجين بتمثيل الصين في الأمم المتحدة بدلًا من حكومة الصين القومية “تايوان” التي كانت ولا تزال تعترف بها الدول الغربية. في الستينات، كانت إفريقيا أيضًا منطقة تنافس بين الصين والاتحاد السوفيتي. لذلك، قدمت الحكومة الصينية مساعدات إلى إفريقيا، وكان أبرز مثال على ذلك هو خط السكك الحديدية الذي بُني في السبعينات لحصول زامبيا على منفذ بحري كبديل للطريق التقليدي عبر زيمبابوي، والتي كانت آنذاك تحت حكم الأقلية البيضاء.

كانت المعونات التي قدمتها الصين إلى إفريقيا في تلك الفترة كبيرة بالنسبة لبلد فقير نسبيًّا كالصين، لذلك ظلت التجارة مع إفريقيا محدودة، وظل الاستثمار الأجنبي غير موجود، ومن الواضح أن المساعدات كانت مدفوعة بأهداف سياسية وليس اقتصادية، وكان خطاب التزام الصين فقط من باب التضامن ومعاداة الإمبريالية.

بعد وفاة الزعيم الصيني، ماو تسي تونغ، 1976، ونتيجة التغيرات الاقتصادية الجذرية التي اعتمدتها الصين منذ أواخر السبعينات، انخفضت المساعدات الصينية للخارج بشكل كبير، كما انخفض وجودها في إفريقيا، ولكن بعد الانتقادات الغربية للقمع في ميدان تيانانمين، في عام 1989، أعادت الصين التأكيد على علاقاتها مع البلدان النامية وخاصة إفريقيا. وفى أواخر التسعينات، وعقب جولة للرئيس الصيني الأسبق، جيانغ زيمين، قادته إلى ست دول إفريقية، عام 1996، بدأت المنطقة مرة أخرى تستحوذ على اهتمام الصين. وفى عام 2000، عُقد المنتدى الأول للتعاون الصيني-الإفريقي في بيجين، وعلى الرغم من أن الخطاب السياسي المحيط بهذه الاجتماعات لم يتغير إلى حدٍّ كبير عن الحقبة الماوية، فقد تحول المحتوى إلى التأكيد على توسيع العلاقات الاقتصادية، والمبادلات التجارية، والاستثمار الصيني(1).

الدوافع: بين الجيواقتصادية والجيوسياسية

على النقيض من التصور التقليدي بأن الصين لا تهتم إلا بالموارد الطبيعية في إفريقيا، فإن مصالح الصين في إفريقيا تشمل عدة أبعاد: سياسية واقتصادية وتجارية. وقد تختلف أهمية هذه الأهداف بالنسبة للصين بحسب الظرفية ووفقًا لطبيعة مشاركتها في المنطقة. ومن المفيد في هذا الباب التمييز بين صنفين رئيسين من المصالح التي دفعت الصين إلى الانخراط بكل ثقلها في المنطقة:

أولًا: أهداف جيوسياسية دبلوماسية: وتشمل عزل تايوان، وكسب حلفاء للحصول على الدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية، وزيادة القوة الناعمة للصين في المنطقة، وتقديمها كبديل للغرب.

منذ الأيام الأولى لنشأة جمهورية الصين الشعبية، كانت المصالح السياسية هي المرتكز في علاقة بيجين بإفريقيا، وفي سعيها وراء الأصدقاء في النظام الدولي الثنائي القطب بعد الحرب الباردة ، حددت بيجين الدول المستقلة حديثًا في إفريقيا كمجموعة رئيسية يمكن التعاطي معها، لقد رأت الصين أرضية مشتركة وشعورًا بالتعاطف مع إفريقيا نتيجة لتجاربهما التاريخية المشتركة، فإفريقيا والصين كانتا ضحيتين “للاستعمار من قبل الرأسماليين والإمبرياليين” وواجهتا نفس السعي إلى الاستقلال الوطني والتحرير بعد الحرب العالمية الثانية، وبموجب هذه المبادئ، وخلال أول لقاء رسمي للصين مع إفريقيا في مؤتمر باندونغ، عام 1955، شارك رئيس الوزراء، تشو إن لاي، وبنشاط إلى جانب قادة ست دول إفريقية، هي: مصر وإثيوبيا وغانا وليبيريا وليبيا والسودان.

وفي ستينات القرن العشرين، وبسبب الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لإشراك إفريقيا، فضلًا عن الصراع المتصاعد بين الصين والسوفيت، وسط تلك المنافسة ازداد التركيز على إفريقيا في أجندة السياسة الخارجية الصينية. وخلال الفترة من 1963 إلى 1964، زار رئيس الوزراء، تشو إن لاي، عشر دول إفريقية وأصدرت الصين “المبادئ الثماني للمساعدة الاقتصادية والتكنولوجية الأجنبية”. وقد صُمِّمت مبادئ المعونة هذه للتنافس في نفس الوقت مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي للحصول على دعم إفريقيا؛ حيث استخدمت الصين مساعداتها الخارجية لإفريقيا كأداة لتعزيز مصالحها السياسية.

وخلال الثورة الثقافية، وتحت تأثير الأيديولوجية الثورية، قدَّمت الصين كميات كبيرة من المساعدات الأجنبية لإفريقيا، على الرغم من الصعوبات الاقتصادية الداخلية التي كانت تواجهها. فقد قدمت الصين قرضًا بدون فوائد بقيمة 988 مليون يوان، وقد أسهمت مشاريع المعونة الخارجية هذه في إقامة علاقات دبلوماسية في تلك الفترة شملت 19 دولة إفريقية.

وبحلول منتصف الثمانينات، كانت جهود بيجين السياسية والمعونات قد أكسبتها علاقات دبلوماسية مع 44 دولة إفريقية. ومن حيث الأهمية السياسية لإفريقيا، كان الهدف الرئيسي للصين تاريخيًّا هو الاعتراف الدبلوماسي وإقامة علاقات رسمية تعزز الشرعية السياسية للنظام الشيوعي طوال ستينات القرن العشرين؛ حيث أسهم دعم الدول الإفريقية بشكل كبير إلى خفض الضغوط على الصين، تلك الضغوط الناجمة عن العزلة الدولية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ومنذ ذلك الحين ظل تقارب الصين تجاه إفريقيا ثابتًا.

من ناحية أخرى، تعتمد الصين اعتمادًا كبيرًا على الدعم الدبلوماسي والتعاون مع البلدان الإفريقية بشأن القضايا الرئيسية على الساحة الدولية وفي المحافل متعددة الأطراف؛ حيث تمثِّل الدول الإفريقية الـ54 أكثر من ربع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وفي عام 1972، اقتنعت الصين بالأهمية والقيمة السياسية الحقيقية لإفريقيا عندما صوَّت 26 بلدًا إفريقيًّا لصالح استئناف جمهورية الصين الشعبية مقعدها في الأمم المتحدة.

وفي أعقاب أحداث ميدان تيانانمين، في عام 1989، واجهت بيجين عزلة دولية خطيرة وعقوبات غربية، ومرة أخرى، فإن ستة بلدان إفريقية هي من أنقذت الصين بدعوة وزير الخارجية الصيني إلى زيارتها، وكان أول رئيس دولة ووزير خارجية الذي زار الصين بعدها من إفريقيا أيضًا.

في عام 2008، وقبل أولمبياد بيجين، أصبحت قضية “التبت” نقطة مؤلمة بالنسبة للصين في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة؛ حيث اعتمدت الصين على البلدان الإفريقية في التزام الصمت وعدم إصدار بيانات تدعم سياسة التبت من أجل نزع فتيل المناقشات أو الأعمال العدائية واستباقها.

اليوم، وفيما يتعلق بقضايا تتراوح بين حقوق الإنسان وإصلاح الأمم المتحدة والأمن الإقليمي وبين المصالح الوطنية الأساسية للصين، تتطلع الصين إلى أن تكون إفريقيا دائمًا إلى جانبها.

ومن بين التطلعات السياسية الرئيسية للصين في علاقتها مع إفريقيا كذلك إنهاء الوجود الدبلوماسي لتايوان في القارة، فبالنسبة لبيجين، فإن تبني إفريقيا لسياسة “الصين الواحدة” وقبول بيجين بدلًا من تايبيه باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للصين أمر يتعلق بشرعية النظام السياسي(2).

تاريخيًّا، خلال الحرب الباردة وقبل سياسة الإصلاح والانفتاح الصينية، كانت الأيديولوجية عاملًا رئيسيًّا في تحديد سياسة الصين تجاه البلدان الإفريقية؛ حيث كانت الصين ترى نفسها المرشح الأول في العالم النامي ضد الاستعمار والإمبريالية. إن التركيز على الأيديولوجية نشأ بسبب البيئة الخارجية العدائية التي أجبرت الصين على البحث عن حيز دبلوماسي ودي لضمان بقائها، وبعد التخلي عنها تدريجيًّا منذ 1979، طورت علاقات واسعة مع جميع البلدان الإفريقية التي تتبنى سياسة الصين الواحدة.

 إذا كانت علاقة الصين مع البلدان الإفريقية مدفوعة في المقام الأول بالمصالح الاقتصادية والاعتبارات السياسية، مثل حشد المؤيدين الدوليين ودعم شرعية الحكومة الصينية، فإن مصلحة الصين الأيديولوجية في إفريقيا لم تختف نتيجة لتحويل البلاد أولوياتها إلى الميدان الاقتصادي، وبدلًا من ذلك، اتخذت شكلًا مختلفًا وأكثر دهاء، شكلًا يدعم شرعية بيجين من خلال نشر وتعميم نموذجها في التنمية؛ حيث كلما زاد عدد البلدان التي تتبنى نهج بيجين وتعتمده، شعرت الصين بأنها أقل عزلة. كما تود بيجين أن ترى الحكومات غير الغربية وغير الديمقراطية تنمو وتزدهر، وذلك ببساطة لأنها تزيد من شرعية نظامها السياسي دوليًّا من خلال إظهار أن الديمقراطية الغربية ليست قيمة عالمية. لذلك، فإن أي نجاح للحكومات غير الديمقراطية في إفريقيا، يُنظر إليه في حدِّ ذاته على أنه يشكِّل دعمًا لشرعية الحزب الشيوعي الصيني(3).

ورغم أن الصين لا تزعم سعيها إلى فرض نموذجها الخاص على بلدان إفريقيا، إلا أن الإعجاب بالنموذج الصيني في إفريقيا يُنظر إليه باعتباره يمنح الشرعية للحزب الشيوعي الصيني أيضًا في الداخل(4).

ثانيًا: أهداف جيواقتصادية(5): وتشمل أمن إمدادات الطاقة والموارد المعدنية والزراعية من جهة، والأهداف التجارية المتعلقة بالسوق الاستهلاكية التي توفرها لمصنِّعيها وشركاتها في القطاعين الخاص والعام، بهدف تعزيز الصادرات ودعم التوسع الدولي للشركات الصينية والحد من الاعتماد على التجارة مع الغرب من ناحية ثانية.

وهناك جدل داخل الصين حول ما إذا كانت المصالح السياسية أو المصالح الاقتصادية يجب أن تمثل الأولوية القصوى للصين في علاقتها مع إفريقيا. وعلى الرغم من الأهمية السياسية لإفريقيا، فقد رفعت الصين الاعتبارات الاقتصادية إلى مستوى أعلى بكثير في جدول أعمالها المحلي والخارجي منذ بداية الإصلاح والانفتاح في عام 1979، وهذه هي النتيجة المباشرة لاستراتيجية بيجين لتنويع وتعزيز شرعيتها من خلال تحقيق التنمية الاقتصادية لعامة السكان.

ووفقًا للمحلِّلين الصينيين، فإن العقود الست من العلاقات الاقتصادية الصينية-الإفريقية يمكن تقسيمها بشكل تقريبي إلى ثلاث مراحل:

  • أولًا: من عام 1949 إلى عام 1979: كانت الأنشطة الاقتصادية للصين في إفريقيا مدفوعة أساسًا بجدول أعمال الصين السياسي، وركزت على تقديم مساعدات اقتصادية للدول الإفريقية المستقلة حديثًا من أجل بناء علاقات دبلوماسية، ودعم “مناهضة الإمبريالية” ومكافحة الاستعمار في إفريقيا، والحصول على دعمهم لجمهورية الصين الشعبية على الصعيد الدولي.
  • ثانيًا: منذ بداية الاصلاح والانفتاح وحتى منتصف التسعينات: تحول تركيز السياسة الخارجية للصين إلى دعم التنمية الاقتصادية المحلية، وقد أدى هذا التحول بشكل مباشر إلى التعديل التدريجي لأولويات الصين في سياستها في إفريقيا من الخدمات السياسية إلى “التعاون الاقتصادي المفيد للطرفين”، ومن تقديم المساعدة إلى تعزيز “عقود الخدمات والاستثمار والتجارة”.
  • ثالثًا: ابتداءً من منتصف التسعينات: بدأت نظرية “استخدام الأسواق والموارد المحلية والدولية على حدٍّ سواء” تسود العلاقات الاقتصادية الخارجية للصين. لقد أدى هذا التغيير إلى ازدهار التعاون الاقتصادي الدولي للصين مع إطلاق استراتيجية “الذهاب إلى الخارج” (Going Out)، في عام 1996، من جانب الرئيس جيانغ زيمين بعد زيارته لست دول إفريقية وتم اعتمادها في عام 2000 بوصفها استراتيجية وطنية وظلت سارية المفعول منذ ذلك الحين(6).

المواد الأولية: إن احتياطيات الطاقة الغنية في إفريقيا والمعادن والمواد الخام تغذِّي بشكل مباشر سعي الصين للحصول على الموارد الطبيعية لتعزيز نموها الاقتصادي المحلي. وإفريقيا هي ثاني أكبر قارة في العالم بمساحة 30 مليون كيلومتر مربع و1.2 مليار نسمة وتحتوي على كمية هائلة من الموارد الطبيعية، وقد جعلت هذه السمة، إلى جانب الكثافة السكانية المنخفضة نسبيًّا وقطاع الصناعات التحويلية الصغيرة، إفريقيا هدفًا رئيسيًّا للواردات الصينية. كما تحتل إفريقيا المرتبة الأولى أو الثانية من حيث الوفرة على مستوى العالم، بالنسبة لمعادن كالبوكسيت والكوبالت والماس وصخور الفوسفات والمعادن البلاتينية والكولتان والفيرميكوليت والزركونيوم، كما أن العديد من المعادن الأخرى موجودة بكميات كبيرة، مثل الذهب والنحاس والفحم والنفط وما إلى ذلك(7).

بالتالي، فإن النفط والمعادن هي في صميم العلاقة الاقتصادية بين الصين وإفريقيا وينعكس ذلك في تكوين وارداتها والقطاعات الرئيسية التي تستثمر فيها شركاتها. وعلى الرغم من أن المصادر تختلف اختلافًا كبيرًا في تقديراتها لحجم استثمارات الشركات الصينية في النفط والتعدين في إفريقيا، فإنها تتفق جميعها على أن هذه القطاعات هي الأهم من حيث الاستثمار الصيني في المنطقة.

 وعلى الرغم من أن المشاريع والقروض الصينية لا تتركز فقط في الصناعات الاستخراجية، فإنها ترتبط ارتباطًا غير مباشر بالقطاع من خلال الاستخدام واسع النطاق للقروض المعروفة باسم “الموارد مقابل البنيات التحتية”، والتي غالبًا ما تُستخدم لتمويل مشاريع البنية التحتية في المنطقة.

وقد جعل اعتماد الصين المتزايد على النفط والمعادن المستوردة منذ منتصف التسعينات من القرن العشرين ضمان إمدادات المواد الأولية هدفًا استراتيجيًّا؛ حيث اعتمدت استراتيجيات مختلفة لزيادة أمن تلك الموارد، بما في ذلك تنويع مصادر الواردات، واقتناء الشركات الصينية للموارد في الخارج، والعقود طويلة الأجل مع المورِّدين الأجانب من جهة.

من جهة ثانية، عملت الصين على تشجيع شركات النفط والتعدين على الاستثمار في الموارد الأساسية في الخارج، ومن ثم أصبحت المنطقة هدفًا مهمًّا للاستثمار الصيني. في عام 2013، قدَّرت الوكالة الدولية للطاقة أن أكثر من ربع النفط الذي تنتجه الشركات الصينية في الخارج يأتي من إفريقيا، وقد استثمرت الشركات الصينية في التعدين والمعادن في إفريقيا أكثر مما استثمرت في قطاع الطاقة. وللأسف، لا توجد معلومات عن إنتاج الشركات الصينية في المنطقة للمعادن أو عن حصة الواردات الصينية التي تمثلها تلك المعادن. الاستراتيجية الثالثة لزيادة أمن الموارد هي العقود طويلة الأجل المبرمة مع الموردين، وهنا، فإن الدور الذي تلعبه القروض المعروفة باسم “مبادلة الموارد مقابل البنيات التحتية” كبير جدًا؛ حيث تشمل العقود التزام الحكومة المقترضة بتوريد المواد الأولية على مدى عدد من السنوات من أجل سداد القرض، طالما أن المقترض لا يتراجع عن القرض، وهذا يضمن إمدادات آمنة على المدى الطويل(8).

كما أن إفريقيا أصبحت مهمة لأسباب تتعلق بالأمن الغذائي الصيني؛ حيث تتجه بيجين إلى إفريقيا لشراء أراض زراعية شاسعة بهدف استثمارها لإطعام سكانها الذين سيتجاوزون 1.5 مليار شخص بحلول عام 2025.

وقد زادت الواردات الصينية من المنتجات الزراعية الإفريقية في 2020 بنسبة 14 في المئة في المتوسط سنويًّا، مما جعل الصين ثانيَ أكبر مستورد في هذه الفئة؛ وتعد جنوب إفريقيا ونيجيريا وأنغولا ومصر والكونغو الشركاء الرئيسيين الخمس للصين من حيث واردات المنتجات الزراعية(9).

التجارة: لقد أبرزت عدة دراسات استقصائية أهمية الاعتبارات التجارية مثل الوصول إلى السوق المحلية، والاستفادة من الاتفاقات التجارية الإفريقية، وانخفاض تكاليف الإنتاج، والتوفر على المواد الخام في القرارات الاستثمارية للشركات الصينية في القارة. ظلت الصين تراقب إفريقيا لإمكاناتها السوقية؛ حيث تتميز الصناعات التحويلية الصينية بإنتاج المنسوجات والإلكترونيات والمنتجات الأخرى بسعر منخفض نسبيًّا، وهو ما يناسب السوق الإفريقية الأقل تقدمًا. وقد تعززت أهمية إفريقيا كسوق للصين بشكل كبير نتيجة للأزمة المالية الدولية في عام 2008 وتأثيرها الرهيب على صناعات التصدير، عندما انكمش الطلب على السلع الصينية من الاقتصادات الغربية الراكدة، فاضطرت صناعات التصدير في الصين إلى اللجوء إلى أسواق بديلة لملء الفراغ. علاوة على ذلك، وفي الوقت الذي تسعى فيه الصين إلى الارتقاء باقتصادها الصناعي والارتقاء في سلسلة التوريد العالمية، فإن إفريقيا، بمواردها العمالية الهائلة وغير المستغلة، تعتبر الموقع المثالي للصناعات الصينية كثيفة العمالة، ومن خلال نقل تلك الصناعات والوظائف ذات المهارات المنخفضة إلى إفريقيا؛ حيث تسعى الصين إلى المزيد من الصناعات في التكنولوجيا الفائقة لتحسين نموذجها التنموي وجودته(10).

ومن المبادرات الأخرى الرامية إلى تعزيز التجارة والاستثمار الصينيين في إفريقيا إنشاء مناطق اقتصادية خاصة؛ حيث أُنشئت خمس مناطق تقريبًا، اثنتان منها في نيجيريا ومنطقة واحدة في كل من إثيوبيا وزامبيا وموريشيوس، وأخرى يجري إنشاؤها تهدف أساسًا إلى تزويد السوق المحلية وربما الإقليمية بدلًا من أن تكون منصة للصادرات إلى السوق العالمية(11). وتشير دراسة أجرتها “وكالة ماكنزي الأميركية” إلى أكثر من ألف شركة صينية تعمل حاليًّا في إفريقيا، مصادر أخرى تتحدث عن ألفين وخمسمئة شركة، 90% منها شركات خاصة، فيما توقعت أن تصل قيمة الأرباح المالية التي تجنيها الصين من إفريقيا في حلول 2025 إلى 440 مليار دولار(12).

وبالمقارنة بعام 1950، عندما بلغ إجمالي التجارة الصينية الإفريقية 121 مليون دولار فقط، تجاوزت التجارة الصينية-الإفريقية بحلول عام 2000 عتبة 10 مليارات دولار. وفي عام 2020، وصلت قيمة التجارة بين الصين وإفريقيا إلى 187 مليار دولار، وبلغت قيمة الواردات 72.7 مليار دولار والصادرات 114.2 مليار دولار أميركي. وبحسب وزارة التجارة الصينية، فإن الصين حافظت على مكانتها كأكبر شريك تجاري مع إفريقيا لـ12 عامًا متتالية، في الوقت الذي عززت فتح سوقها على إفريقيا، وشملت استثمارات الشركات الصينية الجديدة 47 دولة إفريقية في عام 2020، كما وصلت القيمة التعاقدية لمشاريع المقاولات الصينية في إفريقيا إلى 67.9 مليار دولار أميركي ما يشير إلى الثقة المتنامية للشركات الصينية في السوق الإفريقية(13).

إن التمييز بين الدوافع الجيواقتصادية والجيوسياسية ليس منفصلًا في أغلب الأحيان؛ حيث يمكن النظر إلى الأهداف الجيواقتصادية التي تم التطرق اليها على أنها تخدم أغراضًا جيوسياسية على المدى البعيد من حيث ضمان استمرار النمو الاقتصادي الذي يشكِّل مصدر الشرعية للحزب الشيوعي، وخارجيًّا من خلال المساهمة في الصعود السياسي للصين على الصعيدين، الإقليمي والعالمي.

إفريقيا كتكتيك لاستراتيجية الصين الكبرى

خلال إدارة هو جينتاو (2003-2012)، بدأت الصين في تبنِّي مبدأ شمولي في السياسة الخارجية “من جميع النواحي/في جميع الاتجاهات” (all-round/all-directional) الذي لا يفرِّق نظريًّا بين المناطق الجغرافية أو البلدان. ووفقًا لكبار المحلِّلين الصينيين، فإن السياسة الخارجية الصينية لا ترتبط بالعلاقة مع منطقة أو دولة بعينها، بل تعتمد على دبلوماسية متوازنة تسعى إلى تطوير العلاقات مع جميع القوى المهمة في العالم. وبموجب هذا المبدأ، وضعت الصين خريطة استراتيجية محددة لجميع المناطق والبلدان في العالم قوامها: القوى الكبرى هي المفتاح؛ ومحيط الصين يشكِّل الأولوية؛ والبلدان النامية هي الأساس؛ والمنابر متعددة الأطراف هي المنصة. ورغم ذلك فإن البلدان ليست كلها متساوية، والواقع أن الصين تفرق فيما بينها، ويتم التعامل مع جيران الصين والقوى الكبرى باعتبارها مجالات أكثر أهمية بالنسبة للسياسة الخارجية. ومن ناحية أخرى، فإن علاقاتها مع القوى الكبرى، مثل علاقة الصين بالولايات المتحدة، مهمة بطبيعة الحال لأن لها التأثيرَ الأكبرَ على المصالح الوطنية للصين(14).

من هذا المنطلق، فإن فئة البلدان النامية التي تنتمي إليها الدول الإفريقية، تشكِّل “أساسًا” أو يمكن اعتبارها “تكتيكًا” لاستراتيجية الصين الكبرى (أي إجراء من بين مجموعة من الإجراءات المحددة التي تساعد على تنفيذ الاستراتيجية الكبرى)، بمعنى آخر يمكن اعتبارها وسيلة أو أداة لعلاقة الصين بأجزاء أكثر أهمية من العالم.

فإفريقيا ليست في جوار الصين ولديها معها علاقات مستقرة وإيجابية نسبيًّا، ولا تشكِّل لها أي تهديد، وليست قوة كبيرة موحدة، لذلك فأهميتها الرئيسية تكمن في تشكيل الأساس لعلاقة بيجين بالعالم، وبالتالي فهي تتطلب قدرًا أقل من الاهتمام والجهد من جانب الصين، مقارنة مع محيط الصين الإقليمي المتسم بالتوتر والنزاعات، وبالمقارنة مع القوى العظمى (خاصة مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة)، الذين تعتبرهم أكبر تهديد محتمل للأمن القومي الصيني؛ حيث ترى في دعمهم لتايوان والجماعات التبتية والأويغورية في الخارج تحديًا مباشرًا لسيادة جمهورية الصين الشعبية.

إن إفريقيا لا تشكِّل تهديدًا أو تحديًا مباشرًا للأمن القومي الصيني، وبسبب المسافة الجغرافية لا يوجد نزاع إقليمي بين الصين وإفريقيا، ولا يؤيد الأفارقة بشكل عام جهود تايوان أو التبت أو شينجيانغ في سعيها للاستقلال عن الصين، وليس لها مصلحة في تعزيز الديمقراطية في الصين. وبما أن إفريقيا منطقة أقل إثارة للقلق بالنسبة للسياسة الخارجية الصينية، فإن بيجين لديها مجالات رئيسية أكثر إثارة للقلق، وموارد أقل مخصصة لإفريقيا.

وبالرغم من أهمية دعم إفريقيا للأجندات السياسية المحلية والدولية للصين، إلا أنه يُعتقد أن تأمين مثل هذا الدعم سهل نسبيًّا.

وهناك سبب آخر يجعل إفريقيا ذات أولوية منخفضة في السياسة الخارجية للصين يكمن في حقيقة أن المصالح الاقتصادية للصين في القارة بأكملها صغيرة نسبيًّا على الرغم من نموها المثير للانتباه. إن كبار الشركاء التجاريين للصين إما قوى كبرى أو جيران للصين، في حين أن إفريقيا شريك ثانوي. فاعتبارًا من عام 2012، كان أكبر الشركاء التجاريين للصين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) وهونغ كونغ واليابان.

وعلى الرغم من أن التجارة الصينية-الإفريقية بلغت 198.4 مليار دولار في عام 2012، إلا أنها لا تشكِّل سوى 5% من التجارة العالمية للصين (3.867 تريليونات دولار). ومن حيث الصادرات والواردات تشكل إفريقيا 4.2% و6.2% على التوالي من صادرات وواردات الصين العالمية(15).

رغم كل ذلك، فإن إفريقيا ستظل مهمة للصين باعتبارها وسيلة ضرورية لتحقيق بعض أهدافها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في المدى البعيد. كما تسعى الصين من خلال توسيع علاقاتها مع إفريقيا -علاوة على المكاسب والفرص التي توفرها- إلى إبراز تضامنها مع العالم النامي في سعي الصين إلى “إضفاء الطابع الديمقراطي على العلاقات الدولية” ووضع بصمتها في النظام الدولي الجديد.

لذلك، تستخدم الصين الدبلوماسية والعلاقات الاقتصادية والتجارية والمساعدات والقروض والثقافة وغيرها في علاقاتها الإفريقية لكسب ثقة الأفارقة أولًا، ثم للحفاظ على علاقاتها الجيدة مع الدول الإفريقية وتوطيدها بما يخدم أهدافها الاستراتيجية.

دبلوماسيًّا: لقد سافر تقريبًا كل سياسي صيني رفيع المستوى إلى إفريقيا، وزار العديد من القادة الأفارقة الصين، وتتوفر بيجين على حوالي 48 سفارة في إفريقيا، كما أن مقاطعاتها البالغة 22، فضلًا عن خمس مناطق ذاتية الحكم، لها جميعًا علاقات مع الدول الإفريقية. وتتضمن الدبلوماسية العامة الصينية في إفريقيا المبادلات العلمية، والأنشطة الثقافية 46) معهد كونفوشيوس(، والحكامة، والتعاون الأمني والإعلام. كما قامت الصين ببناء مقر الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا، في عام 2012، وشكَّل المقر “هدية” بقيمة 200 مليون دولار تم تمويلها بالكامل من قبل الحكومة الصينية(16).

المعونات: منذ عام 2000، نمت المساعدة الإنمائية التي تقدمها الصين إلى إفريقيا نموًّا كبيرًا، وبينما تصوِّر الصين نفسها على أنها “أكبر دولة نامية”، إلا أنها تدعي إنفاق أكثر من نصف مساعداتها الخارجية في صالح 51 دولة إفريقية تشمل المشاريع والسلع والتعاون التقني، والتعاون في مجال تنمية الموارد البشرية، والمساعدات الطبية والإنسانية (وهذه غالبًا ما تمر من خلال منظمات الأمم المتحدة)، والمتطوعين، وتخفيف عبء الديون. إضافة إلى المساعدات المادية سواء كمنح -أي المساعدات بدون مقابل- أو القروض بدون فوائد أو القروض الميسرة. ورغم أن الحكومة الصينية لا تنشر سوى القليل من التفاصيل حول برنامج مساعداتها الخارجية، فقد وجدت منظمة آيد/دلتا AidData أن الصين قدمت نحو 31.5 مليار دولار من المعونة إلى إفريقيا بين عامي 2000 و2013، وعلى سبيل المقارنة، صرفت الولايات المتحدة حوالي 92.7 مليار دولار، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف المبلغ خلال الفترة نفسها(17).

القروض: تعهدت الحكومة الصينية بالتزامات رفيعة المستوى بتوفير التمويل لإفريقيا في اجتماعات منتدى التعاون الصيني-الإفريقي عام 2006؛ حيث وعدت بتقديم 5 مليارات دولار في شكل قروض تفضيلية وائتمانات تفضيلية لتصدير المشتريات نحو إفريقيا بين عامي 2007 و2009، كما جرى التعهد بتقديم عشرة مليارات دولار في شكل قروض تفضيلية بين عامي 2010 و2012، وعشرين مليار دولار بين عامي 2013 و2015. وفي عام 2015، وعدت بمبلغ ستين مليار دولار على مدى السنوات الثلاثة اللاحقة، وجرى التعهد بنفس المبلغ في عام 2018. لكن بعيدًا عن التعهدات الفضفاضة، من الصعب الحصول على صورة واضحة عن حجم التدفقات المالية الصينية نحو إفريقيا، كما لا تنشر الحكومة الصينية بيانات عن التدفقات المالية الرسمية على أساس دولتي أو إقليمي، ولا ينشر بنك التصدير والاستيراد أو بنك التنمية الصيني شيئًا عن ذلك، وهما المزوِّدان الرئيسيان للتمويل الصيني لإفريقيا. وتتركز القروض الصينية لإفريقيا في قطاعي النقل والطاقة؛ حيث يتسق ذلك مع وجهة نظر الحكومة الصينية بأن “البنية التحتية الأساسية هي العائق الرئيسي في تنمية العديد من البلدان الإفريقية”. وخلافًا للرأي السائد، فإن نسبة صغيرة من القروض الصينية تذهب مباشرة إلى مشروعات التعدين أو البترول والغاز في إفريقيا.

ومن سمات التمويل الصيني في إفريقيا الاستخدام المكثف لقروض “الموارد مقابل البنيات التحتية”، والتي يتم سدادها من خلال تصدير الموارد الأساسية إلى الصين. وبحسب أكثر تقدير لتلك القروض المقدمة إلى إفريقيا فإن المبلغ الإجمالي للفترة بين عامي 2000 و2014 بلغ نحو 30 مليار دولار، وهو ما يمثل ثلث مجموع إقراض الصين لإفريقيا خلال هذه الفترة؛ حيث إن معظم هذه القروض يتعلق بالنفط، وبعضها بالمعادن وفي حالات قليلة يتم السداد عن طريق الصادرات الزراعية(18).

الاستثمارات المباشرة: على الرغم من أن إفريقيا تمثل 16.7% من سكان العالم، بيد أن مخزون الاستثمار الأجنبي المباشر الداخلي في المنطقة لا يتجاوز 2.6% (954 مليار دولار) من الإجمالي العالمي في عام 2019. ثم إن حصة الصين من الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا كانت خامس أكبر مخزون في عام 2018؛ حيث بلغت 46 مليار دولار، بعد كل من هولندا وفرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة. ومع ذلك، فقد ارتفع مخزون الصين من الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا بنسبة 43.8% بين عامي 2014 و2018، في حين شهدت فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة انخفاض أسهم الاستثمار الأجنبي المباشر الخاصة بهما بنسبة 11.7% و26.9% و30.4% خلال الفترة نفسها. فيما بلغ إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من الصين إلى إفريقيا 95.7 مليار دولار في الفترة من 2005 إلى 2019، وهو ما يمثل 7.8% فقط من الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر للصين على مدى فترة الـ15 عامًا. ويتركز ما يزيد قليلًا عن 40.3% من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر للصين في إفريقيا في ثلاثة بلدان فقط: نيجيريا وجنوب إفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

إن احتياجات الصين الهائلة من الموارد تجعل من إفريقيا مقصدًا مناسبًا للاستثمارات الصينية؛ حيث إن القارة تضم ما لا يقل عن 28 دولة يصنِّفها صندوق النقد الدولي على أنها غنية بالموارد، وقد ذهب حوالي 37.9% من الاستثمارات الاجنبية المباشرة الصينية في إفريقيا إلى قطاع الطاقة.

وفي حين أن الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في إفريقيا كبير، فإن قيمة مشاريع البناء الصينية في القارة أكبر بكثير، وتشير إلى أن إفريقيا تشكِّل أولوية لمشاريع البنية التحتية الصينية؛ ففي الفترة من 2005 إلى 2019 وقَّعت الصين 544 عقد بناء في إفريقيا بقيمة إجمالية بلغت 267.7 مليار دولار، وهو ما يمثل حوالي ثلث القيمة الإجمالية لمشاريع البناء للصين في جميع أنحاء العالم(19).

عقود المشاريع: وثمة شكل آخر تتخذه المشاركة الصينية في إفريقيا ويتم من خلال مشاريع متعاقد عليها في الخارج والتي لا تنطوي على استثمارات مباشرة؛ حيث إن الصينيين نشطون للغاية في بناء الطرق والسكك الحديدية والسدود ومحطات الطاقة، فضلًا عن المباني العامة في جميع المناطق. وقد زادت الأرقام الصينية الرسمية لقيمة المشاريع المنجزة بأكثر من عشرين ضعفًا بين عامي 2003 و2015. ومنذ عام 2010، شكَّلت إفريقيا حوالي 30% من القيمة الإجمالية للمشاريع المتعاقد عليها من الصين في جميع أنحاء العالم، وتم توظيف أكثر من 130 ألف عامل صيني في مشاريع في إفريقيا في نهاية عام 2015.

إن الصين تشكِّل المصدر الأكثر أهمية للتمويل الخارجي للبنيات الأساسية في إفريقيا، وتمثل الشركات الصينية ما يقرب من نصف سوق الهندسة والمشتريات والبناء في المنطقة. خلال الفترة 2005-2015، كانت أنغولا ونيجيريا وإثيوبيا والسودان وغينيا الاستوائية أهم الأسواق في المنطقة بالنسبة للمتعاقدين الصينيين، وجميعها من كبار مصدِّري النفط، باستثناء إثيوبيا. وتمثل هذه المشاريع فيما بينها أكثر من نصف قيمة المشاريع الصينية المنجزة في إفريقيا خلال هذه الفترة. على الرغم من أن البيانات الصينية الرسمية عن العقود الخارجية لا تعطي تفاصيل عن القطاعات المعنية، إلا أن التقديرات تشير إلى أن أهم قطاع من حيث العقود الصينية في المنطقة هو النقل، الذي يمثل ما يقرب من نصف قيمة العقود المعلن عنها بين عامي 2005 ومنتصف عام 2016، خاصة مشاريع السكك الحديدية؛ حيث تمثل أكثر من نصف قيمة مشاريع النقل. القطاع الثاني هو الطاقة لاسيما الطاقة الكهرومائية، التي تمثل نصف جميع عقود الطاقة. وأخيرًا، تمثل مشاريع البناء 12% من المجموع(20).

في العام 2020، تم بناء أكثر من ستة آلاف كيلومتر من السكك الحديدية والطرق السريعة وما يقرب من عشرين ميناء وأكثر من ثمانين منشأة طاقة كبيرة وأكثر من 130 مؤسسة طبية و45 منشأة رياضية و170 مدرسة، وبلغت قيمة العقود الجديدة للمشاريع الهندسية التي وقَّعتها الشركات الصينية في إفريقيا 55.1 مليار دولار، بزيادة 13.3%(21). وخلقت الشركات الصينية أكثر من 4.5 ملايين فرصة عمل في القارة الإفريقية(22).

منتدى التعاون الصيني-الإفريقي: هو منتدى استشاري وآلية حوار بدأتها الصين في عام 2000 لتعزيز التعاون الصيني مع إفريقيا في مختلف القطاعات، انعقد أول مرة في بيجين، في الفترة من 10 إلى 12 أكتوبر/تشرين الأول 2000، وشارك فيه الرئيس، جيانغ زيمين، ورئيس مجلس الدولة، تشو رونغ جي، ونائب رئيس جمهورية الصين الشعبية، هو جين تاو.

حضر هذا الاجتماع أكثر من 80 وزيرًا من الصين ومندوبون من 44 دولة إفريقية من بينهم رؤساء وممثلون من 17 منظمة دولية وإقليمية(23).

ومنذ إنشاء المنتدى في عام 2000، قامت إفريقيا والصين بصياغة وتنفيذ “عشرة برامج رئيسية للتعاون” و”ثماني مبادرات كبرى”، ومنذ ذلك الحين، ارتفع حجم التجارة بـ20 ضعفًا، وزاد الاستثمار المباشر للصين في إفريقيا بمقدار 100 ضعف(24).

إن الصين اليوم هي أكبر لاعب أجنبي في إفريقيا، وهي أكبر شريك تجاري لإفريقيا، وأكبر مموِّل للبنية التحتية، والمصدر الأسرع نموًّا للاستثمار الأجنبي المباشر، كما يتدفق رواد الأعمال الصينيون إلى القارة، ويستثمرون في مشاريع طويلة الأجل.

لكن لغاية اللحظة، يبقى من الصعب أن ننظر لمشاركة الصين في إفريقيا باعتبارها جزءًا من سياسة متكاملة أو استراتيجية مدروسة جيدًا وطويلة الأجل، بل إن الأمر متعلق فقط بمجموعة من الأهداف وبعض الأدوات والآليات المستعملة لبلوغ تلك الأهداف. وينعكس ذلك بشكل كبير في فشل الصين في تحديد أولويات مصالحها الاقتصادية والسياسية في علاقتها مع إفريقيا. وفي حين تنظر الصين إلى إفريقيا في المقام الأول من خلال المنظور الاقتصادي، فإن لديها مصالحَ سياسيةً رئيسيةً أخرى، مثل دعم إفريقيا لأجندة الصين المحلية والخارجية.

لكن بدون استراتيجية إفريقية متماسكة، فإن الصراع بين الأهداف الاقتصادية والسياسية للصين يسهم بشكل مباشر في تنامي الصراعات البيروقراطية بين كل من وزارة الخارجية ووزارة التجارة؛ حيث إن كلتيْهما تعتبر نفسها الممثل الحقيقي للمصالح العليا للصين في إفريقيا، وتعتقد وزارة الخارجية أن جدول الأعمال الاستراتيجي الأوسع للصين تقوضه أولوية الأهداف الاقتصادية. إن الصراع واضح للغاية على سبيل المثال حول المعونات الخارجية التي تقدمها الصين لإفريقيا: فبالنسبة لوزارة الخارجية فإن المساعدات الخارجية هي بالأساس أدوات سياسية للصين لتعزيز العلاقات الثنائية وتسهيل تنمية الدول الإفريقية، أما الاعتبارات السياسية فينبغي أن تكون أهم المعايير في اتخاذ القرار المتعلق بالمعونات، ولا ينبغي أن تكون الفوائد الاقتصادية مرتبطة بمشاريع تلك المعونات فقط، مثل الربحية أو استخراج الموارد أو عقود خدمات الاستحواذ للبائعين الصينيين، فهذه تأتي في المقام الثاني. في حين ترى وزارة التجارة العكس، ومن وجهة نظرها، تخدم المساعدات الخارجية الأولوية الوطنية الشاملة للصين وهي النمو الاقتصادي، لذلك ينبغي أن تعكس جميع جوانب قرارات المعونات اعتبارات اقتصادية واسعة النطاق.

وبموجب هذا المنطق، تميل وزارة التجارة بطبيعة الحال إلى تخصيص ميزانية المعونات للبلدان التي تقدم للصين أكبر عدد من الفرص والفوائد التجارية. وبما أن مصلحة الصين الاقتصادية المفرطة هي الموارد الطبيعية لإفريقيا، فإن قرارات المعونة تميل حتمًا نحو البلدان الغنية بالموارد، في حين أن قرارات المعونة الأخرى تحظى باهتمام أقل.

 إن هذه المقاربة تسهم بشكل مباشر في التصور السلبي بأن الصين تضخ المساعدات والتمويل ومشاريع البنية التحتية فقط مقابل الموارد الطبيعية والمصالح الخاصة.

ويتفاقم الصراع بين الجوانب الاقتصادية والسياسية لسياسة الصين تجاه إفريقيا كذلك بسبب تعدد الجهات الفاعلة الصينية العاملة في إفريقيا مثل الشركات المملوكة للدولة على المستوى المركزي وحكومات المقاطعات والشركات الخاصة. فجدول أعمال هذه الجهات الفاعلة اقتصادي في معظمه، في حين أنه نظرًا لاستقلالية هذه الجهات وغياب الإدارة والإشراف المركزي للأنشطة الخارجية، يصبح من الصعب للغاية على بيجين إدارة مختلف أولوياتها وتنفيذ إملاءاتها.

إن تعدد الجهات الفاعلة التجارية يوسِّع نطاق التفاعلات الصينية الإفريقية إلى ما هو أبعد من المجال الحكومي الدولتي؛ حيث لا تتبع جميع الشركات الصينية سياسة الدولة تجاه إفريقيا في كل الأوقات، أو حتى تحترمها، بل تميل الشركات الصينية إلى اتباع نموذجها التشغيلي الخاص في السعي وراء التكاليف المنخفضة، وعدم احترام القضايا الاجتماعية والبيئية، وسوء ظروف وأخلاقيات العمل وما إلى ذلك. ويؤدي اتباع هذا النموذج، في كثير من الحالات، إلى صراعات مباشرة مع المجتمعات المحلية. وبالنسبة للعديد من هذه الجهات الفاعلة، فإن الهدف الأساسي هو مضاعفة الأرباح والعودة في نهاية المطاف إلى الصين؛ ولا توجد رؤية استراتيجية طويلة الأجل. ولكن عندما يتم تفحص علاقات الصين الواسعة مع إفريقيا من قبل الأفارقة أو الأجانب لاسيما الغرب، ينظر إلى هذه الجهات الفاعلة على أنها تنفذ سياسة الصين كدولة، حيث تتلقى بيجين على إثر ذلك أغلب اللوم لعدم تصرفها بشكل لائق(25).

مصالح الأفارقة ومخاوفهم

يمكننا إسقاط نفس التمييز بين الجوانب السياسية والاقتصادية والتجارية في مناقشة المكاسب الإفريقية. ومن وجهة نظر سياسية، فإن المقاربة الصينية المتمثلة في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الإفريقية وعدم فرض أي شروط سياسية على البلدان المقترضة (نظريًّا) تجعل التعامل مع الصين جذابًا. وكان هذا انتقادًا غربيًّا كبيرًا لتورط الصين في المنطقة، على أساس أنها توفر الدعم للأنظمة الاستبدادية، ولكن حتى بالنسبة للبلدان الديمقراطية نسبيًّا، فإن نهج الصين غير المرتبط بالشروط المسبقة يبقى مهمًّا (كما لا يمكن إغفال الدور الذي من الممكن أن تلعبه الصين لصالح البلدان الإفريقية بكونها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن وامتلاكها حق النقض). كما أن المنافسة المتزايدة بين القوى التي يخلقها دخول الصين إلى المنطقة قد وفرت فرصة للحكومات الإفريقية لزيادة قدرتها التفاوضية.

ومن الناحية الاقتصادية، تواجه الاقتصادات الإفريقية نقصًا مزمنًا في البنيات التحتية الأساسية في مجال الطاقة والنقل والاتصالات؛ حيث قدَّر البنك الدولي، في عام 2010، أن المبلغ السنوي اللازم لسدِّ الفجوة في البنية التحتية في إفريقيا بلغ 31 مليار دولار، ولا تملك الدول الإفريقية الإيرادات الحكومية ولا النقد الأجنبي اللازم لتمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى بهذا الحجم. كما لم يهتم المقرضون والمستثمرون الغربيون بتمويل مثل هذه المشاريع. وقد ركز البنك الدولي وغيره من المانحين الغربيين، الذين قدَّموا في حقبة سابقة قروضًا للبنية التحتية، منذ الثمانينات بشكل كبير على القروض المرتبطة بالبرامج والقطاعات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم بدلًا من البنية التحتية.

في هذا السياق، حرصت الحكومات الإفريقية من جانبها على الاستفادة من استعداد الصين لتمويل مشاريع البنيات الأساسية الكبرى في المنطقة.

بالتالي، فإن نمو القروض المستبدلة بالمواد الأولية ليست نتيجة فقط لجهود الصين لتأمين إمدادات الطاقة والمواد الخام بل لرغبة الأفارقة أيضًا في تطوير بنياتهم التحية الأساسية. وقد تمكنت الحكومات الإفريقية من استخدام مواردها الطبيعية للحصول على البنية الأساسية وتمويل المشروعات الأخرى من الصين مع السداد في وقت لاحق.

ولذلك، يمكننا أن نستخلص أن الاستخدام واسع النطاق لقروض “البنيات التحتية مقابل المواد الأولية” في إفريقيا هو أيضًا نتيجة للتقارب بين المصالح المختلفة، بما في ذلك مصالح النخب الإفريقية في الحصول على تمويلات خارجية، كما ترحب الحكومات الإفريقية بالإيرادات الإضافية من النقد الأجنبي والمداخيل الحكومية الناتجة عن زيادة صادرات النفط والغاز والمعادن إلى الصين، (علاوة على استيراد سلع أرخص من الصين) والتي تساعد في تخفيف ميزان المدفوعات وقيود الميزانية(26).

وبشكل عام، فمن الخطأ تجاهل دور إرادة الأفارقة في تفسير التزام إفريقيا المتنامي مع الصين، ورغم أن المصالح الصينية تشكِّل العامل الأكثر أهمية في وجودها الاقتصادي في إفريقيا، فمن غير المرجح أن يكون هذا النمو بهذه السرعة لولا المصالح التكاملية في الجانب الإفريقي.

لكن، رغم أن الأفارقة قد استقبلوا الصينيين بأذرع مفتوحة منذ أواخر التسعينات، فقد أصبح هناك قدر كبير من التوجس ينمو في الآونة الأخيرة؛ حيث إن صورة الصين في الرأي العام الإفريقي أصبحت تتلاشى ببطء. فوفقًا لمقياس “الأفروباروميتر”، يعتقد 59% من المشاركين في الاستطلاع، عام 2020، أن نفوذ الصين في بلادهم كان إيجابيًّا، بعد أن كان 63% في عام 2015(27).

نجد من بين المخاوف أو الانتقادات الشائعة الموجهة لعلاقات الصين بإفريقيا:

هيكلها “الاستعماري”: فإفريقيا تبيع المواد الخام للصين وتبيع الصين سلعًا مصنَّعة وخدمات لإفريقيا، وهذه معادلة خطيرة تعيد إنتاج علاقة إفريقيا القديمة مع القوى الاستعمارية؛ حيث إن حوالي 90% من صادرات الدول الإفريقية تجاه الصين تخص فقط النفط والمعادن والغاز، ما جعل الميزان التجاري يميل أكثر للصين على حساب هذه الدول الإفريقية(28)، التي تبقى اقتصاداتها متذبذبة، فمنذ أصبحت الصين مستوردًا رئيسيًّا للمواد الأولية في أوائل القرن الحادي والعشرين، شهدت الأسعار اتجاهات تصاعدية عززت بقوة نمو البلدان المصدِّرة لأكثر من عقد من الزمان، إلا أنها شهدت أسوأ ما شهدته مع انهيار الأسعار؛ حيث كانت لها عواقب اجتماعية وسياسية وخيمة(29)، ولكون استراتيجية التصدير الصينية تسهم بشكل سلبي في طموح في بعض البلدان الإفريقية في التصنيع والتنويع الاقتصادي وفي تطوير صناعة ذات قيمة مضافة، من شأنها أن تدعم الطلب المحلي وخلق الثروة وفرص العمل.

منطقها الإمبريالي: من حيث إن علاقاتها غير متكافئة بشكل كبير مع الدول الإفريقية، فإفريقيا تُعتبر سوقًا استهلاكية ومنطقة للمناولة، استجابة لجهاز صناعي في تحول كامل منذ الأزمة المالية، (إذ تتطلع الصين مؤخرًا لاقتناص حصص في سوق الاتصالات السلكية واللاسلكية والصناعة الثقافية وغيرها، من خلال مجموعاتها الكبيرة كعلي بابا أو تينسنت أو هواوي أو “زد تي إي” (ZTE) التي من المتوقع أن تلعب دورًا مهمًّا في تجهيز شبكات العواصم الإفريقية). تهدف بيجين إلى التغطية الجغرافية للقارة بأكملها من خلال مقاربة جهوية مقسمة بين الواجهة البحرية للمحيط الهندي (جيبوتي، كينيا، تنزانيا)، والانفتاح على غرب وشمال إفريقيا (عبر البحر الأبيض المتوسط)، وأخيرًا الجنوب الإفريقي (عبر شريكها الاقتصادي والسياسي المتميز: جنوب إفريقيا). الغرض من هذه الاستراتيجية هو الترويج النشط لمشروع “طريق الحرير الجديد” الذي من شأنه تطوير البنيات الأساسية للموانئ والسكك الحديدية والطرق بما يمكِّن جميع البلدان الإفريقية من الاندماج بصورة أعمق وأسهل في سيرورة العولمة(30).

فخ التبعية عبر الاستدانة: بين عامي 2000 و2018، اقترضت 50 دولة إفريقية من أصل 54 من الصين بأشكال مختلفة. وفي عام 2018، كانت جمهورية الصين الشعبية تحتفظ بما يقرب من 21٪ من الدَّيْن العام الخارجي غير المسدَّد في القارة، مع جزء كبير من هذه القروض المتعلقة بالبنية التحتية التي تكون أهميتها وتكلفتها موضع تساؤل في بعض الأحيان (السكك الحديدية والموانئ والطرق ومحطات الطاقة، وما إلى ذلك). ومع ذلك، فإن مديونية البلدان الإفريقية للصين تتفاوت، وهي أكبر مانح خارجي لبعضها مثل زامبيا (تمتلك 29%)، وإثيوبيا (32%)، وأنغولا (39%)، وجمهورية الكونغو الديمقراطية (43%) وجيبوتي (70%). ثم إنها في كثير من المرات تجد نفسها عاجزة تسديد ما بذمتها، وأمام هذه الوضعية من المتوقع أن تصبح تبعيتها للسياسة الصينية أمرًا حتميًّا. وفي حين أيدت الصين مبادرة تعليق خدمة الدَّيْن الرسمية الثنائية، فإنها لا تزال مترددة في الانضمام إلى “نادي باريس”، وهو منتدى الدائنين السياديين الذي يحدد القواعد العامة لإدارة الديون وإعادة هيكلتها، وذلك لتبقى ربما في منأى عن الرقابة الدولية(31).

كما تطرح إشكالية المعونات المالية، التي لا يمكن تعريف سوى 43% منها على أنها معونات إنمائية حسب معايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، أما الباقي فهي قروض تجارية لا علاقة لها بأي معونة إنمائية. وهذه الأخيرة تحمل وراءها دوافع تجارية واستراتيجية، وكثيرًا ما تشكِّل جزءًا من مشروع بيجين الضخم لطريق الحرير الجديد. كما أن الصين لا تفشل في ضمان سداد قروضها في كثير من الأحيان بحيث تتضمن عقودها بنودًا سرية تحصل من خلالها على ضمانات إذا ما عجزت دولة مقترضة ما من سداد ديونها(32).

إلى جانب ذلك، تُتَّهم الصين بأنها تقوض الجهود الرامية إلى تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتسهم في الفساد والتدهور البيئي والاجتماعي. وفي كل الأحوال، يجب على الأفارقة الحرص على إحداث نوع من التوازن في علاقاتهم مع الصينيين، لكيلا يبدو أنهم خرجوا من استعمار قديم ليسقطوا في آخر جديد.

الصين والتدافع الجديد من أجل إفريقيا

وفي الفترة ما بين 2010 و2016، جرى افتتاح أكثر من 320 سفارة في إفريقيا، وربما كانت تلك أكبر طفرة في بناء السفارات في أي مكان على الإطلاق، تركيا وحدها فتحت 26 سفارة، وقد أعلنت الهند أنها ستفتح 18 سفارة، كما أن العلاقات العسكرية تتعمق أيضًا؛ حيث إن الصين الآن هي أكبر بائع للأسلحة لإفريقيا جنوب الصحراء ولديها علاقات في مجال تكنولوجيا الدفاع مع 45 بلدًا، كما وقَّعت روسيا 19 صفقة عسكرية مع دول إفريقية منذ عام 2014.

في عام 2018، كانت الصين الشريك التجاري الأول لإفريقيا والهند في المرتبة الثانية وأميركا في المرتبة الثالثة (بينما كانت فرنسا في المرتبة السابعة). وخلال نفس الفترة تضاعفت تجارة إفريقيا أكثر من ثلاثة أضعاف مع تركيا وإندونيسيا، وتضاعفت أكثر من أربعة أضعاف مع روسيا كما نمت التجارة مع الاتحاد الأوروبي بنسبة بلغت 41%. ولا تزال شركاتٌ من أميركا وبريطانيا وفرنسا أكبرَ مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا، ولكن الشركات الصينية، بما في ذلك الشركات المملوكة للدولة تحاول الالتحاق بالركب، كما أن المستثمرين من الهند وسنغافورة حريصون على الانضمام إلى الصراع(33). فبعد أن تجاهلت القوى الغربية إفريقيا تدريجيًّا، بعد إنهاء الاستعمار في ستينات القرن العشرين بالنسبة لبريطانيا، وبعد الحرب الباردة (فرنسا) باستثناء القضايا الأمنية خاصة بمنطقة الساحل، إضافة للولايات المتحدة التي لم يكن لديها أية سياسة إفريقية تتناسب مع خطابها. استغلت الصين ذلك الفراغ، الذي تزامن مع إقلاع اقتصادها وتزايد احتياجاتها من المواد الأولية. وبالتدريج، بدأ وجودها يزدهر في جميع أنحاء القارة، من منتدى للتعاون مرورًا بمقر جديد للاتحاد الإفريقي في أديس أبابا كهدية، إلى أول قاعدة عسكرية بحرية في الخارج في جيبوتي على المحيط الهندي، وكلها إشارات واضحة لوجود طموحات جيواقتصادية وجيوسياسية وجيوستراتيجية مستقبلية غير معلنة.

ومن المتوقع أن تشكِّل الفرص التي يمكن أن توفرها القارة في المستقبل والموارد الطبيعية الحيوية لمستقبل البشرية الأساسية خاصة في قطاع التكنولوجيا (مثل الكوبالت وغيره)، رهانًا عالميًّا أو ما أسمته مجلة “الإيكونوميست” “تدافعًا جديدًا من أجل إفريقيا”(34).

إن العديد من القوى أصبحت تجري وراء الكثير من المصالح والشراكات في القارة؛ إذ إن وصول قوى ناشئة مثل الصين سيمنح البلدان الإفريقية في المستقبل مجالًا أكبر للمناورة فيما يتصل بالشروط التي يفرضها صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والأمم المتحدة التي تهيمن عليها القوى الغربية بشكل رئيسي. ومن الواضح أنها أصبحت تقدم بديلًا أنسبَ على المستويات السياسية والاقتصادية والتجارية والاجتماعية والثقافية.

والصين تجد نفسها الآن في منافسة قوية مع القوى الاستعمارية السابقة، ولكن أيضًا مع قوى ناشئة أخرى، مثل الهند وتركيا والبرازيل وغيرها، غير أن العديد من الأفارقة أصبحوا يتساءلون عمَّا إذا كانت قارتهم ستتمكن يومًا ما من تنظيم نفسها وأخذ زمام المبادرة لكي تستفيد إلى أقصى حدٍّ من هذه المنافسة، بدلًا من أن تكون مجرد ميدان للصراع.

خلاصة المحور الأول

إن الحضور المتنامي للصين في إفريقيا يعكس أولوياتها من الناحية الاقتصادية والسياسية، ومن الواضح أن الأمر يتعلق أولًا بضمان التفوق التجاري والتنمية الاقتصادية للصين، ويتطلب هذا التطور داخليًّا وخارجيًّا تأمين المواد الأولية الاستراتيجية. وثانيًا من الناحية السياسية، رغم أن القارة الإفريقية ذات أهمية صغيرة بالنسبة لأجندة السياسة الخارجية للصين، إلا أنها تلعب دورًا داعمًا إلى حدٍّ كبير في استراتيجيتها الكبرى، وبدلًا من النظر إلى إفريقيا باعتبارها “غاية” أو “أولوية”، يُنظر إليها باعتبارها “تكتيكًا” أو جزءًا من “الأساس” الذي تُبنى عليه طموحات الصين الاستراتيجية الأوسع نطاقًا.

بالتالي، فإن إفريقيا لم تكن بأي حال من الأحوال هدفًا في حدِّ ذاتها، بل هي وسيلة، من بين الوسائل الأساسية لازدهار الصين اقتصاديًّا وتكريس ودعم قوتها سياسيًّا على الصعيدين، المحلي والعالمي.

إن الصين تنهج استراتيجية الفعل غير المباشر والمتدرج، ويمكن اعتبار انخراطها في القارة الإفريقية “تكتيكًا” من بين تكتيكات أخرى، لم يكن الغرض منها فقط الاستجابة لحاجياتها الاقتصادية المباشرة والمتزايدة، بل أيضًا لتعبيد الطريق بهدف الوصول سريعًا إلى قمة السياسة الدولية، وزنًا اقتصاديًّا وسياسيًّا ونفوذًا تجاريًّا وجيوستراتيجيًّا.

المحور الثاني:روسيا وإفريقيا…حرب باردة جديدة؟

يُنظر عادة إلى روسيا الاتحادية اليوم باعتبارها وريث الاتحاد السوفييتي. ولكن الاتحادَ السوفييتي، الطرفَ الرئيسَ في الحرب الباردة، كان شأنًا آخر تمامًا. تحكّم الاتحاد السوفيتي، سواء ضمن حدوده أو بقيادته لحلف وارسو، بمجال جيوستراتيجي هائل، لم يعد بيد روسيا، فتراجع وزنها كثيرا أمام الولايات المتحدة الأمريكية.

مع بروز فلاديمير بوتين أصبحت روسيا وخاصة بعد عام 2011 وما شهدته من تغيرات دولية وتحديدا في إفريقيا، لاعبا أساسيا بإمكانه تحديد هوية المنتصر وهوية المنهزم في أي صراع. ويبدو أن الجميع أمام نسخة جديدة لأجواء الحرب الباردة في ظل النزعة الغربية لحشر الروس في زاوية أفعالهم.

وفي هذا السياق سنتطرق في هذه الورقة التحليلية إلى أبرز مجالات التعاون الروسي الإفريقي، وهل ستنجح روسيا في توجهها نحو إفريقيا؟ وماذا استفادت إفريقيا من موسكو؟ وما موقف الدول الغربية من تنامي النفوذ الروسي في إفريقيا؟ وفهم دلالات النفوذ الروسي المتنامي في مختلف مناطق القارة الإفريقية.

التعاون الروسي الأفريقي

هناك عدد من العوامل التي ساهمت في خلق مساحة أكبر لروسيا وتسهيل مهمتها في العودة إلى أفريقيا وتوسيع آفاق تعاونها معها، أبرزها:

  • السياسات الأمريكية خلال عهد ترامب بالافتقار إلى مشاركة أمريكية رفيعة المستوى في إفريقيا.
  • تصريحات ترامب المشحونة بالعرقية والعنصرية ضد البشرة السوداء.
  • “قرار أمريكا أواخر 2018 تقليص القوات الأمريكية في إفريقيا”(1).
  • قلق الأفارقة بشأن الهيمنة الصينية المتنامية وحرصها على تنويع شركاء التجارة والاستثمار.

وبفضل تلك العوامل توسعت المشاركة السياسية الروسية في إفريقيا بشكل كبير في السنوات الأخيرة.

إن الاستراتيجية الروسية نحو أفريقيا، يكمن بشكل أساسي في المقام الأول على التعاون العسكري والسياسي والاقتصادي مع معظم دول القارة الأفريقية. وتعد العقوبات الغربية المفروضة على روسيا بعد ضمّها شبه جزيرة القرم عام 2014(2) من أهم العوامل التي أدت إلى أن تكون أهداف موسكو موجهة نحو أفريقيا، وفق ما أعلنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عن تحقيق استراتيجية “التحوّل” باتجاه آسيا وأفريقيا(3).

القمة الأفريقية الروسية

ونتيجة لما شهده التعاون الأفريقي الروسي من تنامٍ ملحوظ والذي أسفر عن انعقاد قمة روسية أفريقية التي تم انعقادها في أكتوبر/تشرين الأول 2019، كان أهمُّ أهدافها عودةَ الدب الروسي لمكانته كقوة عظمى سياسية وعسكرية مؤثرة مرة أخرى في القارة الأفريقية، بعدما فقدت هذه الصفة إثر انهيار الاتحاد السوفيتي بداية من عام 1992.

اعتمد القادة الروس والأفارقة خلال القمة بياناً ​​يحتوي على أهداف متفق عليها بشكل متبادل، وأهداف لزيادة تطوير التعاون الروسي الأفريقي على جميع الأصعدة السياسة، والأمنية، والاقتصادية، والعلوم والتكنولوجيا، والثقافية، والمجال الإنساني. والأهم من ذلك، أن الإعلان وضع إطارًا جديدًا للحوار؛ بحيث تعقد قمة بين الجانبين كل ثلاث سنوات، وتعقد مشاورات سياسية سنوية لوزراء الخارجية الروس والأفارقة، وقد بلغ عدد الاتفاقيات والمذكرات والعقود التي تم توقيعها أكثر من 50 وثيقة، وبلغ إجمالي الحجم المالي للوثائق حوالي 800 مليار روبل (نحو 12,5 مليار دولار)(4).

ويعد انعقاد القمة الروسية الأفريقية عام 2019، منعطفاً هاماً جديداً نحو إعادة ترسيخ العلاقات الروسية مع أفريقيا، وهو الحدث الذي يعد غير مسبوقاً على هذا المستوى الرفيع بين الجانبين.

وفيما يلي سرد لأهم التحركات الروسية التعاونية المستجدة في مختلف المناطق الأفريقية:

أولا: دول مجموعة الساحل الأفريقي

تعتبر دول مجموعة الساحل الإفريقي، النيجر وموريتانيا ومالي وبوركينا فاسو وتشاد، منطقة جغرافية استراتيجية، وهي منطقة تعد أرضًا مليئة بالفرص بقدر ما هي أرض مليئة بالتحديات. وقد بدأت روسيا تسلط اهتمامها على دول المجموعة مستغلة في ذلك انحسار الدور الفرنسي في المنطقة؛ حيث قامت روسيا بإبرام اتفاقيات تعاون عسكرية مع دول المجموعة كان آخرها مع موريتانيا في 24 يونيو/حزيران 2021(5).

ووقع نائب وزير دفاع الاتحاد الروسي العقيد ألكسندر فومين ورئيس المؤسسة العسكرية الموريتانية حنَنَّا ولد سيدي على اتفاقية التعاون العسكري بين البلدين خلال مؤتمر موسكو التاسع للأمن الدولي. كما وقعت روسيا أيضا اتفاقيات عسكرية مشابهة مع مالي عام 2015 والنيجر في 2017.

وفي جمهورية تشاد تطمع روسيا بتوسعها الجيوسياسي نظرا لتمتعها بمناطق نفوذ ذات أهمية، وفي هذا الصدد، فقد أشارت وسائل إعلامية إلى أن مجموعة فاغنر الروسية شاركت في مواجهات شرسة مع جبهة الوفاق من أجل التغيير المعارض بتشاد، ضد الجيش التشادي وأدت الى وفاة الرئيس السابق إدريس ديبي(6).

ثانيا: جمهورية أفريقيا الوسطى

أعلنت الخارجية الروسية في أوائل شهر يوليو/تموز 2021، أن روسيا أرسلت 600 جندي إضافي إلى قواتها المتواجدة في جمهورية إفريقيا الوسطى لتدريب الجيش والشرطة والحرس الوطني. ومع الدفعة الإضافية الجديدة، سيرتفع عدد الجنود الروس في إفريقيا الوسطى إلى 1135 جندي روسي(7). وتتنافس موسكو على النفوذ في الدولة الإفريقية المضطربة مع فرنسا، التي بدورها تنشر نحو 300 جندي هناك.

يُذكر أن مرتزقة شركة “فاغنر” الأمنية الروسية تنشط في إفريقيا الوسطى لتدريب الجيش هناك، وحراسة الشخصيات الهامة، ومكافحة المتمردين والمجموعات الإرهابية وحماية منشآت الذهب، والألماس واليورانيوم في مناطق الصراع.

ثالثا منطقة القرن الأفريقي

تعد منطقة القرن الإفريقي من أهم المناطق الجغرافية في العالم، لكونها تتميز بموقع استراتيجي يطل على ممرات مائية هامة، فضلاً عن امتلاكها موارد طبيعية زاخرة، وقربها من مضيق باب المندب المتحكم في البحر الأحمر، مما جعلها محطَّ أنظار العالم لا سيما القوى العظمى.  ويعد حصول روسيا على قاعدة بحرية في ميناء بورتسودان بالسودان(8) مرحلة حاسمة في الاستراتيجية الروسية في منطقة البحر الأحمر وبالتالي القرن الإفريقي؛ لأنها لا تسعى إلى تعزيز علاقاتها التجارية مع السودان بل أيضا بدول المنطقة، واستعادة قوة أسطولها البحري في البحر الأحمر.

وبجانب النمو في المعاملات العسكرية بين روسيا والقرن الإفريقي، عمقت روسيا تعاونها الدفاعي مع إثيوبيا في 12 يوليو/تموز 2021 حيث تم التوقيع على اتفاقيات للتعاون العسكري مع روسيا(9)، الخطوة التي فسرها النقاد والسياسيون أنها جاءت ردا على المناورات العسكرية التي أجرتها مصر مع الاتحاد الأوروبي(10).

رابعا: منطقة شرق أفريقيا

تعتبر منطقة شرق أفريقيا من أبرز الأقاليم في القارة برمتها، التي تتخذ منهجاً حذرا في التعاون مع الدول الغربية بشكل عام وهي أقل تعاوناً سواء مع روسيا أو مع غيرها من الدول العظمى، مقارنة مع الكتل والأقاليم الأخرى في القارة السمراء.

وعلى سبيل المثال قام ميخائيل بوغندوف نائب وزير الخارجية الروسي للشؤون الافريقية بزيارة إلى تنزانيا يوم 15 مايو/أيار 2021(11)، أجرى خلالها محادثات مع وزيرة الخارجية التنزانية السيدة لايبيراتا مولامولا، حيث أشار إلى دعم روسيا لجهود تنزانيا بشكل خاص والاتحاد الافريقي بشكل عام، لمواجهة التحديات الامنية التي تواجه منطقة البحيرات الكبرى بدون تدخل أطراف أجنبية.

كما عرض المسؤول الروسي على تنزانيا مساعدتها في مواجهة الأنشطة الإرهابية وخاصة في المناطق الجنوبية في تنزانيا في الحدود مع موزمبيق، ولكن الغريب في الأمر أنه ناقض حديثه عندما قال إن روسيا تدعم الجهود الأمنية من قبل الأفارقة دون تدخل أجنبي، باستعداد بلاده بالتعاون مع تنزانيا لتعزيز الامن، باعتبار أن روسيا ليست دولة اجنبية!

أما الجانب التنزاني فقد تجاهلت وزيرة الخارجية التنزانية الحديث عن مسألة الدعم الروسي الأمني لتنزانيا، وركزت حديثها نحو تعزيز العلاقات التجارية والدبلوماسية والاقتصادية.

استفادة إفريقيا من موسكو

تاريخيا ظلت القارة الأفريقية تتذكر كون موسكو وقفت إلى جانب حركات التحرر الإفريقية وقد استحضر رئيس جنوب إفريقيا الراحل نيلسون مانديلا ذلك في تصريحه الشهير في يوليو/تموز 1991 خلال المؤتمر الوطني الأول لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي بعد رفع الحظر عن تلك المنظمة عندما قال موجها حديثه للروس “بدون دعمكم، لن نكون نحن حيثما وصلنا الآن”(12)، حيث قدم الاتحاد السوفياتي تعاون بشكل مثمر مع أفريقيا في مختلف المجالات. وقدمت دعما حاسما لحركات التحرر الوطني، وخاصة تلك الموجودة في جنوب القارة. وخضع رئيسان لجنوب إفريقيا بعد الفصل العنصري، ثابو مبيكي وجاكوب زوما، لتدريبات عسكرية في الاتحاد السوفيتي.  وقد ظلت جنوب إفريقيا حريصة دوما على التذكير باستفادة إفريقيا من روسيا، وقد كان تصريح رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا بشأن نتائج القمة الأفريقية الروسية حيث قال إن الاجتماع فاق توقعاته، ووصف المنتدى الروسي الأفريقي بموجة ثانية من الدعم الروسي، ولكن هذه المرة موجهة نحو النمو الاقتصادي لأفريقيا(13).

وتعد أبرز لحظات قمة سوتشي الأفريقية الروسية في أكتوبر/تشرين الأول 2019 والتي حضرها أكثر من 40 رئيس دولة وحكومة أفريقية، وحضور الآلاف من ممثلي معظم قطاعات الاقتصاد في الدول الإفريقية، الإعلان عن إعفاء الديون الروسية المستحقة على الدول الإفريقية والتي تقدر بمبلغ 20 مليار دولار(14)، وهو مؤشر واضح على الأهمية التي توليها موسكو للتعاون مع إفريقيا.

ومن جهة أخرى فإن سياسة روسيا الرسمية تقوم على دعم الحلول الأفريقية لمشاكل أفريقيا(15) عبر تعزيز قدرات حفظ السلام التي تقوم بها هياكل الاتحاد الأفريقي، بمعنى أن تكون تلك الهياكل هي الجهة المخولة والمسؤولة في المقام الأول عن معالجة النزاعات الأفريقية/أفريقية، وهذا يعني -نظريا- أن الموقف الروسي يصب في خانة احترام سيادة الدول الإفريقية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

وفي جانب آخر تقوم شركة روستوم الروسية بتوفير برامج تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، بما في ذلك المسابقات العلمية لطلاب المدارس الثانوية والكليات، كما تقدم أيضًا منحًا دراسية للطبلة الأفارقة للدراسة في روسيا الاتحادية(16) ويمكن أن تكون هذه الفرص التعليمية مهمة للطلاب الأفارقة الواعدين الذين يفتقرون إلى الموارد المالية للدراسة في أوروبا أو الولايات المتحدة. ولكن بالنظر إلى التقارير التي أشارت إلى حدوث أعمال عنف ضد الأفارقة في روسيا، فمن غير المرجح أن تساهم برامج التعليم هذه في تحسين صورة روسيا في القارة الأفريقية(17).

وعموما تعمل روسيا على تخريج عدد من المسؤولين الأفارقة من مؤسساتها التعليمية من أجل دعم سياستها، واختيار القيادة العليا في البلدان المستهدفة، والتي تساعد بعد ذلك في الوصول إلى الحصول على فرص استكشاف الموارد الطبيعية، وهذا النهج سائد في جمهورية أفريقيا الوسطى والسودان على سبيل المثال، وكل تلك الجهود المترابطة أثبتت نجاعتها.

ونظرا لأهمية ملف الطاقة في إفريقيا فإن العديد من الشركات الروسية المملوكة للدولة تنشط في القارة الإفريقية، مثل غازبروم (Gazprom)، ولوكاويل (Lukoil)  وروستك (Rostec)، وروساتوم (Rosatom)، وتتركز أنشطتها بشكل كبير في الجزائر وأنغولا ومصر ونيجيريا وأوغندا. وقد وقعت روساتوم مذكرات واتفاقيات لتطوير الطاقة النووية مع 18 دولة أفريقية ، بما في ذلك مصر وغانا وكينيا وزامبيا ورواندا ونيجيريا وإثيوبيا في عام 2018 وحده، ووافقت شركة روساتوم على بناء أربعة مفاعلات نووية من نوع “في روسا توم إي آر” (VVER) بقوة 1200 ميجاوات في مصر، وتلغ قيمة تشييدها وصيانها 60 مليار دولار، وقد ساهمت روسيا في تنفيذ المشروع بقرض يصل إلى 25 مليار دولار بفائدة سنوية تبلغ 3%(18).

دلالات النفوذ الروسي المتنامي في القارة الأفريقية

مما لا شك فيه أن هناك دلالات ومؤشرات تشير الى مدى توسع النفوذ الروسي في أفريقيا بشكل متسارع ويتجلى ذلك بوضوح في العديد من الأحداث البارزة التي حدثت في عدد من الدول الأفريقية، وأبرزها:

لقد حققت روسيا انتصارات تاريخية على فرنسا في ليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي في جمهورية أفريقيا الوسطى، ويبدو أن الدور قادم في كل من مالي وتشاد. حيث سبق أن أعلنت فرنسا مطلع يونيو/حزيران 2120 تعليق عملياتها العسكرية المشتركة في مالي(19)، بالرغم من أنها أشارت إلى استئناف العمليات العسكرية عقب انقلاب عسكري بالبلاد هو الثاني خلال أقل من عام(20)، ولكن من غير المرجح أن تنجح فرنسا في ظل الوضع الراهن في مالي تحت قيادة هاشمي غويتا رئيس الحكومة الانتقالية الرافض للهيمنة الفرنسية في بلاده، بالإضافة الى المطالبات الشعبية باتخاذ أفريقيا الوسطى مثالا يجدر الاحتذاء به، لما حققه الروس من نجاحات أمنية في جمهورية أفريقيا الوسطى، وظهر ذلك واضحا عندما نزل مؤيدون مبتهجون لتحركات الجيش إلى شوارع باماكو للاحتفال، وبعض المحتفلين كانوا يرفعون الأعلام الروسية ويشيدون بالتعاون المالي الروسي، وصورًا لفلاديمير بوتين، ورسائل تشكر روسيا على دعمها(21).

ولدى روسيا علاقات سياسية متينة وقوية مع الدول الأفريقية وينعكس ذلك في مدى التغلغل الروسي في القارة، ذلك أن تلك العلاقات مكنت موسكو من تولي مسؤولين روس مناصب حساسة في عدد من الدول الأفريقية، فعلى سبيل المثال في مايو/أيار 2018 عين رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى، الروسي فاليري زاخاروف مستشارا للأمن القومي في بلاده(22)، وفي عام 2019 وقعت روسيا اتفاقية ثنائية مع جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث سهلت تلك الاتفاقية تفويض مستشارين عسكريين روس في القوات المسلحة الكونغولية(23).

ومن ضمن الدلالات الأخرى التي تبرز بشكل واضح النفوذ الروسي المتنامي، أن روسيا ومنذ العام 2010، باتت الموردّ الرئيسَ للتكنولوجيا العسكرية للدول الأفريقية، بل أصبحت فيما بعد أكبر مورد للأسلحة للقارة الأفريقية برمتها(24)، متجاوزة حتى الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت النسبة الأكبر لمبيعات الأسلحة الروسية إلى الجزائر (58.64%) ثم مصر (25.96%)، فأوغندا (5.17%)، والسودان (2.63 %) وأنغولا (2.11%).

ويعد السر وراء انجذاب السوق الأفريقي لمبيعات الأسلحة الروسية أنها ليست مثقلة بشروط الالتزام بقوانين حقوق الانسان ولا التقيد بالإصلاحات السياسية والتعددية الحزبية والتزام مساطر حقوق الإنسان. وتشير الاحصائيات أن أكبر أربعة موردي أسلحة لإفريقيا في عام 2017 روسيا في المرتبة الأولى بنسبة 37.6٪ تليها الولايات المتحدة 16.3٪ وفرنسا 14.6٪ ثم الصين 9.2٪(25).

ومن الواضح أن روسيا تدرك تماما مدى التأثير الذي أحدثته التدفقات الكبيرة للاجئين السوريين على السياسة الأوروبية، وبالتالي، فإنها تعمل على أن يكون لها نفوذ على المفاصل الرئيسية في القارة مثل ليبيا والمغرب اللتان تعتبران معبرا لتدفق اللاجئين من إفريقيا، الأمر الذي سيوفر لروسيا مزيدًا من النفوذ على أوروبا. وبالتالي فإن روسيا لديها القدرة على إثارة أزمات إنسانية وسياسية لأوروبا بينما تتحدى مجالات النفوذ الأوروبي التاريخي، وفرنسا على وجه الخصوص في إفريقيا.

ومن أمثلة نجاح النفوذ الروسي في إفريقيا ما حصل في السودان؛ حيث يبدو أن روسيا حافظت على نفوذها مع القادة العسكريين الذين أطاحوا بالرئيس عمر البشير في نهاية المطاف، بما في ذلك الحفاظ على اتفاقيات المتعلقة بقطاع التعدين والتي تم التفاوض عليها في ظل نظام البشير. ويشكل وجود قاعدة عسكرية روسية في السودان تطورا مهما يشير إلى نجاح موسكو بعد أربعة عقود من الغياب عن ميناء بورتسودان في العودة إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وقد حققت روسيا نجاحات على المستوى العسكري والأمني في أفريقيا وذلك بتبوئها المكانة الأولى كقوة عظمى تمتلك الكثير من خيوط اللعبة في وسط وجنوب ليبيا حيث أصبحت على مشارف مناطق النفوذ الفرنسي في تشاد والنيجر، فضلا عن إرساء موسكو الأمن والاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى وتوفير الدعم الأمني والسياسي لنظام الرئيس فوستين تواديرا. وقد تلا ذلك تطور الوضع السياسي والأمني في جمهورية مالي، والانقلاب العسكري الذي هز الوجود الفرنسي في هذا البلد الغربي إفريقي، والذي خرجت بعده أصوات من الشعب المالي تطالب بحضور الروس الى بلادهم لاسترجاع الأمن فيها بدلا عن فرنسا التي أظهرت فشلاً في تحقيق الأمن في هذه الدولة منذ سنوات عديدة، حتى أن الاتحاد الأفريقي أثنى على دور روسيا الفعال في تحقيق الاستقرار في أفريقيا وحرصها على التعاون في المسائل الأمنية(26).

هذه الأحداث كلها تشير الى نجاح روسيا في بسط نفوذها في القارة الأفريقية بالإضافة الى عدة عوامل أخرى استراتيجية لدى موسكو تمكنها من استمالة الدول الأفريقية لصالحها من بينها:-

  • التزامها بأنهاء الاستعمار في أفريقيا.
  • عدم إخضاع أفريقيا سياسيا ولا اقتصاديا.
  • عدم النظر إلى أفريقيا على أنها مصدر تهديد للهجرة، وكانت دائما داعمة لتطلعات الدول الأفريقية للتطور والنمو بشكل مستقل.

وتنتهج روسيا في القارة الأفريقية سياسة التجارة والاستثمار بدون فرض شروط أو قيود مقارنة بتلك التي تضعها على سبيل المثال الدول الغربية والصين؛ حيث إن أمريكا والاتحاد الأوروبي دائما ما يرتبطون دعمهم بشروط مثل الامتثال بمساطر حقوق الانسان وحرية التعبير وغيرها، في حين عملت الصين باستمرار على إغراق الدول الأفريقية بالديون المجحفة حتى تتمكن من الاستحواذ على مؤسساتها التجارية، مما يمنح الروس أفضلية في الحركة التجارية في القارة الأفريقية.

وعندما يتعلق الأمر بالتصويت في المؤسسات الدولية وفي الأمم المتحدة، حيث تحسب الدول الأفريقية لما يقرب من ربع أصوات الجمعية العمومية، معظمها تصوت لصالح روسيا في الأمم المتحدة، وقد ظهر ذلك في دعم أغلب دول القارة الإفريقية وتصويت في الأمم المتحدة لصالح روسيا خصوصا في شأن الملف السوريا(27). كما وقفت إفريقيا إلى جانب موسكو بخصوص القرار الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2018 والذي يدين عسكرة روسيا لشبه جزيرة القرم والبحر الأسود وبحر آزوف(28). وعملت روسيا بشكل حثيث لزراعة الأنظمة في أفريقيا كحلفاء محتملين في عرقلة الجهود الغربية ضد مصالحها من خلال المنظمات والوكالات التابعة للأمم المتحدة.

إن روسيا تنظر الى أفريقيا بوصفها وسيلة يمكن من خلالها إضعاف هيمنة الغرب، وإيجاد شركاء لأهدافها ومصالحها، وإيجاد فرص اقتصادية للشركات الروسية، خصوصا بعد غلق أبواب الأسواق الغربية أمام موسكو بسبب العقوبات المفروضة عليها بسبب ضم جزيرة شبه القرم.

الدول الغربية وتنامي النفوذ الروسي في إفريقيا

إن ما يجري حاليًا على الأراضي الإفريقية بين القوى الغربية وبين موسكو يشبه إعادة الحرب الباردة، بل ينذر بأن الفترة القادمة ستصبح صراعا بين القوى العظمى في أفريقيا، ففي وسط معمعة هذا التصارع ستسعى بعض القوى إلى المحافظة على مناطق نفوذها مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، في حين تسعى دول أخرى إلى استعادة نفوذها مثل روسيا، وهو أمر يوازي بشكل دقيق ما بات يسمى بالحرب الباردة الجديدة.

لقد اتسع نطاق نفوذ روسيا في إفريقيا، وهي حقيقة يجدها الكثيرون مقلقة، فواشنطن تحتفظ بـ 34 قاعدة عسكرية في إفريقيا(29) وتدير عدة مئات من المليارات من الدولارات في القارة، في حين بلغ حجم تجارة الصين مع أفريقيا 170 مليار دولار أمريكي(30)، وهذا ما أجبر روسيا على البحث عن قطاعات السوق الأفريقية التي لم يتم احتلالها بالفعل.

بدأ خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ظهور صراع جديد لطلب ود القارة الأفريقية واستغلال مواردها الطبيعية الوفيرة والزاخرة، فبالإضافة إلى القوى الأوروبية، هناك الولايات المتحدة الأمريكية، والصين التي أصبح نفوذها ينمو بشكل متزايد، بالإضافة الى تركيا وإسرائيل، وبحلول عام 2014، انضم الدب الروسي أيضًا إلى ركب المتنافسين على القارة السمراء.

هذه التطورات المتسارعة في نمو النفوذ الروسي بأفريقيا أدت أيضا الى خلق حالة من القلق في كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبالتالي كثيرا ما يشدد صناع السياسة في الولايات المتحدة على الحاجة إلى مواجهة النفوذ الروسي في القارة، وتتهم الدول الغربية موسكو باستخدام وسائل فاسدة وسرية لمحاولة التأثير على الدول ذات السيادة، بما في ذلك شراكاتها الأمنية والاقتصادية، وتعتبر الدول الغربية روسيا، مثل الصين، وهما دولتان تمثلان تحديًا كبيرًا للغرب في إفريقيا(31).

على الرغم من أن روسيا تتجه نحو الدول الإفريقية بخطى ثابتة، إلا أن التأثير الملموس لها، إذا ما استثنينا المجال العسكري والأمني، في بعض المجالات قد يكون محل شك، ، فبالرغم من أنها مستعدة للعب دور أكثر أهمية في إفريقيا، إلا أن اقتصادها المتراجع وقدرتها المالية المحدودة تمثل عقبة أمامها؛ حيث إنه من الواضح أنها تفتقر الى القوة المالية لتكرار نجاح الاتحاد السوفيتي.

وتدرك الدول الغربية جيدا أنه من الأمور البارزة التي تشوه صورة الروس في أفريقيا، الدعم الروسي للرؤساء المستبدين في أفريقيا ودعمهم في الانتخابات الرئاسية؛ حيث إن سياسة روسيا تعطي الأولوية للمصالح الروسية في البلاد وللاستقرار الرئاسي، بغض النظر عن ملفات حقوق الإنسان والإصلاح السياسي والتعددية الديمقراطية، فروسيا لا تهتم إطلاقا بهذه الجوانب، بل إنها قد ترتاح أكثر مع حكومات مستبدة وأنظمة أفريقية لا تحترم دساتيرها(32). وهذه السياسة الروسية تعطي صورة غير جيدة لروسيا عند الشعوب الأفريقية التي ترغب بتحقيق الديمقراطية في بلدانها.

ان الاستراتيجية الروسية الحالية المبنية على تقديم القروض والعقود الاستثمارية بدون الشروط التي ترتبط بالأسس الديمقراطية وحقوق الانسان، قد تكون مجدية وناجحة على المدى القريب، لأن تلك السياسة تتوافق مع رغبات معظم الحكومات والأحزاب الحاكمة في أفريقيا. أما على المدى البعيد فإمكانية فشل موسكو باستراتيجيتها تبدو واردة بشكل كبير، فبمجرد عودة الاهتمام الأمريكي بالقارة وتكليف القوة الإعلامية الغربية بكشف أساليب الاستغلال الروسي، قد تكون كفيلة بالإطاحة بالمخطط الروسي في أفريقيا، كما أن ارتفاع معدل الوعي والادراك لدى جيل الشباب الأفريقي المثقف، ينذر بقدوم حملات شعبية للمطالبة بالحقوق الشعبية الديمقراطية، وهذا أمر لا يستبعد حدوثه، فما بني على باطل فهو باطل بكل تأكيد

مآلات التعاون الروسي الإفريقي

بناء على ما تقدم، فإن مجالات التعاون الروسي الأفريقي قد تسير في الاتجاهات التالية:

التعاون العسكري

وهو الجانب الأبرز الذي يتفوق فيه الجانب الروسي على نظرائه من القوى العظمى المنافسة في القارة الأفريقية ويتضح ذلك من خلال ابرام اتفاقيات التعاون العسكري مع معظم الدول الأفريقية. كما يشكل التعاون العسكري مع روسيا أحد أبرز العوامل التي بإمكانها أن ترجح كفة الروس في أي نزاع أو صراع في المنطقة، وهو ما يكرس الوجود الروسي في القارة ويعطيه معنى أعمق، ويظهر ذلك سواء في القوات الموجودة على الأرض أو في التعاملات في المجالات العسكرية مع دول القارة.

التعاون الدبلوماسي

تعتبر أفريقيا ذات أهمية استراتيجية لروسيا من حيث الدعم الجيوسياسى الذي تقدمه فالدول الإفريقية تشكل أكبر كتلة تصويت جغرافية داخل العديد من المؤسسات الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية العالمية، وبشكل خاص مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وبالتالي فإن الدعم الإفريقي مغرٍ وجذاب لروسيا في طريقها لتأكيد أهميتها وهيمنتها على العالم. ولا شك أن روسيا، بحكم سياستها الأوروبية والشرق أوسطية، مقبلة على معارك ديبلوماسية عديدة ستكون الأمم المتحدة مسرحها، وسيكون لأصوات القارة الإفريقية دور كبير في تلك المعارك.

التعاون الثقافي

في هذا الجانب فإن المراكز الثقافية الروسية للعلوم والثقافة تبرز بشكل واضح في عدد من الدول الأفريقية مثل إثيوبيا، وتنزانيا والكونغو وزامبيا، وتوفر روسيا المنح والتدريب والحرف المهنية للطلبة الأفارقة في الإفريقي المعاهد التعليمية الروسية، وفي الأعوام الأخيرة تم تقديم منح دراسية من الحكومة الروسية لـ4000 آلاف طالب أفريقي من أصل 15000 شاب أفريقي يدرس في روسيا. وفي ظل المكانة الجوهرية للعلوم في رسم سياسات الدول فإن الرهان الروسي على هذا المجال سيكون نقطة ارتكاز في علاقات موسكو بالقارة الإفريقية.

التعاون الاقتصادي

يبلغ حجم التبادل التجاري بين روسيا وقارة إفريقيا 20 مليار دولار، وهو رقم ضئيل جدا مقارنة بحجم التبادل مع نظرائها من القوى المنافسة. وهناك عائق آخر وأكثر أهمية أمام تطوير العلاقات الاقتصادية المتبادلة وهو عدم وجود معلومات موضوعية عن روسيا في إفريقيا وحول إفريقيا في روسيا، ولا يمكن أن ندرك إمكانات العلاقات إلا عندما يتخلى الطرفان عن الصور النمطية المفروضة من الخارج ويطوران تعاونًا متبادل المنفعة يرتكز على الواقع.

وعلى العموم فإن روسيا تنتهج استراتيجية تنطوي على سياساتها العلنية التي تظهر صورتها اللائقة لكسب ود الأفارقة مثل إعلان دعمها للحلول الأفريقية في النزاعات داخل القارة، واستراتيجيتها التوغل في القارة الأفريقية من أجل المنفعة المتبادلة. أما السياسة الغير رسمية والتي يمكن وصفها بـ”دبلوماسية المرتزقة” فتتمثل في كتائب فاغنر وغيرها من المجموعات العسكرية، بالإضافة الى نشر تكنولوجية المعلومات المضللة حيث غالبًا ما تكون الأحزاب الحاكمة هي المستفيد المباشر من حملات التضليل الروسية وبالأخص في الانتخابات، ومبيعات الأسلحة مقابل استخراج الموارد الطبيعية. ويمكن تلخيص الاستراتيجية الروسية على أنها لا تعتبر الاستقرار في أفريقيا أولوية بالنسبة لها، بقدر ما تبحث عن مصالحها.

المحور الثالث: خريطة السلاح في إفريقيا: بين سياسات الاستعمار الجديد وتنافس القوى الكبرى

إن تصاعد التنافس الدولي في إفريقيا يدفع الدول للصراع والتصادم خاصة مع تنامي دور الصين وروسيا، وهو ما قد يكون غير مرحب به من قبل فرنسا خصوصًا والاتحاد الأوروبي وأميركا عمومًا، وهو ما ينذر بارتفاع صادرات السلاح في السنوات القادمة.

إن خريطة السلاح في إفريقيا خريطة معقدة يتداخل فيها العديد من المستويات الدولية والإقليمية والمحلية، وتحركها عوامل اقتصادية ومجتمعية وسياسية، فتناول شقٍّ واحد من المستويات أو العوامل يخل بالصورة الواقعية ولا يسبر أغوارها. لذلك عندما نتحدث عن خريطة السلاح يجب أن نستحضر ثلاث خرائط ونضعها بجانب بعض حتى نصل لفهم عميق وندرك سلوك الأطراف المؤثرين في الخريطة. الخريطة الأولى هي خريطة الموارد والثروات الخام والطبيعية، والثانية هي الخريطة الديمغرافية التي تظهر عليها تركيبة المجتمعات وتوزيع القبائل والجماعات الإثنية، أما الخريطة الثالثة فتتمثل في الحدود السياسية التي عملت الدول الاستعمارية على رسمها وفق مصالحها الاقتصادية والسياسية.

من خلال هذه الخرائط يمكن أن نفهم طبيعة الصراعات القائمة داخل إفريقيا بوجه عام، وبين الدول والأقاليم المختلفة، فلا تزال الدول الاستعمارية تمارس نفوذًا عاليًا قادرًا على إسقاط الأنظمة وإثارة المشاكل داخل كل دولة عبر توظيف التقاطعات بين تلك الخرائط وإدارة الخلافات بين الدول والمكونات المجتمعية المختلفة من أجل تحقيق أهدافها المتمثلة في سرقة الموارد والثروات الطبيعية وهو أمر لا يتحقق إلا بوجود أنظمة ديكتاتورية فاسدة تفتقد للشرعية وتحتاج دائمًا للاعتراف الدولي ما يدفعها لتوثيق العلاقات مع الدول الاستعمارية عبر التنازل عن الثروات الطبيعية ورهن القرار السياسي لها، وتضع بعض الدول الاستعمارية قواعد عسكرية لها في نقاط استراتيجية في إفريقيا بهدف تحقيق مصالحها الجيوسياسية.

تعمل الدول الاستعمارية والدول الكبرى على تصدير السلاح إلى الدول الإفريقية في عملية تنافسية لبسط النفوذ؛ حيث تستفيد من العائد المالي من بيع السلاح وتشغيل مصانعها وتجربة الأسلحة الجديدة التي تنتجها، بالإضافة إلى مكاسب الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، والجماعات المسلحة المختلفة سواء المتمردون والمرتزقة. وتحرص الدول الاستعمارية على استمرار حالة الفوضى والاقتتال حتى تستطيع ممارسة نفوذها عبر تبني سياسات أمنية بحتة. ورغم تنامي العديد من الأزمات التي انعكست نتائجها على الاتحاد الأوروبي والغرب مثل قضية الهجرة إلا أن عددًا من دول الاتحاد مثل فرنسا لا تزال تتبع تلك السياسة، وتتصدر فرنسا مع كل من روسيا وأميركا والصين صادرات السلاح لإفريقيا، وتختلف كل دولة في طبيعة سياساتها التي تتبعها؛ حيث تميل بعض الدول كفرنسا إلى اتباع سياسات أمنية بينما تميل الصين إلى اتباع سياسات اقتصادية.

نظرة حول حجم تجارة السلاح في إفريقيا

أولًا: تصاعد حجم الإنفاق العسكري

يُقدَّر حجم الإنفاق العسكري في إفريقيا بنحو 43.2 مليار دولار في عام 2020، بزيادة قدرها 5.1 في المئة عن عام 2019 وأعلى بنسبة 11 في المئة عن عام 2011. وشهدت دول شمال إفريقيا ارتفاعًا في الإنفاق العسكري بنسبة 6.4 في المئة في عام 2020 إلى 24.7 مليار دولار. ورغم الأزمات الاقتصادية الناجمة عن انتشار فيروس كورونا، احتلت إفريقيا المركز الأول من حيث ارتفاع نسبة الإنفاق العسكري عام 2020 حيث بلغ 5.1 في المئة، فيما جاءت أوروبا ثانية بنسبة 4 في المئة، والأميركتان بنسبة 3.9 في المئة، وآسيا وأوقيانوسيا بنسبة 2.5 في المئة(1).

هناك عدة مستويات من الصراعات داخل إفريقيا: مستوى أول يمكن أن نعرِّفه بأنه المستوى الذي يشهد توترات وصراعات بين الدول، ويتمحور حول خلافات حدودية كما هي الحال بين الجزائر و المغرب؛، حيث يعد ملف الصحراء الغربية وجبهة البوليساريو أحد الملفات الشائكة بين الدولتين، وقد بلغ الإنفاق العسكري في الجزائر نحو 9.7 مليارات دولار في عام 2020، وهو أقل بنسبة 3.4 في المئة مما كان عليه في عام 2019، لكنه ظل إلى حدٍّ بعيد الأكبر في إفريقيا، أما في المغرب فقد بلغ حجم الإنفاق العسكري، عام 2020، نحو 4.8 مليارات دولار بزيادة 29 في المئة عن عام 2019 وبنسبة 54 في المئة عن عام 2011.

فيما تتصاعد أيضًا خلافات على استخدام الموارد كما هي الحال في أزمة سد النهضة بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى، وهو ما يدفع دول الإقليم إلى التنافس على شراء السلاح. ورغم قلة الشفافية بشأن ميزانية الدفاع في مصر، إلا أن حجم الإنفاق النهائي على الدفاع قُدِّر بنحو 66 مليار جنيه مصري، أي ما يعادل 4.1 مليارات دولار في 2020 أي ارتفاعًا بـ18 في المئة عن 2019 التي بلغت فيها نسبة الإنفاق 59 مليار جنيه مصري، أي 3.35 مليارات دولار في عام 2019 و2.9 مليار دولار في عام 2018، وهي أرقام منفصلة عن مخصصات التمويل العسكري الخارجية التي تحصل عليها مصر من اتفاقية كامب ديفيد والبالغة 1.3 مليار دولار، أي إن إجمالي الإنفاق الدفاعي وصل إلى 5.4 مليارات دولار(2). وفي المقابل، رفعت إثيوبيا إنفاقها العسكري من 287 مليون دولار قبل عام 2013 إلى 519 مليون دولار في عام 2019(3)، رغم التحديات الاقتصادية والمجتمعية والسياسية التي تمر بها الدولتان.

أما المستوى الثاني من الصراعات فيتمثل في الحروب غير النظامية أو الحروب غير المتكافئة التي تكون بين الجيوش النظامية ضد الجماعات المسلحة سواء متمردون داخل الدولة أو تنظيمات عابرة للحدود، وتتصدر منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من حيث الإنفاق العسكري هذا المستوى؛ حيث بلغ حجم الإنفاق العسكري 18.5 مليار دولار عام 2020 وهو أعلى بنسبة 3.4 في المئة مما كان عليه عام 2019، وأقل بنسبة 13 في المئة مما كان عليه عام 2011. فيما خصصت نيجيريا 2.6 مليار دولار لجيشها عام 2020، بزيادة قدرها 29 في المئة مقارنة بعام 2019 من أجل مواجهة تنظيم بوكو حرام وغيره من الجماعات المتمردة.

ثانيًا: الصادرات العسكرية

تحتل روسيا المرتبة الأولى عالميًّا في تصدير السلاح إلى إفريقيا؛ حيث بلغ حجم صادرات السلاح أكثر من 15 مليار دولار عام 2019، وهي زيادة أكثر من الضعف بالمقارنة مع عام 2000 حين بلغت الصادرات 7 مليارات دولار. فيما تحتل فرنسا المرتبة الثانية بنحو 8 مليارات دولار خلال عام 2019 وهي زيادة تصل لقرابة الضعف أيضًا بالمقارنة مع صادراتها في عام 2000 التي كانت تبلغ نحو 4 مليارات دولار. وتأتي أميركا ثالثة بوتيرة شبه ثابتة بمبيعات تصل إلى 4 و5 مليارات دولار سنويًّا، تعقبها الصين بمتوسط مليار دولار، كما لا تغيب “إسرائيل” عن المشهد حيث شكَّلت صادرات الأسلحة “الإسرائيلية” 3 في المئة من الإجمالي العالمي بين عامي 2016 و2020 ما يمثل زيادة قدرها 77 في المئة على ما كانت عليه بين عامي 2010 و2014(4)، وَوُجِّه جزء كبير من هذه الصادرات إلى الدول الإفريقية إذ زادت الصادرات الدفاعية إلى نسبة 70 في المئة بين عامي 2015 و2016 لتصل إلى 275 مليون دولار(5).

الشركات العسكرية والأمنية الخاصة: نوعها ودورها وتشابكاتها

في البداية يجب أن نفرق بين نوعين من الشركات؛ النوع الأول: شركة أمنية خاصة (PSC)، والنوع الثاني: شركة عسكرية خاصة (PMC). يتمثل الفرق بين النوعين في طبيعة المهام والتخصصات، فالنوع الأول هو الشركات الأمنية الخاصة التي توفر خدمات مثل حماية مقرات السفارات والبنية التحتية والموانئ، وتمتد أيضًا لحماية المناجم ومقرات الشركات الأجنبية والعاملين فيها، كما توفر خدمات خاصة مثل حماية الأجانب. أما النوع الثاني من الشركات فهو الشركات العسكرية الخاصة والتي يبرز استخدامها في الشأن السياسي أكثر حيث توفر حماية للمسؤولين في الدول الإفريقية وتقدم الاستشارات العسكرية وتعمل على تدريب القوات المحلية سواء فرق تابعة للجيش أو الشرطة، كما توفر خدمات خاصة مثل جمع المعلومات الاستخبارية، وفي بعض الأحيان تشارك في مهام قتالية. وبصفة عامة، يمكن للشركات العسكرية الخاصة تقديم خدمات الشركات الأمنية الخاصة ولا يمكن حصول العكس.

تهتم الدول الكبرى بدعم هذه الشركات سواء بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال علاقاتها بالأجهزة الأمنية والاستخبارية ووزارات الدفاع. ويرجع هذا الاهتمام إلى انخفاض حجم التكلفة المالية والسياسية؛ فهي من جهة تمتلك مرونة عالية بقدرات عسكرية وأمنية متقدمة، ومن جهة أخرى هي لا تمثل الدولة بشكل رسمي ما يتيح للدولة مرونة دبلوماسية وسياسية.. بالإضافة إلى هذا يسعى قادة الدول الإفريقية إلى توقيع عقود مع الشركات لتوفير الأمن الشخصي لهم أو لمواجهة المتمردين.

وتتميز كل منطقة جغرافية في إفريقيا بخصائص محددة من حيث طبيعة المجتمعات والأنظمة السياسية والاقتصادية وتضاريسها، وهو ما يجعل الشركات أمام خيارات متعددة من أجل تقديم خدماتها، فعلى سبيل المثال تتميز منطقة شمال إفريقيا باستقرار سياسي نوعًا ما، باستثناء ليبيا، فيمكن أن نجد شركات الأمن الخاصة هي الأكثر انتشارًا، أما غرب إفريقيا فتوجد مشاكل متعلقة بأمن الملاحة وحركة التجارة البحرية ما يمثل فرصة لبعض الشركات للعمل في دلتا النيجر وخليج غينيا، وكذلك في سواحل شرق إفريقيا خاصة سواحل الصومال التي تنتشر فيها عمليات القرصنة.

أما في دول كليبيا وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وتشاد والنيجر ومالي التي تعاني حكوماتها ضعفًا وعجزًا أمام حركات التمرد والجماعات المسلحة فتنتشر الشركات العسكرية الخاصة بكثافة عالية، وهو ما يجعل الأمن والحماية مطلبًا عالي التكلفة لا تستطيع شركات الأمن الخاصة وحدها أن تحققه. تتمتع تلك الشركات بعلاقات قوية بالقواعد العسكرية للدول الاستعمارية قد تتجاوز مساحة التنسيق إلى المشاركة في تنفيذ العمليات سويًّا، على سبيل المثال قوات فاغنر الروسية تنتشر في العديد من الدول التي تشهد اقتتالًا ومواجهات بين الحكومات والمتمردين والثوار أو جماعات مسلحة مثل ليبيا وموزمبيق وإفريقيا الوسطى. فعقب اجتماع العسكري الليبي المتقاعد، خليفة حفتر، عام 2018، مع قيادات من الجيش الروسي، بدأ حضور قوات فاغنر على الأرض واضحًا بشكل لافت وموثق خلال عمليات حصار العاصمة الليبية، طرابلس، في أبريل/نيسان 2019، فضلًا عن تأمينها للمنشآت النفطية وحقول النفط والغاز(6). ويعد هذا المثال عيِّنة على كيفية استخدام الشركات العسكرية الخاصة من قبل الدول في تنفيذ سياساتها الاستراتيجية بتكلفة أقل ماليًّا وسياسيًّا؛ حيث ترى روسيا أن ليبيا تمثل تموضعًا استراتيجيًّا لها من أجل الوصول إلى قلب إفريقيا بسهولة والتحكم في حقول النفط والغاز التي تعتبر ليبيا أحد كبار مصدِّرِيهما إلى أوروبا ما سيمكِّن روسيا من ممارسة ضغوط على السوق الأوروبية حيث تعتمد ألمانيا على الغاز الروسي بشكل كبير، وسيمكِّن روسيا من بطاقات ضغط قوية في توجيه السوق؛ وهذا ليس إلا مثالًا يمكن أن يوضح التقاطعات بين المصالح الجيوسياسية للدول والشركات العسكرية الخاصة.

كذلك يمكن أن نجد شركات أمنية وعسكرية خاصة في جنوب إفريقيا تعمل على توفير الأمن داخل الدولة نفسها في معزل عن الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للدولة، بل وتمتد نشاطاتها إلى دول أخرى، على سبيل المثال شركة Executive Outcomes، وهي شركة عسكرية خاصة في جنوب إفريقيا، فرضت على حكومة سيراليون 35 مليون دولار لمدة 21 شهرًا، في حين أن وجود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لمدة ثمانية أشهر كان سيكلف 47 مليون دولار(7). لذلك، لا نستغرب أن نرى بعض الدول والحكومات تذهب للتعامل مع الشركات العسكرية والأمنية الخاصة بعيدًا عن المظلات الدولية التي تعتمد على حسابات معقدة سياسيًّا واقتصاديًّا، لذلك بات اللجوء إلى الشركات العسكرية والأمنية الخاصة مفضلًا من الناحيتين، الميدانية والمالية؛ إذ لا تُفرض عليها أية رقابة وتتمتع بصلاحيات عالية في استخدام العنف وهو ما يجعلها مفضَّلة للأنظمة الديكتاتورية والعسكرية والانقلابية.

كشف تقرير لشبكة بي بي سي عن معلومات مهمة من جهاز لوحي فقده أحد عناصر فاغنر في ليبيا خلال المعارك التي كان يشارك فيها مع اللواء المنشق، خليفة حفتر، غرب ليبيا خلال عمليات حصار مدينة طرابلس ضد حكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا؛ حيث كشفت المعلومات التي كانت بالجهاز عن تفاصيل دقيقة وموثقة عن الشركة، خاصة فيما يتعلق بطبيعة عملياتها التي لا تلتزم بأي معايير أخلاقية. ولعل ما قاله عضو مجلس النواب الليبي، ربيع بو راس: “إنهم لا يتنافسون على ليبيا فقط، بل أيضًا على صنع القرار الدولي في إفريقيا والعالم” وصف دقيق لطبيعة الدور الذي تقوم به الشركة في تحقيق أهداف روسيا(8). ليست فاغنر وحدها فقط، بل هناك قائمة طويلة من الشركات الأميركية والفرنسية والبريطانية والصينية والسويسرية التي تتمتع بسمعة سيئة.

تنامي الاستثمارات في المناطق غير الآمنة

إن ارتفاع استثمارات الدول في المناطق غير الآمنة يدفع الدول إلى الاعتماد على شركات عسكرية وأمنية خاصة، حتى تستطيع الدول أن تؤمِّن استثماراتها وتحميها، ونقصد هنا بالتحديد الصين وفرنسا؛ إذ تبلغ -على سبيل المثال- المخاطر المتوسطة والعالية على استثمارات الصين في الدول التي تتقاطع مع مبادرة الحزام والطريق (BRI) 84%(9). نفذت الصين نحو 16 عملية إجلاء لغير المقاتلين، في جمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا واليمن. ولعل ما حدث عام 2011 خلال أحداث الثورة الليبية خير مثال حيث استأجرت الحكومة الصينية ثلاث سفن سياحية و100 حافلة من اليونان لإنقاذ مواطنيها(10)، البالغ عددهم 13500 شخص، كما أن تنامي العلاقات الصينية مع الدول الإفريقية يدفع بكين إلى التعاقد مع الأمنيين لحماية استثماراتها ومواطنيها والدبلوماسيين، أغلب تلك المعاملات ستذهب لصالح الشركات الصينية المملوكة للدولة (SOEs)؛ حيث يوجد أكثر من 10 آلاف شركة صينية تعمل في إفريقيا وقرابة مليون مواطن صيني يعمل هناك. وقد حققت الشركات الصينية المملوكة للدولة قرابة 51 مليار دولار من العائدات من مشاريع الحزام والطريق وفقًا لمكتب الإحصاء الوطني الصيني. واعتبارًا من عام 2020، كانت الصين مسؤولة عن مشاريع بناء في إفريقيا أكثر من فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة مجتمعة. لدى الصين حوالي 4000 شركة أمنية مسجلة مع ما يقدر بنحو 4.3 ملايين موظف، معظمهم من أفراد الجيش والشرطة المسرَّحين(11)، ما سيدفعها لاستغلال تلك القدرات في إفريقيا لاحقًا.

الاستثمار في الأمن وحده غير كافٍ

تسعى الدول الأوروبية إلى إيجاد حلول أمنية من أجل إيقاف الهجرة غير الشرعية، ويعد نموذج قواتG5  الساحل أحد تلك النماذج؛ حيث تسعى أوروبا إلى ضبط الأمن الحدودي بين الدول عبر تعزيز التنسيق بين جيوش الدول من أجل مراقبة الحدود ومواجهة المتمردين والجماعات المسلحة ووقف عمليات التهريب والهجرة غير الشرعية. لكن ورغم حجم الاستثمارات الضخمة في قطاع الأمن عند دول الساحل إلا أنها في طريقها للفشل. على سبيل المثال، شهدت مالي انقلابًا في شهر مايو/أيار الماضي، اعتقل الجيش على إثره الرئيس، باه نداو، ورئيس الوزراء ووزير الدفاع وأعلن عن تشكيل مجلس عسكري، ولا تزال حتى الآن الأوضاع في مالي متوترة بشكل كبير، وهو ما دفع فرنسا للانسحاب من شمال مالي، وإغلاق ثلاث قواعد عسكرية في مدن كيدال، وتمبكتو، وتيسالي شمال مالي، وتقليص عدد قواتها من 5 آلاف و100 عنصر إلى نحو 2500 عنصر، وذلك في إطار خطة تنفذ خلال الفترة بين النصف الثاني من 2021 إلى بداية 2022#a12؛ وهو ما ينذر بانسحابها كما حدث مع القوات الأميركية مؤخرًا في أفغانستان(13)؛ حيث إن تكلفة بقائها أعلى من قيمة الأهداف التي تحققها من وجودها المباشر، بجانب تنامي عمليات استهداف القوات الفرنسية من قبل الجماعات المتمردة خاصة مع تراجع قوة الحكومة في فرض سيطرة فعلية على الأرض.

العلاقات بين المرتزقة المحليين والشركات العسكرية والأمنية الخاصة

هناك بُعد آخر في خارطة السلاح في إفريقيا وهو تنامي العلاقات بين الشركات العسكرية والأمنية الخاصة والمرتزقة المحليين؛ حيث يمكن أن يجري توظيفهم من خلال الشركات الخاصة بأسعار أقل، وينحصر دور الشركات الخاصة هنا في الإشراف والتوجيه، فيما ينخرط المرتزقة المحليون في المواجهات وتنفيذ المهام التي غالبًا ما تعتمد على تجنيد الأطفال المختطفين أو من هم دون سن 18، الخطورة هنا في هذه العلاقة هو تطور أداء المرتزقة المحليين وانتقالهم إلى تنفيذ مهام خارج حدود دولهم وقبائلهم ما يجعل من الصعب تقدير مخاطر الشركات والمرتزقة على حدٍّ سواء، ويصعب حصر نطاق حضورها بل وحتى طبيعة أعمالها، وإلى جانب ذلك فإنها تكتسب خبرات فنية عالية، ما يجعل حكومات عدة عاجزة عن مواجهتها. على سبيل المثال، تقاتل مجموعات مسلحة سودانية وتشادية في ليبيا إلى جانب خليفة حفتر مثل حركة (جيش تحرير السودان)، وحركة العدل والمساواة، وميليشيات الجنجويد (قوات التدخل السريع) التي يتزعمها حميدتي، كما يمكن أن تمارس تلك القوات أدوارًا خارج إفريقيا أيضًا كما هي الحال في اليمن حيث تشارك ميليشيات الجنجويد في القتال هناك فالعامل المحرك هنا هو المال في المقام الأول.

وتوفر بعض الدول غطاء سياسيًّا للعديد من المرتزقة والمتمردين. فعلى سبيل المثال، افتتحت إسرائيل مكتبًا في تل أبيب، عام 2008، لزعيم جيش تحرير السودان، عبد الواحد نور، وتصرف له راتبًا شهريًا وتفتح له المجال العام وتدعمه في بناء علاقات مع أوروبا وهو ما يعطيه غطاء دوليًّا(14).

يشكِّل تعريف بعض المفاهيم جدلًا حيث يتداخل العديد من المفاهيم والتعريفات فنجد جماعات يطلق عليها متطرفة أو إرهابية أو متمردة أو مرتزقة، دون وجود مرجعية ثابتة يمكن الإجماع عليها. ويمكن أن نقف هنا عند نقطة مهمة قد تسهم في توضيح الصورة ولو قليلًا وهي نقطة المشروع السياسي، فالجماعة المسلحة التي تفتقد إلى مشروع سياسي يمكن أن نعرِّفها بجماعة مرتزقة، بينما امتلاك مشروع سياسي سواء مستند على أساس عرقي أو ديني يجعلنا نعرِّفهم بمتمردين، وبين هذا وذاك يمكن أن نرصد تحولات عند العديد من هذه الجماعات سواء بدافع الحصول على المال أو بدافع السياسة أو بدافع تنفيذ أفكارهم. وفي المقابل، نجد الدول الاستعمارية تسعى لفرض مفاهيمها من أجل استخدمها كمظلة لبقائها. لكن الأمر الذي لا خلاف عليه هو أن الدول الاستعمارية هي من مارست الإرهاب أولًا منذ دخولها إفريقيا بشكل دموي واستعلاء عنصري.

خلاصة المحور الثالث

إن تصاعد التنافس الدولي في إفريقيا يدفع الدول للصراع والتصادم خاصة مع تنامي دور الصين وروسيا، وهو ما قد يكون غير مرحب به من قبل فرنسا خصوصًا والاتحاد الأوروبي وأميركا عمومًا، وهو ما ينذر بارتفاع صادرات السلاح في السنوات القادمة، كما أنه يرجح أن تكون الإحصائيات الدولية حول تجارة السلاح بين الدول المصنِّعة والدول الإفريقية غير دقيقة، ويرجح أنها أكبر مما هو معلن؛ إذ تعمل الدول الاستعمارية على صناعة بيئة صراع حتى تستثمره  في تحقيق مصالحها وهيمنتها، كما أن ارتفاع التكلفة المالية والسياسية للقواعد العسكرية دفعها لمراجعة سياساتها والانسحاب رسميًّا مقابل تطوير سياسات ناعمة تضمن مصالحها، لذلك برز استخدام مسار آخر بديل عن القواعد العسكرية وهو تعزيز دور الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، واستخدام المرتزقة المحليين ومدهم بالسلاح، وهو ما يخفض التكلفة المالية والسياسية، وربما تكون فرنسا مثالًا مناسبًا إذ كانت تملك نحو 100 قاعدة عسكرية في إفريقيا عام 1960 أما الآن فقد تراجع عدد القواعد إلى خمس، لكن هذا الانسحاب لم يكن نهائيًّا بل تغيرًا في الأسلوب فقط بحيث تبنَّت فرنسا نهجًا جديدًا من أجل الهيمنة على القرار السياسي لمستعمراتها الإفريقية السابقة، حرصت فيه على تغيير ثقافة المجتمعات وإحلال أفكار الغرب وقيمه محلها، وهي القيم التي تتضاد مع الثقافة المحلية وتدفع لانقسام الشعوب وعودة التدخلات الخارجية بغطاء جديد وبوكالة الشركات الأمنية والعسكرية.

المحور الرابع: خيارات الطاقة في إفريقيا: سبل تأمين الإمدادات

تحاول هذه الورقة تحليل سياسات الطاقة على ضوء التغيرات المتلاحقة وطنيًّا وإقليميًّا ودوليًّا من خلال التعرف على الفاعلين في مجال الطاقة بإفريقيا ومن خلال الوقوف على أهم التحديات التي تواجه هذا القطاع فضلًا عن التطرق للفرص المتاحة أمام إفريقيا للتحرر الطاقي.

قِدْمًا كانت ولا تزال إفريقيا مضمارًا لتنافس القوى الكبرى على مصالحها المتعددة بأرجائها الشاسعة؛ وقد ظلت جسرًا عالميًّا وممرًّا استراتيجيًّا، والتكالبُ الدوليُّ عليها ثابتة جيوبوليتيكية، وتأتي الطاقة في الوقت الراهن على قائمة المطامع الأجنبية مُخلِّفة أثرها على الدوافع والأطراف ثم الأبعاد.

ويعبِّر مجال الطاقة عن ذروة تشابك المصالح الدولية والبحث عن النفوذ والهيمنة بين اللاعبين الدوليين والإقليميين؛ كما يتجلى حينًا في التدخل في الشؤون الداخلية وأحيانًا بمناصرة حليف أو في مستوى حجم التبادل أو إلغاء الديون أو إشعال الحروب إن اقتضى الأمر ذلك واستخدام كل أوراق الضغط.

ويتقاطع موضوع الطاقة مع السياسة والاقتصاد والاجتماع والأمن والتنمية والتعليم والصناعة وغيرها، وتتعدد أطرافه بين الداخل والخارج؛ ما يجعله في خضمِّ النظام الدولي المعاصر، كما يشكِّل الوقود الأحفوري محدِّدًا أساسيًّا للتفاعلات الدولية وعنوانًا للتفكير الاستراتيجي العالمي.

على الرغم من أن الوحدات السياسية الإفريقية فتية انطلاقًا من عهد استقلالها إلا أنها لم تتأخر في الالتحاق بالسوق العالمية للطاقة، وتتفاوت الدول الإفريقية بشكل كبير في علاقتها بالطاقة أهمية وتوريدًا وإنتاجًا وتصديرًا وتصنيعًا.

ويفرض تأمين الوقود على الشركاء المتشاكسين الواقعية السياسية إبقاءً على مصالحهم الحيوية، أو اعتماد سياسة التوازنات بناء على قاعدة تنويع الشراكات يستوي في ذلك المركز والأطراف، وتختلف أهمية مصادر الطاقة بحسب الأهداف الرئيسية التي تسعى إليها سياسة الطاقة(1).

ويأتي التأطير القانوني للثروات الطبيعية تعبيرًا عن سيادة الشعب على ممتلكاته، وقد انتبهت المنظمة الأممية عبر اجتماعات الجمعية العامة منذ ستينات القرن الماضي إلى ضرورة إرساء السيادة على الموارد الطبيعية والثروات، وتكمل السياسات الدولية كأهداف التنمية المستدامة 2030 وأجندة إفريقيا 2063 التشريعات الوطنية؛ إلا أن البون شاسع بين مبدأ السيادة وتطبيقاته المعاصرة.

ونتساءل هنا عن الفاعلين في مجال الطاقة بإفريقيا، وعن أهم التحديات التي تواجه القطاع، والفرص المتاحة أمام إفريقيا للتحرر الطاقي.

وسنحاول في هذه الورقة تحليل سياسات الطاقة على ضوء التغيرات المتلاحقة وطنيًّا وإقليميًّا ودوليًّا انطلاقًا من المحاور التالية:

أولًا: قطاع الطاقة الإفريقي

عرفت المجتمعات الإفريقية استغلال الموارد الطبيعية منذ القدم، وقد بدأ الكشف والتنقيب عن حقول النفط والغاز أيام الاستعمار، وتزايد الاهتمام بالطاقة مع الاستقلال، لكن يلاحظ أن الدول الكبرى المنتجة للنفط لم تعرف استقرارًا في عقودها الأولى كحالة نيجيريا وأنغولا مثلًا.

وأدت التغيرات الدولية المعقدة بعد انتهاء الحرب الباردة إلى رسم الخارطة الجيوبوليتيكية العالمية وإلى بروز القارة الإفريقية مجددًا على المسرح الدولي لما تزخر به من ثروات ومعادن، واستجابة لصدى التعاون أو التنافس الدولي ثم البحث عن فرص وحلفاء جدد.

تتحكم الشركات الكبرى في قطاع النفط بحكم إمكانياتها الهائلة في مقابل ضعف الدول الإفريقية ماديًّا وعلميًّا، فيما تلعب الشركات الوطنية دورًا محدودًا وثانويًّا، وتعتمد اعتمادًا شبه كلي على الشركات الأجنبية، نذكر منها على سبيل المثال: شركة البترول الوطنية النيجيرية، وشركة سوسيداد/سونانغول الأنغولية، وسوناطراك الجزائرية، وشركة النفط الوطنية في جنوب إفريقيا (بتروسا) إلا أن الأخيرة استثناء قاري، وتمتد أحيانًا عقود تراخيص الشركات النفطية مع الدول الإفريقية إلى أكثر من عشرين سنة، وتوجد عدة أصناف من العقود البترولية(2)، والقطاع مُدِرٌّ للأرباح والثروات الطائلة ومن ثم فلا غرو أن يتحكم عمالقة النفط العالمي في السياسات الدولية.

يتعدد اللاعبون في المجال من مؤسسات دولية كالبنك الدولي إلى شركات متعددة الجنسيات غربية (أوروبية-أميركية) وآسيوية، إلى دول من مختلف القارات. وتحتل منطقة غرب إفريقيا أهمية حيوية خاصة؛ حيث تسيطر على الاستثمار في هذه المنطقة شركات أميركية كبيرة، مثل: إيكسون موبيل Mobil Exxon، وأميرادا هي Hess Amerada ، وشيفرون تكساكو Texaco Chevron، وماراثون أويل Oil Maratho(3).

وتفتح الواجهة الأطلسية الإفريقية للسياسات الطاقية وتحديدًا مع الولايات المتحدة الأميركية ودول غرب أوروبا آفاقًا واسعة، وتتمركز الولايات المتحدة أطلسيًّا في لواندا وخليج غينيا الاستوائية وتشهد حالة تمدد بنواكشوط من خلال مشروع سفارتها وقاعدتها العسكرية في ظل حسابات جيوبوليتكية مرتبطة بتأمين المحيط الأطلسي وإمدادات الطاقة وتكريس وجودها أمام منافسيها ثم التغلغل بالمستعمرات الفرنسية.

وتشكِّل الشواطئ الشرقية ميزة للقوى الآسيوية عمومًا وللأقوى منها خصوصًا (بكين، نيودلهي، طوكيو، طهران، أنقرة)، وما وجود القاعدة الصينية واليابانية بجيبوتي إلا دليلًا على الأهمية الاستراتيجية التي تحظى بها هذه المنطقة في استراتيجية آسيا المتعاظمة بإفريقيا.

وتوفر الشركات العملاقة سلعًا تصديرية للسوق الدولية مما يعزز حضورها وتأثيرها على السياسات الخارجية، ويرجع السبب في تعدد الشركات الأجنبية بإفريقيا إلى ضمان استمرار استخراج الطاقة والتنويع من الشركاء وتخفيف الاعتماد على شريك أحادي، وأخيرًا انفتاح العالم وشدة التنافس على الموارد الأولية.

وتنتظم دول إفريقية في تكتلات نفطية دولية وإقليمية:

ـ رابطة منتجي النفط الإفريقية: Africa Association Producers Petroleum ، وتضم دولًا عربية وإفريقية منتجة للذهب الأسود، وتهدف إلى تطوير القطاع وتلبية حاجة شعوبها من الطاقة.

ـ الدول الإفريقية المنضمة للأوبك وتصل إلى سبع دول، وقد أُنشئت المنظمة بهدف استرداد السيطرة من الشركات متعددة الجنسيات، وهي التي جعلت من النفط سلاحًا استراتيجيًّا ضد خصومها منذ عام 1973.

ولا يتجاوز الاستهلاك الإفريقي من الطاقة 4% عالميًّا، وتحتل الأخشاب المصدر الأول للطاقة وبالأساس في الأرياف، وتفسر هذه النسبة حجم مساهمة القارة في التجارة العالمية، فالطاقة عنوان العصر وسلم التقدم، ففي بلد كالكونغو بمساحته وثرواته يشكِّل الخشب والفحم النباتي أربعة أخماس الطاقة المستخدمة في منازل جمهورية الكونغو الديمقراطية(4)، وتعتبر الجزائر ومصر وجنوب إفريقيا كبرى الدول الإفريقية المستهلكة للنفط حيث تمثل مجتمعة 54% من استهلاك القارة النفطي(5).

ثانيًا: مصادر الطاقة

لا يزال الوقود الأحفوري كالفحم والنفط والغاز واليورانيوم يمثل النسبة الأعلى من مصادر الطاقة، إيرادًا وتصديرًا، وتتوزع جغرافية إفريقيا موارد طبيعية وثروات تضعها في الرتب المتقدمة عالميًّا، كما تتعدد مصادر الطاقة البديلة بها كالشمس، والرياح، والمياه.

  • النفط

من سمات النفط الإفريقي القرب والجودة وقلَّة التكاليف، وتبلغ احتياطات القارة النفطية حوالي 10% عالميًّا، وتَعِدُ مصفاة دانغوت، رجل الأعمال النيجيري، بريادة في الصناعات الهيدروكيماوية مما يقلِّل ولو نسبيًّا من الاعتماد على الشركات الأجنبية لأبوجا ويساعد على استغلال المواد المستخرجة من النفط وزيادة الناتج المحلي الإجمالي.

وتستهلك الصناعات العملاقة غالبية الطاقة العالمية عبر المحور الثلاثي، وتعتبر أكثر المناطق استهلاكًا للنفط عالميًّا هي منطقة آسيا أي بنسبة 30% تليها شمال أميركا بنسبة 27.4% ثم قارة أوروبا 24.3%(6)، وهي نِسَب مرشحة للارتفاع بسبب استخدام التكنولوجيا الحديثة.

وتستفيد الاقتصادات الضعيفة من انخفاض سعر البترول مقابل تضرر الدول النفطية الكبرى من تقلبات الأسعار الدولية مما قد يؤثر سلبًا على الناتج المحلي الإجمالي.

  • الغاز

تبلغ احتياطيات الغاز الإفريقي حوالي 13-15% عالميًّا(7)، ومن المتوقع زيادة الطلب العالمي على الغاز الطبيعي في العقود القادمة، ويتصدر الشرق الأوسط سوق الغاز العالمية، إلا أن الاكتشافات القارية واعدة.

وقد يساعد الغاز النيجيري الأوروبيين على تقليل الاعتماد على الروس والافتكاك من هيمنة موسكو على بروكسل عبر مشروع مدِّ خط أنابيب الغاز العابر للصحراء؛ ما يجعل من إفريقيا قارة التنافس والتوازن. وتعرف موزمبيق في السنوات الأخيرة اكتشافات هائلة من النفط والغاز الطبيعي والفحم، مصادر الوقود الثلاث التي تقوم ببناء الاقتصاد الحديث معًا(8)، كما تزوِّد دول الجوار بالغاز.

ويتوفر الشريط الساحلي وشواطئ المحيط الأطلسي على احتياطيات كبيرة من البترول والغاز طولًا وعرضًا امتدادًا على محورَيْ داكار-دارفور والرباط-أنغولا، والاكتشافات بدارفور، 2005، وفي السواحل البحرية السنغالية-الموريتانية شاهدة على ذلك.

والمعروف أن هناك أربعة لاعبين مهمين في الجيوستراتيجية التي تسعى للتأثير في تدفق النفط والغار لاسيما في مجال الاستهلاك، وهي الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي باعتبارهم أكبر المستهلكين في العالم، ومن الواضح أن الولايات المتحدة والصين هما أهم لاعبيْن فيها(9).

وستظل بكين معتمدة في احتياجاتها الطاقية على الموارد الإفريقية بحكم اقتصادها المتنامي، والبحث عن شركاء جدد، وقد زاحمت الصين دولًا غربية عديدة فعززت صادراتها التجارية مثلا إلى الغابون وأنغولا، ثم إن وتيرة السرعة التي تسير بها بكين مع العواصم الإفريقية منذ بداية الألفية دليل على ما يخبئه المستقبل لهذه الدولة الآسيوية من تنام متعاظم، كما نلمس ذلك مع أبوجا وليبرفيل.

بيد أن روسيا ورغم نجاحها في السنوات الأخيرة في إحداث اختراقات مهمة في القارة فإن المقارنة بمنافسيها تكشف عن وجود قدر من المبالغة في تضخيم الدور الروسي هناك(10)، وقد تكون خطة موسكو البحث عن شركاء في مجال الغاز بحكم ارتفاع إنتاجها وخبرتها المتراكمة ووضع يدها على السوق الغازية الإفريقية مستقبلًا.

وتنشط الشركة الفرنسية العملاقة (توتال) بإفريقيا، وتستحوذ على جزء كبير من الاستثمارات الطاقية خارج مناطق نفوذها التقليدية، منفردة أو متحالفة مع الصناعات النفطية العالمية وإن تراجع دورها أمام واشنطن وبكين.

  • اليورانيوم

يعتبر اليورانيوم من المواد الاستراتيجية، ومن بين الدول الأكثر إنتاجًا له النيجر وناميبيا وجنوب إفريقيا ومالاوي، وتستحوذ عليه شركات أجنبية؛ أشهرها شركة أريفا AREVA الفرنسية بالنيجر، كما تتنافس عليه شركات أخرى كندية وأسترالية وصينية.

منذ عودتها إلى المنتظم الإفريقي، 1994، فإن بريتوريا من الدول المتقدمة نوويًّا في القارة وشريك أساسي إقليمي ودولي، وإلى جانب جمهورية جنوب إفريقيا فقد أعلنت كل من مصر ونيجيريا، في عام 2006، عن اتخاذ خطوات بشأن إنشاء أول محطة نووية في كل منهما، وفي عام 2007 أعلنت ناميبيا اهتمامها ببحث خيار الطاقة النووية على المدى البعيد(11).

فيما فرضت لواندا نفسها كفاعل في القضايا الإفريقية بعد خروجها من الحرب الأهلية المدمرة، واستطاعت بناء اقتصاد ريعي قائم على مواد الخام وأداء دور إقليمي سياسيًّا وعسكريًّا وماليًّا، وها هي اليوم تصنَّف ضمن أكبر ثلاثة اقتصادات في المنطقة؛ وهي: نيجيريا وجنوب إفريقيا وأنغولا(12)، وتشبهها مالابو (عاصمة غينيا الاستوائية) في استفادتها من ثرواتها بخلاف ليبرفيل وأبوجا.

وإلى جانب الوقود الأحفوري، توجد الطاقة البديلة كالطاقة الشمسية، وتعد التجربة المغربية من أنجح التجارب الإفريقية، وتظل إمكانية الحصول على الطاقة من حوض الكونغو هائلة، والواقع أن الكهرباء المتولدة عن الماء وحدها، إذا ما طوِّرت، قد تصل إلى ما يقرب من سدس الإجمالي العالمي(13).

ثالثًا: حاجة إفريقيا إلى الطاقة

نحو نصف سكان إفريقيا جنوب الصحراء لا يحصلون في الوقت الحالي على الكهرباء، والذين يحصلون عليها يدفعون في المتوسط حوالي ضعف ما يدفعه المستهلكون في الأماكن الأخرى من العالم(14).

ولا تزال السياسات القارية عاجزة عن توفير الكهرباء لمواطنيها، فضلًا عن الاحتياجات الثانوية المرتبطة بالوقود، وقد أطلق البنك الإفريقي للتنمية، 2016، مبادرة جديدة تهدف إلى إضاءة إفريقيا وإمدادها بالطاقة، والوصول الشامل للكهرباء بالقارة في أفق 2025(15).

وتبلغ المساهمات الحكومية الإفريقية الحالية في الاستثمارات في قطاع الطاقة حوالي 0.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي فقط(16)، وباستخدام 2-3% فقط من الناتج المحلي الإجمالي السنوي ستُسَدُّ الفجوة الاستثمارية المذكورة أعلاه.

وستزداد سياسة الربط الطاقي مستقبلًا إذ صارت همًّا قاريًّا؛ إما بسبب مصلحة البلدان الإفريقية ذاتها أو بسبب مصالح اللاعبين الكبار، كالربط بين شمال المتوسط وجنوبه عبر مشاريع طاقية بديلة، ويُسهِّل موقع القارة من الانفتاح والتواصل مع مختلف مناطق العالم من خلال المضايق والبحار والمحيطات.

وتوجد مشاريع قيد التنفيذ على مستوى الأقاليم الفرعية كما في غرب القارة مع مشروع (WAGP)، وفي شرقها حيث سيربط خط الأنابيب البالغ طوله 1800 كيلومتر احتياطيات الغاز الطبيعي الغنية في تنزانيا وصناعة الصلب المتطورة في أوغندا، ويعزز النمو الاقتصادي من خلال التصنيع. ومن المتوقع أن يبدأ المشروع عملياته في عام 2026(17).

وستسهم تلك الخطوط (غاز، نفط، كهرباء) في المدَيَيْن، المتوسط والبعيد، في تقاسم الثروات بين أبنائها علاوة على زيادة التعاون، والاستقلال النسبي واندماج الاقتصاد الإفريقي عبر تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية، وما من شك في أن توفير الطاقة سيمكِّن إفريقيا من تسريع وتيرة الاقتصاد والنقل والإدارة ومرافق الحياة المعاصرة بصورة عامة.

رابعًا: التحديات

  • التمويل

يتطلب استخراج الطاقة وتوظيفها أرقامًا فلكية تصل لمليارات الدولارات التي لا تتوافر لكثير من الدول بسبب العجز الاقتصادي، وقد لعبت بعض العوامل السياسية والاقتصادية مثل تأخر استقلال الدول الإفريقية والإرث الاستعماري لما بعد الاستقلال والصراعات الداخلية والديون الخارجية المتراكمة دورًا سلبيًّا وعائقًا أمام الاستثمارات الخارجية(18).

يشمل الاستثمار في النفط مجالات عدة كالتنقيب والاكتشاف والتكرير والتطوير والإنتاج والتسويق، ويعتمد أساسًا على رأس المال الأجنبي، وثمة مبادرات نحو الاستثمار القاري. على سبيل المثال، قامت مؤسسة “رنيسانس كابيتال” بإنشاء الصندوق الإفريقي “أفريكان فاند”، وصندوق “أوريكس إس إيه فاند” الذي يعد صندوق التحوط الأكبر في جنوب إفريقيا، للتركيز بشكل فردي على السندات والسلع ذات الصلة بالقارة الإفريقية. كما قامت ليبيا بخطوة مماثلة عبر إنشاء “محفظة ليبيا إفريقيا للاستثمار” المختصة بالاستثمار في كافة المجالات والقطاعات الاقتصادية بالقارة الإفريقية(19).

ثم إن البلدان النامية أمامها اليوم فرصة غير مسبوقة، وهي إمكانية إنهاء الفقر المدقع خلال جيل واحد. وفرصة كهذه ينبغي اغتنامها وعدم إضاعتها(20)، كما يؤكد خبراء المالية.

  • التحدي الأمني

أدَّت لحظة 11 سبتمبر/أيلول وما أعقبها من الحرب الدولية على الإرهاب ومحاصرة الجماعات المسلحة في العالم وصولًا لإفريقيا إلى بلورة فكر استراتيجي يضع في الصدارة الاعتبارات الأمنية لحماية المصالح القومية خارج العالم الصناعي كتأمين الإمدادات من الطاقة.

وترتبط الطاقة بالأمن والتجارة مشكِّلة مثلث النفوذ، كالعلاقات العسكرية الصينية-النيجيرية، ومن مهام القيادة الأميركية تأمين موارد النفط بإفريقيا، وتنفيذ الاستراتيجية الأميركية العالمية والمتمحورة حول الأمن والطاقة لاسيما في هذه القارة(21).

وقد أدى تصاعد وتيرة العنف بدلتا النيجر إلى إغلاق معظم المرافق في الدلتا، مسبِّبًا خفض معدل الإنتاج عام 2006 بنسبة 50%، وقدَّرت وزارة المالية أن هذه الأزمة كلَّفت الحكومة خسارة إيرادات بقيمة 4.4 مليارات دولار(22). ومن هنا، لا يمكن الفصل بين وجود القواعد العسكرية الأجنبية في جيبوتي لحماية أمن بلدانها وبين الحفاظ على مصالحها الحيوية وعلى رأسها الوصول إلى منابع النفط كهدف استراتيجي وسياسي، ومع أن السباق محموم بين القوى الكبرى التقليدية والصاعدة على المعادن والمواد الأولية الإفريقية فإنه مرشح للازدياد.

وليس من المستبعد خوض القوى الكبرى حروبًا بالوكالة على أرض إفريقية بسبب أهمية الطاقة في الوقت الراهن لاقتصاداتها، خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار الانتشار العسكري المتفاقم للدول الكبرى في البلدان الإفريقية منذ بداية الألفية الثالثة.

غير أن التكالب الدولي يسفر أحيانًا عن نوع من تغذية التنافس القاري بين القوى الإقليمية الفرعية نتيجة ازدياد العوائد البترولية كما هي الحال في شمال إفريقيا بين الجزائر والرباط وأنغولا وجنوب إفريقيا، أو تسخير الموارد بحثًا عن دور إقليمي محوري في عهد إدريس ديبي بالساحل والصحراء.

وهنا، تأتي أهمية التعاون الطاقي بين الجارين، السنغالي والموريتاني، للغاز المشترك من “حقل السلحفاة الكبير-أحميم” ، والتشادي-الكاميروني لتصدير النفط على مسافة تزيد عن 1000 كلم منذ 2003.

خامسًا: أفق التحرر الطاقي

يعتبر التلاحم بين الطاقة والعلم “التصنيع” أحد المخارج الآمنة لتأمين الإمدادات، بعد بناء الدولة وترشيد النفقات على شكل يضمن التكوين العالي وتوطين التكنولوجيا والشفافية وتعميم المعلومات وتهيئة فضاء علمي يمكِّن الأجيال الناشئة من استغلال ثروات القارة وتسخيرها لصالحها.

علمًا بأن تقاسم عائدات الطاقة عموديًّا وأفقيًّا لا يزال مثار جدل واهتمام الرأي الوطني والدولي، ما يعيد دومًا مسألتَيْ الشفافية والتصرف في المال العام إلى الواجهة. وتتبادل الدول والشركات النفطية التهم جرَّاء الفساد وسوء إدارة العائدات المخصصة للجماعات المحلية كحالة شركة شل مع الحكومة النيجرية.

فلو تضافرت الموارد على تنوعها مع إدارة وطنية رشيدة وعمل القوة الديمغرافية الفتية واستغلال الأراضي الشاسعة وتوظيف التكنولوجيا الحديثة لتخلصت إفريقيا من أزماتها الخانقة ولنافست القوى الكبرى في ظرف وجيز.

خلاصة المحور الرابع

يرسم استخدام الطاقة ملامحَ المستقبل الإفريقي في القرن الواحد والعشرين مع اختلال موازين القوى بين الأطراف الفاعلة، فيما تشهد إفريقيا حضورا دوليا وصراعا بين القوى الكبرى على تأمين الوقود، وقد ازداد دورها في الوقت الراهن بسبب اعتماد الاقتصاد العالمي على الطاقة، وتسابقت الدول العظمى نحوها كسبا لمزيد من القوة والنفوذ على حساب مسيرة القارة التحررية والتنموية.

إلا أن إمكانيات القارة الطاقية لا تترجم حجمها الإقليمي حتى في توفير احتياجاتها الأساسية فضلا عن أداء دور عالمي مرتقب في أي ملف من الملفات الشائكة سواء تعلق الأمر بالأمن أو الاقتصاد أو الدبلوماسية.

المحور الخامس: المعادن الأفريقية في التنافس الدولي..الرهانات والمآلات

باتت المعادن الإفريقية جزءًا من التنافس الدولي، وتجلَّى ذلك في المسارات التي تبنَّتها الأطراف المتنافسة بُغية الاستحواذ على معادن القارة. وتطور ذلك من أنواع جديدة من سياسة الاحتواء إلى الأشكال الحديثة لما صار يُعرف بـ”الحرب الباردة الجديدة” وهو ما تحاول هذه الورقة التحليلية تبيانه.

قراءة في التاريخ لفهم أبعاد التنافس الراهن

قد يكون التنافس الأوروبي على المعادن أقدم إطار في التوجه الأجنبي نحو القارة، فيما سُمي بـ”التكالب على إفريقيا”. وترجع جذوره إلى خواتيم القرن الـ19، ففي يناير/كانون الثاني 1894، اكتشفت الإمبراطورية الألمانية رواسب ضخمة من معدن الماس في “سود ويست أفريكا” (Südwestafrika)، جمهورية ناميبيا الحالية. وفي محاولة لإبعاد خصميها، فرنسا وبريطانيا، قرر الإمبراطور الألماني “غليوم الثاني” (Guillaume II) أن ناميبيا ستكون مستعمرة للألمان البيض، مطهَّرةً من السود؛ السكان الأصليين. أما بعض النساء فيمكنهن البقاء لتلبية الاحتياجات الجنسية للألمان وسيحل أولادهم “المزدوجين عرقيًّا” محلَّهم(1). في هذه السياقات تولدت “أول إبادة جماعية” في القرن الـ20.

وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول 1904، أصدر جنرال القوات الألمانية “لوثر فون تروثا” حُكْمَ الإعدامِ ضد شعب هريرو، وجاء في فحواه: “إن هريرو ما عادوا من رعايا الألمان. وعليه يتعين عليهم الخيار بين: المغادرة أو الموت، حال عدم الانصياع. ومن يُعثَر عليه داخل الحدود (الناميبية)، مسلحًا كان أو أعزل، سيتعرض للإعدام؛ فضلًا عن أن مصير النساء والأطفال سيكون التهجير أو الإعدام حال عدم الإذعان[…] ليعلم الهيريرو أن الإمبراطورية لن تحتفظ بأسرى من الذكور؛ بل ستُقدم على إعدامهم. هذا هو قراري الذي اتخذته بخصوص شعب هيريرو”(2).

وعلى إثر ذلك ثار الناميبيون، ليسقط بين 1904-1908 قرابة 90٪ من هيريرو نتيجة الإبادة التي خلَّفت 15 ألفًا فقط، من بين مئة ألف. وعلى نحو مماثل، لقيَ 50٪ من جيرانهم من قومية “ناما”، البالغ عددهم 20 ألفًا، حتفهم(3).

إن سرد البعد التاريخي إنما هو للتذكير بمحورية المعادن في النكبات التي شهدتها القارة، وللإشارة إلى أنَّ تفسير الإبادة الألمانية، دون اعتبار لسياق النسق الدولي المجحف آنذاك كان مجرد “نتيجة تمرد على الاستعمارية”. لذا، لم يحلِّلها جمع كثير من المؤرخين بوضوح باعتبارها مستقاة من تخطيطات الامبريالية الرأسمالية، ومقدمة لبداية التنافس الأوربي على معادن القارة. وما التكالب المتسع على الثروات المعدنية الإفريقية في الوقت الراهن إلا امتداد للإبادة الناميبية في حلتها الجديدة.

أنواع المعادن الإفريقية

دشَّن البنك الدولي بالتعاون مع الاتحاد الإفريقي عام 2014 مبادرة تهدف إلى رسم خريطة حديثة للموارد المعدنية الإفريقية، أُطلق عليها “خريطة المليار دولار”، وهي الميزانية المخصصة للمسح الجيولوجي المعني بالاكتشافات، استعانة بالتكنولوجيا المتقدمة. وأسفرت النتائج الأولية عما سمي بـ”فضيحة جيولوجية”(4). وقد عزم مدير المشروع “باوُلو ديسا” الإعلان عن نتائجها بعد 5 سنوات، لكنها تأجلت، بسبب كوفيد-19. إلا أن الاستنتاجات الأولية توحي بأن الاحتياطيات الإفريقية تدخر أمورًا تتخطى الخيال.

وآخر دراسة معمقة، وقد شملت بعض الدول الإفريقية فقط، عن احتياطيات المعادن الإفريقية ترجع إلى عام 2008 بعد الأزمة العالمية، والتي أبانت عن كمية من الاحتياطيات، حيث تحتوي القارة على: 30٪ من البوكسيت، و60٪ من المنغنيز، و75٪ من صخور الفوسفات، و85٪ من البلاتين، و80٪ من الكروم، و60٪ من الكوبالت، و30٪ من التيتانيوم، و75٪ من الماس، وقرابة 40٪ من ذهب العالم(5). مع أن القارة تدخر أكثر من ذلك، فالدراسة لم تشمل الماس الصناعي والفيرميكوليت والزركونيوم، والحديد، والنحاس، والفضة، والكولتان، والليثيوم، وعناصر الأرضية النادرة المكتشفة مؤخرًا(6).

يُضاف إلى ما سبق، أن احتياطيات المعادن وإن كانت متعددة، فإنها كذلك متمايزة، ويصنِّفها خبراء مؤسسة “باريس للتقنية” منطلقًا من أُطر جيولوجية(7)، يُمكن حصرها جميعًا في أربعة أصناف كما يلي:

  • الأحجار الكريمة: واشتُهر منها الزمرد والياقوت اللذان تعد مدغشقر أكبر منتج لهما بحوالي 60٪ و80٪ على التوالي(8)، واستفردت بإنتاجهما منذ 40 عامًا فرنسا وسويسرا(9)، وحجر الماس للمجوهرات الثمينة، والذي تتربع كل من بوتسوانا وجنوب إفريقيا، وناميبيا، وإفريقيا الوسطى على عرش منتجيه(10).
  • المعادن النفيسة: وأشهرها الذهب، الذي تعتبر غانا، وجنوب إفريقيا، والسودان، ومالي، وبوركينا فاسو من أكبر منتجيه في القارة.
  • المعادن الصناعية، ومن أشهرها: البوكسيت، المعدن الأساسي للألومنيوم، والموظَّف في صناعة الطائرات، والسيارات، وغيرها، والذي تنتجه دولة غينيا، وتمتلك أكبر رواسب له في العالم في جبال “سيماندو”(11). ومعدن النحاس اللازم في التصنيع البنائي، وتعتبر زيمبابوي رابعَ، والكونغو سادسَ منتج له في العالم(12).
  • المعادن الاستراتيجية: هي التي يحتدم التنافس الدولي عليها بكثافة، بوصفها ضرورية للصناعات التكنولوجية المتقدمة، وأكثرها شيوعًا: الكولتان، والكوبالت، والليثيوم، التي تعتبر الكونغو الديمقراطية أكبر منتج لها جميعًا(13) ويُضاف إليها “عناصر الأرضية النادرة”، وتسمى لَبِنة التقنيات الجديدة، واعتبرها البعض “ذهب القرن الـ21″(14). والأرضية النادرة، مجموعة مكونة من 17 عنصرًا، لها خصائص مغناطيسية وكهروكيميائية فريدة. لذا، أمْسَتْ حيوية في إنتاج عقاقير علاج السرطان، والهواتف الذكية، وتقنيات الطاقة المتجددة، ومهمة أيضًا للقوى العظمى لأنها تُستخدم في صناعة الأسلحة، وعدسات التليسكوب، وفي الليزر، والصواريخ. بعبارة أخرى: من يسيطر عليها، تكن له الأسبقية في سباق الابتكارات الحديثة للقرن الـ21. وفي عام 2015، اُكتشفت الأرضية النادرة بكمية ضخمة في دولة بوروندي، فطمعت القوى الغربية فيها، لكن بوروندي آثرت الصين وروسيا، ما كان سببًا في اندلاع أزمة داخلية في البلاد، مدعومة من أطراف خارجية(15).

بواعث التنافس الدولي على المعادن

خلال عشرين السنة الأخيرة، تندر متابعة عالم التكنولوجيا والتقنيات الإلكترونية الجديدة دون الوقوع على عبارة “غافا” (GAFA)، والتي تعني الحروف الأوائل من غوغل وآبل وفيسبوك وأمازون (Google- Apple- Facebook- Amazon)، ولطالما اعتُبرتْ فخر الصناعة الغربية. لكن يغيب عن الكثير أن هناك عمالقة موازين لها في الصين تُعرف اختصارًا بـ”باتكس” (BATX)؛ وتعني الحروف الأوائل من: “بايدو و”علي بابا” و”تنسنت” و”سياومي” (Baidu-Alibaba-Tencent-Xiaomi)(16).

 وللتوضیح، فإن:

  • الأول: بايدو هو محرك البحث الصيني مع قرابة سبعمئة مليون زائر يوميًّا، والمنافس الحقيق لـ”غوغل”، وله ميزانية تقدر بـ164 مليار دولار(17).
  • أما الثاني، “علي بابا”، فهو الشركة الصينية المنافسة لـ”أمازون” الأميركية(18).
  • بينما تعتبر “تنسنت” الشركة الصينية التي تستحوذ على تطبيق الرسائل الآنية (WeChat) والمنافس لـ”واتساب”، مع قرابة تسعمئة مليون مستخدم(19).
  • أما سياومي، وهي بمنزلة “آبل” الصينية، فقد تأسست عام 2000، بقيمة سوقية قُدِّرت في 2021 بحوالي 88 مليار دولار(20).

تتنافس (غافا) -ويمكن إضافة “ميكروسوفت” عليها- مع “باتكس” التي تلتقي بشركة “هُواوي” -الحاضنة الرئيسية للشركات الصينية. ولكلٍّ من “غافا” و”باتكس” استثمارات عظيمة في قطاعيْ التقنيات الجديدة والذكاء الاصطناعي (25 مليار دولار سنويًّا من واشنطن، مقابل 65 مليار دولار من بكين). كما تقدر قيمتهما السوقية المشتركة بنحو 4.5 تريليونات دولار(21)؛ ما يفوق الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا رابع أكبر اقتصاد في العالم مثلًا، وأقل بـ2.2 تريليون من مجموع اقتصاد إفريقيا (55 دولة) المقدَّر بـ6.7 تريليونات دولار، بحسب صندوق النقد الدولي(22). ولروسيا أيضًا -بدورها- شركات أقل انتشارًا، لكنها تواصل تجذرها في المجال، كـ(VK) منصة التواصل الاجتماعي الشهيرة في موسكو، و(Yandex) محرك البحث الروسي. وعمالقة أُخَر كـ”سامسونغ” الكورية الجنوبية، و”ويكو” و”إكو-Echo” الفرنسيتين و”نوكيا” الفنلندية، والعديد غيرها. المثير أن ما بين 60% و70٪ من المعادن الاستراتيجية الضرورية، التي تستخدمها الشركات أعلاه، مستوردة من إفريقيا(23). وهو أحد الأسباب -إن لم يكن السبب الرئيس- في نمط التنافس المفترس في القارة، فحين صارت المعادن الاستراتيجية تلبي احتياجات عمالقة التكنولوجيا، تنافست الشركات متعددة الجنسية عليها بغية تحقيق الأسبقية على الخصوم، وغني عن البيان أن لصراعاتها تداعيات أمنية، واقتصادية على إفريقيا ومناخها السياسي.

إطار عام لفهم التنافس على المعادن الإفريقية

كما كان باعث التفوق الاقتصادي بين الأقران للاستحواذ على الذهب والفضة، مفتاحًا لفهم نهب القوى الأوروبية لإفريقيا في القرن الـ19، فإن ظهور التصنيع التقني الحديث وانطلاق الاقتصاد القائم على الابتكارات المرتبطة بالتكنولوجيا قد يفسران سباق القوى على إفريقيا في العصر الراهن. ولفهم رهانات السباق، من الضروري الوقوف على بعدين رئيسيين من أبعاد التنافس، فله شق اقتصادي، وآخر جيوسياسي.

أ‌- الرهان الاقتصادي: بعد فترة “ما بعد الاستعمارية” والعهود التي سميت بـ”فترات الاستقلال” عمدت الدول الغربية المتسيدة، وفي مقدمتها بريطانيا، وفرنسا، وأميركا، وعلى مستوى أقل: كندا واليابان، إلى الاستحواذ على امتيازات المعادن، دون أن تدرك الحكومات الإفريقية أهمية الموارد التي تمتلكها لعالم المستقبل، ما لم يكن المعدن ذهبًا. ولاحقًا ظهرت -في المقابل- قوى صاعدة تنافسها، خاصة بعد الحرب الباردة، وهي: الصین، وروسيا، وإلى حدٍّ ما إسرائيل. ومن هنا يمكن فهم السباق المحتدم بين الطرفين لمخاطبة ود الحكومات الإفريقية مؤخرًا للحصول على عقودٍ من شأنها أن تعطيها الأسبقية -بفضل المعادن الاستراتيجية- على خصومها. وفي هذا الصدد، تفرض الصين نفسها منافسًا قويًّا للغرب على الصعيد الاقتصادي.

ب- الرهان الجيوسياسي: نظرًا لتغير طبيعة التنافس بين القوى الدولية بعكس ما كان عليه في عهود الاستعمارية، نتيجة اتساع هامش المناورة لدن الحكومات الإفريقية، ولظهور لاعبين جدد في الساحة، فقد سعى الغرب إلى دمج التقارب السياسي المرن مع الضغوطات الخشنة محاولة منه تحقيق مصالحه جنبًا إلى جنبِ تلبية مطالب شعوبه بضرورة التحول الديمقراطي في إفريقيا والكف عن دعم الأنظمة “الديكتاتورية”. فحين تعمل الشركات الغربية على الحصول على امتيازات التعدين، من جهة، تعمل منظمات حقوق الإنسان بالضغط على الحكومات الإفريقية في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، من جهة أخرى، والتي تبدو أنها ليست في مقدمة اهتمامات الشركات والحكومات الغربية، وهي ازدواجية طالما استاءت منها القيادات الإفريقية، بوصفها قوى إمبريالية لا تُخرج ملفات حقوق الانسان إلا للضغط على الحكومات أو لتعديل سلوكها المتمرد.

وفي هذا المنظور، تأتي روسيا الاتحادية للرئيس “فلاديمير بوتين” باعتبارها البديل الآخر الذي يدعم الحكومات الأوتوقراطية التي في خصومة مع الغرب. فعلى حدِّ تعبير المفكر السياسي، عزمي بشارة: إن الظاهرة “البوتينية” تتجلى في سعيها الحثيث للتعاون والحفاظ على الأوتوقراطيات في العديد من المناطق، متداخلة في حوار مع ديكتاتوريات عديدة على مستوى العالم باعتبار الديمقراطية توسعًا غربيًّا إمبرياليًّا (إمبريالية الناتو). وبالتالي، يُنظر إليها جيوستراتيجيًّا، بوصفها توسُّعَ النفوذ الغربي(24). ومن هذا المنطلق، تستنجد الحكومات الإفريقية غير الراضية عن النفوذ الغربي المفرط وقوائم إملاءاته بروسيا. ويمكن التدليل عليه بالإشارة إلى عمر البشير من السودان قبل الإطاحة به؛ حيث كانت زيارته الأولى -بعدما تخلص من مذكرة التوقيف الدولية- إلى موسكو. طلب البشير من بوتين حمايته من سلوك الولايات المتحدة “العدواني” تجاه بلاده(25). وعلى النحو نفسه تعاون الرئيس الزيمبابوي الراحل “موغابي” مع روسيا، عندما تأزمت علاقاته مع الغرب. وفي العادة -كردة فعل- تسحب الدول الإفريقية غير الراضية رُخص التعدين من الغرب لتعطيها لمنافسيه ما يفضي في كثير من الأحيان إلى انقلابات أو -كما هو منتشر مؤخرًا- إلى محاولة انقلابية. مع شدِّ الانتباه إلى أن الغرب نفسه يعزز الأوتوقراطيات طالما تضمن له أسبقيته، فالديمقراطية وحقوق الإنسان تتضاءل أمام المنافع، ولا يظهر عداؤه إلا حين تصدر منها سلوكيات يعتبرها تمردًا على هيمنته أو تهديدًا لمصالحه. فقد دعمت فرنسا “ديكتاتور” جمهورية توغو، الرئيس “غياسينغبي إياديما”، ليبقى في الحكم من عام 1976 حتى وفاته 2005، لمنحها امتيازات المنغنيز، والبوكسيت، والفوسفات، والحديد، وهو مثال من بين العشرات.

يفسر جميع ما سبق، نظرية “تحول القوى” (power transition theory) في العلوم السياسية، فالسباق الراهن يُجسد المراحل الأولى لنقطة تحول في ديناميات القوى في السياسة الدولية. ووفقًا لتحول القوى، ثمة أربعة أصنافٍ من الدول في النسق الدولي(26):

  1. قوى مهيمنة، وراضية بالوضع الراهن (ستاتسکو) وتفضِّل بقاءه والحفاظ عليه (حالة الولايات المتحدة- فرنسا مثلًا).
  2. قوى متوسطة، وراضية بـالـستاتسکو لأن حلفاءها من القوى الكبرى يحافظون على النظام الذي يحقق بقاؤه مصالحها (مثال: ساحل العاج، والسنغال، وبولندا والدول الإسكندنافية في أوروبا مثلًا).
  3. قوى عظمى، وهي دول غير راضية بالوضع الراهن، وتمتلك الموارد والإمكانيات للتأثير في الوضع الراهن، وتدرك ذلك، فتوظِّف إمكاناتها لمحاولة تغيير النظام الذي يرعاه الصنف الأول. ويتجلى بأوضح صورة في روسيا بوتين، والصين للرئيس “شي جين بينغ”، وحلفائهما، وإلى حدٍّ ما تركيا أردوغان.
  4. قوى صغرى، وهي دول غير راضية بالوضع الراهن، لكنها تفتقر إلى مقومات تغييره، لذا تخضع، لكن حالما تشعر بأن هنالك قوى قادرة على تغيير الوضع الراهن، تتعاون معها. ويفسرها تطبيقيًّا تحالف القوى الإفريقية المتمردة مع القوى العظمى الساخطة على هيمنة أميركا وفرنسا مثلًا، وتتعاون معها بالاصطفاف الكلي، أو على مستوى أقل، بمحاولة اللعب على التناقضات. مثال الدول الإفريقية على ذلك راهنًا: مدغشقر، وبوروندي، وإفريقيا الوسطى، ومالي، وغينيا الاستوائية، وإثيوبيا، من بين آخرين.

1- القوى الغربية التقليدية والصيد المحروس

بحسب الخبیر القانوني من الکامیرون، “جانفيي مومو”، فإنه عندما يُقْدِم بلد استعماري على مسح جيولوجي لاكتشاف موردي النفط والمعادن، غالبًا يخفي النتائج عن الدولة المعنية، لإيهام الدول المنافسة أن دولة (أ) أو (ب) معدومة الموارد، إلى حين الحاجة، ثم تعلن عن اكتشاف حديث مذهل. هكذا عمدت بلجيكا الاستعمارية إلى ذكر كلمة “فقر” جوار “بوروندي”، حتى أضحى تكرار الكذبة حقيقة. ويُسمي الموارد المخفية بـ”الصيد المحروس” ” la chasse gardée “(27).

أ- حالات أميركا-بريطانيا-بلجيكا والصيد المحروس: في عام 2020، أعلنت الكونغو أن الكوبالت والكولتان، ستُسجَّلان کمعادن “استراتيجية”، ما يُكسبها أهمية إضافية بمضاعفة عائدات الدولة. ما أدى إلى معارضة الشركات الأجنبية له بشدة. خاصة، شركة “جلنكور” الأنجلو-سويسرية. وبموجب القانون الجديد قفزت الإتاوات المدفوعة للحكومة الكونغولية من 2٪ في السابق إلى 10٪(28). وذلك عقب تقرير كشفته، في ديسمبر/كانون الأول 2019، صحيفة الغارديان عن أن عائلات كونغولية رفعت دعوى قضائية في واشنطن ضد عمالقة التكنولوجيا، باعتبارها تقتل وتشوِّه أطفالها أثناء التنقيب عن الكوبالت المستخدم في الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والسيارات الكهربائية. والشركات المعنية بالدعوى هي: (آبل، وغوغل، ومایکروسوفت، وتسلا، وديل)، بواسطة مؤسسة حقوق الإنسان ( (International Rights Advocates نيابة عن 14 عائلة. وتتهم الدعوى -التي ظهرت نتيجة البحث الميداني الذي أجراه الخبير الاقتصادي لمكافحة العبودية المعاصرة، سيدهارث كارا- الشركات بالضلوع في وفاة وتشويه الأطفال الذين يعملون في مناجم سلسلة التوريد. محاجِجَة بأنهم يعملون بشكل غير قانوني في مناجم مملوكة لشركة التعدين البريطانية “جلنكور”، بوصفها تمتلك ثلث مناجم الكوبالت، وتستورده شركة “يوميكور”( (Umicore البلجيكية -الدولة الاستعمارية السابقة-، التي تبيع الكوبالت بدورها لـ”آبل” و”تسلا” وبقية العمالقة(29). وعلى نحو الكونغو يتكرر السيناريو عينه مع شركات التعدين الغربية في زامبيا، ومالي، وغينيا، وزيمبابوي، والسودان، والعديد من البلدان الأخرى الثرية بالمعادن.

ب‌- كندا: من جانبها، تتفوق كندا على منافسيها في تعدين الذهب؛ حيث شرع العديد من شركاتها في استكشاف باطن الأرض الإفريقية الغنية بالمعدن الأصفر عام 2008 بعد الأزمة، وعلى الرغم أن الاستكشاف الواسع في غرب إفريقيا وحده قد بدأ قبل عقد من الزمن، إلا أن إنتاج المنطقة قارب 9 ملايين أوقية سنويًّا، وهو مستوى يقترب من أميركا الشمالية “12 مليونًا”(30). وتعمل الشرکات الكندية، على غرار “أورمين” Oromin Group)) و”سابودالا غولد” Sabodala Gold) )، وهي شركة سنغالية مملوكة بنسبة 90٪ لمؤسسة (Teranga Gold) الكندية، في غانا، أكبر منتِج في المنطقة مع 9 مناجم نشطة. كما ارتفع إنتاج مالي عام 2019 بنسبة 21٪ أي 60 طنًّا (2.1 مليون أونصة)، وبوركينا فاسو (55 طنًّا)، وساحل العاج (25 طنًا)، والسنغال (7 أطنان) من الذهب(31). ووفقًا لـ””Natural Resources Canada، وهي وزارة اتحادية لكندا، فإن لـ155 شركة كندية أصولَ تعدين تراكمية يبلغ مجموعها أكثر من 31.6 مليار دولار كندي (30.5 مليار دولار) تعمل في 39 دولة في إفريقيا مع حلول 2011. ذلك بعدما تفاوض رئيس الوزراء الكندي المحافظ، ستيفن هاربر، على اتفاقيات ترويج الاستثمار وحمايته مع دول إفريقية(32). وأظهرت البيانات أن معدنَيْ النحاس والذهب يمثلان الغالبية العظمى من إنتاج المناجم الكندية في القارة(33).

ج- فرنسا: مع نمو الثورة الصناعية في أوروبا، أرسلت فرنسا فريقًا من الجيولوجيين من المكتب الفرنسي لأبحاث البترول “Bureau de recherche du pétrole français” -والذي انبثقت منه الشركة الوطنية الفرنسية للمناجم- إلى شبه جزيرة داكار، عام 1920، ولم تبدأ التنقيبات حتى عام 1952 مع وصول دفعة أخرى من الجيولوجيين إلى جمهورية مالي(34). ذلك نتيجة مصطلح “الکنز المجهول” الذي استخدمه الجيولوجي الفرنسي، مارسيل روبولت، بعد الحرب العالمية الثانية واصفًا معادن الإمبراطورية الفرنسية في إفريقيا السوداء، کتعبیر يحث فرنسا على مهمات التنقيب في مستعمراتها(35). فقد أشار أرشيف مجلة “لوموند” لعام 1960 عن نتائج واعدة بعد تنقيبات المكتب؛ إذ أبان التقرير النهائي عن جمهورية مالي بشكل أساسي عن فوسفات الألومينا، والكالسيوم، وخام الزركونيوم، والحجر الجيري لصناعة الإسمنت. وقد تفردت الشركات الفرنسية باستخراج آلاف الأطنان منها بوصفها القوة الاستعمارية، ثم كثف المكتبُ البحوثَ، ليعلن عن رواسب حديد ضخمة في منطقة “كيدوغو”، والبوكسيت في “باماكو”، و”الليثيوم” في منطقة “بوغوني”، وتكوينات الفوسفات في وادي تيلمسي، من مدن جمهورية مالي. هذا عدا الهيدروكربونات في الأحواض الرسوبية الثلاثة في البلاد، لأن تسعة أعشار مساحة سطح مالي مكونة من أرض رسوبية. لذلك، تُقدم البلاد آفاقًا نفطية ومعدنية مثيرة للاهتمام(36). وربما الكنوز المحروسة ما تفسِّر استياء فرنسا من التقارب المالي-الروسي مؤخرًا.

ثم انتقلت الأبحاث الفرنسية إلى دول الجوار، فأثناء الحفر الاختباري في السودان مثلًا، أبلغ المكتب عن اكتشاف المنغنيز والنحاس والكروم والحديد والباريوم والألومنيوم والقصدير والرصاص والزنك والذهب والليثيوم. وفي السنغال، عن المنغنيز والذهب والحديد وأخرى، كما أعلن تقرير 1952 عن مؤشرات عديدة لعثور المكتب على الماس، والزنك، والقصدير، والتيتانيوم، والباريوم، والليثيوم، والذهب، والحديد، والألماس، والأرضية النادرة في دول عديدة في إفريقيا السوداء(37).

لم ينحصر استغلال الشركة الوطنية الفرنسية للمناجم على مالي والسنغال فحسب، فمثلًا في جمهورية إفريقيا الوسطى، اكتُشف الماس والذهب لأول مرة في أوائل القرن العشرين، عندما كانت البلاد لا تزال تحت حكم الاستعمار الفرنسي فمارست الإدارة الاستعمارية سيطرة محكمة عليها ومنحت امتيازات خاصة لشركات فرنسية لاستغلال المطاط والبُن والقطن. وسرعان ما أصبح الماس المنتج الثاني للتصدير في البلاد بعد القطن؛ حيث بلغت أرقام إنتاج الماس 147104 قراريط في عام 1954(38). لتعلن فرنسا من وقتئذٍ حتى عهد الرئيس “جان بيدل بوكاسا” (1966-1976) أن “ما تحت الأرض إلى خمسين مترًا بإفريقيا الوسطى وما تحتويها من المعادن ملك لفرنسا”(39).

وانطلاقًا مما سبق، لاقت فرنسا انتقادًا واسعًا عام 2014، بعد تسريبات “ويكيليكس” لوثيقة عن نهب الشركة الفرنسية TSA, Global Services Africa” للماس وسط الإفريقي، موضحةً وضعًا نموذجيًّا لإفقار بلد إفريقي بشكل غير قانوني عن طريق استخراج الذهب والماس، وعن التجاهل العام لقواعد البلاد من قِبَل الصناعات التعدينية الفرنسية(40). فردَّ الوزير الفرنسي “أرنو مونتبورغ” بأن شركات فرنسا تعمل على اكتشاف ما في باطن الأرض فقط؛ حيث تود البلدان الإفريقية الناطقة بالفرنسية، على وجه الخصوص، العمل مع فرنسا بدل الشركات متعددة الجنسيات للبلدان الأخرى(41).

هكذا استفردت القوى الاستعمارية التقليدية بالامتيازات في القارة، حتى وصول كل من روسيا والصين ليبدأ فصل جديد من أساليب اقتصادية مفترسة.

2- ظهور القوى المنافسة

 أ- روسيا: في السابق، ساعد الاتحاد السوفيتي بلدانًا إفريقية في مساعي التحرير من التأثيرات الأوروبية في فترات الاستقلال تماشيًا مع الفكر الشيوعي. لكن بعد انهياره، انسحبت روسيا من المنطقة، عدا حضور طفيف. وظل الوضع كذلك، حتى بواكير العقد الأول من القرن الحالي، حين بدأ الرئيس “بوتين” في إظهار اهتمام محدود بإفريقيا. وبحلول عام 2014، نهجت نهجًا مغايرًا لزيادة نفوذها، نتيجة العقوبات الاقتصادية من القوى الغربية في أعقاب ضمِّها لشبه جزيرة القرم، فقررت غزو أسواق جديدة، لتنويع أصولها الاقتصادية وتلبية احتياجاتها. وفي الصدد، وخلال مقابلة مع وكالة الأنباء الروسية “تاس”، قال بوتين -الذي يسعى لإعادة صياغة النظام الدولي-: “إنه ليس من قبيل الصدفة اتجاهنا نحو إفريقيا؛ فقد أصبحت بشكل متزايد قارة للفرص، وتمتلك موارد هائلة وجاذبية اقتصادية محتملة لمنتجاتنا”(42).

 لكن مقاربة روسيا هي جيوسياسية أساسًا، ثم اقتصادية؛ إذ تحرص على نسج علاقات مع القوى الإفريقية التي في خلاف مع الغرب. فعلى سبيل المثال، اقتربت روسيا من الرئيس الزيمبابوي “روبيرت موغابي”، في الوقت الذي تخضع فيه زيمبابوي لعقوبات اقتصادية من الغرب بعد مزاعم أن نظامه مسؤول عن أعمال عنف وتعذيب لخصومه. فوقفت روسيا -إلى جانب الصين- مع زيمبابوي، واستخدمتا حق النقض ضد قرار مجلس الأمن بشأن حظر الأسلحة، عام 2008، منتقدتين العقوبات الغربية تجاه زيمبابوي. ولاحقًا، تطورت العلاقات إلى اقتصادية، حيث استأنفت روسيا تصدير عدد من المواد والسلع الجاهزة إلى البلاد، من الخشب والأسمدة إلى المواد المطبوعة وعربات السكك الحديدية والإلكترونيات. وتستورد روسيا من زيمبابوي البن والتبغ. كما زاحم الروس الشركات البريطانية -البلد الاستعماري السابق- في مشاريع تعدين الماس والذهب في البلاد؛ حيث تقاسم الشركات الروسية زيمبابوي، مشروعًا مشتركًا باسم ((Darwendale لتعدين وصهر أحد أكبر رواسب معادن البلاتين في العالم، والمقرر إنتاجه في عام 2021(43).

ووفقًا لـدراسة أجرتها الخبيرة ناتاليا بوغايوفا وآخرون، لمعهد الدراسات الحربية “ISW“، فإن شركة تعدين الماس الروسية (Alrosa) تعمل على مناجم إفريقيا الوسطى خلفًا لفرنسا، كما تعمل أيضًا شركة الذهب الروسية (Nordgold)، وشرکة ألومنيوم الروسية (Rusal) وشرکة (Nornickel) على توسيع نطاق الأنشطة في تعدين الكولتان والكوبالت والذهب والماس في جميع أنحاء القارة. وتفيد الدراسة بأن شركة (Ferrum Mining) الروسية المرتبطة بحكومة الكرملين اشترت 70٪ من حصة شركة ((Kraoma Mining S.A التابعة لحكومة مدغشقر(44). فالظاهر، أن منافسة الغرب في سباق المعادن تتماشى مع الرؤية الجيوسياسية الروسية، فلا يقتصر اهتمامها المتزايد بالقارة على الأسباب الاقتصادية فحسب، بل تشمل أسبابًا سياسية واستراتيجية بالمقام الأول؛ إذ تعتبر إفريقيا شريكًا محتملًا رئيسيًّا في رؤيتها لنظام عالمي متعدد الأقطاب.

 ب-جمهورية الصين الشعبية: على نقيض روسيا التي تكمن دوافعها الأساسية في الجيوبوليتيك، فإن الصين بواعثها اقتصادية، ثم سياسية. وإن تحليلًا جيواقتصاديًّا عميقًا في تمحورها نحو إفريقيا يلقي الضوء على نهجها “المفترس”، حتى غدت موصوفة بـ”قوة استعمارية جديدة”، خاصة أنها استطاعت تجاوز منافسيها خلال 20 عامًا فقط(45). فبحلول عام 2007، دخلت أكثر من 7000 شركة صينية متعددة الجنسيات بالاستثمار الأجنبي المباشر في 173 دولة حول العالم؛ مما أدى إلى إنشاء ما لا يقل عن 10000 شركة تنافس الشركات الغربية، بما في ذلك 1000 شركة في إفريقيا(46).

تشير التقارير إلى اتباع الصين استراتيجيتين شاملتين تجاه إفريقيا؛ الأولى: الاستثمار مقابل البنية التحتية. الثانية: القروض مقابل المواد الخام؛ حيث وصلت قروضها التراكمية للقارة ما بين 2000-2017 إلى 124 مليار دولار(47). وبالطبع، تتوقع امتيازًا في المقابل.

وتجد الاستراتيجيتان أوثق إثبات لهما في الكونغو الديمقراطية؛ حيث تذهب نسبة 70٪ من الصادرات الكونغولية من قطاع التعدين إلى الصين. فمثلًا، تهيمن شركات التعدين الصينية على قرابة (70 إلى 80٪) من النحاس والكوبالت الكونغولي. ويأتي الاستثمار الصيني من المؤسسات العامة المملوكة للدولة كشركة (Chinalco) و(Sinosteel)؛ لتقيم شراكات بينها والدول المضيفة، بمشاركة الحكومة الصينية حتى تتمكن من التحكم في استراتيجيات المشاريع المشتركة. وتأخذ الاتفاقيات الصينية صيغة “اتفاق حكومة-حكومة” بعكس الغرب الذي تكون اتفاقياته “صفقة شركة مع دولة”. ومن هنا، أُبرمت اتفاقية القرض الميسر الصيني البالغ 8.5 مليارات دولار مع الكونغو في عام 2007، أي على الاستراتيجية الأولى، عقود التعدين مقابل البنية التحتية. كمشروع تعدين مشترك سُمي “سوكومين” (Socomines)، بين الشركة العامة الكونغولية (Gecamines) وتملك 32٪ مقابل 68٪ خمس “كونسورسوم” من شركات صينية، نتيجة قرض صیني للبلاد من ((Exim Bank، قيمته 12 مليار دولار، سيتعين بموجبه على “سوكومين” إنتاج قرابة 10 ملايين طن من النحاس وستمائة ألف طن من الكوبالت، ومعادن أخرى لم تُحدَّد، من جميع الموارد المعدنية للبلاد على مدار 25 عامًا. لتسدد الكونغو استثمارات البنية التحتية، التي شملت مجال النقل، والسكك الحديدية، والطرق ومشاريع اجتماعية (جامعتين و32 مستشفى وخمسة آلاف سكن اجتماعي) من بين أمور أخرى. كان من المفترض أن تُمنح المشاريع للشركة البلجيكية “يوميكور” -القوة الاستعمارية السابقة- لكن تغلبت الصين وحازت الصفقة؛ ما فتح آفاقًا جديدة للتنافس بين الصين والاتحاد الأوروبي.

مثال آخر في دولة الغابون؛ حيث افترست الصين مشاريع افترضت أن تحصل عليها فرنسا -القوة الاستعمارية- لكن حصلت شركة “هندسة الماكينات الصينية” (China Machinery Engineering) وشركة “سينوستيل كونسورسيوم” (Sinosteel Consortium) المستفيدة من التمويل الميسر من” أغزيم بنك”، على الحقوق الحصرية لتفعيل منجم الحديد في منطقة “بيلينغا” الواقعة شرق الغابون. يمثل المشروع استثمارًا بقيمة 3.5 مليارات دولار، (يعادل 30٪ من الناتج المحلي للغابون). في المقابل، تبني للغابون خط سكة حديد بطول 560 كم بين “بيلينغا”ومنطقة “سانتا كلارا” التي يقع فيها ميناء البلاد على الأطلسي، عطفًا على بناء سدٍّ لتوليد الطاقة الكهرومائية للبلاد. ومن المتوقع أن يمتد المشروع، الذي بدأ في عام 2011، على مدى 20 عامًا(48). بالمثل، في الجزائر، التزمت الشركات الصينية بعقد إيجار للتنقيب عن الفوسفات بقيمة 6 مليارات دولار مقابل إعادة مشروع خط سكة حديد في المغرب العربي على نحو سكة حديد مومباسا في كينيا، بنحو 3.2 مليارات دولار، وسد “سوبر” (Soubre) الضخم بتكلفة مليار دولار في ساحل العاج، بتمويل من بنوك الدولة الصينية مقابل الذهب(49).

ثمة قدرٌ كبير من رمزية النفوذ في القروض؛ حيث تمنح الديون الصين شبه سيطرة على الدول، وبالتالي القدرة على لعب دور القوة المهيمنة في الدوائر الحكومية، وتجلَّى ذلك في زامبيا، حين سيطرت الصين على مناجم النحاس، نتيجة قروض عجزت زامبيا عن تسديدها. وبحلول عام 2018، استخدمت زامبيا أصولها العامة، بما في ذلك مطار زامبيا الدولي، لدعم دورات تسديد القروض، وهي قرابة 6.4 مليارات دولار من الديون الصينية(50). وجرى مثله في نيجيريا ودول إفريقية عديدة، وهي المُمارسات التي أطلق عليها خصوم الصين “دبلوماسية فخ الديون”.

وللصين أيضًا طموحات جيوسياسية مقابل قروضها، وهي متعلقة أساسًا بتايوان. ففي تاريخ اليوم، هناك 46 دولة من أصل 55 تدعم الصين بشكل واضح، حين طالبت الدول الإفريقية بعدم الاعتراف باستقلال تايوان، بل ساعدت الدول الـ46 الصين على عزل تايوان دبلوماسيًّا(51). ويعتبر الإنجاز مرجعًا قويًّا للصين في سعيها للحصول على دعم الدول الإفريقية في الهيئات الدولية.

تداعيات التنافس الدولي على استقرار القارة: ما يضفي على المعادن الإفريقية طابع الصراع هو خضوعها لشروط الندرة، لناحية حيويتها لعمالقة التقنيات، باعتبارها ضرورية للابتكارات الحديثة. وشهدت إفريقيا الثرية في المعادن حروبًا داخلية، صراعًا على السلطة تغذيها دائمًا طموحات الهيمنة على رواسب المعادن. فمثلًا، كان لمعدن الذهب دور في حرب دارفور السودانية لعام 2013؛ حيث أدى الاحتراب حول مناجم الذهب في جبل “عامر” بالسودان إلى مقتل قرابة 1000 شخص وتشريد حوالي 150 ألفًا آخرين في نفس العام. ويُعتقد أن الذهب يشق طريقه إلى مصافي دبي؛ فالإمارات هي أكبر مستورد للذهب السوداني بحسب بيانات التجارة العالمية لعام 2018، فقد استوردت 99.2٪ من صادرات الذهب السوداني. وتؤكد “جلوبال ويتنس” أن شركة التكرير البارزة في الإمارات “كالوتي” هي التي اشترت الذهب المرتبط بالجماعات المسلحة في دارفور في عام 2012. ففي عام 2018 وحده، ذكرت أكثر من 270 شركة دولية في تقارير قصدت لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية أنها حصلت على الذهب من “كالوتي”، من بينها أكبر شركة تكرير الذهب في العالم “فالكامبي” السويسرية. ونتيجة لذلك، يدخل ذهب الصراع السوداني في منتجات العلامات التجارية المنزلية الكبرى، مثل: “أمازون” و”ستاربكس” و”سوني” و”ديزني” و “إتش بي”(52).

وعلى نحو السودان، عرفت الكونغو الديمقراطية أطول الحروب الأهلية الإفريقية بمنطقة “كيفو” الواقعة شرق البلاد، والمسمى بـ”القرية العالمية”. فالحرب الأهلية الأولى (1996-1997)، والتي أُطلق عليها أيضًا “الحرب العالمية الأولى” لإفريقيا، دارت في زائير الكونغو، مع انتشار كبير لها في السودان وأوغندا. وحرب ثانية اندلعت من 1998 إلى 2003، وفي بواكير 2014 اندلعت الثالثة ولا تزال مستمرة. وقد غذَّت الأحجار الكريمة والذهب والكوبالت والكولتان الصراع وتموِّله، لما تجنيه الميليشيات وأعضاء الجيش الكونغولي منه عبر السيطرة غير القانونية على تجارة المعادن(53). وحاليًّا يوجد ما يفوق 100 جماعة مسلحة في شرق الكونغو. وحوالي 10 منهم يحصلون على إيرادات كبيرة من التعدين. على سبيل المثال، تسيطر ميليشيا (NDC-Rénové) على ما يفوق 100 موقع لتعدين الذهب والكوبالت في شمال كيفو. وحركة (M23) المتمركزة بمنطقة (ليتوري) تسيطر على العشرات هي الأخرى، فالأرباح ذات الصلة -التي تقدر بملايين الدولارات- كانت دائما محركًا لأنشطتها(54)، وزبائنها من الشركات الأميركية، والبلجيكية، والكندية، والعديد من الشركات الصينية. وقُدِّر ضحايا الحروب الكونغولية الثلاثة بنحو 6.4 ملايين قتيل بدءًا من 1998 حتى 2021(55). قدَّرت مؤسسة (Global EDGE) للدارسات المالية؛ قيمة رواسب الكونغو غير المستغلة من المعادن الخام بأكثر من 24 تريليون دولار أميركي(56)، ما يعادل الناتج الإجمالي الأميركي، أكبر اقتصاد في العالم. ما يجعل من الكونغو -وعلى نطاق واسع- أغنى دولة في العالم من حيث الموارد الطبيعية، وبالمفارقة واحدة من أفقر دول العالم.

وعلى النحو نفسه في بوروندي، كانت الدولة الاستعمارية بلجيكا، أذاعت أنها فقيرة في الموارد، حتى عام 2007 حين منحت بوروندي حق التنقيب لشركة “سامانكور” (Samancor) جنوب الإفريقية، ثم لشركة صينية ما أفضى إلى دعم بلجيكي للمعارضة البوروندية وحركاتها المسلحة، حتى اندلعت الأزمة الدموية لعام 2015 و2016 التي أعقبت الانتخابات الرئاسية للولاية الثالثة التي سعى لها الرئيس “نكورونزيزا” بدعم من روسيا. في ظل تنافس بلجيكا مع شركات جنوب إفريقية وصينية على “الأرضية النادرة” البوروندية. فبعدما أعلنت بوروندي عن اكتشاف رواسب ضخمة للأرضية النادرة، قدَّمت الامتيازات لجنوب إفريقيا والصين، فاستاءت بلجيكا وحليفها الاتحاد الأوروبي، ومنذ 6 سنوات تعيش بوروندي تحت تهديد التمرد المسلح، كما تعاني الحكومة البوروندية من هجوم إعلامي مكثف من لوبيات حزب “أم آر” (MR) الحكومي في بلجيكا بقيادة وزير الدولة الاتحادي البلجيكي للرقمنة، ماثيو ميشيل، نجل المفوض الأوروبي السابق في بروكسل، لويس ميشيل(57).

فمن تداعيات التنافس على المعادن، أنه أفرز قدرًا لا بأس به من النزاعات في القارة، نتيجة دعم القوى المتنافسة للأحزاب ومعارضيها، رغبةً في الحصول على رخص التنقيب بعد وصول أنصارها إلى سدة الحكم. فبينما تدعم روسيا والصين موغابي مثلًا، عملت بريطانيا وأميركا على دعم الرئيس الحالي “إمرسون منانغاغوا” في زيمبابوي. كما دعمت روسيا عمر البشير في السودان، تدعم الولايات المتحدة وفرنسا حكومة رئيس الوزراء الانتقالي، عبد الله حمدوك، وقد صرَّحت حكومته بعزمها مراجعة الاتفاقية السودانية-الروسية لبناء قاعدة عسكرية للأخيرة في البحر الأحمر، منحتها حكومة البشير(58). وفي سياق متصل، دعمت فرنسا قوات الرئيس السابق “بوزيزي” في إفريقيا الوسطى، وجاءت روسيا لتدعم الرئيس الحالي “أركانج تواديرا” وهو الآن يعمل على إبعاد فرنسا وشركاتها من البلاد. والحال نفسها في مالي حيث كان الرئيس المخلوع “بوبكر كيتا” حليفًا لفرنسا، ولكن السلطة الانتقالية بقيادة العقيد “هاشمي غويتا” أعلنت رغبتها في التعاقد مع مجموعة “فاغنر” الروسية، ما صاحبه استياء وتهديد فرنسي مدعوم من الاتحاد الأوروبي(59).

علاوة على ما سبق، تأتي حالة الكونغو؛ فالرئيس الراحل “جوزيف كابيلا” كان حليف روسيا والصين، لكن الحكومة الجديدة بقيادة “فيليكس تشيسكيدي” -حليف الغرب- سحبت العديد من الامتيازات وراجعت عقود التعدين للكولتان والكوبالت ومعادن أخرى مع الشركات الصينية. ما سبق، يفسر أيضًا عدم تجديد “تشيسكيدي” تراخيص النفط والمعادن للشركات المرتبطة برجل الأعمال الإسرائيلي المثير للجدل “دان جيرتلر”. حيث رفضت الحكومة تجديد تصاريح التنقيب عن مناطق النفط 1 و2 في بحيرة ألبرت، والتي مُنحت له عام 2010. وكان “جيرتلر” يُعتبر سابقًا “مستثمرًا لا يمكن المساس به” داخل القطاعات الاستخراجية للكونغو، بسبب صلاته بالرئيس السابق، كابيلا. وجاء رفض منحه التصاريح على خلفية الطلاق السياسي بين الرئيس تشيسكيدي وكابيلا(60). هذا، ويمكن سرد التنافس بدعم الأطراف الخارجية في كل من غينيا الاستوائية الغنية بالغاز والبوكسيت، وبوروندي و”الأرضية النادرة” وموزمبيق التي اكتشفت أكبر منجم للياقوت في البلاد(61) أو غينيا التي تمتلك أكبر منجم للحديد والبوكسيت في القارة والتي عرفت انقلابًا مؤخرًا. جميع ما سبق أمثلة من التنافس الدولي على الثروات المعدنية الإفريقية، والمزيد من الصراع يلوح في الأفق، بحكم الحاجة المتزايدة للمعادن الاستراتيجية.

نتائج التنافس الدولي على القارة

يمكن حصر نتائج الاتجاهات العامة للصراع القائم بين الغرب والكتلة “الصينو-روسية” -إن جاز التعبير- على معادن القارة في خمس نقاط رئيسية، وفق رأي الكاتب، وذلك كما يلي:

1- يُحتمل أن تكون إفريقيا مسرح الصراع القطبي القادم، على نحو مركزية الشرق الأوسط في الحرب الباردة. وعلى خلاف المزاعم الغربية، فإن الكتلة الصينو-روسية ترفض أن تكون إفريقيا “صيدًا محروسًا” كما يدَّعي خصومها. ويرشح الكثيرون أن تكون منطقة الساحل الإفريقي -بمدلوله الواسع وبموارده واضطراباته الأمنية- كما كانت أفغانستان في الحرب الباردة.

2- إن روح الحرب الباردة وسياسة الأقطاب البديلة رجعت، ويتجلَّى ذلك حين تلوِّح الجماهير في مالي -حال التوتر مع فرنسا- بالعلم الروسي، وفي مظاهرات إثيوبيا، والمسيرة الداعمة للرئيس تواديرا بإفريقيا الوسطى، لها دلالات جيوسياسية تفيد بأن هناك بديلًا غير الغرب، والضغوطات الأوروبية، والانقلابات، ما عاد سيف الجلاد كما كان سابقًا، ولهذه الدلالة إسقاطاتها على التنافس الدولي على إفريقيا.

على نقيض الاعتقاد السائد لدى جموع من المحللين بأن التنافس ضار للاستقرار الإفريقي، باعتبار القارة مضطربة أمنيًّا إلا أن التنافس الفرنسي-الروسي، والذي بين القوى الغربية التقليدية والقوى الصاعدة في العموم، يمكن أن يكون متنفسًا جيوسياسيًّا، باعتباره يَهَبُ خياراتٍ بين أكثر من بديل، بخلاف فترات هيمنة الغرب المفرط لتفرده. فمثلًا بعد الانقلاب الثاني في مالي بقيادة العقيد “هاشمي غويتا”، في مايو/أيار 2021، جمدت فرنسا عملياتها العسكرية مع مالي؛ فبادر المجلس العسكري المالي، بعد مرور بضعة أيام على الإعلان، بتوقيع صفقة تعدين مع الشركة الصينية “غان فنغ” باستثمار قيمته 130 مليون دولار لشراء 50% من منجم “غولامینا” بجنوب مالي لاستخراج الليثيوم، المادة الضرورية لصناعة البطاريات(62). وقد اعتبر المراقبون الصفقة ترحيبًا صينيًّا بالفراغ الفرنسي، ورسالة إلى فرنسا بأن “لدينا بديلًا، ولديكِ ما قد تخسرينه”، خاصةً امتيازات المعادن. لتلغي فرنسا قرارها في غضون أسبوع. إنها سياسة اللعب على التناقضات من القوى الصغرى خلال التنافس بين القوى العظمى، وقد حصل أمر شبيه بهذا في ستينات وسبعينات القرن الـ20 إثر الحرب الباردة حين لجأت مصر إلى الاتحاد السوفيتي إبَّان أزمتي قناة السويس والسد العالي.

فالدول الناطقة بالفرنسية، التي تود تنويع الشركاء، مقابل ضغط فرنسي تستنجد بمنافستها، (في حالة رواندا والغابون) كانت الدول الأنغلوساكسونية، وانضمَّتا إلى منظمة الكومونولث، وفي حالة كلٍّ من (بوروندي، وموزمبيق، وإفريقيا الوسطى، وغينيا الاستوائية) كانت روسيا بينما الصين تدعم تلك الدول في حالات التصويت بمجلس الأمن. ويُلاحظ دعم الصين بـ”فيتو” مزدوج مع روسيا، رغم أن فيتو واحدًا يفي بالغرض.

3- يشير العديد من الدلائل إلى اختلال ميزان القوة الاقتصادية لصالح صيغة صفقة “حكومة-حكومة” الصينية على صفقة “شركة-حكومة” الغربية، نتيجة السيولة المالية (Cash) لدى الحكومة الصينية؛ إذ لا شركة غربية قادرة على وضع 12 مليار دولار (حالة الكونغو) على طاولة المفاوضات بينها وحكومة إفريقية. عطفًا على أن الشركات الصينية المملوكة للدولة تتحمل كافة المسؤوليات وقت تنفيذ المشروع، بينما تطالب الشركات الغربية بميزانية إضافية عن “المخاطر غير المتوقعة”. وعليه، وبغضِّ النظر عن تحذيرات المتخصصين الأفارقة والدعاية الغربية عن “فخ الديون الصينية” سيتجه العديد من الحكومات نحو الصين، خاصةً تلك التي لا تخضع لمساءلة شعبية.

4- إن النزعة البوتينية تلقى صدًى لدى حكومات إفريقية -والعديد من شعوب غرب إفريقيا- باعتبارها تتقابل مع التطلعات الجديدة للأفارقة المتمثلة في “عدم التدخل الغربي في شؤونهم الداخلية” و”حلول إفريقية للمشاكل الإفريقية” بوصفهم -الأفارقة- يئسوا من إملاءات الغرب ومعاييره المزدوجة. فالبوتينية، تتداخل مع رؤية الأوتوقراطيات الإفريقية من منطلق السيادة والوطنية المطلقة، بمفهوم كارل شميت لجوهر السيادة، بجعل المسطرة والقياس هو مصلحة الدولة بمنظور النظام، لا تعهدات على أساس الأخلاق، وحرية النظام في التصرف دون محاضرات قيمية من قوى أجنبية. وهذه الأفكار هي ما يحاول النظام الروسي صياغتها كأيديولوجية بحدِّ ذاتها؛ تنافس الليبرالية والنفوذ الغربي. فبالنسبة لروسيا الجيوبوليتيك أولًا وأمام كل شيء، وستجد أرضية خصبة مع الحكومات التسلطية. وانطلاقًا مما سبق، خسرت روسيا في الـ10 سنوات الماضية، ثلاث حكومات حليفة، عمر البشير في السودان، وموغابي في زيمبابوي، وجوزيف كابيلا في الكونغو، لصالح الغرب. وكسبت بالمقابل -على حساب فرنسا- إفريقيا الوسطى، وغينيا الاستوائية، والمنافسة محتدمة وراهنة على مالي وإثيوبيا.

5- بما أن السياسات الغربية التي تشترط الحكم الديمقراطي لم تُفْضِ إلى خلق تنمية اقتصادية واجتماعية في أي دولة إفريقية لتُعتبر نموذجًا يجب الاحتذاء به، بل على العكس تعاونت الديمقراطيات الإفريقية الصُورية مع الغرب (فرنسا في مالي، عهدَ الرئيس عمر كوناري) لاستغلال مفرط لمعادن الذهب في البلاد، وتخلَّى الغرب (فرنسا) نفسه عن الديمقراطية في تشاد مقابل خدماتها في “مكافحة الإرهاب” وصفقات بيع الأسلحة؛ فقد سهَّل الغرب على الأوتوقراطيات المتمردة السبيل لوصف الغرب بـ”المنافق المصلحي”. وفي هذا السياق خصوصًا، يجب عدم التهاون بهذا الإدراك المتنامي في الثقافة الشعبية الإفريقية؛ إذ باتت الشعوب الإفريقية تفضِّل الأوتوقراطيات المقاومة لازدواجية الغرب وإن كانت اتجاهات سياساتها في الداخل غير واضحة المعالم. فبنظرهم، البديل الوطني وإن كان غير واضح المعالم، يبقى أفضل من الممارسات الغربية التي تشبه إمبريالية مغلَّفة برداء الديمقراطية. ومن هنا تُسهم روسيا في قلب المعادلة لصالحها، واضعةً نفسها موضع حامي السيادة الوطنية في الساحة الدولية، والداعمة لـ”حلول إفريقية للأزمات الإفريقية”.

خلاصة المحور الخامس

إن مآلات التنافس الدولي على المعادن، اعتمادًا على جميع ما سبق، تتجلَّى في أن قطاع التعدين في إفريقيا بات ظاهرة جيواقتصادية شاملة توضح بشكل ملحوظ التقارب المزعج، والخطير أحيانًا، بين السياسة والاقتصاد في العالم المعولم والمتجه نحو التغيير في نسق نظامه. ومن هنا، يمكن القول: إن التنافس على قطاع التعدين في إفريقيا يعجِّل بتعدد الأقطاب، وربما بما بات يُعرف بـ”الحرب الباردة الثانية”. وباختصار، إن تأملًا نقديًّا في سباق القوى الأجنبية على معادن القارة، يُظهر نقطة التقاء إفريقية وعالمية في آن واحد، كمحاولات الأطراف اللعب على سياسات “منطقة النفوذ التقليدية” بطريقة ضمنية، حال الغرب. أو الشراكات الجديدة من الصين وروسيا التي تغري الدول الإفريقية “المتمردة” بأنها تجمعها “رؤية مشتركة” لما يجب أن يكون عليه النظام العالمي. وجميعها يُوحي بأن مستقبل الصراع على الهيمنة العالمية سيكون في، وعلى إفريقيا. وإن كان ثمة حرب باردة “جديدة”، فإنها حتمًا تجد تبلورها في القارة السمراء، وللمعادن النفيسة والاستراتيجية دورٌ عظيم في تزكيتها.

المحور السادس: بروز دور تركيا في إفريقيا الصاعدة

أصبح التفاعل بين تركيا وإفريقيا متطورا بشكل متبادل خلال العقد الماضي، فالوجود التركي في إفريقيا بات اليوم أكثر وضوحا وأصبح يلفت انتباه الأفارقة بشكل أكبر، وتتقدم تركيا في إفريقيا وفقا لخطط تنفيذ مشتركة قبلتها الأطراف ووقّعتها خلال مؤتمرات قمم الشراكة التركية-الأفريقية.

لا شك في أنّ التغيرات السريعة والعميقة، التي تجري في عدد من بلدان القارة الأفريقية في القرن الحادي والعشرين، أسهمت وتسهم في تغيير شكل ومصير القارة وتوسّع شبكة علاقاتها الخارجية التي تزداد تعقيدا مع دخول أطراف فاعلة جديدة على خطّ العلاقات مع البلدان الأفريقية. فبالإضافة إلى القوى الغربية الحاضرة بقوة في القارة السمراء، نجد أن الصين واليابان والهند وروسيا قد بدأت، أيضا، في السنوات القليلة الماضية تسعى لتأكيد حضورها في القارة الأفريقية. هذا دون أن نُغفل بروز دور قوى إقليمية شرق أوسطية أخرى مثل قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وإيران وإسرائيل في عدد من دول القارة الأفريقية. أما عن الدوافع الكامنة خلف هذا الحراك الدولي الذي تشهده إفريقيا  فتتمثل في السعي إلى خلق منطقة نفوذ لتلك القوى تسمح لها بفرض سيطرتها على مصادر دول إفريقيا  الطبيعية أو أسواقها أو مواقعها الاستراتيجية، وذلك عبر ضخ قروض ذات تكلفة منخفضة أو استثمارات مالية أو تسويق منتجاتها النهائية. وقد أدى كل ما تقدّم إلى تحول إفريقيا  إلى قبلة جديدة لعقد القمم والمنتديات، التي عادة ما تُعتبر من الأدوات الضرورية لتعزيز التفاعل مع إفريقيا .

في هذا السياق، وكما أشار إليه بعض الأكاديميين مثل بيدريغ كارمودي، فإن التّعقيد الجديد الذي تعيشه ارتباطات الدول الأفريقية الخارجية قد تكون صياغته اليوم تجري في إطار مفهوم “التدافع الجديد نحو إفريقيا ” الذي يشبه ما كان من تدافع “استعماري نحو إفريقيا ” ْفي القرن التاسع عشر، أو تشبه “حربا باردة جديدة” كتلك التي كانت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي خلال حقبة الحرب الباردة(1). وسواء أكان ذلك في السياق الاستعماري أم في سياق الحرب الباردة، فإن الواقع المتمثل في جذب إفريقيا  لمختلف القوى الدولية سيظل حقيقة تستدعي الخوض في نقاشات كثيرة.

وعلى غرار البلدان الجارة للقارة، فإن تركيا ليست بعيدة جدا عن نشر نفوذها وإحداث التأثير في إفريقيا . ففي الفترة الماضية، سعت تركيا لتعزيز نفوذها في القارة عبر قيام بعثات تركية بجولات في إفريقيا  وعقد مؤتمرات قمة ومنتديات في عدد من بلدانها. وتتوقع تركيا الاضطلاع بدور أنشط على الساحة الدولية، وترى إمكانيات وفرصا هامة في تعاونها مع إفريقيا . ولذلك، تنهج تركيا سياسة أفريقية مكثّفة منذ عام 2005، وهو ما جعل من الوجود التركي في القارة، خلال القرن الماضي، أكثر وضوحا مما كان عليه في الماضي. وقد استضافت إسطنبول التركية، حتى الآن، ثلاث قمم أفريقية، كان آخرها في الفترة ما بين 16- 18 ديسمبر/كانون الأول 2021.

تبحث هذه الورقة في واقع الوجود التركي في القارة وفي ديناميات التفاعل التركي- الأفريقي.

نهضة إفريقيا  والأطراف الدولية الفاعلة في القارة

إفريقيا  قارة عملاقة تعيش فيها شعوب أفقر دول العالم رغم ما لديها من غنى في الموارد الطبيعية، وهو ما يعكس تناقضا كبيرا. فللقارة مخزونات هائلة من النفط والغاز والمعادن الطبيعية الأخرى مثل الكوبالت والذهب والماس، بالإضافة إلى منتجاتها الزراعية مثل زيت النخيل والكاكاو والشاي والبن والفانيلا، التي تعتبر كلها مواد خام ضرورية للإنتاج الصناعي. وبالتالي، فإن تزايد الطلب على إمدادات المواد الضرورية للصناعة يخلق ضغطاً إضافياً على موارد إفريقيا ، خاصة بعد تكثيف بعض القوى الآسيوية علاقاتها مع إفريقيا  في منتصف عقد التسعينيات من القرن المنصرم.

تتّسم قارة إفريقيا  التي يقطنها أكثر من 1.3 بليون نسمة بدينامية نشطة للغاية، ويتّسع حجم سوقها باطراد وبالتوازي مع الزيادة الديمغرافية المسجّلة فيها وارتفاع القدرة الشرائية لطبقاتها الشعبية متوسطة الدخل. وفي هذا الصدد، ما فتئ التصور المنتقص من قدرات إفريقيا  يتغير بشكل إيجابي أكثر في الفترة الأخيرة على مستوى العالم. يبدو ذلك واضحا في سعي الشركات العالمية لوضع استراتيجيات تسويق جديدة وفقا لأنجع الطرق التي تتناسب مع السوق الأفريقية، بالإضافة إلى ضخّ بعض الشركات العابرة للقارات، مثل غوغل، مزيدا من الاستثمارات في مجال التحوّل الرّقَمي للقارة. وبكل تأكيد، فقد بات يُنظر إلى القارة العملاقة كمركز جديد للتكنولوجيا. ومن هذا المنطلق، فإن دخول السوق وبيع المزيد من المنتجات إلى الأفارقة باتا يعتبران هدفين هامين للشركات العالمية. ومع هذا الجذب للاهتمام المتزايد الذي تتسم به السوق الأفريقية فإنها تجذب، أيضا، مزيدا من الأطراف الفاعلة إلى ساحتها.

وبعد تحقّق كل ما تقدّم تأتي سردية “إفريقيا  الصاعدة” التي تشير إلى تزايد تأثير إفريقيا  على المسرح العالمي على المستوى السياسي والأداء الاقتصادي. وفي حين يرى البعض أن ذلك لا يعدو سوى أن يكون مجرد خرافة، لأن هناك حقيقة تشير إلى أن الملايين من الناس ما زالوا يكافحون للخروج من الفقر ويفتقرون إلى الكهرباء ويضطرون إلى العيش في ظروف سيئة، فإن المتفائلين يرون في مقولة “إفريقيا  الصاعدة” حقيقة نقية تعكس تحول القارة في العديد من الاتجاهات بطريقة إيجابية أكثر.

في الفقرات القادمة سنناقش مدى حقيقة هذه السردية. لكن المؤكد هو أن إفريقيا  باتت تجذب قوى عالمية لا تتوانى في توظيف هذه السردية في صياغة سياساتها الأفريقية.

لا شك في أن تنويع العلاقات الخارجية الأفريقية يخلق تناقضا بين وجهات النظر على نحو ما. فالصين، مثلا، تعتبر مستثمرا عملاقا، لكن ثمرة استثماراتها ذهبت في الاتجاه المعاكس، حيث يُنظر إليها على أنها قوة استعمارية جديدة تستخدم استراتيجية فخّ الديون. وفي هذا السياق، فإن أنغولا وإثيوبيا وكينيا أُرهقت جميعها من ثقل سداد قروضها للصين. فهذه البلدان تواجه تحديات تتمثل في دفع قروضها في شكل إمدادات نفطية، أو عبر التخلي عن موانئ بحرية أو مطارات هامة لصالح المستثمرين الصينيين. ومن ناحية أخرى، فإن البلدان الأفريقية تبدو مستعدة للتغاضي عن السياسات الإسرائيلية غير القانونية ضد المهاجرين والفلسطينيين من أجل جذب المزيد من المستثمرين الإسرائيليين. لكن، وعلى الرغم من وجود مخاطر جسيمة، فإننا نرى الولايات المتحدة والقوى الأوروبية والهند والصين واليابان، فضلاً عن كوريا الجنوبية وتايوان وروسيا والبرازيل وتركيا وإسرائيل وإيران وقطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، قد باتت اليوم تتّبع سياسات أفريقية خاصة لتعزيز وجودها في القارة إما في مجال التجارة والأعمال التجارية أو في الدوائر السياسية والثقافية. وبالتالي، فإن وجود أطراف فاعلة متعددة يخلق بيئة تتعارض فيها وتتصادم، في بعض الأحيان، مصالح القوى الآسيوية مع القوى الغربية والقوى الإقليمية في الشرق الأوسط.

بروز دور تركيا في إفريقيا

إذا كانت نهضة إفريقيا  حقيقة واقعة، فإن بروز دور تركيا فيها أمر لا مراء فيه أيضا، حيث نشهد اليوم تفاعلا ديناميا ومكثفا بين تركيا والبلدان الأفريقية في مجالات التجارة والأعمال والدبلوماسية على الرغم من وجود منافسين آخرين على الساحة. لقد أصبحت تركيا اليوم طرفاً مؤثرا بوضوح في إفريقيا ، ولها مكانة فريدة بحكم ما حققته سياستها الخارجية، متعددة الأبعاد، من سبق على هذا المستوى خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. وما تزال تركيا تسعى إلى زيادة نفوذها في القارة باستخدام كل القنوات الدبلوماسية والتجارية والاستثمارية والتعليمية والصحية والتعاون الأمني والعسكري، إلى جانب توظيفها أدوات القوة الناعمة المتمثلة في الثقافة والتاريخ(2).

أما في الجانب المقابل، فقد أصبح حضور إفريقيا  الآن أكثر وضوحا في تركيا أيضا، حيث وفدت أعداد كبيرة من الأفارقة بين رجال أعمال وطلبة وسياح ومهاجرين على مختلف أرجاء تركيا. كما أصبح حضور الجاليات الصومالية والسودانية والليبية والمصرية والتونسية والجزائرية والسنغالية والنيجيرية في المدن الكبرى في تركيا أكثر وضوحا اليوم. وعلاوة على ذلك، فقد قفز عدد السفارات الأفريقية في أنقرة من 10 سفارات في عام 2008 إلى 37 سفارة في عام 2021.

كل هذه المعطيات والحقائق تدعو لضرورة مقاربة واقع العلاقات التركية-الأفريقية الحالية من زاوية متعدّدة الأبعاد بدلا من المقاربة أحادية النّهج.

يعود التاريخ التركي في القارة الأفريقية إلى القرن السادس عشر عندما دخل العثمانيون القارة لأول مرة عبر شمالها. ثم استمر التوسع العثماني يمتد عبر شواطئ البحر الأحمر ومرورا بالبحر الأبيض المتوسط وصولا إلى الأراضي الواقعة في اتجاه منطقة الساحل الأفريقي. وقد ظل العثمانيون في إفريقيا  قوة حاكمة لأربعة قرون، وأسسوا خمس إدارات منفصلة تركزت في الجزائر وتونس وليبيا ومصر وإريتريا. غير أن القوات العثمانية انسحبت من القارة بعد ذلك تاركة معاقلها الإدارية للقوى الاستعمارية الأوروبية. ورغم أن الإرث التاريخي العثماني في القارة الأفريقية ما يزال غنياً جدا، إلا أنه ما يزال أيضا غير مستكشف من قِبَل الأكاديميين، حيث كانت بوصلة تركيا، في العهد الجمهوري، موجّهة عادة إلى الغرب.

وإذا ما استثنينا هذه الفترة العثمانية الطويلة، فإن علاقة تركيا الحديثة مع إفريقيا  بدأت في العام 2005 مع إعلان أنقرة عام 2005 “سنة إفريقيا “، ومن ثمّ اعتمد صانع القرار التركي خطة سياسة ملموسة جديدة عنوانها “الانفتاح على إفريقيا “. ومنذ ذلك التاريخ انطلق المشروع الدبلوماسي التركي في القارة الإفريقية. ووفقا لوزارة الخارجية التركية، فإن العلاقات مع إفريقيا  تقع ضمن الأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية التركية، وأن فتح ممثليات دبلوماسية جديدة من شأنه تعزيز علاقات تركيا بالقارة. واليوم لدى تركيا 43 سفارة تنشط في جميع أنحاء القارة بعد أن كان عددها، قبل عقدين، لا يتجاوز 12 سفارة. وبذلك باتت تركيا تحتل المركز الرابع من بين الدول الأكثر تمثيلاً في القارة الأفريقية بعد الولايات المتحدة والصين وفرنسا.

وفي سياق تعزيز العلاقات التركية-الأفريقية، مُنحت تركيا عضوية الاتحاد الأفريقي عام 2005 بصفة عضو مراقب، ثم سريعا ما أصبحت شريكاً استراتيجياً للاتحاد الأفريقي عام 2008 قبل عقدها أول قمة للشراكة التركية-الأفريقية في إسطنبول في نفس العام. وقد كانت أهم شعارات مؤتمر قمة إسطنبول هي “المستقبل المشترك” و “التعاون” و “التضامن” بين الأطراف المشاركة فيه(3). وبالإضافة إلى ذلك، اتفقت تركيا وشركائها الأفارقة على تنفيذ برنامج عمل ملموس مؤسّس على المساواة والاحترام المتبادل والمنافع المتبادلة. وعُقد مؤتمر قمة الشراكة التركية-الأفريقية الثانية في مالابو عاصمة غينيا الاستوائية في عام 2014، وذلك وفقا لآلية المتابعة الواردة في إعلان إسطنبول، التي حددت عقد مؤتمرات القمة المستقبلية مرة كل 5 سنوات بينما تُعقد مؤتمرات المتابعة الوزارية مرة كل ثلاث سنوات. وقد صادق المشاركون في مؤتمر مالابو على خطة التنفيذ المشتركة للفترة ما بين 2015-2019.

لا تقتصر سياسة تركيا في إفريقيا  على مؤتمرات القمة الدورية، بل تلعب الزيارات الرسمية التركية إلى البلدان الأفريقية دورا هاما في تطوير التعاون التركي-الأفريقي أيضا. وفي هذا الصدد، كان الرئيس التركي أردوغان حريصا على تأدية زيارات منتظمة للقارة حيث زار، في السنوات الخمس عشرة الماضية، ثلاثين دولة أفريقية مختلفة، بينها زيارتان للصومال الذي مزقته الحرب، ويعتبر هذا العدد من الزيارات للقارة الأفريقية هو الأعلى لزعيم غير أفريقي(4). وبعد عامين من الغياب بسبب تفشي وباء كورونا، عاد الرئيس أردوغان مجددا، في أكتوبر/تشرين الأول 2021، إلى القارة الأفريقية في جولة بدأها من أنغولا ثم توغو فنيجيريا-عملاق إفريقيا .

هذا ويحظى التعاون الاقتصادي والعلاقات التجارية مع قارة إفريقيا  بمكانة أولوية في أجندة تركيا. ولتطوير تلك العلاقات تنظم تركيا بصفة دورية “منتديات اقتصادية وأعمال تجارية تركية-أفريقية” بالشراكة مع الاتحاد الأفريقي من أجل تنظيم وتطوير العلاقات التجارية بين تركيا والقارة الأفريقية. وقد شهدت إسطنبول في العام 2016 انعقاد المنتدى الأول، الذي جمع وزراء التجارة والاقتصاد من 42 بلدا إفريقيا  وأكثر من ألفي رجل أعمال، وعُقد المنتدى الثاني في العام 2018 تحت عنوان “معا من أجل الاستثمار في مستقبل مستدام”.

أما على الصعيد الإقليمي، ومن أجل تعميق العلاقات الاقتصادية والتجارية بين تركيا وبلدان غرب إفريقيا ، فقد قررت تركيا، في العام نفسه، إطلاق تنظيم “منتدى الأعمال التجارية والاقتصادية بين تركيا والجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “(5) أو المنتدى المعروف تحت مسمى: “Turkey-ECOWAS Business and Economic Forum” وقد عُقد آخر منتدى اقتصادي وتجاري في إسطنبول في تشرين الأول/أكتوبر 2021.

لدى (مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي DEIK) 45 مجلس أعمال موزّعة في البلدان الأفريقية تهدف إلى تعزيز التجارة الثنائية والاستثمار المتبادل. وقد ارتفع حجم التجارة الإجمالي مع إفريقيا  من 3 بلايين دولار في عام 2003 إلى 26 بليون دولار في عام 2021. أما الاستثمار الأجنبي التركي المباشر(FDI) في إفريقيا  فبات يقترب من 10 مليارات دولار. كما تقوم الشركات التركية الخاصة أيضا برصد ما قد يتاح لها من فرص للاستثمار والأعمال التجارية في إفريقيا . وعلى سبيل المثال، فإن شركة الخطوط الجوية التركية، التي تحمل علم تركيا، تسيّر اليوم رحلاتها إلى61 وجهة تشمل 40 دولة أفريقية.

ثمة أيضا مجال آخر للتعاون التركي-الأفريقي وهو مجال الطاقة الذي يبشّر بمزيد من التطوّر، حيث تستورد تركيا النفط والغاز الطبيعي المسال من الأسواق الأفريقية. وتمثل الجزائر رابع أكبر مصدر للغاز إلى تركيا، في حين يشكل الاستيراد التركي من الغاز الطبيعي النيجيري 90% من حجم التجارة الثنائية بين نيجيريا وتركيا(6). وفي عام 2017، دعت دولة تشاد، الغنية بالنفط والمعادن، الشركات التركية لاستخراج النفط التشادي. كما دعا الصومال، بدوره، تركيا لاستكشاف النفط في بحار البلاد. وبالإضافة إلى كل ذلك، وقّعت تركيا صفقة بحرية مع حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها كانت ثمرتها إنشاء منطقة اقتصادية خالصة تمتدّ من الساحل الشمالي الشرقي لليبيا لتصل إلى الساحل الجنوبي الشرقي لتركيا، إلى جانب اتفاقات لاستكشاف النفط.

على مستوى آخر، تعتبر تركيا قطاع الزراعة قطاعا استراتيجيا لتحسين علاقاتها مع البلدان الأفريقية. وفي هذا الصدد، نظمت تركيا سنة 2017، في مدينة أنطاليا، لأول مرة “ملتقى وزراء الزراعة في تركيا وإفريقيا  ومنتدى الأعمال التجارية الزراعية”، وأبرمت أنقرة صفقات مع ستّة بلدان أفريقية في مجال الزراعة وصيد الأسماك وتربية الماشية. وقد شارك في هذا الحدث، الذي ناقشت خلاله الأطراف المعنية مسائل الأمن الغذائي والتغذية والتمويل وفرص الائتمان والصناعة الزراعية والتطورات بهدف تحسين التعاون بين تركيا وإفريقيا ، 40 وزيرا للزراعة من 54 بلدا إفريقيا  إلى جانب منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) ومفوضية الاتحاد الأفريقي(7). ويوفّر هذا المشروع التنفيذي المشترك لمكاتب الوكالة التركية للتعاون والتنسيق “تيكا”(TIKA) ، التابعة لوكالة التنمية الرسمية التركية في إفريقيا ، الأدوات الزراعية والبذور والأسمدة ومبيدات الحشرات للمزارعين المحليين من أجل تحسين قدراتهم الزراعية.

من جهة أخرى، تعتبر المعونات المقدمة من أجل التنمية والشؤون الإنسانية، أيضا، إحدى الدعامات الأساسية للوجود التركي في القارة نظرا للفجوة الإنمائية الكبيرة القائمة بين إفريقيا  وبقية العالم. فعلى سبيل المثال، لا يزال الوصول إلى المياه النظيفة والكهرباء حلما بعيد المنال بالنسبة لملايين الأفارقة في القارة. وفي هذا الصدد، تولي تركيا اهتماما خاصا للمشاريع الإنمائية في القارة. ولدى الوكالة التركية للتعاون والتنسيق “تيكا” مكاتب تنسيق في 22 دولة أفريقية، كما تنشط منظمات المجتمع المدني التركية غير الحكومية في مجال تقديم المساعدات التنموية والإنسانية في إفريقيا ، حيث تموّل مشاريع بناء المدارس والكتاتيب القرآنية والمستشفيات والعيادات الطبية مختلفة الأحجام.

وفي إطار دعم تركيا للمشاريع الإنمائية، فإن حالة الصومال يمكن أن تقدّم مثالا جيدا للدراسة. فعلى الرغم من الصراعات الداخلية والمجاعة القاتلة المنتشرة في البلاد، كان التدخل التركي في الصومال، في عام 2011، بدوافع إنسانية؛ ومنذ ذلك الحين، نفّذت تركيا عددا كبيرا من المشاريع الإنمائية في الصومال. وعلى سبيل المثال فإن تركيا تمتلك أكبر مركز للتدريب العسكري وأكبر مجمع للسفارات في العاصمة الصومالية، مقديشيو، التي دمّرتها الحرب. كما تتولى الشركات التركية إدارة الميناء البحري الرئيسي والمطار الأكبر في مقديشو، والذين يدرّان 80% من إجمالي عائدات الحكومة الصومالية(8). وعلى مستوى آخر، أسهمت تركيا بمبلغ 2.4 مليون دولار لتخفيف ديون الصومال لدى صندوق النقد الدولي. أما عسكريا، فإنّ القوات المسلحة التركية تقدّم للقوات الوطنية الصومالية تدريبات مختلفة في مقديشو وفي تركيا، على حد سواء. وفي المجال الصحي، تدير وزارتا الصحة التركية ووزارة الصحة الصومالية معاً أكبر مجمع للمستشفيات في القرن الأفريقي أطلق عليه اسم مستشفى أردوغان للتدريب والبحث.

وبمناسبة دبلوماسية الصحّة التركية في القارة الأفريقية فإنها لا تقتصر فقط على الصومال، فوزارتا الصحة التركية ونظيرتها السودانية تديران معا مجمعا إقليميا للمستشفيات في منطقة دارفور السودانية، وهو المجمّع الاستشفائي الذي شيّدته أيضا الوكالة التركية للتعاون والتنسيق “تيكا”. وفي هذا الإطار أيضا، يمكن ضرب أمثلة أخرى على الدعم التركي لقطاع الصحة في القارة الأفريقية ومن بينها مستشفى معيتيقة العسكري في العاصمة الليبية طرابلس الذي تديره القوات المسلحة التركية(9).

بات قطاع التعليم عنصرا هاما في دعم تركيا لتطوير قدرات الشباب في إفريقيا  وتنمية مهاراتهم. فالدولة التركية تدير، من خلال مؤسسة معاريف، 175 مدرسة في مختلف مدن 26 بلدا في القارة، كما أتاحت تركيا، في السنوات الأخيرة، عددا أكبر من فرص المنح الدراسية للطلبة الأفارقة ووفّرت لهم تعليما عاليا مجانيا في مراحل الماجستير والدكتوراه. ووفقًا لمصادر متاحة للعموم، حصل حوالي 15,000 طالب أفريقي على منحة دراسية كاملة من الدولة التركية منذ عام 1992، مع ملاحظة أن أغلب تلك المنح كانت في السنوات الأخيرة. وكبديل عن وجهات التعليم العالي الأوروبية فإن طلبة البلدان الأفريقية يفضلون الجامعات التركية. وبحسب بيانات الرئاسة للأتراك في الخارج والمجتمعات ذات الصلة، فقد استفاد 5.259 طالب من البلدان الأفريقية من برنامج المنح الدراسية التركية خلال الفترة ما بين 2010-2019، في حين حصل 1.147 طالب أفريقي على منح دراسية في العام 2019 وحده. وفضلاً عن ذلك، يمتلك معهد يونس إمري في تركيا عشرة مراكز ثقافية في القارة تنظم دورات تدريبية في مجال اللغة وبرامج التبادل الثقافي.

أما على مستوى الإعلام، فقد أسست تركيا مكتباً قاريا لوكالة الأناضول للأنباء في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. جاءت هذه الخطوة كمحاولة لتجاوز ارتهان وسائل الإعلام التركية واعتمادها الكامل، فيما تستورده من الأخبار والصور القادمة من إفريقيا ، على ما تحصل عليه من مختلف قنوات وسائل الإعلام الغربية مثل بي بي سي، وسي إن إن، وقناة فرنسا 24، ووكالة الأنباء الفرنسية، ورويترز. وقد أثمر هذا التوجه نتائج جيدة، حيث أصبحت شركات صناعة الإعلام التركية موجودة في أديس أبابا وداكار ونيروبي وجوهانسبرغ وكيب تاون والخرطوم وأبوجا، وتقدّم محتوى إعلاميا متميزا. وبالإضافة إلى ذلك، تنظم وكالة الأناضول للأنباء برامج تدريبية للصحفيين الأفارقة تجمع بين الممارسة والمحاضرات النظرية في مجال الصحافة ووسائط الإعلام الرقمية.

على مستوى آخر، بلغت مغامرة تركيا في القارة الأفريقية إلى حدّ ولوج مجال التعاون الأمني والعسكري أيضا. وفي هذا الإطار، فإن القوات المسلحة التركية تنفّذ برامج تدريبية للقوات المسلحة الوطنية في كل من ليبيا والصومال؛ هذا في حين انضمت القوات التركية إلى بعثات حفظ السلام في جمهورية إفريقيا  الوسطى ومالي. أما عن الإنجازات الكبيرة التي حققتها تركيا على مستوى حفظ السلام والأمن، فيمكن سوق مثال بناء تركيا مركزا للتدريب العسكري، تحت مسمى TURKSOM، في العاصمة الصومالية مقديشو بتكلفة بلغت 50 مليون دولار أميركي، ويقدم المركز التدريبي التركي تدريبات للجيش الوطني الصومالي ولعناصر بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال لمساعدتهم على تطوير مهاراتهم القتالية في مواجهة تنظيم الشباب. ووفقا لسفير تركيا لدى مقديشو، فقد تم حتى الآن تدريب أكثر من 15,000 من القوات العسكرية الصومالية على يد عسكريين أتراك منذ أن بدأ المركز نشاطه في العام 2017. وعلاوة على ذلك، تقدم تركيا، أيضا، تدريباً خاصاً لبعض وحدات الجيش الصومالي في مدينة إسبرطة التركية(10). وفي العام 2018، أعلنت تركيا دعمها لقوة الساحل G-5 التي تتألف من خمس دول تكافح الإرهاب والاتجار بالبشر في منطقة الساحل بمبلغ 5 ملايين دولار. وفي وقت لاحق، وقعت قوة الساحل G5 مع تركيا صفقة دفاعية خلال معرض الدفاع الدولي التركي الذي أقيم في إسطنبول(11).

واصلت تركيا تقديم الدعم لإفريقيا ، خلال انتشار وباء كورونا، حيث أقامت جسرا جويا وسيّرت عددا كبيرا من الرحلات الجوية حملت مواد طبية إلى مختلف بلدان القارة. وخلال انتشار وباء كورونا، قدّمت تركيا معونات صحية طارئة لعدد من الدول الأفريقية من بينها جنوب إفريقيا  والصومال والسودان وأوغندا وموزامبيق وبوتسوانا ورواندا وناميبيا ومملكة إسواتيني (سوازيلاند سابقا) وزامبيا وأنغولا وجنوب السودان. وفي هذا الصدد، أرسلت تركيا جوا شحنات تحمل أقنعة وأجهزة أوكسيجين، وغيرها من المواد الطبية اللازمة، لمساعدة دول أفريقية عديدة في مكافحة فيروس كورونا. وفيما يتعلق بإنتاج الأقنعة الطبية الواقية على المستوى المحلي، فقد أرسلت وكالة المعونة التركية، التي تديرها الدولة، آلات خياطة وأقمشة إلى موزمبيق ومملكة إسواتيني لتصنيع الأقنعة(12). وعلى الرغم من القيود المفروضة على تنقل الأفراد والإغلاقات بسبب الوباء، إلا أن منظمات تركية غير حكومية تمكنت من تقديم معونات للبلدان الأفريقية لمساعدتها على مواجهة الوباء.

 بالعودة إلى العقدين الماضيين، يبدو أن السياسة الخارجية الجديدة التي تنتهجها تركيا في إفريقيا  يمكن تقسيمها إلى مرحلتين رئيسيتين: ففي المرحلة الأولى التي بدأت في عام 2005، نفذت تركيا سياسات مبادرة نحو إفريقيا  للتعريف بنفسها داخل القارة. أما المرحلة الثانية، التي تلت عام 2014، فقد شهدت سعي تركيا إلى تعزيز مؤسساتها وشراكاتها في إفريقيا  من خلال اعتماد سياسات الشراكة التركية-الأفريقية(13). وها هي تركيا اليوم تستضيف قمة الشراكة التركية-الأفريقية الثالثة، التي ينتظر منها وضع أسس مستقبل تركيا في القارة من الآن فصاعدا.

وبوصفها شريكا استراتيجيا للاتحاد الأفريقي منذ العام 2008، فإن نهج تركيا تجاه إفريقيا  يتشكل عادة عبر الإعلانات المتبادلة الواردة في قمتي الشراكة التركية-الأفريقية وتمّ قبولها من الجانبين التركي والأفريقي. وهكذا، تتقدم تركيا في إفريقيا  وفقا لخطط تنفيذ مشتركة قبلتها الأطراف ووقّعتها خلال مؤتمرات قمم الشراكة التركية-الأفريقية. ومن المؤكد وجود ترابط قوي بين ما تنفذه تركيا فعليا على الأرض وبين ما تؤطره إعلانات مؤتمرات قمم الشراكة من إسهامات تركيا في القارة السمراء.

لا مراء في حقيقة أن تركيا لم تُظهر، طيلة العهد الجمهوري، أداء جيدا في القارة الأفريقية إلا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، الذي تولى السلطة عام 2002. ومع ذلك، فلا مجال لتأكيد أن نهج تركيا تجاه إفريقيا  ناجح تماما وأنه يمضي قدما دون أيّ عقبات، فهناك تحديات كبيرة أمام سياسة تركيا في إفريقيا  تطرحها قضايا محلية وأخرى دولية. فمن ناحية أولى، يلعب الاستقرار السياسي والاقتصادي الداخلي لتركيا دوراً حاسماً في استمرار انخراط تركيا في إفريقيا ، لأن التنمية والمعونة الإنسانية لا تزالان تمثلان أقوى مجالين لتركيا في القارة. ومن جهة ثانية، نجد أن قوى مثل فرنسا وروسيا والصين والإمارات العربية المتحدة تتحدى الوجود التركي القوي في إفريقيا  بسبب مخاوفها الاستراتيجية.

لكن، ومع وجود جملة من التحديات، فإن المؤشر الرئيسي لسياسة تركيا في إفريقيا  هو التفاعل بين تركيا وإفريقيا  الذي ما فتئ يتطور بين الطرفين بشكل متبادل خلال العقد الماضي. فالوجود التركي في إفريقيا  بات اليوم أكثر وضوحا وأصبح يلفت انتباه الأفارقة بشكل أكبر. فعلى سبيل المثال، فتحت 37 دولة أفريقية سفاراتها في أنقرة، ونجد اليوم آلاف الطلاب الأفارقة يدرسون في تركيا. وبالنسبة للعمل والتعليم والتجارة والاستثمار أو السياحة، فإن الأفارقة باتوا يفضلون الآن تركيا كوجهة جذب جديدة. كما نلحظ تزايدا في أعداد الجاليات الصومالية والسودانية والمصرية والتونسية والسنغالية وحتى النيجيرية يوما بعد يوم داخل تركيا. وإذا ما تحدثنا عن صعود تركيا في إفريقيا ، فمن الحقائق أيضا أن نؤكد أيضا على صعود إفريقيا  في تركيا.

المحور السابع الصين وإفريقيا: الشراكات غير المقيدة

طورت الصين علاقاتها بإفريقيا وملأت الفراغ الذي خلَّفه تراجع النفوذ الغربي، وبالنظر إلى حجم المخاوف الغربية من هذه الوضعية يتجه المنظِّرون الغربيون إلى تبني خطاب يحث صانعي السياسات بالغرب على أن يعوا أنَّ الفراغات التي خلفها انسحابهم من إفريقيا ستملؤه الصين بسعيها لتطوير علاقات بإفريقيا.

بالمقارنة مع ممارساتها الماضية، تتخذ الدبلوماسية الصينية بالفعل وجهًا جديدًا؛ حيث كانت الصين تركز قبل الثمانينات على صون الأمن القومي. ومع الثمانينات وحتى أوائل القرن الحالي صار التركيز على إيجاد بيئة ممتازة للنمو الاقتصادي. والآن أصبحت الصين تركز على أن تكون لها حصة أكثر فعالية في الشؤون الدولية، وعلى الذي يجب أن تلعبه أية قوة مسؤولة على أساس خدمة المصالح الأمنية والمزاوجة بينها وبين تلك المتعلقة بالنمو. بل إن لعب دور القوة المسؤولة، يستوجب الاستفادة من الآليات متعددة الأطراف والبدء بدبلوماسية متعددة الأطراف(1).

تعتمد الصين في توطيد شبكة علاقاتها الدولية الإقليمية على حزمة “أخلاقية/اقتصادية/سياسية” تشكِّل في مجموعها “القوة الناعمة”. إن القوة الناعمة (soft power) هي ما يجعل الصين تدخل في شراكات غير مقيدة بأجندة زمنية محددة، لكنها في المنظور الاستراتيجي تحقق درجة عالية من الفعالية والنجاعة في تحقيق أهدافها.

إبَّان العقود الثلاث الأخيرة، تمكنت الصين من تدعيم التقارب مع الدول الإفريقية، واعتمدت على ما يطلق عليه “الدبلوماسية الناعمة” وهي أعمق أنواع الدبلوماسية تأثيرًا في العالم، واستفادت من الإخفاقات الغربية في إفريقيا، فتبنَّت أدوات تبتعد عن القوة الصلبة (القوة المسلحة)، مثل الثقافة والقيم السياسية والعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية التي يمكنها صناعة قوة عظمى كبيرة.

خلال الثورة الثقافية (1966-1976)، وتحت التأثير من الأيديولوجية الثورية الراديكالية، قدمت الصين مساعدات كثيرة لإفريقيا، وشملت المساعدات إنشاء خطة السكك الحديد بين تنزانيا وزامبيا حيث قدمت الصين قرضًا بـ 988 مليون يوان بفائدة صفر. وأسهمت مشاريع المساعدات الخارجية في إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مجموعة من الدول الإفريقية والصين، فقد أقامت 19 بلدًا إفريقية علاقات دبلوماسية مع الصين خلال الثورة الثقافية، شملت غينيا الاستوائية (1970)، وإثيوبيا (1970)، ونيجيريا (1971)، والكاميرون (1971)، وسيراليون (1971)، ورواندا (1971)، والسنغال (1971)، وموريشيوس (1972)، وتوجو (1972)، ومدغشقر (1972)، وتشاد (1972)، وغينيا بيساو (1974)، والجابون (1974)، والنيجر (1974)، وبتسوانا (1975)، وموزمبيق (1975)، وجزر القمر (1975) والرأس الأخضر (1976)، وسيشل (1976). وبحلول منتصف الثمانينات، أسهمت الجهود السياسية والمساعدات لبكين في إقامة روابط دبلوماسية مع 44 دولة إفريقية(2).

ونحاول في هذه الورقة الوقوف على آليات التعاطي الصيني مع القارة الإفريقية ضمن صناعة تطويع الجغرافيا السياسية والأمنية للرؤية الاقتصادية الصينية، وفق مقاربة القوة الناعمة.

أولًا: القوة الناعمة كمدخل للعلاقة والتوسع والشراكات المتعددة

عرَّف جوزيف ناي القوة الناعمة بأنها القدرة على الجذب، لا عن طريق الإرغام والقهر والتهديد العسكري والضغط الاقتصادي، ولا عن طريق دفع الرشاوى وتقديم الأموال لشراء التأييد والموالاة، بل عن طريق الجاذبية وجعل الآخرين يريدون ما تريد، وأن القوة أكثر من مجرد الإقناع أو القدرة على الاستمالة بالحجة، ولو أن ذلك جزء منها، بل إن القدرة على الجذب كثيرًا ما تؤدي إلى الإذعان. وكذلك هي القدرة على تشكيل تصورات الآخرين وترجيحاتهم وخياراتهم وجداول أعمالهم، عبر التماهي مه الآخرين مثلًا أن جدول أعمالهم السياسي بعيد عن الواقع(3).

إن القوة الناعمة هي قوة التعاون الطوعي (cooperative power)، أي القدرة على تشكيل ما يريده الآخرون، والتأثير عليهم نحو تحقيق أغراض الفاعل وأهدافه، دون حدوث أي تهديد صريح أو مبادلة أو تقديم إثابة.

ولذلك، فإن تجربة الصين في الالتحاق الناجح بركب التنمية في حال استمرارها، سوف تصبح نقطة تحول بالنسبة للاقتصاد العالمي، ليس فقط بسبب حجم الصين كمنطقة أو تعداد سكانها، وإنما لكونها السابقة الأولى في التاريخ، التي يستند فيها نموذج ناجح في التنمية الاقتصادية على نطاق واسع إلى نموذج اقتصادي متأصل، ليس ذا طابع غربي. وفق هذه الرؤية، تبنى الصين تحالفاتها الاستراتيجية.

لقد حدَّد فيرتشن ثلاثة جوانب من خطة الصين الاقتصادية يمكن أن تشكِّل أمثلة للبلدان النامية عمومًا وإفريقيا على وجه التحديد(4):

  1. الالتزام بالتنمية هدفًا وطنيًّا.
  2. التأكيد على تطوير البنية التحتية.
  3. التجريب والمرونة في السياسات السياسية.

اتبعت الصين مقاربة الشراكة في علاقاتها بطريقة فاقت غيرها من الدول الكبرى، فلها 50 شراكة، ويعود ذلك إلى جملة أسباب، منها:

  1. انخرطت الصين في العولمة في مرحلة متأخرة وكان عليها أن تنغمس فيها في مجالات عديدة ومع أطراف كثيرة في العالم.
  2. الشراكة بوابة تتلاءم مع البيئة الدولية لما بعد الحرب الباردة، بحيث أصبح التعاون والتنافس أدوات إدارة السياسة الدولية.
  3. يعتمد نهوض الصين السلمي على تهيئة بيئة مستقرة وسلمية للمدى البعيد، والشراكة هي الاستراتيجية الأفضل لبلوغ هذا الهدف.
  4. تعرض الصين نفسها بأن شراكتها جيواقتصادية، ولن يترتب عليها مقدمات إقامة تحالفات ضد أي طرف.
  5. أظهرت الصين توجهًا ملحوظًا في سياساتها وتصريحاتها بأن النظام الدولي القائم لا يستجيب إلى التطورات الجذرية التي وقعت في السياسة الدولية بعد نهاية الحرب الباردة. ومن خلال مقارنة الشراكة الاستراتيجية بوصفها قوة ناعمة صينية سيكون في وسع الصين حشد التأييد وإشاعة ممارسة السياسة الدولية في إطار الشراكات الاستراتيجية السلمية عوضًا عن الأحلاف والتكتلات العسكرية الأمنية بل بتكتلات اقتصادية ينتفع منها جميع الأطراف.
  6. لم يكن نهوض الصين بالتنمية السلمية دون معوقات استراتيجية، كحاجتها إلى الموارد بخاصة الطاقة والتقنية الحديثة والسوق والاستثمارات، ولكي تتغلب عليها أخذت بمقاربة القوة الناعمة بصيغة الشراكة؛ فكانت مع القوى الاقتصادية الكبرى أول الأمر ثم توسعت إلى الدول النامية.
  7. أكد القادة والباحثون الصينيون أن الصين ينبغي أن ترقى إلى منزلة القوة الكبرى في هيكل توزيع القوة عالميًّا وأن ما حققته من تقدم في التنمية يؤهلها لاعتلاء هذه المنزلة، ولتحقيق ذلك تعمد الصين إلى خيار القوة الناعمة في سياق الشراكات(5).

للقارة الإفريقية أهمية كبيرة في المدرك الصيني في السياسة الناعمة واستراتيجية الشراكة؛ إذ تطل القارة الإفريقية على مواقع حاكمة تتمثل في مضيق جبل طارق، وقناة السويس، ورأس الرجاء الصالح، بالإضافة إلى الجزر المحيطة بالقارة والمطلة على المحيط الأطلنطي والهندي. وقد اكتسب الجزء الشمالي والشمالي الشرقي للقارة أهمية في سيطرته على حركة المواصلات العالمية المدنية والعسكرية بين قارات آسيا وأوروبا وإفريقيا، كما اكتسب في المقابل الجزء الغربي والجنوب الغربي أهمية في اتصاله بحركة الملاحة القادمة من القارة الأميركية والشرق الأقصى؛ مما يشكِّل عامل جذب لكل القوى الدولية الاقتصادية والعسكرية العظمى وتتنافس على إفريقيا(6).

تستقبل الدول الإفريقية الاستثمار الصيني بالترحيب، نظرًا لجاذبية النموذج التنموي الصيني، ولكون الصين حققت نجاحات كبيرة وسريعة ترغب الدول النامية في نسخ تجربتها. وتمتلك الصين مخزونًا نقديًّا ضخمًا يناهز 3 تريليونات دولار (3000 مليار دولار) هذه الموارد المالية الهائلة موجهة في جزء كبير منها للاستثمارات الصينية في الخارج والتي تمتد في جميع المجالات طولًا وعرضًا في الطاقة والزراعة والتعدين والبناء وقطاعي: التجارة والخدمات ومعالجة منتجات الموارد والتصنيع والدعم اللوجستي التجاري، ويشرف على تلك العملية (بنك الاستيراد والتصدير) هذه المؤسسة المصرفية التابعة للدولة والتي تلعب دورًا أساسيًّا في إعطاء القروض للحكومات الإفريقية وهي التي تقترح منح هذه القروض من خلال شروط تفضيلية. وبالموازاة مع ذلك، يجري التفاوض على عقود أشغال عمومية حيث تتبوأ الطاقة والمعادن رأس الأولويات الاقتصادية الصينية لذلك تعتمد الصين في توسعها في مفاصل الاقتصاد في إفريقيا على عدة شركات مملوكة للدولة، ففي مجال الموارد الأولية والطاقة هناك شركة الصين للطاقة من خلال استغلال الحقول البترولية في إفريقيا بشروط ملائمة لضمان تدفقه إلى محركات الاقتصاد الصيني النشطة(7).

وقد قامت الصين بتشجيع الصادرات الإفريقية إلى السوق الصينية وللتصدير إلى مناطق أخرى في العالم عبر إنشاء معرض دائم للسلع الإفريقية بمدينة “ييوو” بمقاطعة موك؛ حيث يقيم فيها أكثر من 1000 إفريقي بشكل دائم، وذلك بهدف تشجيع تسويق المنتجات الإفريقية ومساعدة الشركات الإفريقية والتجار للاستفادة من السوق الصينية، وتعزيز تجارة الترانزيت ورفع سمعة المنتجات الإفريقية في الصين(8).

ومنذ 2020، تجاوز حجم الاستشارات الصينية في إفريقيا أزيد من 2% من حجم الاستشارات الأميركية، وكانت عدد الشركات الصينية الناشطة في لإفريقيا 200 شركة لكن هذه الأرقام تعاظمت في 2020 إذ تجاوز عدد الشركات الصينية ما يقارب 10.000 مؤسسة(9).

ثانيًا: إفريقيا والصين: البعد الاقتصادي والأمني في العلاقة

يتمثل أحد أهم أهداف استراتيجية الصين الإفريقية في تشكيل أغلبية مناصرة للصين في هيئة الأمم المتحدة، بهدف سد الطريق أمام القرارات المناهضة للصين التي يقدمها الغرب، وبخاصة تلك القرارات التي تخص مجال حقوق الإنسان. وقد عملت الصين على استغلال بعض القضايا الإفريقية لتعزيز وجودها على المسرح الدولي واستغلت الفراغ الدولي الذي بدأت تعيشه القارة الإفريقية بعد تراجع النفوذ الفرنسي من جهة وانهيار القطبية الثنائية من جهة ثانية لتطرح نفسها بديلًا عن الغرب بوصفها قوة يمكن لها أن تمثل حامية للدول الإفريقية وهي في الوقت عينه لا تتدخل في القضايا التي لها علاقة بالديمقراطية إلا أن تلك السياسة ليست من دون مقابل، فالصين كانت تطلب دعم الأفارقة لسياستها الخارجية ولمطالبها في تحديد المناطق الاقتصادية البحرية في بحر الصين الجنوبي.

ويبقي البعد الأممي العامل الأكثر جوهرية في علاقات الصين الإفريقية إذ لا يتعلق الأمر فقط بعدد الأفارقة في المنظمة بل بالفاعلية التي تتمتع بها الدول الإفريقية؛ فمع بداية القرن الحالي، مثَّلت قضية التصويت على قضايا حقوق الإنسان في الهيئة الدولية -بخاصة القرارات التي كانت تقدمها القوى الغربية ضد الصين- أهم القضايا التي تشغل بال الإدارة الصينية. ولم تقتصر الفاعلية الأممية لإفريقيا على هذا الموضوع بل ظهرت حقائق جديدة أكدت أهمية التصويت الإفريقي: كقضية إصلاح الأمم المتحدة وإمكانية دخول اليابان إلى مجلس الأمن الدولي. وبذلك، تكون القارة الإفريقية قد شهدت معركة دبلوماسية حقيقية بين بكين وطوكيو.

وقد أكد أحد المسؤولين الأميركيين أهمية الدور الإفريقي في دعم السياسة الصينية الأممية؛ ففي وثيقة نشرها موقع ويكيليكس عن مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الإفريقية، جوني كارسون، أثناء لقاء جمعه بممثلين لشركات نفط في لاغوس العاصمة النيجيرية، قوله: إن أحد الأسباب وراء الوجود الصيني على الساحة الإفريقية هو ضمان أصوات الدول الإفريقية في الأمم المتحدة.

يقر تسانغ باو تسنغ، الباحث في معهد غرب آسيا وإفريقيا في أكاديمية العلوم الاجتماعية في بكين، بالدور الايجابي للدول الإفريقية في تعطيل كل المشاريع الغربية المقدمة للأمم المتحدة والتي تتعلق بأوضاع حقوق الإنسان في الصين؛ بحيث يقول: مند تسعينات القرن الماضي قدمت بعض الدول الغربية ما يسمى وضع حقوق الإنسان في الصين على مدى سبع سنوات متتالية للأمم المتحدة لتتدخل في شؤون الصين الداخلية بذريعة مشكلة حقوق الإنسان ولم تتحقق إجازة المشروع في أي مرة ويعود الفضل في ذلك إلى دعم الدول النامية ومنها الدول الإفريقية.

أصدر المعهد الكندي للدفاع والشؤون الخارجية، في يونيو/حزيران 2021، تقريرًا يحمل عنوان “السلوك الاستراتيجي للصين”، كتبته الباحثة في المركز “إيلينور سلون، وهي أستاذة مشاركة في العلاقات الدولية بقسم العلوم السياسية بجامعة كارلتون؛ إذ يقع التقرير في صلب اختصاص الباحثة، التي تتركز اهتماماتها وأبحاثها العديدة في مجالات السياسة الدفاعية والقدرات العسكرية الأميركية والكندية بالإضافة إلى الأمن القومي، والدفاع الصاروخي الباليستي، والناتو، وعمليات حفظ السلام.

وتكمن أهمية التقرير في أنه يستعرض السلوك الصيني من خلال التركيز على الرؤية الاستراتيجية الواسعة، كما أنه يحدد العناصر التي يقوم عليها هذا السلوك أو يتأثر بها، من خلال تناول الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية المكوِّنة للمنظور الاستراتيجي الصيني، أو تلك المؤثرة في صياغته(10).

وفي تقرير صادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، بعنوان “تطور الدبلوماسية العسكرية الصينية من تبادل الزيارات إلى توزيع اللقاحات”، تطرقت الكاتبة “ميا نوينز” لتتناول الدور الكبير الذي لعبه جيش التحرير الشعبي الصيني، في الاستجابة والتصدي لفيروس كورونا المُستجد؛ الأمر الذي يُعظِّم من دوره المتزايد في الأنشطة الدبلوماسية، وكيف تطور هذا الدور من تبادل الزيارات والمناورات العسكرية إلى توزيع اللقاحات، وإلى نص التقرير:

ذكر التقرير أن دور الجيش الوطني الصيني في السياسة الخارجية الصينية في الماضي كان دورًا محدودًا أو هامشيًّا. ولكن في الوقت الراهن، وفي ظل الدور المتنامي والنشط للسياسة الخارجية الصينية؛ نمى دور الجيش الصيني في الدبلوماسية الوطنية، ووصل إلى آفاق جديدة في سياق التصدي لجائحة فيروس كورونا، كل ذلك لخدمة الأهداف الاستراتيجية.

جاء الدور الكبير والنشط للجيش الصيني في التعاطي مع أزمة فيروس كورونا، في سياق دبلوماسي كبير لعبته بكين لتحسين صورتها الدولية بعد ردها الأولي المتأخر وسوء التعامل عقب تفشي الوباء.

تُشير الكاتبة إلى أن الدبلوماسية العسكرية للجيش الصيني بدأت في التعامل مع تفشي فيروس كورونا في مارس/آذار 2020، عندما أرسل جيش التحرير الشعبي الصيني معدات وملابس واقية إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفي فبراير/شباط 2021، بدأ الجيش الصيني في التبرع بلقاحات “كوفيد-19” للدول الأخرى في الخارج، وتحديدًا بعض الشركاء الأفارقة.

وبين مارس/آذار 2020 وأبريل/نيسان 2021، قدَّم جيش التحرير الصيني مساعدات طبية عسكرية وتبرعات لـ 56 دولة حول العالم، فضلًا عمَّا قدمه من مساعدات لبعثات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة.

كما تُظهر الأنشطة الدبلوماسية العسكرية لجيش التحرير الشعبي فيما يتعلق بفيروس كورونا أن الجيش سيلعب دورًا أكبر في الدبلوماسية الخارجية للصين، بما يتماشى مع تعليمات الرئيس الصيني “شي جين بينغ”(11).

بحلول عام 2021، بدأ التنين الصيني يكشف عن أنيابه، وباتت بكين تولي اهتمامًا كبيرًا لسياق استراتيجي تكون فيه أولوية سياستها الخارجية مُرتكزة على قضايا الأمن والدفاع.

وفي عام 2015، ذكر الكتاب الأبيض الصيني أنه في حين أن البيئة الخارجية العامة كانت مواتية بشكل عام، فقد أكد أن الصين لديها “مهمة كبيرة لحماية نسيجها الوطني وسلامة أراضيها ومصالحها التنموية”، وذلك في مواجهة التحديات الخارجية المتزايدة.

في نفس العام، قدَّم الرئيس الصيني “شي جين بينغ” دورًا جديدًا وأكثر تحديدًا للدبلوماسية العسكرية. وبحسب شي، ينبغي للدبلوماسية العسكرية أن تدعم السياسة الخارجية الوطنية الشاملة، وتحمي الأمن القومي، والسيادة، ومسائل التنمية، وتعمل على تعزيز البناء العسكري. وأوضح أن الدبلوماسية العسكرية يجب أن تتماشى مع الاتجاه السياسي الصحيح الذي تسير فيه الدولة.

ومنذ عام 2008، نمى التعاون والمشاركة للجيش الصيني ليشمل المساعدات الإنسانية وعمليات الإغاثة في حالات الكوارث، وعمليات حفظ السلام، والتبادلات الأكاديمية مع الجيوش الأجنبية، والاجتماعات رفيعة المستوى مع القادة العسكريين الأجانب(12).

كما عمدت الصين إلى تقديم الدعم الاقتصادي والفني لعدد من الدول الإفريقية في العديد من المجالات الاقتصادية والفنية والبنية التحتية؛ حيث قامت الصين منذ عام 2006 ببناء أكثر من 100 مدرسة و30 مستشفى و30 مركزًا لمكافحة الملاريا و20 مركزًا لعرض التكنولوجيا الزراعية في إفريقيا(13).

كشفت وثيقة الدليل الاستراتيجي المؤقت للأمن القومي الأميركي، عن الملامح العامة لتوجهات الإدارة الأميركية الجديدة، والتي حظيت الصين بنصيب الأسد فيها، لجهة ما تشكِّله من تهديد استراتيجي واسع للولايات المتحدة، أبرزته الوثيقة بشكل مفصل، ذلك بخلاف التهديدات العالمية مثل جائحة كورونا وقضية التغير المناخي.

الوثيقة التي نشرها البيت الأبيض أخيرًا، وبعد 45 يومًا من تقلد الرئيس جو بايدن الحكم، كشفت عن إرشادات عامة للأمن القومي والخطوط العريضة للتحديات التي تواجهها الولايات المتحدة، وأكدت على أن مصير أميركا صار مرتبطًا بشكل أكبر من أي وقت مضى بالأحداث التي تقع خارجها، وركزت على مرتكزات الإدارة الأميركية الجديدة في سياستها الخارجية، بدءًا من المحور المركزي المتمثل في “الترويج للديمقراطية في جميع أنحاء العالم”.

حددت الوثيقة جملة من القضايا الشائكة التي تواجه الولايات المتحدة، ومن بينها صعود القوى المنافسة لها، وتحديدًا روسيا والصين، ونصَّت على أن الولايات المتحدة “يجب أن تشكِّل مستقبل النظام العالمي باعتبار ذلك ضرورة ملحَّة الآن”. كما ذكرت أن واشنطن “لن تترد في استخدام القوة عند الحاجة لذلك من أجل الدفاع عن مصالحها”. ذلك في الوقت الذي تناولت فيه الاستراتيجية قضايا وأزمات الشرق الأوسط باعتبارها من بين الملفات ذات الأولوية. وأبدت اهتمامًا بالعمل على حل الأزمات بشكل سلمي(14). ويمكن بهذا الصدد الإشارة إلى بعض الملاحظات التي تؤكد دور الجيش الصيني في إفريقيا(15).

  • المشاركة في جهود الأمم المتحدة لحفظ السلام، ولاسيما بعثة الأمم المتحدة في مالي؛ حيث احتلت الصين اعتبارًا من يوليو/تموز 2019، المرتبة الحادية عشر من حيث المساهمة بقوات في جميع بعثات الأمم المتحدة وهي تقدم أكبر مساهمة بقوات بين الأعضاء الخمس الدائمين في مجلس الأمن.
  • برامج التدريب العسكري، وعلى سبيل المثال هناك حوالي خمسين عسكريًّا من ساحل العاج يتلقون تدريبًا في الصين سنويًّا ناهيك عن التدريبات العسكرية المشتركة لاسيما تدريبات مكافحة القرصنة مع البحرية الكاميرونية، والتدريبات مع القوات البحرية الغانية والنيجيرية فضلًا عن المنح العسكرية التي قدمتها الصين للعديد من دول من دول غرب إفريقيا لاسيما سيراليون وليبيريا وغانا وساحل العاج.
  • الدبلوماسية العسكرية، لاسيما تكثيف الزيارات الدبلوماسية العسكرية المتبادلة، وزيادة عدد الملحقين العسكريين؛ حيث زادت الصين عدد الملحقين في إفريقيا إلى 17 ملحقًا ومن بينهم ستة ملحقين في دول منظمة الإيكواس، بالإضافة إلى الكاميرون وتشاد ولدى دول المنطقة عشرة ملحقين عسكريين في بكين فضلًا عن الزيارات العسكرية للقوات البحرية الصينية للموانئ البحرية في ساحل العاج وغانا والسنغال ونيجيريا والكاميرون لاسيما أن هناك سبعة موانئ تديرها كيانات صينية على الساحل الغربي لإفريقيا.
  • تكثيف الدعم اللوجستي للمنظمات الإقليمية الإفريقية وتعزيز دورها في مكافحة الإرهاب ولاسيما الاتحاد الإفريقي من خلال استثمار مئة مليون دولار في القوة الإفريقية الجاهزة والقوة الإفريقية للاستجابة الفورية للأزمات، وتخصيص جزء من تمويل صندوق السلام والأمن الصيني الإفريقي لتعزيز دور فرقة العمل المشتركة متعددة الجنسيات ضد تنظيم بوكو حرام، كما قدمت الصين حوالي 25 مليون دولار أميركي للمعدات العسكرية للقاعدة اللوجستية للاتحاد الإفريقي في ياوندي بالكاميرون.
  • تدشين منتدى الدفاع والأمن الصيني الإفريقي، الذي استضافته بكين الأول مرة في عام 2019 وأكد على ضرورة تكثيف تبادل المعلومات الاستخبارية وتعزيز دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في حماية الأمن العام ومكافحة الإرهاب ووضع خطة عمل (2019-2021)، تتضمن تقديم مساعدات عسكرية للاتحاد الإفريقي والجهود الأمنية في منطقة الساحل وخليج غينيا(16).

لقد استطاعت الصين تقوية علاقاتها الاقتصادية مع إفريقيا عبر منتدى التعاون الصيني-الإفريقي الذي أُنشئ بمبادرة من بكين عام 2000 وضم ستًّا وأربعين دولة إفريقية، ومن أهم إنجازاته إسقاط 1.2 بليون دولار من ديون القارة. وهناك أيضًا مجلس الأعمال الصيني-الإفريقي الذي أنشئ في نوفمبر/تشرين الثاني 2004 بغرض دعم استثمارات القطاع الخاص الصيني في كل من الكاميرون، وغانا، وموزمبيق، ونيجيريا، وجنوب إفريقيا، وتنزانيا، كما أن التجارة المتبادلة بين الصين وإفريقيا تزيد حاليًّا على ثلاثين بليون دولار.

كما قامت شركة “سينوبك” الصينية بإنشاء خط أنابيب بطول ألف وخمسمئة كيلومتر لنقل الإنتاج النفطي إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر ومنه إلى ناقلات البترول المتجهة إلى الصين.

وفي تشاد، حصلت الشركات الصينية على استثمارات نفطية بالرغم من أن النظام في نجامينا له علاقات دبلوماسية بتايوان، غير أن المصالح الاقتصادية تعلو مبدأ (صين موحدة) الذي تتمسك به الصين وتضعه معيارًا حاكمًا لعلاقاتها الدولية.

وتسعى الصين لاختراق خليج غينيا الغني بالنفط ومنافسة الولايات المتحدة الأميركية على الاستثمارات النفطية، وبالفعل نجحت في حجز موطئ قدم لها في أنجولا ونيجيريا والجابون وغينيا الاستوائية(17).

وتنخرط الصين في نوعين أساسيين من “دبلوماسية الشراكة “في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: الشراكات الاستراتيجية والشراكة الاستراتيجية الشاملة. وبحسب دراسة ستروفر حول دبلوماسية الشراكة الصينية، تتصف العلاقات بين البلدين الشريكة تبعًا للشراكات الاستراتيجية بالخصائص الأربعة الآتية:

  1. تتخطي العلاقات الدبلوماسية النموذجية، فتتضمن اجتماعات ثابتة بين المسؤولين الحكوميين والوكالات الحكومية لتنمية التواصل والثقة.
  2. لا تقع ضمن حدود التحالفات القائمة على المعاهدات.
  3. يحركها “الهدف” أكثر مما يحركها “التهديد”، فتركز إجمالًا على مجالات التعاون المتبادل في الاقتصاد والثقافة والأمن والتكنولوجيا.
  4. تتميز بتركيزها على السلوك والعمليات المؤسساتية.

ومقارنة بالشراكات الاستراتيجية، تتضمن الشراكات الاستراتيجية الشاملة مستوى أعلى من التواصل المؤسساتي، بما فيها اجتماعات منتظمة عالية المستوى بين كبار الأعضاء القياديين من كلا البلدين الشريكين. ويلاحظ ستروفر أنه يجدر استيفاء شروط ثلاث قبل إبرام اتفاقية حول “شراكة استراتيجية شاملة”، وهي الثقة السياسية والروابط الاقتصادية الكثيفة والتبادلات الثقافية والعلاقات الحسنة في القطاعات الأخرى.

تجدر الإشارة إلى أن الصين وقَّعت مذكرات تفاهم حول مبادرة الحزام والطريق مع عدد من الدول شرق الأوسطية والإفريقية على غرار دول الشمال الإفريقي وتحديدًا الجزائر والمغرب ومصر لكنها لم تعقد شراكة رسمية مع بعض الدول الأخرى مثل تونس وليبيا.

من العام 2012 إلى يوليو/تموز 2016

البلد

السنة

الشراكة

الجزائر

2014

شراكة استراتيجية شاملة

مصر

2014

شراكة استراتيجية شاملة

إيران

2016

شراكة استراتيجية شاملة

العراق

2015

شراكة استراتيجية

الأردن

2015

شراكة استراتيجية

المغرب

2016

شراكة استراتيجية

قطر

2014

شراكة استراتيجية

المملكة العربية السعودية

2016

شراكة استراتيجية شاملة

بريطانيا

2012

شراكة استراتيجية

وبحسب الدبلوماسيين الصينيين، فإن “التبادلات على مستوى الأشخاص” عنصر أساسي في مبادرة الحزام والطريق، مع مشاريع بنى وموانئ ومسارات شحن لا تهدف إلى تحسين التجارة والاستثمار فحسب، بل حركة الأشخاص أيضًا. ويشدِّدون بهذا الصدد على ضرورة اعتبار مبادرة الحزام والطريق وسيلة لإعادة وضع مفهوم “طريق الحرير” القديم على خارطة المجتمع المعاصر؛ إذ قال أحد الدبلوماسيين: “الصورة التي تخطر في بالنا هي التواصل بين مختلف الحضارات… عندما نقول: طريق الحرير، نعني طريق السلام”(18).

ثالثًا: مفهوم الصعود السلمي ومكانة إفريقيا في السياسة الصينية

انشغلت القيادة الصينية طيلة فترة التسعينات من القرن الماضي بالبحث عن وسيلة لتحييد نفسها عن الرادار الأميركي خاصة في الفترة بين حرب الخليج الثانية (1990-1991) وحرب يوغسلافيا (1999). وتوصل الصينيون فيما بعد إثر الحرب التي شنَّتها أميركا على أفغانستان (2001) والعراق (2003) إلى مفهوم الصعود السلمي.

ظهرت نظرية الصعود السلمي “للصين” في العام 2003، وصاغها آنذاك الاستراتيجي الصيني المستشار السياسي “زينغ بيجيان” الذي ورد اسمه في المرتبة 44 في قائمة أفضل 100 مفكر عالمي التي أصدرتها مجلة “فورين بوليسي” في ديسمبر/كانون الأول 2010.
ثم جرت إعادة استخدام للمصطلح نفسه والمفهوم نفسه من قبل كل من الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني “هو جينتاو” ونائبه رئيس الوزراء “وين جياباو”، في العام 2004، مقترحين أن يكون مفهوم “الصعود السلمي” مكونًا رسميًّا من مكونات سياسة الصين الخارجية، وذلك في عدة مناسبات، لعل أبرزها دورة المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني في مارس/آذار من العام 2004؛ حيث اقترح أن يتضمن مفهوم “الصعود السلمي” الإشارة إلى خمسة عناصر رئيسية، هي:

  1. أن تستفيد الصين من السلام العالمي لتعزيز التنمية في البلاد، في مقابل أن تساعد هي على تحصين السلام العالمي من خلال ما تحققه من تنمية.
  2. الاعتماد على قدرات الصين الذاتية فقط وعلى الجهد الكبير والمستقل المبذول من قبلها.
  3. الاستمرار في سياسة الانفتاح والقواعد الفاعلة للتجارة الدولية والتبادل التجاري كضمان لتحقيق هذا الهدف.
  4. الأخذ بعين الاعتبار أن تحقيق هذا المفهوم “الصعود السلمي” سيتطلب أجيالًا متعددة وسنين عديدة.
  5. أثناء السعي لتحقيق هذا الهدف، لن يتم الوقوف بطريق أية دولة أو تعريض أية دولة أخرى للخطر كما لن ينجز على حساب أية أمة.

عندما تمت صياغة مفهوم “الصعود السلمي” كان الصينيون يعتقدون أنهم يحتاجون إلى 45 عامًا على الأقل أي حتى العام 2050 حتى يصلوا إلى أن يكونوا دولة كبرى في النظام الدولي. لكن الانتقال السريع للقوة (Power Shift) من الغرب إلى الشرق في الثروة وفي النفوذ في السنوات القليلة الماضية أدى إلى حرق سريع للمراحل بما بدأ يؤثر على معادلة “الصعود السلمي”، ولاسيما فيما يتعلق بـــــ:

التسارع في انحدار القوة الأميركية بوتيرة أكبر مما كان متوقعًا أيضًا: فقد شهدت الولايات المتحدة منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، تراجعًا مهولًا في قوتها على الصعيد العالمي، وقد كان من الواضح مع نهاية عهد بوش الابن أواخر العام 2008 أن حروب أفغانستان (2001) والعراق (2003) قد اختبرت حدود القوة الأميركية، فقضت على ما بقي من الهيمنة الأميركية المباشرة.

ونتيجة للخسائر العسكرية والمالية؛ حيث كلَّفت حرب العراق وحدها الولايات المتحدة أكثر من 3 تريليونات دولار استنادًا إلى دراسة أجراها كل من “جوزيف ستيغلتز” من جامعة كولومبيا والحائز على جائزة نوبل للاقتصاد و”ليندا بلميز” من جامعة هارفارد، وقعت واشنطن في مأزق اقتصادي تبعته عاصفة الأزمة المالية العالمية التي أكملت على ما تبقى من قوة وسمعة للاقتصاد الأميركي. وفي السياق ذاته بدأ التسارع في الصعود الصيني بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا؛ مما خلق انطباعًا بأن التحول ليس تدريجيًّا وأنه قد يؤدي إلى صدمة على الصعيد الدولي(19).

رابعًا: الأمن وحفظ السلام محور العلاقة الصين-إفريقيا

تعتبر الصين اليوم الدولة الأولى في إفريقيا من حيث الأعداد الموفدة لقوة حفظ السلام تحت رعاية الأمم المتحدة، مختلفة بذلك عن الأعضاء الآخرين الدائمين في مجلس الأمن، وهذا لا يعني بالطبع وجود قواعد عسكرية دائمة للصين في لإفريقيا، كما هي الحال بالنسبة لفرنسا مثلًا التي لها قواعد عسكرية رئيسة في ست دول إفريقية، ولا يجسد ذلك بالضرورة أطماعًا عسكرية صينية في إفريقيا، هذا ما يدعم الصورة التي ترغب أن تظهر بها في إفريقيا، كما استعملت حق الفيتو في معارضة القرارات الدولية فيما يخص حلفاء الصين كما هي الحال في مشكلة دارفور السودانية، فبحكم مصلحتها في المخزون النفطي والصادرات النفطية للسودان، عارضت بكين الجهود الدولية لفرض حظر على صادرات النفط الإفريقية، وباعتبار أن السودان الحليف الأهم للصين في الشرق الإفريقي كانت الأكثر استقبالًا للقوات الصينية لحفظ السلام التي بلغت ثلاثة آلاف جندي في قوات أممية.

امتدت مشاركة الصين في قضايا الأمن إلى دول جنوب الصحراء الإفريقية للمشاركة في عمليات حفظ السلام، وبرامج التبادل في عمليات نشر الجنود، في شهر أبريل/نيسان 2003، تم إرسال قرابة 175 جنديًّا من جيش التحرير الشعبي، وفريق طبي مؤلَّف من 42 شخصًا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية في مهمة لحفظ السلام مجهزين بحوالي 200 عربة عسكرية وشاحنات نقل المياه إلى ليبيريا، وكانت هذه أكبر عملية تشارك فيها الصين تحت لواء الأمم المتحدة منذ أن أرسلت 800 مهندس عسكري إلى كمبوديا في الفترة من 1992 إلى 1994، وأعادت مؤخرًا تأكيد عزمها على تقوية التعاون العسكري وبرامج تبادل البعثات مع إثيوبيا وليبيريا ونيجيريا والسودان.

في منتصف سنة 2011، وصل عدد قوات حفظ السلام التي نشرتها الصين في إفريقيا إلى 1550 فرقة شرطية و42 خبيرًا عسكريًّا. وخلال نفس الفترة أصبح جنوب السودان المنطقة الثانية في إفريقيا من حيث عدد قوات حفظ السلام التابعة للصين، وتراجعت الكونغو الديمقراطية للمرتبة الثالثة بعد أن كانت تحتل المرتبة الثانية.

نظرة لمستقبل العلاقات الصينية-الإفريقية

 تتبع الصين سياسة نشيطة في البلدان الغنية بالموارد المعدنية، فهي الآن تعد أكبر مستهلك للنحاس في العالم(20).

وإذا كانت التجارة تعد أحد أهم مؤشرات تطور ومتانة العلاقة بين أي طرفين دوليين، فإن نمو حجم التبادل التجاري بين الجانبين، الصيني والإفريقي، خير شاهد على الدفعة الكبيرة التي شهدتها العلاقات الصينية-الإفريقية، فقد كان حجم التبادل التجاري بينهما عشرة مليارات دولار أميركي في عام 2000، فوصل في عام 2017، وفقًا لإحصاءات الجمارك الصينية، إلى مئة وسبعين مليار دولار أميركي، منها صادرات صينية إلى إفريقيا قيمتها حوالي 95 مليار دولار أميركي مقابل صادرات إفريقية إلى الصين قيمتها أكثر من 75 مليار دولار أميركي، مع تراجع الفائض التجاري للصين بنسبة 45% تقريبًا مقارنة مع عام 2016.

تأتي قمة بكين 2018 لمنتدى التعاون الصيني-الإفريقي، بعد تطورات هيَّأت لتعاون أوسع بين الجانبين، وخاصة في ظل مبادرة “الحزام والطريق” التي تتبناها الصين وشاركت فيها دول إفريقية عديدة، وفي أعقاب قمة دول “بريكس” في جنوب إفريقيا التي عُقدت تحت عنوان “بريكس في إفريقيا.. التعاون من أجل المشاركة في النمو الشامل وتقاسم الرخاء في الثورة الصناعية الرابعة”.

في قمة جوهانسبرغ لمنتدى التعاون الصيني-الإفريقي 2015، أعلن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، أن بلاده وإفريقيا رفعتا العلاقات الثنائية بينهما إلى شراكة تعاون استراتيجية شاملة، وفتح مرحلة جديدة في التعاون المربح للطرفين والتنمية المشتركة. وأعلن شي أيضًا عن عشر خطط كبرى لتعزيز التعاون المربح للطرفين، وتخصيص ستين مليار دولار أميركي للتنمية في إفريقيا، مؤكدًا أن بلاده تسعى لإقامة علاقات مع دول إفريقيا تقوم على المساواة. وكان شي قد أعلن في سبتمبر/أيلول 2015، في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن تأسيس صندوق لدعم تعاون الجنوب-الجنوب وتوفير ملياري دولار أميركي للمرحلة الأولى لدعم الدول النامية في تنفيذ أجندة التنمية لما بعد 2015. ومواصلة الاستثمار في الدول الأقل نموًّا لتبلغ قيمة استثمارات الصين اثني عشر مليار دولار أميركي بحلول عام 2030(21).

عُقدت يوم الأربعاء، 17 يونيو/حزيران 2020، القمة الاستثنائية الصينية-الإفريقية بتقنية التواصل عن بعد، وقد شارك فيها عدة فاعلين دوليين في مقدمتهم الرئيس الصيني، شي جين بينغ، وعضو اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي، وانغ هو نينغ، وعدد من رؤساء الدول الإفريقية، منهم: عبد المجيد تبون، رئيس الجزائر، وعبد الفتاح السيسي، رئيس مصر، وسيريل رامافوزا، رئيس جنوب إفريقيا، وماكي صال، رئيس السنغال. كما حضر القمة فيلكس تشيسيكيدي والرئيس الغابوني، بونجو أونديمبا، وأوهورو كينياتا، إضافة إلى رئيس النيجيري، محمد بخاري، ورئيس رواندا، بول كاجامي، ورئيس النيجر، محمد إيسوفر، وإيمرسون منانجانجوا، رئيس زيمبابوي، ورئيس وزراء إثيوبيا، آبي أحمد، وممثل عن الاتحاد الإفريقي، ورئيس المفوضية الإفريقية، موسي فقي محمد. وعلى المستوى الدولي، حضر كل من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، ضيفين خاصَّين.

تناولت أجندة القمة عدة قضايا مستجدة ومستعجلة على رأسها التضامن الصيني-الإفريقي لمكافحة وباء كورونا، وتفعيل العلاقات الاقتصادية وتنشيط حركة الاستثمار والتجارة بين الطرفين، إلى جانب الاهتمام الصيني ودعوتها لفض النزاعات المسلحة بطريقة سلمية.

استحوذت الأزمة الصحية الراهنة أو ما تُعرف بجائحة كورونا “كوفيد 19” على مجمل أشغال القمة وأخذت حصة الأسد فيها كونها تمس الأمن الصحي العالمي بشكل مباشر، فهذه القمة غير العادية تهدف إلى تعزيز التضامن العالمي في مواجهة الوباء. في هذا الصدد، قدَّم الرئيس الصيني جملة من المقترحات لمواجهة كورونا متمثلة في:

  • مواصلة الالتزام بمكافحة (كوفيد 19) معًا: ستبدأ الصين قبل الموعد المقرر في إنشاء مقر المركز الإفريقي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها هذا العام.
  • مواصلة الالتزام بتعزيز التعاون الصيني-الإفريقي: توجد حاجة إلى إعطاء أولوية كبرى للتعاون بشأن الصحة العامة واستئناف النشاط الاقتصادي ومعيشة الشعب.
  • مواصلة الالتزام بتبني التعددية: ستعمل الصين مع إفريقيا لتبني نظام حوكمة عالمي، في القلب منه الأمم المتحدة ودعم منظمة الصحة العالمية في تحقيق إسهامات أكبر في الاستجابة العالمية للمرض.
  • مواصلة الالتزام بالمضي قدمًا في الصداقة الصينية-الإفريقية(22).

إن الصين تدَّعي أن توجهها إلى القارة الإفريقية يحمل بُعدًا إنسانيًّا، أو تراه الصين يدخل في خانة المسؤوليات الدولية التي تتمحور حول مساعدة الدول الإفريقية المتخلفة أو النامية للوصول إلى حالة التقدم Progress والاستقرار.

للمسؤوليات الدولية الصينية تجاه إفريقيا ثلاثة مظاهر:

في سياستها الإفريقية تنتهج الصين سياسية مساعدات التنمية والاستثمار غير المشروط في القارة على الرغم من الانتقادات الدولية الموجهة لتلك الاستراتيجية في المقابل. تتيح الأسواق الإفريقية فرصًا كبيرة للشركات الصينية في الوقت الذي تسهم فيه الأنشطة الصينية في إفريقيا في إنعاش النشاط الاقتصادي في القارة بخاصة أنه ليس هناك أية مصالح أجنبية حيوية أخرى في الوقت الراهن.

وتشير إحصائية لمركز البحوث «بيو غلوبال» بعنوان «نفوذ الصين أكثر إيجابية من نفوذ أميركا» إلى تفوق التأثير الصيني على الأميركي في القارة الإفريقية، ووصفته بأنه أكثر إيجابية، وقد راوحت الفروقات في نسبة التفوق بين كل الولايات المتحدة والصين لفائدة الأخيرة ما بين (ساحل العاج وأوغندا) 42% بينما يتراجع التأثير الصيني أمام مثيله الأميركي في كل من نيجيريا إلى 63% مقابل 64% لفائدة أميركا ما مثَّل فرقًا نسبته 1% وغانا 59% لفائدة الصين و64% لفائدة أميركا (الفرق 5%)، بينما بلغت النسبة الأكبر التي نظرت إلى النفوذ الأميركي بإيجابية أكثر من النفوذ الصيني مع الأوغنديين 59% لفائدة الولايات المتحدة و47% لفائدة الصين والفرق هو 12%(23).

لقد حافظت الصين على تعاون اقتصادي وتجاري قوي مع إفريقيا رغم تفشي وباء كورونا حيث سجلت التجارة الثنائية رقمًا قياسيًّا من يناير/كانون الثاني إلى سبتمبر/أيلول 2021؛ إذ ارتفعت التجارة بنسبة 32.2% على أساس سنوي لتصل إلى 185.2 مليار دولار أميركي، كما بلغت الاستثمارات الصينية المباشرة في إفريقيا 2.55 مليار دولار في الأشهر التسع الأولى من سنة 2021 بزيادة 9.9%.

كما وقَّعت الشركات الصينية عقودًا بقيمة 53.5 مليار دولار مع إفريقيا، وبلغ حجم إيراداتها 26.9 مليار دولار أميركي كأكبر شريك لإفريقيا لفترة 12 سنة متواصلة(24).

تتحرك الصين بمصفوفة متكاملة تتشكَّل من عناصر تربط بين (الاقتصاد والأمن والثقافة والسياسة)، وتعد إفريقيا القارة التي يناور فيها العملاق الصيني في دبلوماسيته الناعمة بأريحية كبيرة، فالقفزة النوعية في حجم الاستثمار الصيني في إفريقيا، وتعاظم قوات حفظ السلام الصينية في إفريقيا، والتنسيق الإفريقي-الصيني في قضايا التكامل والأمن والأزمات يتزايد بوتيرة تطوِّق التحرك الأميركي والأوروبي على السواء. ويبدو أن سياسية التصعيد السلمي الصينية تعاد قراءتها وصياغتها مع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وستجد القوى الدولية المنافسة نفسها مطوَّقة سياسيًّا بعد صعود راديكالي بشكل متصاعد ومتسارع، وهو ما سيسهِّل هيمنة التنين الصيني على السوق والساحة الإفريقية.

بالنظر إلى حجم المخاوف الأوروبية والأميركية، يتجه المنظِّرون الغربيون إلى تبني خطاب يحث صانعي السياسات الأميركيين والأوروبيين أن يعوا أن الفراغات التي خلَّفها انسحابهم من شمال إفريقيا -تحديدًا- ستملؤه الصين وهي تسعى إلى تطوير علاقات “الراعي/العميل” أكثر مع دول المنطقة، ومع القارة الإفريقية ككل.

المحور الثامن: بين الاستعمار والاستنزاف والاستلاب: أي مستقبل للنفوذ الفرنسي في إفريقيا؟

باتت فرنسا ملزمة بانتهاج سياسة إفريقية جديدة قوامها الشراكة، وهو أمر بعيد المنال مع نخبة فرنسية مسيطِرة ومحكومة بحسابات مشهد انتخابي يتحكم في خيوطه ناخب فرنسي منجذب نحو خطاب اليمين المتطرف، مع أن فرنسا لا تحتاج إلى مزيد من التطرف في علاقتها مع إفريقيا.

تحوَّل مؤتمر إفريقيا وفرنسا في نسخته الأخيرة التي نظَّمتها باريس، في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2021، بين رئيسها ماكرون، والشباب وقادة منظمات المجتمع المدني الإفريقي، إلى محاكمة علنية قوية المرافعات والأحكام ضد فرنسا الاستعمارية.

وجد الشباب الإفريقي متسعًا من القول، فأسمعوا الرئيس الفرنسي ما لا يسره سماعه، وتحدثوا بألم وحنق عن تاريخ وراهن العلاقة بين بلدانهم ومستعمرهم الفرنسي.

ومن بين المخرجات المؤلمة للمؤتمر، اعتراف الرئيس الفرنسي، ماكرون، بأن العلاقة بين باريس والدول الإفريقية يجب أن تأخذ وجهًا جديدًا، وأن فيها أخطاء متعددة.

يحق التساؤل بعد القمة، كيف تدفق كل هذا الغضب الإفريقي ليعبِّر عن نفسه في قلب فرنسا؟ وعلى أي شاطئ سياسي أو ثقافي ترسو الآن علاقة فرنسا بمستعمراتها السابقة في إفريقيا؟ وأي مدى يلوح في الأفق لهذه العلاقة الضاربة في عمق التاريخ والمتآكلة الآن في فضاءات المستقبل؟

فرنسا وإفريقيا: تاريخ وحاضر تحت سقف الاستعمار

تمتد العلاقة بين فرنسا وإفريقيا في أعماق الزمان، على ضفاف ثلاثة قرون أو أكثر من الاستعمار المباشر، وعلى آماد المكان أيضًا في خارطة احتلال هي الأكبر بين الدول والإمبراطوريات التي تقاسمت القارة السمراء منذ مؤتمر برلين، سنة 1884، والذي وزَّع القارة السمراء بين نفوذ قوى دولية استقرت فيها قبل ذلك بقرنين أو أكثر.

وفي الوجدان والثقافة والتاريخ والهوية، فإن لفرنسا في إفريقيا حضورًا قويًّا مؤثرًا، صنع أغلب الماضي القريب، وما زال مؤثِّرًا في المستقبل، ممسكًا بزمام الحاضر.

وقد تأسَّس الإرث الاستعماري والنفوذ الفرنسي في إفريقيا على ركائز أساسية، أهمها: الإدارة السياسية والتحكم الاقتصادي والاستلاب الثقافي.

لا يمكن فصل حاضر النفوذ الفرنسي الإفريقي عن حقبة الاستعمار التي تأسس في ظلالها، وكان رجع صدى ونتيجة حتمية لسياساتها في تلك الفترة، وأبرز معالم هذا التأسيس:

  • امتداد حقبة الزمن الاستعماري: الذي بدأ عمليًّا مع ما يُعرف بالحقبة الاستعمارية الفرنسية، التي أعقبت هزائم الإمبراطور الفرنسي الكبير، نابليون بونابرت، داخل أوروبا، وهزيمته أيضًا في الشرق الأوسط؛ مما جعل الذراع الاستعمارية الفرنسية، تتجه جنوبًا نحو القارة الإفريقية بعد أن كانت تركز في نشاطها الاستعماري الذي تقوده شركة الهند الشرقية الفرنسية على مناطق شرق آسيا.
  • اتساع خارطة المستعمرات: فلم تنقض العشرية الأولى من القرن العشرين، حتى استطاعت فرنسا بسط نفوذها على حوالي 35% من أراضي إفريقيا، وامتد سلطانها على بلدان متعددة، منها على سبيل المثال في شمال إفريقيا: المغرب، والجزائر، وتونس، وموريتانيا. وفي جنوبها دول السنغال ومالي وبنين وتوغو وغينيا كوناكري، وبوركينا فاسو، وكوت ديفوار، والنيجر، والكاميرون، وجزيرة ألبيريدا في غامبيا.

وفي جنوب القارة، وضعت فرنسا اليد سريعًا على دول إفريقيا الاستوائية، وتشاد، والكونغو، والغابون، كما استولت على أرض وسط إفريقيا، وأقامت هناك نظامًا استعماريًّا مفعمًا بالجرائم والنهب المنظَّم للثروات.

وقد وطَّدت أركان هذا الاحتلال قسوة الفرنسيين، وجرائمهم المتعددة في مناطق واسعة من القارة، فكتبوا تاريخ الاحتلال بسطور المجازر، التي راح ضحيتها الآلاف من النخب الوطنية والدينية في إفريقيا، زيادة على الاستعمار الثقافي الذي تعامل مع الشعوب الإفريقية بفوقية واستعلاء، مقدِّمًا الجنود والرهبان الفرنسيين على أنهم رسل الحضارة، وملائكة التقدم، الذين سيعمِّدون الشعوب البدائية والمتوحشة، ويُدخلونها حظيرة الحضارة أول مرة. وهكذا تكامل على القارة، سطوة الإرهاب وقسوة اللهب، وعنف التخدير الثقافي والتبشير الديني الذي استهدف تحوير معتقدات الأفارقة، ومدَّ بساط المسيحية في منطقة كانت موزعة تاريخيًّا بين الإسلام والديانات الإفريقية الوثنية القديمة.

  • صناعة نُخَب ما بعد الاستقلال: لم تكن نهاية الحرب العالمية الثانية حَدَثًا بسيطًا في العالم، فإذا كانت قد أسكتت بنادق الحلفاء فيما بينهم، وكلَّفت القارة الإفريقية وحدها على سبيل المثال مليون جندي إفريقي ساروا تحت ألوية الجيش الفرنسي، ودافعوا عن الشرف الفرنسي، وهو يواجه عسف العنف الألماني، وفقدوا في ذلك عشرات الآلاف من القتلى، فإنها أيضًا فتحت بوابة تحرر ثوري في مختلف الشعوب المحتلة.

ولم يكن لفرنسا بُدٌّ من الانحناء للعاصفة الثورية، وبهذا عملت على تأسيس نخبة الاستخلاف التي ستقود الحكم السياسي وإدارة مفاصل الحياة في بلدان إفريقيا الفرنسية.

ولإدارة ما بعد الاستقلالات الشكلية، كان الرئيس الفرنسي، شارل ديغول، حريصًا خلال منتصف الأربعينات على إقامة اتحاد إفريقي-فرنسي، تكون لفرنسا فيه اليد الطولي والتمثل القوي. وهكذا، دخل أفارقة منتخبون إلى البرلمان الفرنسي منذ العام 1946 وحتى الاستقلالات الإفريقية مطلع عقد الستينات(1).

وقد أعاد ديغول تشكيل الرؤية الفرنسية تجاه إفريقيا من خلال مشروع “فرانس أفريك” الذي أعدَّه كبير مستشاريه، جاك فوكار، والذي استحق به لقب أبي الاستعمار الفرنسي الجديد لإفريقيا. وقد وظف مشروع “فرانس أفريك” رافعة للسياسة الفرنسية الجديدة تجاه إفريقيا والتي قامت على مثلث الاستعمار والاستنزاف الاقتصادي والاستلاب الحضاري(2).

الاستقلال الشكلي: صناعة ما بعد الاستعمار

لم تنته الحرب العالمية الثانية، إلا بعد أن أشعلت لهب الثورة والتحرر في المستعمرات بشكل عام، وأجَّجت ضمير التحرر في مختلف بلدان العالم، وكان لإفريقيا نصيبها من هذا الحراك، وقد انحنت فرنسا للعاصفة، وأعادت تشكيلها بسرعة، خلال مسار من التهيئة السياسية استمرَّ ما بين منتصف الأربعينات وبداية الستينات، وذلك من خلال صناعة وتهيئة رؤساء وحكام ما بعد الاستقلال.

وقد استطاعت فرنسا بقوة أن تتخلص من بعض الأنظمة الوطنية والثورية ذات النَّفَس الاشتراكي والتي حكمت بلدانًا من القارة خلال عقد الستينات، كما حصل على سبيل المثال في كوت ديفوار، عندما قضت فرنسا وأعوانها على الثائر الإفريقي، توماس سنكارا، ليخلو الجو بعد ذلك لخلفائها لممارسة حكم مباشر يتناغم في كثير من ممارساته وتوجهاته مع الأهداف الاستعمارية لفرنسا(3).

  • صناعة الديمقراطيات الهشَّة: وكما انحنت فرنسا لعاصفة التحرر في عقدي الخمسينات والستينات، فقد انحنت أيضًا لرياح الديمقراطيات التي أعقبت سقوط جدار برلين، وكان مؤتمر لابول الذي دعا له الرئيس الفرنسي الراحل، فرانسوا ميتران، سنة 1990، بوابة فرنسا للتحكم في الديمقراطيات الإفريقية الجديدة، والتي لم تكن أكثر من “تَمْدِين شكلي” للأنظمة العسكرية والديكتاتورية التي كانت تحكم القارة(4).
  • تنفيذ ورعاية الانقلابات: كانت الانقلابات -ولا تزال- أسرع الطرق للحكم والتغيير السياسي في إفريقيا، وتأتي هذه الانقلابات إما لإنهاء نظام حكم ديكتاتوري، أو لإنهاء أزمة سياسية، وغالبًا ما تأتي تلبية لشهوة الحكم والسيطرة عند جنرال أو مجموعة جنود، وقد تأتي أيضًا لتحقيق مآرب خارجية، مثل الحفاظ على المصالح الذاتية للمستعمر، وفي كل الحالات، فإن دعم فرنسا أو حماية مصالحها شرط دائم لنجاح استقرار هذه الانقلابات أو استمرارها.

وقد شهدت القارة الإفريقية أكثر من 200 محاولة انقلابية خلال ستينيَّاتها، وكانت فرنسا حاضرة في أغلبها تخطيطًا ورعاية ودعمًا.

وفي دفاتر التاريخ الإفريقي المعاصر صفحات حمراء متعددة، من الانقلابات ذات الخلفية الفرنسية، ومنها على سبيل المثال، انقلاب العقيد، جان بيدل بوكاسا، في جمهورية إفريقيا الوسطى، وقد تحول هذا العقيد مع الزمن في نظر الإعلام الفرنسي إلى ديكتاتور وحشي، يأكل لحوم البشر، ونُسجت حول وحشيته عشرات القصص المروعة، قبل أن تتدخل فرنسا مجددًا، وتطيح به في انقلاب عسكري، نهاية الثمانينات(5).

أما في بوركينافاسو، فقد رعت فرنسا انقلاب جنديها السابق، النقيب سانجو لاميزانا، على الرئيس المنتخب، مويس باماجو، كما رعت انقلاب النقيب ماثيو كيركو، وهو كسابقه ضابط سابق في الكتيبة الفرنسية الإفريقية؛ حيث أطاح بالرئيس هوبرت ماجا. وفي مالي، كانت باماكو على موعد مع انقلاب فرنسي التخطيط والوجهة، حينما أطاح العقيد موسى تراوري، بالرئيس الاشتراكي، موديبو كيتا، وألقاه في السجن إلى حين وفاته.

وفي موريتانيا، كانت فرنسا حاضرة بقوة في سلسلة الانقلابات التي شهدتها البلاد سنوات 1978-1984-2005-2008، تخطيطًا ورعاية ودعمًا.

وأخيرًا، كان الانقلاب العسكري في غينيا كوناكري(6) مرسومًا بملامح فرنسية، بداية بتنفيذه من ضابط سابق في الجيش الفرنسي، ليعيد بذلك مصالح فرنسا بعد أن هددها التقارب المتزايد بين الرئيس المطاح به، ألفا كوندي، وتركيا والصين في مجالات سياسية وأمنية واقتصادية. وما من شك أن الانقلابات العسكرية، وثورات القصور، والاغتيالات هي أسلوب فرنسي تقليدي ومستمر في تعاملها مع أنظمة مستعمراتها القديمة، لكن فرنسا أضافت إليه بعدًا آخر، وهو العمليات العسكرية الموسعة، التي تعزز دور الانقلابات، وقوة القواعد العسكرية الثابتة.

ومن أبرز العمليات العسكرية التي نفذتها فرنسا خلال العقد المنصرم، وخصوصًا في منطقة الساحل الإفريقي، عملية برخان التي انطلقت في أغسطس /آب 2014 في منطقة الساحل، وخصوصًا مالي، وكذلك عملية سيرفال، وعملية إيبرفييه في تشاد، وعملية سانغاريس في إفريقيا الوسطى، زيادة على العملية العسكرية الموسعة في ليبيا، والتي كان لها دور أساسي في إسقاط نظام العقيد القذافي.

ويؤدي هذه العمليات آلاف الجنود الفرنسيين، الموزعين على قواعد متعددة في عدد من الدول الساحل(7).

وقد سمحت هذه العمليات وتلك القواعد المستقرة، والطيران العسكري الفرنسي العابر للأجواء الإفريقية، بإقامة جيوش مستقرة وثابتة في عمق القارة الإفريقية.

ولا شك أن التأثير السياسي والأمني والعسكري لفرنسا في القارة السمراء، حقَّق لأنظمتها ولباريس على حدٍّ سواء مكاسب سياسية متعددة، كما جلب لها أيضًا مخاوف وأزمات متعددة.

أبرز المكاسب المتبادلة

لعل أبرز حصيلة اكسبتها الأنظمة الإفريقية تحت الغطاء الفرنسي، هي:

  • التقاء حاجة الأنظمة السياسية الهشة أو الاستبدادية إلى سند دولي يعزز قوتها أو يحميها في مواجهة خصومها المحليين، وجيرانها المتربصين.
  • تحقيق مستوى من التوازن والاستقرار بين القوميات ومراكز الضغط الاجتماعي في دول إفريقيا، حيث لا يزال للمد القومي والصراع الإثني دور كبير في تأجيج أزمات الدول ودفعها إلى الحروب الأهلية.
  • إنقاذ دول وأنظمة متعددة من الانهيار الشامل، الناتج عن الحروب الأهلية، أو صراعات أمراء الحرب، أو غيرها من أسباب الدم الإفريقي المسفوح، ولا شك أن حالة دولة مالي، سنة 2013، كانت أبرز مثال على ذلك، عندما اهتزت قوة الدولة المركزية، أمام التمدد العسكري للجماعات المسلحة(8).

ولا شك أن كل هذه المكاسب تخدم فرنسا على مختلف الصعد، فبقاء أصدقائها في الحكم مكسب ثابت، ودعمها للأنظمة الهشة والمنهارة، أو إنقاذها للدول لن يحدث دون ثمن باهظ من استقلالها وهويتها، وثرواتها وأمنها وسيادتها التامة.

وقد رافق هذه المكاسب سلبيات متعددة، فلم تعد فرنسا لدى الأفارقة ذلك التقدمي المحرِّر، بل كشفت الأيام والأزمات أن فرنسا عامل أساسي في استقرار التخلف واستمرار الأزمات الإفريقية المستمرة، كما أن مهمة الإنقاذ التي اضطلعت بها فرنسا لصالح أنظمة هشة أو ديكتاتورية لم تكتمل، ولم تؤت أُكُلها، بل زادت الأنظمة الهشة تآكلًا، وأضافت مشكلات جديدة، بل ارتفع الصراخ ضد فرنسا من داخل القصور التي طالما تعلقت بفرنسا قلبًا فكريًّا وقالبًا سياسيًّا.

الاقتصادات الإفريقية تحت السطوة الفرنسية

بدون إفريقيا ستكون فرنسا دولة هامشية، تلك هي الحقيقة المؤلمة التي تتجنَّب فرنسا الوصول إليها، والتي عبَّر عنها بجلاء الرئيس الفرنسي الراحل، جاك شيراك، في لحظة نادرة من لحظات الصدق لدى الساسة الفرنسيين.

وليس في الأمر تهويل ولا مبالغة، ففرنسا التي تُصنَّف ضمن الدول الأولى في إنتاج الطاقة، تعتمد في هذا المورد الاقتصادي المهم على الثروات الإفريقية، وخصوصًا في النيجر.

ويتأسس التحكم الفرنسي في الاقتصادات الإفريقية على مركزيات استعمارية كبرى، من أبرزها:

  • منطقتا الفرنك الإفريقي: وهما المنطقة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا والجماعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا اللتان تأسستا سنة 1948 وأطلقتا العملة الإفريقية-الفرنسية CFA لتحقيق أهداف متعددة من بينها تسهيل وتسريع حركة التجارة بين إفريقيا والعالم، وتحديث وتطوير مستويات التحكم الفرنسي في الاقتصادات الإفريقية، خصوصًا مع تنامي أشواق الحرية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية(9).

كما أن بنوك 15 دولة إفريقية تتبع باتفاقية شراكة مجحفة للبنك المركزي الفرنسي، الذي يحتفظ بودائع هذه البنوك، مقابل نسبة فوائد عالية؛ حيث تلزم فرنسا شركاءها الأفارقة بإيداع 50% من احتياطياتها من العملات الأجنبية لدى البنك المركزي الفرنسي، وبنسبة فائدة أقل مما تمنحه بقية المؤسسات النقدية، كما أن المركزي الفرنسي يتحكم أيضًا في حجم السحوبات المسموح بها، فلا يمكن لأي من المودعين الأفارقة تجاوز سقف 15% من الأصول المودعة، وهو ما يمنح فرنسا أرباحًا سنوية تناهز 500 مليار دولار، وفق ما تؤكده دراسات اقتصادية متعددة. وهكذا، فإن الأفارقة يدفعون لفرنسا الإتاوات الباهظة مقابل احتجازها لأموالهم وتربُّحها منها.

وإذا كانت هذه الاتفاقيات قد حققت للدول الإفريقية بعض الاستقرار النسبي لعملاتهم ومصارفهم المركزية، وربطتها بعملة ومؤسسات نقدية قوية، فإنها حدَّت من قدرتهم بشكل كبير على التصرف في أصولهم أو رسم سياساتهم النقدية انطلاقًا من واقعهم وطموحاتهم الخاصة، خصوصًا أن البنك المركزي الفرنسي عضو دائم في مجالس إدارة البنوك الإفريقية المشار إليها، وتملك حق النقض، كما تملك الحق في إعلان تخفيض العملة، ومن جانب واحد(10).

  • الاستنزاف المباشر للثروات: وإلى جانب التحكم في المصارف والسياسات النقدية لعدد من الدول الإفريقية، فإن فرنسا تستزف الثروات الإفريقية في وفاء تام لأسلوبها الذي بدأته مع الاستعمار، والذي وفَّر لها المواد الأولية المتعددة لتحريك اقتصادها الهش. وهكذا، فإن اليورانيوم في النيجر، والذهب في مالي، والمصادر الزراعية في السنغال والسمك والحديد الموريتانيين، كل ذلك كان نهبًا للفرنسيين طيلة سنوات ما قبل الاستقلال، وقيام الأنظمة الوطنية، وتحول هذا النهب بعد ذلك إلى مسار آخر عبر الشركات الفرنسية الكبرى التي واصلت نفس المشروع، وتعتبر شركة توتال أو آريفا أبرز ذراع دولية لنهب مصادر الطاقة، والتحكم في الآفاق النفطية والغازية في غرب ووسط إفريقيا.

وقد تحولت هذه الشركات إلى دول قائمة بذاتها داخل الدول الإفريقية، حيث تملك قوتها الخاصة، وتعمل تحت حماية القواعد الفرنسية، وتملك مطاراتها وشبكات اتصالها الخاصة، وتتحكم في راهن ومستقبل الأنظمة السياسية، وتقف بوضوح في وجه الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، وهو ما يعبِّر عنه وزير الطاقة الفرنسي السابق، بيير فوما، بقوله: “تستغرق الدورة بين اكتشاف النفط في منطقة ما وبداية إنتاجه نحو ثماني سنوات، والسماح بحدوث تغيرات في السلطة كل عام يضر بمصالح الطاقة الخاصة بنا، لذا فإننا نبحث دومًا عن الاستقرار”(11).

  • سوط الاتفاقيات المجحفة: أقامت فرنسا في مطلع خروجها الشكلي من إفريقيا اتفاقيات متعددة، مع الأنظمة الجديدة، منحتها مستوى عاليًا من التحكم في مجالات متعددة تشمل الأمن والدفاع والاقتصاد والتعليم والتنمية، وتشترك هذه الاتفاقيات في ميزتين أساسيتين، هما:
    •  طول الأمد الزماني.
    • تحقيق مصالح فرنسا على سيادة وأمن وهوية البلدان الإفريقية.

وقد كان سعي بعض الأنظمة الإفريقية إلى مراجعة هذه الاتفاقيات سببًا أساسيًّا في تحرك فرنسا للإطاحة به، أو إغراقه في أزمات سياسية أو اجتماعية تعيده خاضعًا إلى الحضن الباريسي(12).

يشرح وزير الطاقة الفرنسي السابق، بيير فوما، رؤية فرنسا للاستقرار في إفريقيا، وهو ما وقع التنبيه عليه آنفًا(13).

ولتحقيق هذا الاستقرار لا تتوانى باريس في دعم وتوطيد أركان أنظمة ديكتاتورية في القارة، والوقوف الصارم في وجه الديمقراطيات الناشئة، ولا في تحويل الشركات العملاقة إلى أذرع أمنية تسيِّر جيوشًا من الجواسيس والعملاء وتحرسها كتائب من الجيش الفرنسي، في اعتداء صريح على السيادة والاقتصاد والثروة الإفريقية(14).

الاستلاب الحضاري: الفرنكفونية في خدمة النفوذ الفرنسي

يحتل الجانب الثقافي مساحة عالية من الرؤية الاستعمارية الفرنسية، بل هو الحمض النووي لفرنسا الكولونيالية، وترى فرنسا في الشأن الثقافي الطريق الذي مكَّن الفرنكفونية، وهي العقيدة الحضارية لفرنسا، من:

  • صناعة نخب الاستقلال: الذين تدرجت أغلبيتهم في النظام التعليمي الفرنسي، وكانوا النخبة المثقفة في مجتمعاتهم، وجرى تشكيل وجدانهم الثقافي والحضاري عبر مرتكزات الفرنكفونية، وهي اللائكية، كإطار فكري، والفرنسية لغة للتواصل والإبداع. وقد استمات هؤلاء في التمكين للفرنكفونية وتوطيد أركانها في غرب ووسط إفريقيا، وبشكل ماتت معه أو كادت تؤول إلى الانقراض الثقافات والهويات الإفريقية التقليدية.

وقد رافق هذا التمكين حرب شعواء على اللغة العربية التي ترى فيها فرنسا عدوًّا حضاريًّا لها، فحوصرت في مختلف بلدان إفريقيا، وخصوصًا البلدان ذات الأغلبية المسلمة والتاريخ الثقافي الاستعرابي الأصيل، كما هي الحال -على سبيل المثال- في موريتانيا والسنغال ومالي وتشاد والنيجر، وقد ارتكبت فرنسا جرائم حرب وعدوان ثقافي وحضاري وحشية شملت قتل العلماء وحرق المدارس والمكتبات ونهب مصادر الثقافة(15).

  • فرض الهوية الفرنكفونية وصياغة الوجدان الإفريقي عبر المرتكزات المشار إليها سابقًا: ولتحقيق ذلك، تحولت الفرنكفونية من عقيدة سياسية إلى هَمٍّ عالمي تقدمه فرنسا على أنه “إطار شامل للتعاون” ومن خلاله “تتبوَّأ فرنسا المرتبة الأولى في قائمة المساهمين في المنظمة الدولية للفرنكفونية والجهات التنفيذية للفرنكفونية، فهذا دليل على طبع الأولوية الذي يتميز به محور العمل هذا”(16).

لقد حققت الفرنكفونية لفرنسا مكاسب جمة، من بينها:

– توجيه الهوية والوجدان والرأي العام الإفريقي، وتحويل الفرنسية من لغة دخيلة إلى لسان وحيد للثقافة والتعليم والفكر والإعلام.

– صناعة حَوَل ثقافي تجاه فرنسا: حيث تتجه النخب الإفريقية في الغالب في مهاجرها التعليمية، ولجوءاتها السياسية والاقتصادية إلى فرنسا، باعتبارها الحضن الأقرب وجدانيًّا إلى إفريقيا.

– الربط التعسفي بين الفرنسية واللائكية: من خلال بروز النخب الفرنكفونية في صدارة عداوة الهوية الإسلامية لدول غرب إفريقيا، وسيرهم الدائم تحت المشروع الفرنكفوني، حتى وإن بدا مسلحًا بجيوب تبشيرية واضحة.

ورغم كل ما بذلت فرنسا من جهود وما أنفقت من أموال، فإن الفرنكفونية اليوم ليست بخير، ومؤشرات التراجع بارزة في أدائها، خصوصًا بعد أن برزت للعيان نتائجها الكارثية على المستعمرات الفرنسية، ومن أبرزها:

  • الانهيار الفظيع للمخرجات التعليمية في إفريقيا الفرنكفونية، التي تصنف ضمن أسوأ بلدان العالم في حصيلة التعليم.
  • التراجع المتواصل للغة الفرنسية عالميًّا، فلم تعد لغة الآداب والإبداع، كما لم تكن لغة العلم والابتكار؛ مما يعني أن المواهب والقدرات الإفريقية، لا تزال محجوبة عن العالمية، بفعل السجن الفرنكفوني الذي يحيط بها.
  • تنامي ظاهرة الاستعراب والثقافة الأنكلوساكسونية: في مختلف مناطق القارة، وهما منافسان قويان للفرنكفونية في مستويات صناعة الهوية وتطوير اقتصاديات المعرفة.

ورغم كل ذلك، فإن انسلاخ الفرنكفونية ولسانها الفرنسي من الوجدان والحياة الإفريقية مستبعد بل هو مستحيل، فقد تحولت الفرنسية منذ أمد طويل إلى “غنيمة حرب”، وفق تعبير الكاتب الجزائري، كاتب ياسين، وتحولت مع الزمن إلى لغة التعبير الوحيدة عند النخب الإفريقية، وحتى أولئك الذين يرجمون باريس كل يوم بكل مفردات الغضب لا يجدون غير الفرنسية للتعبير عن هذا الغضب المتصاعد.

كما أن الفرنسية تحولت أيضًا إلى سور اجتماعي يتمترس خلفه بعض السياسيين الأفارقة من أجل تحقيق مصالحهم وحماية هوياتهم الضيقة، معتبرين الفرنسية الضامن الوحيد للمحاصصة الثقافية والسياسية في البلدان ذات العرقيات المختلفة، وخصوصًا ذات الأغلبيات العربية، كما هي الحال في موريتانيا والجزائر، على سبيل المثال(17).

فرنسا والمنافسون الجدد على إفريقيا

لا تقتصر متاعب فرنسا في إفريقيا على الإخفاقات التي أنتجها التعاطي الاستعماري والاستنزاف المتواصل للاقتصادات والحرب الدائمة على الهويات والديمقراطيات الإفريقية، بل ينضاف إلى ذلك متاعب المنافسة الدولية الشرسة، والمتزايدة من أقطاب دولية تقليدية مثل الولايات المتحدة والصين، أو قوى دولية صاعدة مثل تركيا وروسيا.

وما من شك في أن حالة التكامل والتعاون التي ميَّزت المسارات الفرنسية والأميركية تجاه إفريقيا، قد انحدرت إلى مستوى من التعارض الواضح، خصوصًا خلال حقبة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، الذي ركز على انكماش الولايات المتحدة على نفسها، وتخليصها مما يراه الأعباء الاقتصادية والأمنية في إفريقيا.

وقد أدى تقليص المعونات الاقتصادية الأميركية لإفريقيا، وسحب بعض القواعد العسكرية الأميركية من مناطق إفريقيا إلى تعرية الظهر الفرنسي أمام المصاعب الأمنية في فرنسا، وزاد من التكاليف الباهظة للوجود العسكري الفرنسي في مختلف مناطق القارة.

ولا يخفى أن التكامل النسبي بين الإرادتين، الفرنسية والأميركية، تجاه إفريقيا، ظل محكومًا بكثير من التنافس، ذي الأبعاد الأمنية والاقتصادية، وذلك جرَّاء التباين التأسيسي لرؤى النفوذ تجاه القارة؛ حيث كانت واشنطن حريصة دائمًا على تعزيز وجودها على الشواطئ الإفريقية، وتأمين الممرات البحرية التي يتدفق عبرها جزء كبير من الحركة التجارية العالمية، إضافة إلى التصدي المبكر لجيوب التهديدات الأمنية وحركات الإرهاب المتمددة في شرق وغرب ووسط إفريقيا.

وزيادة على ذلك، فإن الولايات المتحدة منافس قوي لفرنسا في الأسواق الإفريقية، وفي مختلف مجالات العلاقات الاقتصادية، وقد استطاعت أن تزيح فرنسا عن صدارة العلاقات الاقتصادية ذات الطابع العسكري مع دول المغرب المغربي بشكل خاص(18).

روسيا وتركيا في دائرة النفوذ الفرنسي

يمكن اعتبار روسيا وتركيا أشرس منافسي فرنسا في إفريقيا. وبالنسبة لتركيا، فإن إفريقيا منجم اقتصادي جديد، وسوق مهمة للاقتصاد التركي الصاعد، وميدان بالغ الأهمية من ميادين الصراع المستمر بين باريس وأنقرة، وتتعدد أسباب ومظاهر التنافس التركي-الفرنسي في إفريقيا، ومن أبرزها في نظرنا:

  • تباين الرهانات: حيث تعمل تركيا على تعزيز قوة الإسلام السياسي واستثمار المشتركات الحضارية بينها وبين عدد كبير من الدول الإفريقية، فيما ترى فرنسا في هذه الرهانات التركية بالذات خطرًا أساسيًّا عليها وعلى عقيدتها السياسية تجاه إفريقيا الفرنكفونية.

إن الأمر باختصار هو أن تركيا ترى في المدِّ الإسلامي في إفريقيا سندًا قويًّا لها في مشروعها التمددي في القارة، بينما يعبِّر ماكرون بصراحة عن المخاوف الفرنسية من هذا المد الصاعد: “لحدِّ الساعة لا يوجد حزب مؤثِّر محسوب على الإخوان المسلمين في إفريقيا جنوب الصحراء، لكن الأمور بإمكانها أن تتطور”، وذلك وفق ما ورد في كتاب Le piège africain de Macron، ويبشر الكتاب نفسه بضرورة تبني وتطوير الأجيال الجديدة من الشباب العلماني المحب لفرنسا في منطقة غرب إفريقيا، والتي يجري رصدها عن طريق الرئاسة الفرنسية والسفارات ومركز التحليل والتوقع الاستراتيجي التابع لوزارة الخارجية، “إذا أخفقنا في هذا فإن الأئمة من أمثال محمود ديكو سيحتكرون المشهد السياسي”(19).

وتتعدد المداخل التركية إلى إفريقيا في هذا المجال بين التعاون الدبلوماسي، والعمل الخيري الذي تمارسه المنظمات التركية المتعددة، وكذا التعليم وتوفير آلاف المنح للطلاب الأفارقة. ويُلاحَظ بوضوح تزايد تشييد تركيا للمساجد والمدارس والمنشآت الخيرية في دول إفريقيا، وهو ما يضفي على أدائها بُعدًا أخلاقيًّا وقيميًّا يتناغم بقوة مع المشاعر الإسلامية لملايين الأفارقة، وخصوصًا الأجيال الصاعدة منهم.

  • التنافس على منطقة المعابر البحرية: حيث تعمل تركيا بشكل حثيث على تسوير مصالحها في منطقة المتوسط، ومنطقة البحر الأحمر. ويُبرز الدور التركي في الصومال وفي ليبيا مستوى الاهتمام العالي الذي توليه أنقرة للقارة الإفريقية، والذي مكَّنها من أن تتحول في سنوات قليلة إلى فاعل أساسي بإمكانه تعديل المسارات وفرض الأمر الواقع في أكثر مناطق الصراع التهابًا، كما هي الحال في ليبيا، وكذا الصومال.

وقد مكَّن هذا الحضور أنقرة من وضع اليد على مصادر هائلة للنفط والغاز، والتحول إلى شريك فعال وثابت للأنظمة المتناغمة معها.

كما أن توجه تركيا نحو النيجر، سيمثل هو الآخر تحديًا لفرنسا، خصوصا في ظل الآفاق التي تعد بها تركيا لإحداث نهضة اقتصادية وتطوير نوعي في مجالات الطاقة والزراعة في المنطقة.

  • الحضور التجاري الفعال: حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا والدول الإفريقية، خلال العام 2020، حوالي 186 مليار دولار، وفق بيان صادر عن هيئة الإحصاء التركية؛ حيث بلغت صادرات تركيا إلى بلدان القارة 126.7 مليار دولار، مقابل استيراد ما قيمته 59.8 مليار دولار(20).

موسكو وباريس: الصراع العنيف على أمن وثروات إفريقيا

تُظهر أزمة مرتزقة فاغنر في مالي عمق الصراع والتأزم في علاقات موسكو وباريس؛ حيث تعارض هذه الأخيرة بقوة ووضوح نشر قوات روسية في مالي، بينما تصرُّ باماكو، ومن ورائها موسكو، على هذا الوجود الذي سيعزز النفوذ الروسي في الساحل، وفي إفريقيا بشكل عام، ويربط الوجود العسكري الروسي في تشاد وليبيا بحلقة الساحل، ويمد أيادي الروس أكثر إلى مناطق المعادن والثروات الهائلة في مالي والساحل بشكل عام.

وما من شك في أن الاهتمام الروسي بإفريقيا قد تسارع وازداد خلال العشرية المنصرمة، وقد عبرت أجزاء كبيرة من هذا الاهتمام على لهب أزمات الربيع في سوريا وليبيا بشكل خاص؛ حيث أصبحت روسيا لاعبًا أساسيًّا في الشرق الأوسط وشمال ووسط إفريقيا.

ولا تُخفي فرنسا امتعاضها الشديد من الدور الروسي في إفريقيا، بل ترى فيه تأجيجًا مستمرًّا للمشاعر العدائية تجاه باريس، وفق تعبير الرئيس الفرنسي، ماكرون(21).

ورغم تنوع المداخل الروسية إلى إفريقيا سياسيًّا واقتصاديًّا، فإن الملف الأمني والعسكري يبدو الرسول الروسي الأكثر قرعًا للأبواب الإفريقية؛ حيث استطاعت قوات فاغنر الروسية غير الرسمية إبرام حوالي 30 اتفاقًا وتعاونًا أمنيًّا مع جيوش إفريقية متعددة، كما أن روسيا تستحوذ على 39% من الصادرات الدولية من السلاح تجاه إفريقيا(22).

ويبرز الصراع الروسي-الفرنسي في إفريقيا بقوة في ليبيا ووسط إفريقيا؛ حيث انحازت موسكو إلى خصوم باريس، كما أن دعمها القوي للانقلاب العسكري في مالي، قد أضاف عامل تأزيم قويًّا إلى وجود فرنسا في الساحل.

وما من شك في أن الوجود الروسي في إفريقيا بشكل عام مرشح لمزيد من التمدد، وأن قوات فاغنر ستتحول مع الزمن إلى عنصر مستقر وفعال في المشهد الأمني الإفريقي، حتى وإن أصرَّت فرنسا على اعتبارها عامل توتر وإثارة للنزاعات العرقية في القارة الملتهبة(23).

آفاق النفوذ ومستقبل العلاقة بين باريس وإفريقيا

من المستبعد أو الحالم إلى درجة كبيرة اعتبار النفوذ الفرنسي في مرحلة ضعف أو انهيار لأسباب متعددة، منها:

– مدى التغلغل والنفوذ الفرنسي في إفريقيا، والذي يستند على أكثر من قرن ونصف من الاستعمار المباشر وغير المباشر، والتدخل العنيف والتحكم المسيطر في مختلف مفاصل الحكم وتفاصيل الحياة في إفريقيا.

– خوف الأنظمة الإفريقية من فرنسا: حيث إن هذه الأنظمة هي أكثر من يعرف خطورة الدور الفرنسي، وما تملكه باريس من أوراق ضغط وعوامل تأزيم لم تترد في الماضي في استخدامها ولن تتورع في المستقبل عن تحريكها؛ مما يعني أن الأنظمة الإفريقية بشكل عام مرغمة على “تسيير المخاوف” في إطار علاقتها مع فرنسا.

– عمق الولاء الثقافي لإفريقيا في النخب العسكرية والسياسية والمالية في إفريقيا، فلا تزال باريس لدى كثير من الأفارقة نموذجا يحتذى؛ حيث يمكن أن نجزم أن أغلبية النخب المجتمعية في إفريقيا الفرنكفونية مصابة بحول ثقافي تجاه فرنسا، خصوصًا أن فرنسا هي جزء من خارطة الوعي والوجدان وتدبير المجتمع في إفريقيا، سواء عبر الأنظمة السياسية والنظم التعليمية والمسارات الثقافية، والمؤسسات الخيرية والكنائس والروافد والشركات القابضة.

ورغم كل ذلك، فإن هذا النفوذ يتآكل، ويتعرض للتوتر والتقلص شيئًا فشيئًا لأسباب متعددة، منها:

  • إخفاق فرنسا في تدبير علاقة إيجابية مع إفريقيا؛ حيث كان الاستعلاء السياسي والاستنزاف الاقتصادي والاستلاب الحضاري أبرز مقومات النظرة الفرنسية تجاه إفريقيا.
  • دور ثورة الاتصالات ووسائط التواصل الاجتماعي في تأجيج مشاعر الغضب تجاه فرنسا، وإيجاد نوافذ جديدة للتعبير عن هذا الغضب بعيدًا عن الإعلام الرسمي الذي يتحدث غالبًا بلغة ووجدان فرنسي.
  • شراسة المنافسة الدولية في إفريقيا، خصوصًا مع دخول لاعبين جدد، لا يملكون مشتركات كثيرة مع فرنسا بل يعتبرون نفوذها عقبة أمام تمددهم في إفريقيا.
  • تزايد الإخفاقات الأمنية لفرنسا في إفريقيا وتمدد دائرة الإرهاب، الذي يستنزف الجيش الفرنسي، ويهدد حلفاءها التقليديين، بل يدفعهم إلى طلب العون من خارج الحضن الفرنسي.
  • الرحيل المتواصل لأركان الصداقة الفرنسية-الإفريقية؛ حيث غادر الحكم خلال العشرية المنصرمة عدد من أصدقاء فرنسا، من رؤساء أطاحت بهم ثورات أو انقلابات شعبية.

ولا شك أن فرنسا ملزمة بانتهاج سياسة جديدة تجاه إفريقيا، تعتمد الشراكة والتعاون والتكامل، ولكن الوصول إلى هذه الحالة لا يزال بعيد المنال، خصوصًا أن النخبة الفرنسية المسيطرة محكومة بيوميات المشهد الانتخابي وتوجهات الناخب الفرنسي الذي يوغل في العنصرية والسير باتجاه اليمين المتطرف، وفرنسا لا تحتاج إلى مزيد من التطرف في علاقتها مع إفريقيا.

المحور التاسع: التنافس الدولي في إفريقيا: طبيعة وأبعاد النفوذ الروسي

رغم جهود روسيا لتعزيز وجودها وتوطيد علاقاتها في إفريقيا إلا أنها لا يزال أمامها الكثير لتلحق بمنافسيها الدوليين هناك، فإن ما تقدمه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من مساعدات واستثمارات للدول الإفريقية تفوق ما تقدمه روسيا.

تنبع الأهمية الجيوسياسية لإفريقيا من خلال موقعها الاستراتيجي الذي يعتبر ممرًّا مهمًّا في طرق المواصلات العالمية، وسيطرتها على أهم الأذرع المائية من وجهة الملاحة الدولية، وبما تملكه من ثروات وموارد طبيعية، سيما منطقة شرق إفريقيا التي يتداخل فيها القرن الإفريقي مع منطقة البحيرات العظمي وحوض النيل، لكن بسبب نقص الإمكانيات المادية والفنية والتكنولوجية والكوادر البشرية للدول الإفريقية وتنامي أطماع الدول العظمى، وتقاطع مصالحها ونفوذها، تعاني المنطقة من استقطاب حادٍّ متعدد الأطراف، وتحول الإقليم إلى مسرح لحالة من الصراع الدولي المحموم لأكثر من قرنين من الزمن، وحديثًا تصادم النفوذ الأميركي والأوروبي والإسرائيلي، وتنامي واستفحال النفوذ الصيني والروسي، كما أننا لا نغفل الوجود والنفوذ التركي الذي كان له وجود تاريخي في المنطقة إبَّان الدولة العثمانية في القرن قبل الماضي، فهو أيضًا زحف للمنطقة بحثًا عن مصالح ونفوذ جديد له فيها.

معروف أن مؤتمر برلين المنعقد في 1884، أعطى الضوء الأخضر للدول الغربية الاستعمارية لتقاسم القارة الإفريقية فيما بينهم لتسهيل السيطرة والاستفادة القصوى من خيرات القارة ومواردها الضخمة، فمع نهاية القرن التاسع عشر كانت الدول الأوروبية الاســــتعمارية (بريطانيا العظمى، وإيطاليا، وبلجيكا، وفرنسا فضلًا عن ألمانيا) قد سيطرت على معظم إفريقيا، عدا دولتين، هما: ليبيريا في غرب إفريقيا، وإثيوبيا في شرقها.

النفوذ الروسي في إفريقيا فترة قبل وبعد الحرب الباردة

تغلغل النفوذ الروسي وتمدد في قارة إفريقيا منذ خمسينات القرن الماضي واشتد إبان حقبة الحرب الباردة، سيما فترة الحراك الثوري للشعوب الإفريقية بغية التحرر من الاستعمار الغربي. في تلك الحقبة كان للاتحاد السوفيتي نفوذ كبير في القارة الإفريقية، وكان لهذا النفوذ قبول ورضى من قبل الشعوب الإفريقية حيث إنه كان يساند حركات وقوي التحرر من الاستعمار، ويمد تلك القوى بالسلاح والعتاد والدعم المادي والإعلامي والمعنوي فضلًا عن الدعم الأيديولوجي؛ فقد كانت هناك أحزاب عقائدية (الأحزاب الشيوعية، والقوى الاشتراكية) في إفريقيا وآسيا؛ حيث كانت تلك الأحزاب تشكِّل قواعد ومنارات سياسية قوية وراسخة تؤيد وتدعم الوجود الروسي في المنطقة، إلا أن هذا الوضع تهدَّم وذهب إلى مزبلة التاريخ في الألفية الثانية.

وهناك تجربة أخرى كبيرة خاضتها روسيا (الاتحاد السوفيتي السابق) في ستينات القرن الماضي في منطقة لها تأثيراتها على إفريقيا، ألا وهي منطقة جنوب الجزيرة العربية؛ حيث كان للاتحاد السوفيتي السابق نفوذ عسكري وأيديولوجي في جنوب اليمن (اليمن الجنوبي)، إلا أن هذه التجربة لم تفلح واختفت بعد أن باءت بالفشل الذريع، وخرج الاتحاد السوفيتي من جنوب اليمن بخُفي حُنين(1).

روسيا متنافسًا جديدًا في إفريقيا

ليس النفوذ الروسي في إفريقيا في الحقبة الحالية كما كان في فترة ما بعد الحرب العالمية وحقبة الحرب الباردة فقد انهار الاتحاد السوفيتي السابق بسبب ذهاب طاقته السياسية والأيديولوجية والاقتصادية وانحسار نفوذه السياسي والعسكري في العالم وسقطت قلعته الأخيرة في موسكو، فضلًا عن ظهور الأحزاب الراديكالية المضادة للنفوذ الروسي والاشتراكي في إفريقيا، وقارة آسيا، وأميركا اللاتينية بشكل خاص.

تعمل روسيا حاليًّا وبشكل متسارع على بناء وتعزيز نفوذ جديد لها في إفريقيا خاصة في شرق ووسط وغرب إفريقيا، فهي تعمل على تحريك وتنشيط نفوذها القديم في إفريقيا وذلك بتوظيف واستغلال علاقات الاتحاد السوفيتي السابق مع الدول الإفريقية؛ حيث صرَّح رئيس الدولة، فلاديمير بوتين، بأن العلاقات مع البلدان الإفريقية تعد إحدى أولويات السياسة الخارجية الروسية.

روسيا تدرك تمامًا أهمية القارة الإفريقية وأبعادها الجيوسياسية وبشكل خاص شرق، ووسط وغرب القارة، فالمنطقة يتزاحم فيها الكثير من القوى الكبرى وعلى راسها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والمملكة المتحدة ودول غرب أوروبا الأخرى التي تعمل في إطار حلف شمال الأطلنطي، وتعمل أحيانًا بشكل منفرد (فرنسا)، كما أن هناك قوى أخرى لها أطماعها وتأثيرها ونفوذها تعمل في المنطقة (إسرائيل وتركيا وإيران والهند). أضف إلى ذلك التحالف العربي (الإماراتي/السعودي)، الذي يقاتل في اليمن بغية الاستحواذ على الموانئ والقواعد العسكرية في خليج عدن والبحر الأحمر، والمحيط الهندي، وهو يعمل ضمن استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، ومعروف أن الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية لها قيادة عسكرية ضخمة في القارة الإفريقية، وبالتحديد منطقة شــرق إفريقيا، (قيادة المنطقة العسكرية لحلف الناتو في شرق إفريقيا).

تعمل روسيا على إيجاد موطئ قدم لها في إفريقيا من خلال البوابة الصينية، ومن تحت عباءتها؛ حيث إن الصين هي المستثمر الأول في إفريقيا، ولها علاقاتها جيدة مع الدول الإفريقية وعادة تقوم علاقات الصين مع إفريقيا على البعد الاقتصادي. لذا، شهدت تلك العلاقات تطورًا كبيرًا في العقدين الأخيرين.

تحاول روسيا التغلغل إلى داخل إفريقيا عبر الوجود في الموانئ المطلة على البحر الأحمر، وبناء قواعد عسكرية في مناطق حاكمة واستراتيجية في الشواطئ الإفريقية للولوج إلى القارة الإفريقية لمنافسة التحالفات الغربية المنتشرة في المنطقة والحصول على حصص لها من موارد القارة، فتقوم بتقديم الخدمات اللوجستية والدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الدفاعية والأمنية والاقتصادية وخبرات التحكم في الأمراض والأوبئة، وبعض التدريبات في مجال التعليم والتكنولوجيا(2).

تحاول روسيا زعزعة التحالفات الموجودة (حلف شمال الأطلنطي، والتحالفات العربية الموجودة المتصلة بالتحالفات الغربية) لإضعافها وتشتيت جهودها ليتسنى لها الولوج إلى دول المنطقة دون الدخول في أعمال عسكرية عنيفة أو منافسات علنية قد تكلفها الكثير.

لا شك أن النفوذ الروسي في إفريقيا يثير الكثير من القلق، فهناك دول إفريقية عديدة تتوجس وتتخوف من هذا النفوذ وتحاول أن تتحاشاه بشتى الطرق والأساليب، فالتجربة الروسية في البلقان ودول شرق أوروبا إبان الحرب الباردة، وفي الصومال والعراق في حقبة التسعينات لا تزال تشكِّل شبحًا مخيفًا لهذه الدول، أضف إلى ذلك فإن التجربة الروسية في سوريا لا تزال عالقة في آفاق السياسة الدولية، فهي تجربة مخيفة وصادمة، جعلت الكثير من الدول يتحاشى ويتردد في الدخول في تحالفات أو اتفاقيات اقتصادية أو سياسية مع روسيا.

أما إثيوبيا فلها تجربة مريرة مع روسيا (الاتحاد السوفيتي السابق) لا تزال تجترها شعوب إثيوبيا، والدول المجاورة، حتى اللحظة، ففترة حكم الرئيس الأسبق، منغستو هيلاماريام، في سبعينات القرن الماضي كانت تجربة مؤلمة خاضتها الشعوب الإثيوبية عانت فيها الفقر والمرض ومهالكهما، والانحطاط السياسي وعنفه وويلاته، والاضطهاد الاجتماعي والثقافي لأبعد حدوده، فلا أعتقد أن الشعوب الإثيوبية ستتجاوز تلك التجربة أو تتناساها وتدخل مع روسيا في تحالفات جديدة.

أما إذا تحدثنا عن اتفاقات روسيا مع إثيوبيا في العام 2020-2021، بشأن إمداد الأخيرة بالسلاح والعتاد والذخائر، فإنها لم تحدث إلا بعد أن اشتدت ضراوة المعارك التي يشنها الجيش الإثيوبي ضد إثنية التيغراي والجماعات الإثنية الأخرى التي تقاتل الحكومة الإثيوبية، وحاجة إثيوبيا للسلاح والذخائر. ومعروف أن الجيش الإثيوبي يعتمد اعتمادًا كليًّا على السلاح والعتاد الروسي؛ حيث إن الجيش الإثيوبي يقوم على التنظيم الروسي منذ فترة حكم الرئيس الإثيوبي الأسبق، منغستو هيلاماريام، لذا لجأت الحكومة الإثيوبية إلى روسيا لإمدادها بالسلاح والذخائر لمواجهة هذا التمرد الكبير.

حقيقة أن مواجهة الجيش الإثيوبي مع إثنية التيغراي ليست سهلة فقد تطيح بالنظام القائم في أديس أبابا، فهذه الجماعة لها تاريخ نضالي طويل وقوي؛ حيث إنها شاركت في حرب التحرير من حكم الرئيس الأسبق، منغستو هيلاماريام، في تسعينات القرن الماضي ومارست الحكم في إثيوبيا لعقدين من الزمن ولهم تاريخ في السلطة منذ قيام الإمبراطورية في إثيوبيا، فضلًا عن أنهم يمتلكون الكثير من السلاح والعتاد، ومعظم الكوادر المقاتلة والمدربة في الجيش الإثيوبي من إثنية التيغراي، وفضلًا عن ذلك فإن بيدهم الكثير من أسرار الجيش ولهم قواعد سياسية لها وزنها رغم أنهم أقلية.

تحاول إثيوبيا زيادة زخم علاقاتها مع روسيا سيما في هذه الفترة العصيبة من تاريخها حيث إنها تجابهه تمردًا كبيرًا قد يطيح بالنظام القائم، ودعمًا لهذا القول فقد قامت إثيوبيا بتعيين وزير خارجية سابق ليكون سفيرًا لها في موسكو وهذا مؤشر قوى يشير إلى أن إثيوبيا تحاول بناء علاقات قوية وفاعلة مع روسيا سيما في الفترة الحالية لكبح جماح تمرد أثنية التقري والجماعات المتمردة الأخرى ومحاولة دفع روسيا للقيام بدور لحل الخلاف القائم في حوض النيل الشرقي والمتعلق بسد النهضة الإثيوبي، والحصول على مساندة روسيا في المحافل الدولية لتمرير أجندتها السياسية والاقتصادية دوليًّا وإقليميًّا(3).

بؤر النفوذ الروسي في إفريقيا ودلالاته

الوجود الروسي في شكله العسكري والأمني في إفريقيا يتمظهر بشكل واضح في إريتريا، رغم أن إريتريا ليست لها ولاءات سياسية واضحة وثابتة فهي تتعاون وفق مصالحها الآنية، وتقلبات الأوضاع الجيوسياسية في الإقليم، فهي تتعاون مع المحور الأميركي، والأوروبي تارة، وتارة أخرى تتحالف مع المحاور التي تضج بها المنطقة. لذا، فإن النفوذ الروسي في إريتريا غير مستقر ومحفوف بالمخاطر ومهدد بالزوال وفقًا لمتغيرات السياسة الدولية في منطقة القرن الإفريقي حيث يمكن أن تلفظه إريتريا في أي وقت.

للوجود الروسي في إفريقيا وبشكل خاص في غرب ووسط إفريقيا وشرقها أهداف عسكرية واقتصادية، فروسيا تعاني من نقص حاد في المعادن النادرة والمهمة والحيوية لصناعاتها المختلفة (كالمنجنيز والبوكسيت والكروم)، كما أن روسيا تمتلك خبرات وتكنولوجيا متقدمة في مجال الطاقة تريد أن تقدمها للدول الإفريقية مقابل المواد الخام وفتح أسواق لمنتجاتها. لا شك أن علاقات روسيا الدفاعية مع دول غرب إفريقيا في نمو سريع ومستمر، فالشركات الروسية بشقيها، الأمني والاقتصادي، تعمل في أنغولا بجنوب شرق القارة الإفريقية لاستغلال النفط والمعادن الثمينة (الألماس والذهب). وفي العام 2017-2018، وقَّعت روسيا اتفاقيات تعاون مع أكثر من (تسع عشر دولة) إفريقية جُلُّها في غرب إفريقيا، منها على سبيل المثال لا الحصر (نيجيريا، وأنغولا، وغينيا الاستوائية، وبوركينا فاسو، والسودان)، كما وقَّعت اتفاقات لاستخراج الغاز الصخري من موزمبيق، وبالتالي استطاعت أن تمد نفوذها وهيمنتها بقوة لوسط وغرب القارة الإفريقية، (إفريقيا الوسطي ونيجيريا وتشاد)، وينشط الدور الروسي في إفريقيا الوسطى في دعم الحكومة ضد الجماعات المتمردة؛ حيث تشارك بقوات خاصة من الشركات الأمنية في عمليات تأمين وحراسة المؤسسات الحكومية ومناطق الموارد الاقتصادية المهمة والحيوية.

أما في المغرب العربي، فإن روسيا تستخدم المرتزقة والشركات ذات الخلفية الاستخباراتية والأمنية في ليبيا للقيام بأدوار سياسية وعسكرية وأمنية (شركة فاغنر الروسية) التي تعمل في استغلال الثروات المعدنية، وتشارك في العمليات القتالية وتقديم الدعم لبعض القوى والتيارات السياسية التي تتقاتل في ليبيا، ولا يغيب عن البال أن روسيا تريد من ذلك أن تكون قريبة من نفط ليبيا، ومناطق التعدين الأخرى في إفريقيا الوســطي وشمال غرب إفريقيا (النيجر، وموريتانيا، والجزائر)، وقريبة من النفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا لتحجيمه وتحييده وإضعافه حتى لا يجد المجال ليتمدد شرقًا تجاه السودان وليبيا. أضف إلى ذلك أن النفوذ الروسي في منطقة غرب إفريقيا له مآرب عقائدية وأيديولوجية فهو يدعم ويساند الحركات المناوئة للتيارات الإسلامية والعربية في المنطقة.

رغم ازدحام المنطقة بالتحالفات والقواعد العسكرية وحركة القوات، فإن روسيا الآن تحاول التغلغل في السودان من خلال قاعدة (فلامنجو) التاريخية في شرق السودان والقريبة من ميناء بورتسودان، ومعروف أن هذه القاعدة سبق واستخدمتها قوات الحلفاء إبَّان الحرب العالمية الثانية؛ حيث إنها ذات موقع استراتيجي مميز يتحكم في البحر الأحمر، وفي حركة الملاحة البحرية والجوية في المنطقة، وتهدف روسيا من خلال وجودها في المنطقة إلى السيطرة على ممرات النفط العربي والإفريقي في البحر الأحمر، وتأمين استثماراتها في مناطق التعدين في السودان، فضلًا عن عرقلة الاستراتيجية الأميركية الرامية إلى تنمية نفوذها وزيادة وجودها في السودان؛ حيث إن هناك مؤشرات تؤكد أن الولايات المتحدة الأميركية تخطط لنقل قيادة حلف الناتو والقوات الأميركية العاملة في إفريقيا إلى السودان.

تطورات الأحداث في ليبيا كشفت عن مدى تأثير روسيا على مجريات الأحداث في المنطقة وعلى مدى ضعفها في مواجهة التحالف الأميركي الغربي، خاصة في شمال إفريقيا، فالموقف الروسي في ليبيا وغيرها كثيرًا ما اتسم بالتردد الشديد فلا هي أيدت الثوار ولا تمكنت من الإبقاء على الأنظمة القائمة، كما أنها لم تكن تملك استراتيجية لمواجهة التغييرات مثلما هو قائم الآن في شرق إفريقيا، وفي الوقت ذاته لم يكن لديها خطة لتعطيل الاستراتيجيات الغربية لكنها وعبر سياستها التي يمكن أن نصفها بالثبات والاستمرارية في الوقت ذاته استطاعت أن تتجاوز التداعيات الخطرة على مصالحها، فقد أصبحت مع الوقت تقدم نفسها للعب دور وظيفي في استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة، فهي حاليًّا تحاول الانخراط المباشر في أزمات المنطقة كلاعب رئيسي في كافة الملفات، فأخيرًا قدمت نفسها كوسيط في أزمة سد النهضة بين دول حول النيل الشرقي (إثيوبيا، ومصر، والسودان)، وتحاول أن تتوسط في الأزمة القائمة في اليمن وغيرها.

لا أشك في أن الاستراتيجية الأميركية الغربية الرامية إلى إعطاء الشرق الأقصى وإفريقيا أولوية لمواجهة الصعود الصيني والهندي ستؤدي إلى فراغ يمكن تهيئة روسيا لملئه شرط تخليها أو تملصها من العباءة الصينية والانخراط في الاستراتيجيات الغربية الرامية لتحجيم الدور الصيني في العالم عمومًا، وفي إفريقيا وآسيا بشكل خاص، وذلك لتأكيد في دورها في العالم والقارة الإفريقية بشكل خاص، لكن ذلك لا يتحقق إلا بعد رصد حوافز وتطمينات لروسيا حتى لا تحاول إكمال دورها الخفي مع الصين في إفريقيا.

أما في مصر العربية، فإن الدور الروسي بدأ فعلًا يتبلور بعد إنها حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر في يوليو/تموز 2013، وتبني العسكريين لنظام جديد؛ مما أعطى روسيا فرصة أخرى للعب دور هيئته الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها مصر والتي كانت تبحث عن حليف قوي يؤمِّن لها دعمًا في مواجهة التحديات التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية والغرب على النظام المصري، كما أن هذا الأمر فرضته المراجعة الروسية لاستراتيجياتها وإدراكها للأخطاء التي قلَّصت فرص وجودها في المنطقة ككل، فقد أصبح ذلك التطور بمنزلة نموذج لعلاقات جديدة تقتدى بها دول المنطقة؛ حيث إن التبادل التجاري مع مصر ارتفع بشكل واضح خلال عام 2014، بنسبة 86% ليصل إلى خمسة مليارات دولار أميركي. وبالمقابل، ارتفعت الصادرات المصرية إلى روسيا بنسبة 22.3% لتصل إلى 540 مليون دولار، وحاليًّا تخطط روسيا مع مصر لإنشاء منطقة للتجارة الحرة ومنطقة صناعية روسية في منطقة السويس فضلًا عن صفقات السلاح التي جرى الاتفاق عليها في العامين الماضيين. هذا التطور سينعكس حتمًا بشكل إيجابي على الوجود والنفوذ الروسي في المنطقة ككل خاصة منطقة شرق إفريقيا والقرن الإفريقي(4).

مستقبل النفوذ الروسي في القارة الإفريقية

تسعى روسيا من خلال الوجود في البحر الأحمر والمحيط الهندي وبحر العرب لتقوية وجودها في إفريقيا، وخلق نفوذ لها في المياه الدافئة في الشرق الأوسط لضمان عدم محاصرتها بواسطة التحالف الغربي الإمبريالي في مناطق نفوذها المعروف في سوريا، وإيران.

بهذا التكتيك، تحاول روسيا أن تؤمِّن موقفها في منطقة بحر قزوين للاستحواذ على نفط بحر قزوين، وبناء منصات سياسية وعسكرية وأيديولوجية في المنطقة للتقرب من أفغانستان لبسط نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي عليها بالتنسيق مع الصين بعد الانسحاب الأميركي من المنطقة. لهذا، فإن موسكو تراقب الموقف عن كثب وتخطط مع الصين للتعاطي مع حكومة طالبان المرتقبة لتأسيس نفوذ جديد لها في المنطقة، فالفعل والتكتيك الروسي في إفريقيا يدعمان خطة الخداع الاستراتيجي الروسي التي تهدف لإلهاء التحالفات الغربية، ولفت نظرها بعيدًا عن أهداف روسيا في آسيا الوسطى سيما أفغانستان.

في اعتقادي أن حركة الوجود الروسي في إفريقيا ليست لها استراتيجية واضحة المعالم حتى الآن رغم أن روسيا تعمل مع الصين لخلق محور يتوازن مع المحور الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية تحت مظلة حلف الناتو. ورغم أن روسيا تعمل مع الصين بشكل علني وتنسيق واضح وقوى في بحر الصين الجنوبي ومنطقة البلطيق وطريق الحرير وأفغانستان وإيران ومناطق أخرى من العالم، إلا أنها تعمل مع الصين في إفريقيا بشكل خفي وهادئ وتنسيق عميق له أبعاده ومراميه، فروسيا عادة ما تتجنب الدخول في منافسات علنية أو عنيفة مع المحور الغربي خاصة الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، لكن رغم ذلك فإن الوجود والنفوذ الروسي والصيني في إفريقيا يرعب المحور الأميركي/الأوروبي.

النفوذ الروسي في القارة الإفريقية قد يتطور بتطور النفوذ الصيني المتقدم فهو المستثمر الأول في إفريقيا، وروسيا قد تساعد الدول الإفريقية من خلال التسلح والاستثمار في مجال المعادن فهي تمتلك شركات ضخمة ومتمكنة في مجال التنقيب عن النفط والغاز والتعدين، إلا أن تاريخ روسيا في المنطقة مخيف ومرعب فهي تستصحب معها شركات لها خلفيات استخباراتية وأمنية قد تزعج الدول الإفريقية سيما الدول التي تسعى إلى الديمقراطيات والحكم الرشيد.

علاقات روسيا بالمنطقة مرهونة بالنفوذ الغربي والأميركي بشكل خاص فهناك قضايا لها أهميتها فقضية المياه وسد النهضة تهم إسرائيل واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية فضلًا عن قضايا الاستثمارات الضخمة والأسواق في إفريقيا التي تؤرِّق الدول الغربية وهي برامج تريد الولايات المتحدة الأميركية أن تقوم بتنفيذها في القارة السوداء وتهدف الدول الغربية إلى الاستحواذ على كل تلك الاستثمارات في الدول الإفريقية.

رغم جهود روسيا لتعزيز وجودها وتوطيد علاقاتها في إفريقيا إلا أنها لا يزال أمامها الكثير لتلحق بمنافسيها الدوليين هناك، فإن ما تقدمه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من مساعدات واستثمارات للدول الإفريقية تفوق ما تقدمه روسيا. فضلًا عن ذلك، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستعمل على دفع النفوذ الصيني بعيدًا عن إفريقيا وبالتالي ستكون روسيا في مهب الريح حيث إن وجودها مرهون بالوجود الصيني في المنطقة(5).

خلاصة المحور التاسع

لا شك أن نظرة الدول الغربية الاستعمارية لإفريقيا لن تتبدل، وأن تكالبها على موارد القارة سيستمر بنفس الزخم وبذات الاستراتيجية أحادية المنفعة، وأن المستعمر لن يغير أهدافه ومراميه فهو يريد أن يستحوذ ويستغل كل موارد القارة الإفريقية ويحتكرها لنفسه، ويريد أن يجعل من إفريقيا سوقًا كبيرة لمنتجاته وصادراته. لذا، سيعمل على حرمان الدول الإفريقية من أن تقوم بأي دور تنموي أو تقدمي للاستفادة من مواردها وخيراتها، ولن يسمح لها باللحاق بالدول الكبرى والمتقدمة. لذا، فإن لم تكن هناك وطنية وإرادة سياسية قوية وغلَّابة لدى الدول والشعوب الإفريقية ونخبها السياسية والاجتماعية، لإعداد وتنفيذ برامج تنمية طموح ومرضية وبناء شراكة سياسية واقتصادية فاعلة وقوية بين الدول الإفريقية لاستغلال كافة الموارد المتوافرة والمتاحة في إفريقيا لن يكون هناك مفر من الهيمنة الاستعمارية.

المحور العاشر: القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا ومناورات “الأسد الإفريقي 2021”: اتجاهات تغير خارطة الأمن في منطقة شمال إفريقيا

استمرار المناورات الأميركية بإفريقيا وبالخصوص في شمالها يعني التأثير على وضع فرنسا إفريقيًّا ودوليًّا، وتفويت الفرصة عليها، وهو يدخل في مسار تهميش القوى العظمى التقليدية في العالم وتفرد أميركا في ظل الأحادية القطبية.

لا يخفى أن الاهتمام الأميركي بالقارة الإفريقية وبقسمها الشمالي على وجه التخصيص هو جزء من المدرك الاستراتيجي لواشنطن؛ نظرا لأهمية هذا الفضاء الجغرافي. وذلك منذ منتصف تسعينات القرن العشرين، من خلال إطلاق العديد من المبادرات، على غرار مبادرة “أيزنشتات” لعام 1998 والتي تدخل ضمن استراتيجية الأمن القومي الأميركي أو ما يصطلح عليه بـ”مشروع القرن الأميركي الجديد”(1) لعام 1997، حيث كان الهدف منه هو تقسيم العالم إلى مناطق إقليمية تتعزز من خلالها القيادة الأميركية للعالم؛ حيث نصَّت كل من “الاستراتيجية الأميركية الكبرى” و”مبدأ كارتر” على حيوية المصالح الاقتصادية الأميركية في إفريقيا وضرورة حمايتها ولو باللجوء إلى استخدام القوة العسكرية.

بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وما أعقبها من إطلاق لمشروع هندسة التفرد الأميركي من خلال قيادتها للاستراتيجية الدولية لمكافحة الإرهاب. وَجَد البيت الأبيض الأميركي في دول شمال إفريقيا شريكًا وثيقًا لتتحول بعدها أجندة السياسة الأميركية في المنطقة إلى ترتيبات على المدى البعيد ضمانًا لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة(2)؛ وهو الأمل الذي تجسد من خلال الخارطة السياسية والأمنية الأميركية المسطرة لمنطقة شمال إفريقيا، والتي كان فيها البُعد الأمني والعسكري مدخلًا سيدًا ومهمًّا لفهم طبيعة دينامية القوة الأميركية في هذا الجزء المهم من جغرافيا القارة السمراء والتي ترجمتها سلسلة البرامج العسكرية السنوية المسطرة أميركيًّا في تلك المنطقة منذ بدايات القرن الحادي والعشرين -بالموازاة مع التركيز الاستراتيجي الأميركي على منطقة المحيط الهادي- لتتخذ من منطقة شمال إفريقيا بوابة رخوة سمحت باستمرارية البوصلة الأمنية والخطوات الأميركية العسكرية الجادة في القارة، من خلال سلسلة مناورات “الأسد الإفريقي”، وكانت طبعة يونيو/حزيران 2021 أحد المداخل الأكثر أهمية وتأثيرًا في التاريخ الاستراتيجي للقارة ومنطقة شمال إفريقيا على وجه الخصوص(3)، وهو ما سيعكف عليه هذا المقال من خلال التطرق إلى مجموعة من العناصر هي كالآتي:

1. المدرك الاستراتيجي الأميركي لمنطقة شمال إفريقيا.

2 . التنافس الأميركي على منطقة شمال إفريقيا من مدخل مناورات “الأسد الإفريقي 2021”.

3. واقع التوازن الاستراتيجي في شمال إفريقيا بعد مناورات “الأسد الإفريقي 2021”.

4. قراءة في استراتيجية أفريكوم تجاه شمال إفريقيا بعد مناورات “الأسد الإفريقي 2021”.

1. المدرك الاستراتيجي الأميركي لمنطقة شمال إفريقيا

يندرج التصور الأميركي لمنطقة شمال إفريقيا ضمن فكرة شرق الأوسطية مع نهاية القرن العشرين وذلك في إطار المشروعات الأميركية المتعلقة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في دول منطقة الشرق الأوسط وبروز التعريف الأميركي للمنطقة التي تمتد حدودها غربًا لتشتمل على دول شمال إفريقيا العربية إلى إيران في جنوب غرب آسيا، وتركيا ودول المشرق العربي إضافة إلى “إسرائيل” القومية السياسية الجديدة التي دخلت المنطقة العربية في بداية القرن الماضي لِتُخلَّ بتوازن البناء الإقليمي العربي الهش منذ سقوط الدولة العثمانية وموجة الاستعمار الغربي، وقد يكون -حسب بعض الاستراتيجيين- زرع الأقلية القومية اليهودية (الكيان الحديث) من أهم أسباب تبني واشنطن فكرة شرق الأوسطية التي تعود جذورها إلى مصطلح الشرق الأدنى الذي استُعمل في القرن التاسع عشر لأول مرة للدلالة على المنطقة الجغرافية الخاصة بغرب آسيا وما يجاورها من بلاد عربية بدءًا من الخليج العربي وحتى شمال إفريقيا وارتبط بالقوى الاستعمارية الأوروبية.

وكان منتصف خمسينات القرن الماضي بدايةً للتعامل مع الشرق الأوسط كحقيقة جغرافية لوصف المنطقة الممتدة من المغرب على المحيط الأطلسي والبحر المتوسط في شمال إفريقيا غربًا إلى باكستان ومن تركيا إلى البحر الأسود شمالًا، حتى السودان والقرن الإفريقي جنوبًا، وصار مصطلح الشرق الأوسط ثابتًا في الكتابات والدراسات العلمية يشمل وحدات سياسية: مصر، والأردن، وفلسطين، وسوريا، ولبنان، ودول المنطقة المغاربية: ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب إضافة إلى الكيان الصهيوني (إسرائيل).

وبالرغم من التعريف الجغرافي السياسي للمنطقة لم يتحقق بعد تحديد آثار هذا المفهوم كنظام إقليمي أو نظام دولي فرعي للتفاعلات والمشاكل والقضايا الأمنية تحديدًا خاصة بعد نهاية الحرب الباردة، مع إعادة بعثه في مفهوم “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” (MENA) شائع الاستعمال في الأدبيات الأنجلوسكسونية، وتصنيفات وزارة الخارجية الأميركية لمناطق العالم المختلفة، والاستراتيجيات الأميركية والأطلسية، أو الاستعمال البريطاني لمصطلح (NAWA) (North Africa and West Asia) شمال إفريقيا وغرب آسيا، ولا حتى بعد إيداع الإعلان الألماني الأميركي، يوم 27 فبراير/شباط 2004، حول “إفريقيا الشمالية والشرق الأوسط” الذي جاء فيه أن الاتحاد الأوروبي لديه نية لضم دول أوروبا الشرقية ودول إفريقيا الشمالية المجاورة لأوروبا.

ومع أن التصور الأطلسي للمنطقة يعتمد إلى حدٍّ كبير على المفهوم الأميركي “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” إلا أنه اعتلى أجندة منظمة حلف شمال الأطلسي في ظل معطيات البيئة الأمنية العالمية المتغيرة بعد نهاية الحرب الباردة بشكل مختلف حيث أشار المفهوم الاستراتيجي للحلف، سنة 1991، إلى “منطقة جنوب المتوسط والشرق الأوسط”(4) ليربط بين التصورين، الأوروبي والأميركي، في مفهومه الجديد لنظام إقليمي أو تصور لبناء أمني إقليمي محتمل لمنطقة امتازت بالتوتر وعدم الاستقرار طويلًا، وقد تأخذ مشاكلها وقضاياها منحى جديدًا قد يهدد/يؤثر إلى حدٍّ بعيد على الاستقرار والأمن في كامل المنطقة المتوسطية وتطول آثارها المنظومة الأورو-أطلسية.

ومع أن كل هذه التصورات الغربية والأدبيات الأنجلوسكسونية والفرانكفونية تستهدف عُمْق الوطن العربي الجغرافي (وحتى الإسلامي بامتدادها إلى تركيا وإيران،…) الممتد من المغرب وموريتانيا غربًا، إلى إيران وتركيا شرقًا، حتى إفريقيا الوسطى جنوبًا، كمنطقة متصلة ببعضها البعض، منسجمة إلى درجة كبيرة بسبب اللغة المشتركة، والدين، والتاريخ، والعادات، والتراث،…فإن الأدبيات  العربية -أو معظمها- تستعمل هذه المفاهيم والمصطلحات الغربية/الغريبة متغاضية عن خطورتها على المدى الطويل في طَمْس الهوية العربية والإسلامية للمنطقة.

وبالرغم من الخلافات/الاختلافات في تحديد هوية المنطقة بين الطرفين الأميركي والأوروبي (وخاصة الفرنسي) ما بين الهوية شرق الأوسطية مقابل الهوية المتوسطية تبقى كل المُسَميات/المفاهيم المتعلقة بها مرتبطة بمشاريع فك وإعادة تركيب الكيانات العربية القائمة ضمن السياسات والاستراتيجيات الأوروبية-الأميركية والأطلسية من أجل إيجاد كيانات سياسية جديدة على أساس متجانس يُفْضي إلى إعمال الفوضى داخلها لإضعافها، أي تحديد مفهوم للمنطقة العربية يكون فيه لشمال إفريقيا مَوْقع وثِقَل لِمَا للمنطقة من أهمية جغرافية وجيوسياسية وجيواستراتيجية. وهو ما يفسر تنامي أسهم المناورات العسكرية الأميركية في بورصة التركز الاستراتيجي لها في المنطقة.

2. التنافس الأميركي على منطقة شمال إفريقيا من مدخل مناورات الأسد الإفريقي 2021

مع انتهاء الحرب الباردة، وخروج الاتحاد السوفيتي ومعسكره من مباراة التنافس والصراع على المستوى الدولي، والتفكك للنظام العالمي السابق، انتقلت العلاقات الدولية إلى مستوى آخر هو المنافسات التقليدية بين القوى العظمى حول المصالح العاجلة والآجلة في منطقة شمال إفريقيا، وأطراف هذه المنافسات بجانب الولايات المتحدة الأميركية الدول الأخرى ذات التاريخ الاستعماري مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا. وسوف يستمر هذا الوضع خلال فترة إعادة الصياغة وتشكيل النظام العالمي المرتقب، وهي فترة سيولة عامة تتنافس فيها قوى عالمية وقوى إقليمية، ويحكم العلاقات فيما بينها مبدأ المنافسة ومبدأ المشاركة، وستظل المواقف والسياسات والممارسات تتراوح بين هذين المبدأين إلى حين تنضج وتستقر حالة النظام العالمي الجديد. ويبدو أن هناك عدة عوامل تساعد على خلق نوع جديد من الحرب الباردة في منطقة شمال إفريقيا، ومنها(5):

1. الحاجة للموارد الموجودة في دول المنطقة إلى حدٍّ كبير وخصوصًا النفط والمعادن الاستراتيجية الأخرى، وكذلك الحاجة لأسواقها.

2. استمرار أهمية المواقع الاستراتيجية لدول المنطقة، خاصة المطلَّة منها على الممرات المائية وطرق التجارة العالمية وبالتحديد البحر المتوسط والمحيط الأطلنطي، وهي ما زالت أحد العوامل الحاسمة بالنسبة إلى المصالح الغربية، وخصوصًا الأمنية منها(6).

3. ظهور الإسلام كأحد الأيديولوجيات المعاصرة التي تسعى من خلال بعض الأفراد والجماعات السياسية لتنظيم نفسها ومؤيديها في تحدي الغرب وفي مواجهة سياساته وممارساته، في مناطق عدة من العالم، ومنها منطقة القارة الإفريقية.

وخلال هذه الفترة الانتقالية تسجل الولايات المتحدة الأميركية تقدمًا ومكاسب متنوعة، نتيجة دخولها لتحل محل نفوذ الاتحاد السوفيتي ومعسكره سابقًا بشكل عام أو بشكل جزئي، طبقًا لأوضاع كل حالة أو كل دولة في إفريقيا ومن بين هذه الدول يوجد عدد من الدول الفرنكفونية في شمال القارة الإفريقية، وهذا يحدث قلقًا واهتمامًا في السياسة الفرنسية تجاه القارة الإفريقية، فهي تسعي منذ فترة لطرح وتنفيذ إطار جديد أو إنشاء توازن مناسب ومنضبط يحفظ لها نفوذها ووجودها الحالي، كما تعمل بأساليب متنوعة لاستعادة ما فقدته من مراكز ومناطق نفوذ تقليدية(7).

من هذا الباب، جاءت تمارين “الأسد الإفريقي 2021” -في طبعتها السابعة عشرة- في إطار اختبار قدرة البرنامج الاستراتيجي الأميركي والدول المشاركة على الاستجابة لمواقف أمنية طارئة في ظل ظروف وبيئة تهديد حقيقية ووضعيات طارئة تقتضي جاهزية متفاعلة وردًّا سريعًا(8). كما تمحورت تلك التدريبات السنوية والتي نُظِّمت في/ومع المغرب حول عدد من المشاريع ذات الصلة بالهندسة والمساعدات المدنية الإنسانية في إقليم طانطان(9)؛ حيث عكفت كل من القيادات الأميركية والأطراف المشاركة، على غرار كل من الطرف المغربي والسنغالي والتونسي على إجراء تمارين تطبيقية تحاكي فيها مواقع جغرافية حقيقية(10).

في الحقيقة، تعد تمارين “الأسد الإفريقي 2021″(11) استمرارية للتعهد الاستراتيجي للإدارة الأميركية والتعامل مع الملف الإفريقي في إطار وضع استراتيجية عسكرية مناسبة قائمة على المرتكزات الأميركية الأمنية الآتية(12):

أ. إعطاء أولوية لمحاربة الإرهاب الدولي في شمال إفريقيا: إن الإدارة الأميركية يتوجب عليها أن تزيد جهودها لتنسيق التدابير الأمنية في بلدان شمال إفريقيا المتعلقة بمخاطر الإرهاب ويتوجب عليها أيضًا أن تكون مستعدة دومًا لاتخاذ الإجراءات الوقائية.

ب. الاستعداد للتدخل الأميركي المباشر في شمال إفريقيا: يجب على الولايات المتحدة الأميركية ألا تخشى استخدام قواتها بشكل حاسم في حالة تهديد مصالحها الوطنية الحيوية. من الناحية الأخرى، وحتى إذا لم تكن المصالح الأميركية الحيوية مهددة بالضياع، فالولايات المتحدة يجب عليها أن تَكُونَ حذرة، وألا تتوانى بالضرورة، عن تقديم المساعدات العسكرية إلى دول المنطقة.

لقد كانت الولايات المتحدة راضية بشكل كبير عن الدور الذي تقوم به في القارة الإفريقية في عقد التسعينات من القرن الماضي، على وجه العموم، باستثناء التدخل الأميركي في الصومال. وعلى الرغم من أن هذا التدخل كان الوحيد الذي يتسم بالأهمية على مستوى القارة في ذلك العقد إلا أن النتائج السيئة المتمخضة عن العملية العسكرية الأميركية في مقديشيو أضعفت عزيمة الإدارة الأميركية على القيام بدور أكثر فعالية(13).

ج. مساعدة الدول الإفريقية ودعمها عسكريًّا: الدور الأكثر ملاءمة للقوات الأميركية في حالة ضرورة التدخل في إفريقيا يجب أن يركز على تقديم الدعم المناسب للجيوش الدول الإفريقية على المستوى الإقليمي، بما في ذلك النقل الجوي والبحري، والاستخبارات المتقدمة، والمراقبة، وعمليات الاستطلاع، والاتصالات وربما بعض الأصول لحماية القوة المتدخلة. على سبيل المثال، ففي عام 1999، احتاج الموظفون والعسكريون الأميركيون إلى الدعم اللوجستي للتدخل الدولي في تيمور الشرقية. “نموذج تيمور الشرقية” يجب أن يُعْمل به كنموذج لأية قوات أميركية يمكن أن تُستعمل بفائدة لدعم العمليات الإنسانية الحيوية مع مراعاة أن الاستعمال واسع النطاق للقوات المقاتلة الأميركية في إفريقيا ليس مرغوبًا فيه على إطلاقه وإنما ينبغي توظيف القوات المُسلحة لتلبية مطالب الحرب العالمية على الإرهاب. بذاك الخصوص، الولايات المتحدة يجب أن تقيس دورها بعناية في عمليات صنع السلام، فمثل هذه العمليات يمكن أن تورط الولايات المتحدة في النزاعات التي تتطلب مصادر وإمدادات عسكرية كبيرة. بالتالي، فإن الولايات المتحدة يجب أن تدخر قواتها لمهمات القوة العظمى التي لا تكون عندها سوى القوة العسكرية للولايات المتحدة القادرة على القيام بذلك، وبناء على ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تحدد وتقدم مساعدتها العسكرية لإفريقيا بطريقة أفضل تعكس حاجات إفريقيا، وبشكل يساعد على سدِّ الثغرات والفجوات في قدرات جيوش الدول المعنية بالاهتمام الأميركي.

د. زيادة المساعدات العسكرية إلى الدول الإفريقية الديمقراطية: أفضل طريق للولايات المتحدةِ لمَنْع إبادة ملايين الإفريقيين يتوقف على منع حملات الإبادة عن طريق إعاقة التهديدات والصراعات الخطيرة قبل أن تصبح جدية. والذي يساعد بطريقة عملية في هذا الشأن هو مساعدة الدول الإفريقية على أن تصبح أعضاء أكثر إنتاجًا في نطاق الأسرة العالمية. وتقديم المساعدة لتبني تطوير الجيوش الإفريقية هو من الأمور الضرورية، وهو من الأهمية الكبيرة بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية لمساعدتهم على تحسين قدرتهم على التدخل لإيقاف الإبادة الجماعية، وللتعامل مع الأزمات الإنسانية، ومكافحة الإرهاب. وهي مقاربة مهمة عكفت من أجلها تمرينات “الأسد الإفريقي 2021”.

ه. دعم مؤسسة قوة التدخل الإفريقية: دأبت الإدارة الأميركية وما تلاها من إدارات على العمل مباشرةً وبالتنسيق مع الحكومة الفرنسية للاستفادة من جهودها وتاريخها في منطقة شمال إفريقيا(14)، خصوصًا أن لها خبرة طويلة في مجالات التدخل، وللمساعدة أيضًا في تكوين وتدريب القوة الإفريقية التي يمكن أن تتدخل في حالات الأزمات داخل القارة الإفريقية، وأنه يمكن للولايات المتحدة أن تُشجع دولًا إفريقية قيادية في المنطقة لمواجهة أعباء حفظ السلام في القارة، مع ملاحظة أن جهود الدولتين اصطدمت بتضارب القرارات ذات الصلة في الماضي.

ويلاحظ في ظل هذا التوجه التركيز على أن منطقة شمال إفريقيا لديها قوة بشرية عسكرية مهمة لمقابلة احتياجاتها الأمنية بل وتفوق تلك الاحتياجات وأن المشكلة في الوقت الراهن تتمثل في أن القوات الحالية ذات تدريب متباين وهي فاسدة في أغلب الأحيان، وهي تميل إلى أن تُستَعمل لمُهَاجَمَة البلدان المجاورة بدلًا من مُساعدتها. بالتالي، فإن الولايات المتحدة يُمْكِنُ أن تعتمد بشكل أفضل على مُسَاعَدَة الحلفاء الإفريقيين للحُصُول على دعمهم العسكري في إطار من التنسيق والتنظيم وباستخدام وسائل جديدة؛ وهو ما تصبو إليه “مناورات الأسد الإفريقي 2021”. ومن تلك الوسائل تزويد البلدان الإفريقية بأساليب وبأجهزة الإنذار المبكر والمعونات التقنية، بالإضافة إلى تزويدهم بنظم التربية العسكرية الدولية وتقديم المنح التدريبية في الولايات المتحدة. إن هذا التحدي وإن كان سيستغرق العديد من السنوات لكن في النهاية ستكون تأثيراته ونتائجه أفضل من سلسلة التدخلات المباشرة في مناطق الأزمات المختلفة.

و. حتمية تبعية قيادة إفريقيا إلى القيادة المركزية الأميركية :CENTCOM إن سياسة الولايات المتحدة العسكرية المتعلقة بإفريقيا، تتحرك باتجاه وجوب أن تكون أية قيادة موحدة فرعية لإفريقيا على أهبة الاستعداد لمنح الجيش الأميركي آلية للقيام بمهمات عملية في أية منطقة داخل القارة الإفريقية، وأن تخفض في الوقت ذاته من إمكانية التدخل الأميركي المباشر إلا عند الضرورة.

3. واقع التوازن الاستراتيجي في شمال إفريقيا بعد مناورات “الأسد الإفريقي 2021”

تميز المشهد المغاربي بعد مناورات “الأسد الإفريقي 2021” بانعدام منظومة أمنية موحدة، وأيضًا التعارض في مدركات التهديد؛ إذ تطبق أغلبية الدول المغاربية منطق المساعدة الذاتية الواقعي، كما تعتمد على تحالفاتها مع القوى الكبرى: فالعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا هي من صميم الأمن الوطني بالنسبة للدول المغاربية كونها تعتبر مظلة أمنية رغم أنها لا تؤمِّن لها حماية حقيقية من أي عدوان.

كما تأتي تلك المناورات في ظل افتقار الأنظمة المغاربية إلى إجماع حول تعريف التهديدات الأمنية؛ حيث انهار الإجماع حول التهديد الصهيوني (الإسرائيلي) منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد وخروج مصر كطرف محوري من الصراع مع الكيان الصهيوني، واختلفت كذلك المواقف إزاء أميركا وإيران. أما التهديد الوحيد الذي هو محل إجماع فهو الإرهاب، ويمكن تفسير هذه الاستثنائية بالبُعد الوظيفي للأمن؛ حيث يسمح تحديد الإرهاب كتهديد للأنظمة الحاكمة باستخدامه مطيَّة للقمع السياسي كما حصل مع أغلبية الانتفاضات الشبابية التي لاقت مواجهات دامية من طرف الأنظمة العربية(15).

في ظل ذلك كله، يحافظ الميزان العسكري في شمال إفريقيا على ثبات معالمه وحدود ملامسته للأطر المعقولة لخطوط الاستقرار والسلم في المنطقة: ففي حين أن هناك تنافسًا قويًّا وتوترات مهمة بين دول المنطقة (الجزائر، وليبيا، والمغرب وتونس)، إلا أن مخرجات المناورات لم ترتق لدرجة أصبحت فيها أية دولة من دول المنطقة ترى أنها على تمام الجاهزية لخوض أي نوع من الحروب مع دول الجوار؛ فاحتمالات نشوب مثل هذا النوع من الصراعات أضحت محدودة جدًّا في المنطقة.

4. قراءة في استراتيجية أفريكوم تجاه شمال إفريقيا بعد مناورات الأسد الإفريقي 2021

واجهت استراتيجية الولايات المتحدة، وخاصة تلك المرتبطة بالأفريكوم، العديد من الانتقادات من الدول والمنظمات الإفريقية؛ حيث أجمعت مجموعة الساحل والصحراء على “رفض قيام أية قيادة عسكرية أو أي حضور عسكري أجنبي من أي نوع في أي جزء من القارة مهما كانت الأسباب أو التبريرات”، وأعلنت المجموعة الاقتصادية لدول جنوب إفريقيا “الساديك” أنه “من الأفضل لو تعاملت الولايات المتحدة مع إفريقيا عن بُعد بدل الحضور المباشر في القارة”، كما عبَّرت المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا “الأيكواس” عن رفضها الشديد لإنشاء قيادة الأفريكوم، كما أصدر قادة كل من زامبيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا انتقادات حادة للأفريكوم، وكانت ليبيريا الدولة الوحيدة التي ساندت إنشاء الأفريكوم. ومن بين أسباب الرفض الإفريقي لفكرة الأفريكوم:

  1. الأثر المتوقع للإخلال بتوازن القوى بين المنظمات الإقليمية وبين الدول ذاتها؛ حيث تتخوف المنظمات الإقليمية أن يقوض وجود الأفريكوم تأثيرها في المنطقة بينما تخشى الدول المسيطرة إقليميًّا التأثير الذي سيخلِّفه وجود الأفريكوم على التوازن الإقليمي في المنطقة.
  2. أسهم عدم تشاور الأميركيين مع الاتحاد الإفريقي في مرحلة التصور والإعداد لإنشاء القيادة في التأسيس لحالة من القلق والتشكيك حول الأهداف الحقيقية وراء إنشائها، وأن إنشاء هذه القيادة هدفه سحب النفوذ من الاتحاد الإفريقي وجعل الأفريكوم صاحبة القرار في الشؤون الأمنية للقارة.
  3. أن الإصرار الأميركي على ربط عاملي الأمن والتنمية ومحاولة تحقيق ذلك من خلال إنشاء الأفريكوم أمر يقتضي بمعنى من المعاني التمكين للزعماء الديكتاتوريين في إفريقيا، ولا يخفى أن الأفريكوم، وفي سعيها لتحقيق المصالح الأميركية ودفع أجندتها الأمنية في القارة الإفريقية، تجد حرجا في إقامة علاقات ثنائية مع دول المنطقة خصوصا منها مع دول تقوم بقمع شعوبها، لكنها تجد نفسها أمام قادة، ولو كانوا دكتاتوريين، يوافقون على التنسيق والتعاون مع سياسة الأفريكوم. وهذا إشكال قائم ويصعب تجاوزه وهو هل لا بد للأفريكوم لتحقيق المصالح الأمريكية في القارة الإفريقية أن تتعامل مع أنظمة قمعية؟
  4. اتجاه بعض الدول الإفريقية لاستخدام منهج أو خطاب الأفريكوم لاقتراح حلول عسكرية لمشاكل داخلية.
  5. انتقد عدد من المراقبين قيادة الأفريكوم بسبب غطاء السرية الذي تحيط به نشاطاتها، لقلة ما يتوافر من المعلومات عنها، والغموض والضبابية اللذان يعتريان طبيعة أهداف هذه القيادة.
  6. أثار ازدياد المصالح الأميركية في إفريقيا الكثير من الشبهات حول الأهداف الحقيقية للولايات المتحدة الأميركية من وراء إنشاء الأفريكوم، وذلك لكون أميركا، ومن خلال سياسة الإحتواء التي اتبعتها تاريخيًّا في فترة الحرب الباردة، قد دعمت قادة ديكتاتوريين وموَّلت ميليشيات تستخدم أساليب عنيفة جدًّا، إضافة إلى عدم تشجيعها للحركات التحررية في إفريقيا(16). إلا أنه يمكن اعتبار الاهتمام الأميركي الاستراتيجي بمنطقة شمال إفريقيا، وذلك من خلال سلسلة مناورات الأسد الإفريقي، يأتي من منطلق الاهتمام الأميركي العسكري والأمني بإفريقيا عامة ومنطقة الساحل خصوصًا والتي تعود إلى عام 1998 بمناسبة العمليتين المتزامنتين ضد سفارتي الولايات المتحدة الأميركية في كل من كينيا وتنزانيا؛ حيث أُتبعت العمليتان بالضربات التي وجَّهها الرئيس كلينتون إلى السودان، الموطن المرحلي آنذاك لأسامة بن لادن وتنظيم القاعدة خلال النصف الثاني من عقد تسعينات القرن الماضي. لتتأكد تلك الأهمية سنة 2006 أكثر فأكثر، حيث نتج عنها إنشاء قيادة للجيش الأميركي في إفريقيا، سنة 2007، ولأول مرة في التاريخ الأميركي هي جهاز الأفريكوم، وحتى ذلك التاريخ كانت القيادة الأوروبية “أوكوم” هي المكلفة بالعمليات العسكرية في إفريقيا(17). من الناحية العسكرية والأمنية تسعى الولايات المتحدة، من خلال مناورات “الأسد الإفريقي 2021″، إلى تحسين قدرة القارة على التعامل مع المشكلات الأمنية المؤثرة على الأمن العالمي بصفة عامة وعلى الأمن الأميركي بصفة خاصة وأهمها الإرهاب. كما تسعى إلى دعم الحلول السلمية للنزاعات المسلحة في القارة في ليبيا ومنطقة الساحل والصحراء بشكل يحقق مصالحها. لهذا، انحصر الدور الأميركي من بوابة أفريكوم من خلال تلك المناورات في التدريب وتوفير المعدات اللازمة والاتصال لتحقيق الترابط بين الوحدات في الدول الإفريقية المشاركة (المغرب، وتونس، والسنغال).

من ناحية أخرى، فلقد كان من وجهة النظر السياسية والأمنية الأميركية أن تنظيم تلك السلسلة من المناورات من شأنه أن يسمح بتعاون أفضل في مختلف المجالات مع الدول الإفريقية خاصة؛ حيث تمثل تلك المناورات مختبرًا أميركيًّا جديدًا للتخابر وجمع المعلومات عن منطقة شمال إفريقيا كجغرافيا مفتاحية للقارة، معتمدة على خصوصية الأرض لوضع بصمة خاصة لحل الأزمات في المنطقة. غير أن الصراع بين البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية وخصوصًا الفرق الصارخ بين إمكانيات المؤسستين أدى إلى تقلص تلك الطموحات الكبيرة منذ البداية. وهكذا بقي هامش مناورة قيادة الأفريكوم في القارة محدودًا.

خلاصة المحور العاشر

بناء على ما سبق، يمكن القول: إن القارة الإفريقية تعتبر حاليًّا تحديًا كبيرًا بالنسبة إلى كبريات المجمعات العسكرية الغربية بما فيها القوات الأميركية. غير أنه، وفي إطار غياب مرجعية استراتيجية قومية لدول القارة أساسًا وشمال إفريقيا على وجه التخصيص، من شأنه أن يحيد أي تفاعل من شأنه أن يكون حيويًّا لشعوب ودول المنطقة خاصة في ظل استمرار غياب إرادة سياسية قومية تبوصل ذلك الطموح وتلك الرغبة في التحرر من القيود الاستعمارية والوصاية الخارجية.

إن افتقاد المنطقة لأي مشروع جاد لتبوء مكانة القوة الإقليمية، يحرمها من مركبها الأمني الخاص بها ومن بوصلتها الاستراتيجية التي تحميها من أي شكل من أشكال التجزئة الأمنية والتي تتغذى من خلالها القوى فوق الإقليمية بكل ما من شأنه أن يسهم في صوغ جغرافيا سياسية واستراتيجية جديدة لهذه الكينونة الجغرافية والبوابة الحضارية والأمنية المهمة بالنسبة للقارة السمراء.

إن استمرار سلسلة المناورات الأميركية على الأراضي الإفريقية، وبالخصوص في منطقة شمال إفريقيا، يعني ضمنًا استمرار التأثير على وضع ومكانة فرنسا إفريقيًّا ودوليًّا، وتفويت الفرصة على فرنسا من مجرد البقاء في إفريقيا، وهذا يعني أن وجود أي قوة مهيمنة أخرى أمر سيتناقض مع التطلعات الأميركية الجامحة بأن يكون القرن الحادي والعشرون قرنًا أميركيًّا خالصًا طالما أن الفرصة سانحة لتهميش مزيد من القوى العظمى التقليدية في العالم، وما لذلك من تأثير بالغ على ما ترنو إليه الولايات المتحدة من الإبقاء على مكانتها العالمية دون منازع لها في ظل الأحادية القطبية التي تتمتع بها.

المحور الحادي عشر: معضلة الأمن في إفريقيا: هياكل الأزمة وفرص الإصلاح

ستلازم الدول الإفريقية، وعلى الرغم من تقدمها النسبي على مرِّ السنين، وفي ظل استمرار ضعف المؤسسات واستشراء الفساد واستعصاء التنمية، وضعية الهشاشة؛ حيث القيود الناشئة عن الافتقار إلى القدرات المؤسسية وشفافية التدبير والقيود التشغيلية للاقتصاد والاجتماع البشري، لا يمكنها إلا أن تعرقل جهود بناء السلام والأمن والاستقرار.

تنقسم القارة الإفريقية من الناحية الجيوسياسية إلى عدة مناطق أمنية؛ حيث باستثناء منطقة شمال إفريقيا التي غالبًا ما يتم ربطها بالشرق الأوسط سيما أنها تنفصل عن باقي القارة بالصحراء الكبرى، تشكِّل هذه الأخيرة مع ما تحتها منطقة الساحل والصحراء. وفي وسط إفريقيا، توجد أربعة أنظمة أمنية إقليمية: منطقة خليج غينيا إلى الغرب، ومنطقة حوض بحيرة تشاد إلى الغرب الأوسط، ثم منطقة البحيرات الكبرى في الوسط، ثم شرق إفريقيا التي تحتوي على المنطقة الفرعية المعروفة باسم القرن الإفريقي، وأخيرًا هناك نظام الأمن جنوب الإفريقي(1)؛ حيث تشكِّل كل منطقة نظامًا أو مجمع أمن إقليمي يمكن تعريفه بأنه “مجموعة من الدول المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحيث لا يمكن حسبان الاعتبارات الأمنية للأنظمة المختلفة بمعزل عن بعضها البعض”(2).

ومعنى ذلك أن الأمن في إفريقيا مترابط بين تلك المناطق إلى جانب تجانسه بين دولها. ولهذا، فالورقة لن تعتمد الدولة فقط كوحدة لتحليل الأمن الإفريقي، وإنما ستنشغل أيضًا بأبعاده الإقليمية. وعليه، ستحاول الإجابة عن الأسئلة التي تشكِّل صميم أي دراسة للأمن، وهي تلك المتعلقة -في الحالة هذه- بطبيعة الأمن الإفريقي، وبالطلب عليه، وبقضاياه، ثم بإصلاحه.

مكانة الأمن الإفريقي في الاستراتيجيات العالمية

بدأ الانشغال الدولي بأمن إفريقيا أمميًّا؛ حيث اهتمت الأمم المتحدة انطلاقًا من ستينات القرن الماضي بتسوية النزاعات المسلحة بين الدول المتجاورة إما على خلفية الاستقطابات الأيديولوجية نتيجة الانهماك في الصراع بين المعسكرين، الرأسمالي والاشتراكي، أو بسبب التنازع على الحدود المشوهة التي خلَّفها الإرث الاستعماري. أما بعد نهاية الحرب الباردة، فقد انصرفت الأمم المتحدة إلى تسوية النزاعات داخل الدول، والتي ارتبط معظمها بإعادة تعريف الهويات الوطنية (حروب أهلية عرقية) أو بإسقاط حكومات ما بعد الاستعمار (حروب شرعية)، وأدت في نهاية المطاف إلى انهيار تلك الدول طوال الفترة الممتدة بين سنتي 1991 و2001.

في مقابل ذلك، ظلت إفريقيا بالنسبة للقوى الدولية، الغربية على وجه التحديد، مرادفة للعنف المسلح وما يترتب عليه من فقر وأمراض ومجاعات، ولذلك حينما درجت على نعتها بالقارة السوداء فليس لسواد بشرة شعوبها وإنما في إشارة إلى ظلام مستنقع عدم الأمن الذي ما فتئت ترزح فيه. وهكذا، ظلت القارة في نهاية المطاف منسية لدى الدول الكبرى، باستثناء محاولة الدول الاستعمارية التاريخية، سيما فرنسا، التأثير على الممارسات السياسية والاقتصادية بمستعمراتها السابقة في إفريقيا.

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول سنة 2001، بدا دور إفريقيا في الأمن الدولي مهمًّا للغاية؛ حيث أصبحت القارة في خط المواجهة أمام الحرب الدولية على الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية بعد ظهور جماعات متطرفة في بعض مناطقها. فقد برزت المخاوف من تحويلها إلى ملاذات محصنة وساحات عمل للجماعات المتشددة، وذلك مثلما وفرت السودان ملجأ آمنًا لتنظيم القاعدة. “ولذلك أدى التركيز الجديد على مكافحة الإرهاب أيضًا إلى زيادة النشاط العسكري الأميركي في إفريقيا. وشكلت منطقة شرق إفريقيا والقرن الإفريقي أول جبهة إفريقية لواشنطن في الحرب العالمية على الإرهاب. ففي عام 2002، تم إنشاء قاعدة عسكرية أميركية في معسكر ليمونييه، جيبوتي، وهي أول قاعدة أميركية يجري افتتاحها في إفريقيا منذ الحرب الباردة”(3)، والتي أصبحت منطلقًا للتدخلات العسكرية الأميركية بالقارة وذلك مثل الضربات الجوية، سنة 2006، التي استهدفت وقف تطور التمرد الإسلامي بالصومال.

كما أنه بعد تراجع جاذبية منطقة الشرق الأوسط التي ظلت تستقطب أطماع القوى العظمى نتيجة دخولها في طور الاستنزاف وارتفاع تكلفة صيانة نظام الأمن الإقليمي بها، وبعد أن ظلت إفريقيا تقليديًّا في الخلف الجيوسياسي لهذه القوى، شرعت خلال السنوات الأخيرة في الاستدارة نحو القارة الإفريقية؛ حيث اجتذبت البلدان الإفريقية ذات الموارد الطبيعية قدرًا كبيرًا من الاهتمام الدولي.

فقد انغمست القوى الدولية في التنافس على الموارد النادرة للقارة الإفريقية وذلك لتحقيق أقصى قدر من رفاهية مواطنيها. وهكذا، فتحول هذه القوى نحو إفريقيا مدفوع بالبحث عن مصالحها الاستراتيجية المادية بالخصوص. وعليه، فاهتمامها بأمن القارة في هذا الإطار هو من باب إيجاد السياق الآمن لحماية هذه المصالح وضمان انسياب تدفقها. وبالتالي، فارتفاع الطلب على الأمن الإفريقي لم يكن قط لإشباع الحاجات الاجتماعية للشعوب الإفريقية وإنما لصيانة المصالح الأجنبية بالقارة.

فباستثناء النشاط الصيني السلمي بالقارة الإفريقية، فإن السياسة الخارجية الأميركية تجاه إفريقيا تنزع نحو العسكرة في تركيزها على مكافحة الإرهاب وتأمين إمدادات الطاقة، كتجسيد للجمع بين التوجهات الأمنية والاقتصادية لسياسة القوة العظمى في القارة، وذلك على خلفية السعي لخلق بيئة آمنة للمستثمرين الأميركيين. وتعتمد الولايات المتحدة في سيطرتها العسكرية على إفريقيا على قوات القيادة الإفريقية (أفريكوم) وعلى قواعدها العسكرية المتوسعة بالقارة، وهي لا تستهدف حماية وضمان الوصول إلى الموارد الطبيعية فحسب، وإنما مواجهة النفوذ الصيني والفرنسي المتنامي بالقارة، وكبح وصول القوى الدولية الأخرى إلى هذه الموارد. وتحاول الولايات المتحدة تمويه رغبتها بالهيمنة على إفريقيا وعلى مقدَّراتها بمزاعم تعزيز الديمقراطية في القارة من خلال منظور يقوم على نهج شامل يستدمج المخاوف التقليدية المرتبطة بالإرهاب وإمدادات النفط بمجموعة واسعة من الانشغالات في إطار ما يسمى الأمن الجديد كالاتجار بالبشر، وتهريب المخدرات، والأمراض، وانتهاكات حقوق الإنسان.

أما بالنسبة للجانب الأوروبي فالتهديدات الأمنية التي تقض مضجعه من جهة الجوار الإفريقي هي المرتبطة أساسًا بالإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، وذلك من حيث كونها “تحديات صريحة للمصالح الأوروبية المتمثلة أساسًا في: الوصول إلى الموارد الطبيعية الاستراتيجية التي تمتلكها القارة (الإفريقية)، وكذا السيطرة على المواقع الاستراتيجية الإفريقية”$#a4. ولذلك، فكونه أهم مزود للمساعدات التنموية لإفريقيا، ليس معيارًا لاهتمامه بالأمن الإنساني في القارة وإنما يخفي حقيقة أمننة التنمية، وذلك في ظل كونه، بموازاة ذلك، المتدخل العسكري الخارجي الأكثر نشاطًا في إفريقيا؛ إذ “غالبًا ما يجري تأطير الروابط السياسية بين التنمية والأمن من خلال عدسات خطابات ما بعد الاستعمار، وبالتالي، حُدِّد التدخل الخارجي المتزايد في إفريقيا كمثال على مساوئ ربط الأمن والتنمية”(5).

التحديات الأمنية التي تواجه إفريقيا

بشكل عام، هناك مصدران رئيسيان للتهديدات الأمنية في إفريقيا، الأكثر شيوعًا هو الصراعات المسلحة على الموارد النادرة اللازمة لبقاء الفرد أو الجماعة. والثاني: هو التمرد على الحكومة أو الوضع الراهن الذي يخصص هذه الموارد في وقت السلم(6).

على أن العديد من صراعات ما بعد الحرب الباردة في إفريقيا لا ينطبق على تعريف الحرب الأهلية أو الحرب بين الدول…فما تشترك فيه معظم الحروب الجديدة هو فهم أن الدور المتضائل للدولة يضعها خارج فئة الحرب الكلاسيكية، سواء بين الدول أو الحرب الأهلية؛ لأن الدولة لم تعد العامل المركزي في هذه الصراعات، بالمعنى الذي تتم محاربتها(7).

عمومًا، وبحكم أن الأمن هو نتاج العديد من الجهات الفاعلة والعوامل المتفاعلة المختلفة حيث التأثيرات الداخلية والخارجية هي محددات مهمة للأمن، وتفاعل الداخل والخارج هو ما يُكسب النزاعات الإفريقية صفة الاستمرارية؛ إذ يكثِّف التدخل الخارجي مصادر انعدام الأمن في القارة، فالتنافس الدولي على الوجود العسكري بها والصراع على الموانئ التجارية ومحاولات كسب النفوذ الذي تمارسه القوى الدولية يسهم في تعميق حالة الاختراق وتراجع سيادة الدول الإفريقية المعنية فتستحيل إلى وضع الانكشاف الأمني.

هكذا إذن، فإن قابلية القارة الإفريقية للتأثيرات الخارجية ترتِّب، وفق منظور التعقد، نوعين من التحديات المتداخلة التي تواجه أمنها على مستويين إقليمي ومحلي:

تحديات الأمن الإقليمي

نادرًا ما تهدد البلدان الإفريقية بعضها البعض عسكريًّا؛ ذلك أنه باستثناء بعض النزاعات الحدودية كما بين إريتريا وجيبوتي، وباستثناء بعض التدخلات العسكرية كما في توثيق هجمات على جمهورية الكونغو الديمقراطية من قبل رواندا باسم ملاحقة مرتكبي الإبادة الجماعية، أو تدخُّل إثيوبيا عسكريًّا في الصومال من حين لآخر لملاحقة حركة شباب المجاهدين الإرهابية. فإن التهديدات الخارجية مصدرها فاعلون من غير الدول، أي إن الدول الإفريقية تواجه أساسًا الجماعات المسلحة المنبثقة من خارج حدودها؛ حيث صارت الحركات المقاتلة توسِّع نشاطها خارج دول توطنها. فعلى سبيل المثال، وبالرغم من وجود توتر بين الكاميرون ونيجيريا حول شبه جزيرة باكاسي إلا أن احتمال غزو نيجيريا للكاميرون ضئيل للغاية، في الوقت الذي تشكِّل جماعة بوكو حرام المنحدرة من نيجيريا تهديدًا عسكريًّا كبيرًا للكاميرون.

وبقدر ما يرتبط أمن كل دولة إفريقية ببيئتها، أي باستقرار المنطقة الأمنية التي تنتمي إليها، بقدر ما قد يؤدي انعدام الأمن في دولة ما إلى أقلمة وضع عدم الأمن وانتشاره في سائر أرجاء المنطقة المحيطة، وفي هذا السياق يمكن وصف شرق إفريقيا بأنه “منطقة ظَلَّ فيها وجود الدول مهدَّدًا إما لكونها، أي الدول، ضحية حالة انعدام الأمن في الدول المجاورة أو -على النقيض من ذلك- لكونها تشكِّل هي ذاتها تهديدًا لجيرانها”(8)، كما يمكن الاستناد بهذا الخصوص إلى كيف “جلب انهيار ليبيريا بقية منطقة غرب إفريقيا إلى اقتصاد سياسي للحرب. وقد جرت الإشارة إلى هذه الظاهرة باسم الانفجار الداخلي الإقليمي، بحيث يمكن تعريف الانهيار الإقليمي على أنه حالة تنهار فيها بنية الدولة الإقليمية، وتنجذب دول أخرى في المنطقة إلى الصراع الداخلي وفي الاقتصاد السياسي للدولة المنهارة، فهي ظاهرة نموذجية للحروب الأهلية الإفريقية”(9)، حيث بموازاة إظهار قادة منطقةٍ ما جهود التعاون لمحاصرة حرب أهلية ذات طابع إقليمي وتبني سياسات أمنية لهذا الغرض، “يحاول نفس السياسيين (سرًّا) إثراء أنفسهم من خلال اقتصاد الحرب العابر للحدود في المنطقة”(10).

على نحو آخر، تعتبر السياسات المائية في منطقة حوض النيل مصدرًا لتهديدات أمنية مع احتمال نشوب مواجهات مسلحة بين الدول حول الخلافات على استخدام مياه النهر الدولي؛ حيث “تشير أدلة جديدة اليوم إلى حقيقة أن الوضع السياسي والإيكولوجي في حوض النيل أصبح أكثر خطورة من ذي قبل. يبدو أن نوعية المياه تزداد سوءًا، وهناك مشكلات في كمية المياه؛ حيث تعاني بعض الدول من الفقر المائي. وتتفاقم هذه التحديات بسبب استراتيجية بناء السدود على كل من النيل الأزرق والنيل الأبيض. ولعل أكبر هذه السدود هو سد النهضة الكبير في إثيوبيا. أضف إلى ذلك أن هناك مخاوف جديدة ومتزايدة بشأن التأثير المحتمل لتغير المناخ على حوض نهر النيل. وتتفاقم هذه الشكوك من حقيقة أن معظم الدول التي تشترك في حوض النيل سوف تكون أكثر عرضة “لندرة المياه” بحلول عام 2050، ويرجع ذلك إلى تغير المناخ، وزيادة الطلب على المياه بسبب النمو السكاني”(11). ذلك أن انكشاف القارة أمام الآثار المدمرة للعنف المناخي، فضلًا عن مخلفات الأنشطة الاستخراجية للثروات الطبيعية، يؤدي إلى تدهور بيئي قد تختلف تداعياته بين دول القارة، إلا أنه بالنظر لكون النسق البيئي مفتوحًا، فإن التلف البيئي المرتبط بالتغيرات المناخية يهدد مناطق معينة واسعة من إفريقيا، وبذلك يظل تهديدًا لا يقل شأنًا في سلَّم المخاطر الأمنية المحدقة بالقارة ككل.

كذلك، تستمر معضلة القرصنة في تهديد حركة الملاحة في منطقة القرن الإفريقي، بل تهديد الأمن البحري العالمي برمته، وذلك بالنظر إلى أن هذه المنطقة تحتل من الناحية الاستراتيجية موقع القلب من جسد الممرات البحرية الدولية، حيث تجتذب نسبة كبيرة من حركة السفن والتجارة العالمية. ومن المثير للاستغراب أن هذا الواقع يأبى إلا أن يرتفع فوق الجهود الدولية لمكافحة القرصنة بالمنطقة؛ وذلك على “الرغم من التكدس والازدحام العسكري الذي تشهده تلك المنطقة والذي لم يمنع من أن تكون منطقة القرن الإفريقي إحدى أخطر بؤر أنشطة القرصنة في العالم…-إذ- نجد هناك قواعد عسكرية أميركية وفرنسية وصينية وإيطالية وبعثة أوروبية لمكافحة القرصنة، تشارك فيها قوات من ألمانيا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا واليونان وهولندا وبريطانيا والسويد”(12)، فضلًا عن قاعدة عسكرية يابانية كذلك بجيبوتي الإثيوبية، ووجود عسكري تركي في الصومال وميناء سواكن السوداني، وآخر روسي في إريتريا، دون أن ننسى الحضور العسكري العربي أيضًا.

تحديات الأمن المحلي

لعل أبرز ما يواجه الأمن المجتمعي في إفريقيا هو مشكلة التشظي أو الانشطار الهوياتي لمجتمعات دول القارة، فبرغم أنه لا يؤدي دائمًا إلى الصراع بحيث هناك ندرة نسبية للمطالب الانفصالية إلا أنه قد يخلق الفرص التي يمكن استغلالها من قبل المصالح المتناقضة، فبعض الصراعات يأخذ شكلًا عرقيًّا أو دينيًّا؛ حيث يكون هذا الأخير مجرد وسيلة للتنظيم وليس سببًا للصراع، ولهذا فالحروب الأهلية التي تحفزها في الغالب عوامل إثنية أو دينية، في معظم الحالات تكون مدفوعة بالصراع على الموارد مثل أراضي الرعي والمياه، “وينطبق ذلك على منطقة الحزام الأوسط من نيجيريا التي تحولت خلال العام 2018 إلى مركز للصراع، نتيجة تصاعد المواجهات بين الرعاة (غالبية مسلمة) والمزارعين (أكثرية مسيحية) في هذا الحزام، الذى يفصل بين شمال وجنوب البلاد، وهو مركز العاصمة النيجيرية أبوجا”(13).

وفضلًا عمَّا سبق، لا يزال المأزق الأمني القديم، أي النزاعات المسلحة المزمنة داخل الدول الإفريقية، مرتكزًا على العنف السياسي خاصة في ظل التوافر الجاهز للأسلحة الصغيرة والخفيفة؛ إذ تتردد مشاكل الحكم، سيما الانقلابات والتمردات، على قوس واسع من دول القارة. ذلك أن العسكرة هي سمة مشتركة للحكم الإفريقي، حيث يقاتل الحكام وشاغلو المناصب للبقاء في السلطة أو يحارب المعارضون للاستيلاء على السلطة؛ فقد شهدت دول مثل نيجيريا وغانا وجمهورية إفريقيا الوسطى أكثر من خمسة انقلابات. على أن التمرد ضد الحكومة لا يفسَّر بالصراع على الحكم فحسب وإنما كذلك بالصراع على الموارد، إذ قد يرجع إلى حرمان مجموعات الأقليات بشكل منهجي من الوصول إلى السلطة وإلى الشبكات الاقتصادية على السواء، فلا يزال التمرد ضد الحكومة نوعًا من النضال من أجل الوصول إلى وسائل بقاء الفرد والجماعة في إطار ما يعبَّر عنه بـ”سياسة البطن، ومن شواهد هذا القول حركات التمرد المسلحة ضد الحكومات في كل من الكونغو ورواندا وأوغندا وزيمبابوي وليبيريا وسيراليون والسودان؛ حيث ورثت هذه الدول بنية الإدارة الاستعمارية الممهورة بالسيطرة على الأرض وعلى الاستخراج بدلًا من الحكم والسيطرة على السكان، ولذلك تزداد احتمالية النزاعات الداخلية المتعلقة بالموارد في ظل حكومات مركزية ضعيفة ومنقسمة، حيث غياب المؤسسات التنظيمية القوية هو ما يجعل المنافسة على الموارد تتطور إلى صراع. والمشكل أن الوصول إلى الموارد هو ما يساعد على تمديد الحروب، بحيث تغير دوافع الصراع من المظالم إلى الجشع، فعندما تكون الموارد قابلة للنهب، تميل إلى صراع عنيف، ولهذا يلاحظ أن النزاعات في المناطق الغنية بالموارد تميل إلى أن تطول أكثر من المناطق التي يعتمد فيها المقاتلون على المساعدات الخارجية أو الدعم المحلي.

قد تكون النزاعات المسلحة العنيفة كمهددات قديمة للأمن الإفريقي آخذة في الانخفاض نسبيًّا، وذلك بفضل جهود منظمة الأمم المتحدة؛ حيث “تشير إحصاءات المنظمة إلى أن أكثر من نحو 70 من القرارات التي اتخذها مجلس الأمن بشأن النزاعات الاقليمية تتعلق بإفريقيا. كما نُشر ما يقرب من 80 في المئة من قوات حفظ السلام في إفريقيا”(14)، غير أن هناك تهديدات جديدة متجذرة بعمق في التهديدات القديمة مثل نمو الأنشطة الإجرامية العابرة للحدود، والاتجار غير المشروع بالمخدرات أو الأسلحة؛ حيث إن “الجريمة المنظمة في القارة هي جزء من “قصة الاستقلال وإقامة الدول”،… -بالنظر- للتمويل الإجرامي لهياكل الدولة”(15).

من جانب آخر، تعد إفريقيا القارة الأكثر إصابة بالإرهاب، وإن كان الإرهاب فيها يأخذ طابعًا محليًّا وليس دوليًّا. ففي ظل هذا المعطى وأمام تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تفرز ظاهرة الدولة الهشة أو الدولة المنهارة غير القادرة على بسط سيادتها على إقليمها، يمكن أن تشكِّل هذه المناطق بيئة حاضنة مواتية لتنظيم “داعش” الذي يبحث عن مأوى جديد بعد انحساره في سوريا والعراق خاصة في ظل وجود أجنحة موالية له في التنظيمات المحلية مثل تنظيم حركة الشباب المجاهدين في الصومال، التي تمكنت من استخدام المساحات الفارغة غير الخاضعة للحكم للتدريب وتنظيم الهجمات في البلدان المجاورة مثل كينيا. وما يعزز ذلك هو تراجع الدعم الغربي للدول الإفريقية في مجال مكافحة الإرهاب، فحسب تقرير لمجلة فورين بوليسي الأميركية فإن “إفريقيا تشهد الآن انسحابًا على شاكلة الانسحاب الغربي الذي أدى إلى انهيار كابل؛ حيث أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في يوليو/تموز الماضي، خطة لسحب أكثر من ألفي جندي فرنسي من أصل 5100 جندي موزعين في مناطق مختلفة بمنطقة الساحل الإفريقي، وذلك بسبب ضغوط داخلية واجهتها حكومته مدفوعة بالخوف من أن تصبح منطقة الساحل أفغانستان أخرى بالنسبة لفرنسا”(16).

الإصلاحات التي يحتاجها القطاع الأمني في إفريقيا

تجدر الإشارة إلى أن الأمن الإفريقي نظرًا لكونه متداخل الأبعاد والجهات الفاعلة فكذلك إصلاحه لا يمكن إتيانه إلا باستحضار ذلك، وهو ما سيجعل الإصلاح في النهاية جسرًا طويلًا جدًّا من حيث الحاجة إلى الشمولية وإلى التقاء إرادة الفاعلين الداخليين والخارجيين.

قبل ذلك، يُنظر إلى إصلاح القطاع الأمني “كتغييرات في هيكل وسلوك مؤسسات الدولة المسؤولة عن مقاضاة ومعاقبة المظاهر غير القانونية للعنف: الجيش والشرطة والقضاء”#a17، بهدف تغيير علاقات القوة داخل القطاع في اتجاه الرقابة المدنية/الدستورية لتحويل الثقافة المؤسسية، وتعزيز المهنية، وتحسين استخدام الموارد والفعالية التشغيلية (من جانب قوات الأمن)، وإدارة سياسية أفضل (من جانب السلطات المدنية)، جنبًا إلى جنب المساءلة واحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي وإشراك مدخلات من مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة واللاعبين(18).

ومن ناحية أولى، “يظهر إصلاح القطاع الأمني في السياق الإفريقي كمفهوم ليبرالي يستخدمه المانحون الغربيون إلى حدٍّ كبير في محاولاتهم لإعادة هيكلة قطاع الأمن في دول القارة، أو تحسين أدائه، لاسيما عند خروج البلد من الصراع”(19). ومع أن هذا المفهوم يُظهر وعودًا بتعزيز الحكم الديمقراطي والرقابة على قطاع الأمن، فضلًا عن إدارته بكفاءة وفعالية إلا أنه يثير الشك على نطاق واسع في الدوافع السياسية الكامنة وراءه، بحيث أصبح من الواضح أنه واجهة لبعض اللاعبين الخارجيين لتشكيل أمن الدول الإفريقية بما يخدم أجنداتهم وليس بالضرورة لتعزيز استقرار السكان الذين يعانون من انعدام الأمن البشري.

وفضلًا عن ذلك، فنهج الإصلاح الأمني كما تتصوره الجهات الخارجية سواء كان مرتكزًا على الدولة أم على القطاعات غير الحكومية لا يراعي طبيعة الدولة في إفريقيا بشكل كامل؛ ذلك أن الدول الإفريقية الضعيفة والمفككة لا يمكن أن تكون بمنزلة قاعدة لإصلاحات ذات مغزى لقطاع الأمن، لأن الحكم الاستبدادي المنتشر بدول إفريقية عديدة، والذي انزلق بها إلى دول هشة أو فاشلة أو إلى صراعات وحروب في أحسن الأحوال لا يفضي إلى إصلاح القطاع الأمني.

لكل ذلك، فالانتقال إلى مرحلة السلام هو أنسب فترة لإصلاح القطاع الأمني؛ حيث خروج المجتمعات من الصراع والدخول في فترة الانتعاش يساعد على ظهور حكم ديمقراطي، فالعديد من الدول لا تزال بحاجة إلى التقدم في التحول من الحكم الاستبدادي إلى الحكم الديمقراطي قبل إدخال نظام إصلاح القطاع الأمني بالكامل، في حين أن دولًا أخرى لم تصل بعد إلى وقف الصراع والانتقال لبناء السلام. وهنا، يصبح دور الأطراف الخارجية حاسمًا لأنهم يستطيعون تحديد جداول الأعمال الأمنية للدول الضعيفة أو الهشة وفي هذه العملية، بحيث إما يعززون أو يضرون بشدة بآفاق إصلاح القطاع الأمني الشامل. ويتطلب ذلك في المجمل تعاونًا عادلًا بين الغرب وإفريقيا، أي شراكة تقبل الافتراض بأن الدول الإفريقية هي الأخرى لها مصالح وطنية.

في غياب ذلك، ومن جهة ثانية، يبقى شعار “الحلول الإفريقية لمشاكل إفريقيا” هو الأنسب. وفي هذا الإطار، ينبغي إيجاد منظومة إقليمية فعَّالة لضمان أمن الدول الإفريقية تكون قادرة على دعم الجهود المحلية، وذلك على أساس أن الأمن هو منتج أو خاصية ناشئة لنظام تكيفي معقد، بمعنى أن الأمن القومي لكل دولة إفريقية هو وظيفة من وظائف نظام الأمن الذي توجد فيه. لأنه بغضِّ النظر عن مدى كفاءة دولة واحدة في إدارة أمنها القومي، فإنها حينما تجد نفسها في منطقة مضطربة ستظل معرضة للأحداث التي تحدث في البلدان المجاورة والتي تخرج عن نطاق سلطتها أو سيطرتها. طبعًا، الإطار المؤسسي لهذه المنظومة موجود، أي الاتحاد الإفريقي، الذي شارك بالفعل في جهود تسوية النزاعات والحروب المسلحة في مجموعة من الدول، لكن ضعف فاعليته بالنظر لاستمرار النزاعات وعدم الاستقرار بالقارة، تفرض حاجته لإصلاح عميق، خاصة في ظل افتقاده لسلطة تسود على حكومات الدول، وعدم استكمال مؤسساته، ثم ارتهانه للتمويل الخارجي من القوى الغربية مع ما يعنيه ذلك من تقويض لاستقلالية القرار الإفريقي.

في هذا الإطار، يبقى العمل الإقليمي المشترك بالغ الأهمية، لكنه لا يستطيع أن يعوض الاشتغال على المستوى القُطري، حيث الحلول السياسية تبقى هي أفضل المناهج لتحقيق الاستقرار والأمن، إذ هناك حاجة كبيرة لمواصلة تطوير هياكل الحكم الديمقراطي والمؤسسات القوية القادرة على الاستجابة في الوقت المناسب للتصدي بفعالية للتهديدات المتزايدة وغير التقليدية للأمن، كما يعد تطوير القيادة النوعية عاملًا رئيسيًّا في المساعدة على منع الصراعات من الظهور بشكل أكبر.

وتظل مفارقة الحكم المعبَّر عنها بمقولة: “نخب قوية ودول ضعيفة” مشكلة عميقة بإفريقيا، وربما هي أصل اللعنة الأمنية المسلَّطة على دولها، ولذلك يجدر بأنظمة الحكم أن تكون قوية من الناحية المؤسسية، حتى تصبح أفضل بشكل متزايد في استخدام تقنيات السيطرة المشروعة على مجتمعاتها، بما في ذلك حركات التمرد، بدلًا من الانحدار إلى استخدام القوة العارية. ومن هنا، تنبع أهمية الإصلاح الأمني من الدور الذي يلعبه “في تهدئة العنف ومن قدرته، من خلال الحوار، على معالجة السبب المحدد الذي يكمن وراء النزاع والذي غالبًا ما يعرقل تحقيق الاستقرار. كالتنافس حول من سيسيطر على احتكار الدولة للاستعمال المشروع للقوة. فإصلاح القطاع الأمني ليس مجرد أداة تقنية، بل هو أيضًا أداة سياسية تلعب دورًا أساسيًّا في عمليات تحقيق الاستقرار”(20).

ولهذا، فالدولة الإفريقية وعلى الرغم من تقدمها النسبي على مرِّ السنين، وفي ظل استمرار ضعف المؤسسات واستشراء الفساد واستعصاء التنمية، ستلازم وضعية الهشاشة؛ حيث القيود الناشئة عن الافتقار إلى القدرات المؤسسية وشفافية التدبير والقيود التشغيلية للاقتصاد والاجتماع البشري، لا يمكنها إلا أن تعرقل جهود بناء السلام والأمن والاستقرار.

هناك عامل آخر في دعم الإصلاح الأمني، هو العامل الاقتصادي، وذلك لأنه مع ضعف الاقتصاد لا تستطيع الحكومات تقديم الخدمات بما فيها تلبية حاجة المواطنين من الأمن كخدمة اجتماعية؛ إذ إن توفير الأمن هو خدمة مكلِّفة لتقديمها، وبدون اقتصاد قوي، لن توجد عائدات ضريبية كافية للحكومة لتوفير الأمن المناسب، وفي المقابل يقود الافتقار للأمن إلى خلق ظروف اقتصادية أكثر معاكسة، وتؤدي أوجه القصور هذه إلى زيادة الصراع الذي يفاقم الحالة الاقتصادية فيرتب بالتالي مزيدًا من الصراع. ولذلك فتجاوز هذه الحلقة المفرغة هو ما يشكل أحد أبرز رهانات الإصلاح الأمني بإفريقيا.

مراجع المحور الاول 

(1)- Rhys Jenkins, How China is Reshaping the Global Economy: Development Impacts in Africa and Latin America, Oxford, Oxford University Press,113,114.

(2)- Yun sun, Africa in China’s Foreign Policy, Brookings, April 2014, “accessed July 20, 2021”, 3-5, URL: https://brook.gs/3eSV8tH

(3)- Ibid.

(4)- Jenkins, How China is Reshaping the Global Economy, 129-131.

(5) الجيواقتصاد هو تحليل الاستراتيجيات الاقتصادية -وخاصة التجارية منها- التي تقررها الدول في سياق السياسات الرامية إلى حماية اقتصادها الوطني أو أجزاء محددة جيدًا منه، لمساعدة “الشركات الوطنية” على امتلاك وإتقان التكنولوجيات الرئيسية و/أو لغزو قطاعات معينة من السوق العالمية المتعلقة بإنتاج أو تسويق منتج حساس أو مجموعة من المنتجات، من حيث إن حيازتها أو سيطرتها تمنح صاحبها -دولة أو مؤسسة “وطنية”- عنصر قوة ونفوذًا دوليًّا ويسهم في تعزيز إمكاناتها الاقتصادية والاجتماعية.

Pascal Lorot, « De la géopolitique à la géoéconomie », Géoéconomie, vol. 50, no. 3, 2009, pp. 9-19.

(6)- Sun, Africa in China’s Foreign Policy, 5-9.

(7)- Olayiwola Abegunrin, Charity Manyeruke, China’s Power in Africa: A New Global Order, London, Palgrave McMillan, 2020, 59-61. DOI 10.1007/978-3-030-21994-9

(8)- Jenkins, How China is Reshaping the Global Economy, 131-135.

(9)- Les relations Chine-Afrique en 2021 : des perspectives prometteuses, Jeune Afrique, https://bit.ly/3eUW7K6

(10)- Sun, Africa in China’s Foreign Policy, 6.

(11)- Jenkins, How China is Reshaping the Global Economy, 131-135.

(12)- طاهر هاني، هل الصين بصدد بسط نفوذها في إفريقيا؟، فرانس24، 3 سبتمبر/أيلول 2018، (تاريخ الدخول: 7 يوليو/تموز 2120): https://bit.ly/3BHwyWq

(13)- 187 مليار دولار أميركي قيمة التجارة بين الصين وإفريقيا في عام 2020، موقع (arabic.people.com.cn)، 13 أبريل/نيسان 2021، (تاريخ الدخول: 7 يوليو/تموز 2120) :

https://bit.ly/2V4L0Hn

(14)- Sun, Africa in China’s Foreign Policy,13-15.

(15)- Ibid.

(16)- Anja Lahtinen, China’s diplomacy and economic activities in Africa, Palgrave Macmillan, 2018, 37-38. DOI 10.1007/978-3-319-69353-8

(17)- Ibid.

(18)- Jenkins, How China is Reshaping the Global Economy, 121-123.

(19)- ‘Does China Dominate Global Investment?’, chinapower.csis.org. 19 déc. 2016, (accessed July 21, 2021): https://bit.ly/3rxyXhX

(20)- Jenkins, How China is Reshaping the Global Economy, 120-121.

(21) “وزارة التجارة الصينية: توسع واردات الصين من المنتجات الزراعية من الدول الإفريقية”،’ people ‘، 15 يناير/كانون الثاني 2021، (تاريخ الدخول: 7 يوليو/تموز 2120):

https://bit.ly/3i4SrHA

(22)- Les relations Chine-Afrique en 2021, Jeune Afrique.

(23)- Abegunrin, Manyeruke, China’s Power in Africa, 39.

(24)- Les relations Chine-Afrique en 2021, Jeune Afrique. (vu le 24 juillet 2021)

https://bit.ly/3yfJMYI

(25)– Sun, Africa in China’s Foreign Policy, 23-25.

(26)- Jenkins, How China is Reshaping the Global Economy, 138-141.

(27)- ‘Africans’ perceptions about China: A sneak peek from 18 countries’, Afrobarometer, September 3 2020.URL: https://bit.ly/3y5HhrK

(28)- هاني، هل الصين بصدد بسط نفوذها في إفريقيا؟ مرجع سابق.

(29)- Ristel Tchounand, Chine / Matières premières: indispensable Afrique? afrique.latribune.fr, 01 Avril 2017, (accessed July 20, 2021): https://bit.ly/3BEHxjD

(30)- Emmanuel Véron, Vers un impérialisme chinois en Afrique ? Le point.fr, 09 septembre2018, (accessed July 20, 2021) https://bit.ly/3wZzLx3

(31)- Thierry Vircoulon, Afrique-Chine : des relations au beau fix ? Le point.fr, 15 Mars 2021, (accessed July 20, 2021) https://bit.ly/2Wkyl3N

(32)- Richard Hiault, Comment les Chinois mènent la conquête de l’Afrique, Lesechos.fr, 19 février 2019, (accessed July 20, 2021) https://bit.ly/2ULCJZ8

(33)- ‘The new scramble for Africa’, The economist.com, March 7, 2019. https://econ.st/3BFukqH

(34)- Ibid.

مراجع المحور الثاني

(1)- Ryan Browne, US to reduce number of troops in Africa, CNN, November 15, 2018, (accessed July 31, 2021), https://cnn.it/3ikKDl9

(2)- Ukraine crisis: Russia and sanctions, BBC, 19 December 2014, (accessed July 31, 2021), https://bbc.in/3xmTF5w

(3)- منى عبد الفتاح، روسيا تتجه إلى أفريقيا بالأمن والمصالح الاقتصادية، الأندباندنت عربية، 14 أغسطس 2020 (تم التصفح في 30 يوليو 2021)، https://bit.ly/3rOuibD

(4)- Next Russia-Africa summit to take place in 2022, Russkiy Mir, 08.07.2020, (accessed July 31, 2021), https://bit.ly/3ymbjHD

(5)- Russia and Mauritania signing and Agreement on Military Cooperation, Moscow Conference on International Security, 23.06.2021, (accessed August 2, 2021), https://bit.ly/37iDZpi

(6)- Jane Flanagan, Chad rebels trained by Russia march on heart of Africa, The Times, April 23 2021, (accessed July 31, 2021), https://bit.ly/2Vi6Aso

(7)- Peter Kum, Russia to deploy 600 more soldiers in Central African Republic, Anadolu Agency website, 30.06.2021, (accessed July 28, 2021), https://bit.ly/3xngTsf

(8)- بعد منحها قاعدة بحرية.. موسكو تضع قدما في مياه السودان وعينها على معادن أفريقيا، الجزيرة نتن 27/4/2021، (تم التصفح في 27 يوليو 2021)، https://bit.ly/3ft4JYB

(9)- Ethiopia, Russia Sign Various Agreements to Enhance Military Cooperation, ENA, July 12/2021, (accessed July 31, 2021), https://bit.ly/3imrXS2

(10)- وسط دهشة المصريين.. هذه أسباب الموقف الروسي تجاه سد النهضة، الجزيرة نت، 13 يوليو 2021، (تم التصفح في 1 أغسطس 2021)، https://bit.ly/3xnjceT

(11)- Mhe. Waziri ,Balozi Liberata Mulamula afanya mazungumzo na Mjumbe Maaluum wa Shirikisho la Urusi, The United Republic of Tanzania

Ministry of Foreign Affairs and East African Cooperation, 15 May 2021, (accessed July 31, 2021), https://bit.ly/3ikFYQb

(12)- Vladimir Shubin, Africa’s Unfolding Potential for Russia, ISPI, 15 November 2019, (accessed July 31, 2021), https://bit.ly/3ijsUuk

(13)- Vladimir Shubin, Russia and Africa Need Each Other, Rosa-Luxemburg-Stiftung, Jul 2, 2020, (accessed July 30, 2021), https://bit.ly/3rOpyCR

(14)- Op. Cit.

(15)- Peter Fabricius, Putin showcases Russia’s support for Africa at inaugural economic forum, Daily Maverick, 23 October 2019, (accessed July 31, 2021), https://bit.ly/3A8FQZY

(16)- Nuclear Education for Africa’s Future, ROSATOM, #236December 2020, (accessed July 31, 2021), https://bit.ly/3lsoYcK

(17)- Julie Hessler, Death of an African Student in Moscow: Race, politics, and the Cold War, ResearchGate June 2006, (accessed July 27, 2021), https://bit.ly/3CaXFJL

(18)- Jideofor Adibe, What does Russia really want from Africa? brookings.edu, November 14, 2019, (accessed August 2, 2021), https://brook.gs/3s3cfi9

(19)- France halts joint army operations with Malian forces over coup, Aljazeera.com, 3 Jul 2021, (accessed July 29, 2021), https://bit.ly/3A8eeEG

(20)- France resumes joint military operations in Mali, Aljazeera.com, 3 Jul 2021, (accessed July 29, 2021), https://bit.ly/3xwlOY1

(21)- Joseph Siegle, Russia’s Strategic Goals in Africa, The Africa Center, May 6, 2021, (accessed July 30, 2021), https://bit.ly/3xkXxnE

(22)- Mathieu Olivier, CAR: Who are President Touadéra’s Russian guardian angels? The Africa report, 17 March 2021, (accessed July 27, 2021), https://bit.ly/3lryyfO

(23)- Jideofor Adibe, What does Russia really want from Africa? Op. Cit.

(24)- Op. Cit.

(25) Trends in international arms transfers, 2020 – SIPRI, sipri.org, March 2021, (accessed July 29, 2021), https://bit.ly/3rYlwba

(26)- Paul Stronski, Late to the Party: Russia’s Return to Africa, carnegieendowment.org, October 16, 2019, (accessed July 28, 2021), https://bit.ly/3rQTPkf

(27)- Russia attempt to halve UN cross-border aid to Syria fails, Aljazeera.com, 9 Jul 2020, (accessed July 29, 2021),

https://bit.ly/2WR4JLF

(28)- Resolutions Calling on Withdrawal of Forces from Crimea, Establishing Epidemic Preparedness International Day among Texts Adopted by General Assembly, United Nation site, December 7, 2020, (accessed July 30, 2021), https://www.un.org/press/en/2020/ga12295.doc.htm

(29)- Nick Turse, U.S. Military Says It Has a “Light Footprint” in Africa. These Documents Show a Vast Network of Bases. The Intercept, December 1 2018, (accessed July 31, 2021), https://bit.ly/37f4nAi

(30)- Chen Liubing, China, Africa trade volume rises 14% to $170b, chinadaily.com.cn, 2018-08-29 (accessed July 30, 2021), https://bit.ly/2TPeoRA

(31)- Paul Stronski, Late to the Party: Russia’s Return to Africa, Carnegie Endowment for International Peace, October 2019, Wathinotes, 11 février 2021, (accessed July 30, 2021), https://bit.ly/3A311wI

(32)- Russian ambassador sparks backlash with suggestion Guinea change constitution, January 11, 2019, Reuters, (accessed July 30, 2021), https://bit.ly/3xm6WLt

مراجع المحور الثالث:

(1)- Tian, Nan, Alexandra Kuimova, Diego Lopes Da Silva, Pieter D. Wezeman, and Siemon T. Wezeman. “Trends in world military expenditure, 2020.” (2021). accessed August 24, 2021: https://www.sipri.org/publications/2021/sipri-fact-sheets/trends-world-military-expenditure-2020

(2)- Hackett, James. The Military Balance 2013. Routledge, 2020. (P 324) (P333). accessed August 24, 2021: https://hostnezt.com/cssfiles/currentaffairs/The%20Military%20Balance%202021.pdf

(3)- Hackett, James. The Military Balance 2013. Routledge, 2020. (P 465), accessed August 27, 2021: https://hostnezt.com/cssfiles/currentaffairs/The%20Military%20Balance%202021.pdf

(4)- Tian, Nan, Alexandra Kuimova, Diego Lopes Da Silva, Pieter D. Wezeman, and Siemon T. Wezeman. “Trends in world military expenditure, 2020.” (2021). accessed August 24, 2021: https://www.sipri.org/publications/2021/sipri-fact-sheets/trends-world-military-expenditure-2020

(5)- Arie Egozi, Israeli arms exports to Africa growing, Defence Web, March 2018, accessed August 29, 2021: https://www.defenceweb.co.za/industry/industry-industry/israeli-arms-exports-to-africa-growing/

(6) أحمد مولانا، شركة فاغنر الروسية: النشأة والدور والتأثير، المعهد المصري للدراسات، فبراير/شباط 2021، (تاريخ الدخول: 1 سبتمبر/أيلول 2021): https://bit.ly/3yLAlzo

“نص تقرير للأمم المتحدة في عام 2020 على أن الدعم اللوجستي العسكري الروسي المباشر المقدم إلى فاغنر.. زاد بشكل كبير؛ حيث رُصدت نحو 338 رحلة جوية بواسطة طائرات عسكرية روسية أقلعت من سوريا إلى ليبيا بين 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 و31 يوليو/تموز 2020. وفي تقرير سري أممي صدر في مايو/أيار 2020، قال مراقبو العقوبات: إن مجموعة فاغنر الروسية لديها ما يصل إلى 1200 مقاتل في ليبيا”.

(7)- Akcinaroglu, Seden, and Elizabeth Radziszewski. “Private military companies, opportunities, and termination of civil wars in Africa.” Journal of Conflict Resolution 57, no. 5 (2013): 795-821.

(8)- Nader Ibrahim, Ilya Barabanov, The lost tablet and the secret documents Clues pointing to a shadowy Russian army, BBC News, 11August 2021, accessed August 24, 2021: https://www.bbc.co.uk/news/extra/8iaz6xit26/the-lost-tablet-and-the-secret-documents

(9)- Chris Devonshire-Ellis, 84% Of China’s BRI Investments Are In Medium-High Risk Countries, Silk Road Briefing, Jul 2020, accessed August 26, 2021: https://www.silkroadbriefing.com/news/2020/07/02/84-chinas-bri-investments-medium-high-risk-countries/

(10)- Judd Devermont, China’s Strategic Aims in Africa, CSIS, May 2020, accessed August 24, 2021:https://www.uscc.gov/sites/default/files/Devermont_Testimony.pdf

(11)- Nantulya, Paul. “Chinese Security Contractors in Africa.” Carnegie-Tsinghua Center for Global Policy (2020).

(12)- وكالة الأناضول، انسحاب فرنسا من مالي.. بين معاقبة الانقلاب ومحاولة توريط الجزائر (تحليل)، 13 يوليو/تموز 2021، (تاريخ الدخول: 2 سبتمبر/أيلول 2021): https://bit.ly/2VgfEhu

(13)- Theodore Shoebat,When The French Leave Mali, Africa Will Be Another Afghanistan, Shoebat, August 2021, accessed August 24, 2021: https://shoebat.com/2021/08/31/when-the-french-leave-mali-africa-will-be-another-afghanistan/

(14)- Darfur’s Armed Opposition Groups, Human Security Baseline Assessment For Sudan and South Sudan, Sudan Liberation Army-Abdul Wahid (SLA-AW) and splinters, March 2011, accessed August 24, 2021:http://www.smallarmssurveysudan.org/fileadmin/docs/archive/sudan/darfur/armed-groups/armed-opposition-groups/SLA-AW/HSBA-SLA-AW-30-March-2011.pdf

مراجع المحور الرابع:

(1) الغابات والطاقة، عرض الطاقة والطلب عليها: الاتجاهات والاحتمالات، ص17، تقرير منظمة الزراعة العالمية بدون تاريخ، (تاريخ الدخول: 14 أغسطس/آب 2021):

https://bit.ly/3zaoVFM

(2) Seydou KA-lesoleil.sn ,  Dr Pape Mamadou Touré : «la Covid-19 n’a pas eu d’effets juridiques majeurs sur les projets pétroliers et gaziers du Sénégal, SeneWEb du 21 août, 2021, (Vu le 21 Aout 2021):

https://bit.ly/3llmM5c

(3) د. أيمن شبانة، النفط الإفريقي: عندما تتحرك السياسة الأميركية وراء الموارد، العدد الثاني، فبراير/شباط 2013، مجلة إفريقيا قارتنا، ص4، (تاريخ الدخول: 14 أغسطس/آب 2021):

https://www.sis.gov.eg/newvr/africa/2/12.pdf

(4) وانغاري ماثاي، إفريقيا والتحدي، ترجمة: أشرف محمد كيلاني، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، مارس/آذار 2014-الكويت، ص245.

(5) المنتدى رفيع المستوى حول التعاون العربي الإفريقي في مجال الاستثمار والتجارة، الجماهيرية الليبية 25/26 سبتمبر/أيلول 2010، الواقع والآفاق المستقبلية للنفط والغاز بالقارة الإفريقية، ص16، (تاريخ الدخول: 17 أغسطس/آب 2021):

https://bit.ly/3huXHDK

(6) المرجع السابق، ص15.

(7) Adama WADE , l’Afrique peut peser entre 13 et 15% des réserves mondiale, Finance Afrik, 2019/06/12, (Accessed 05 september, 2021):

https://bit.ly/396dOTG

 (تاريخ الدخول: 5 سبتمبر/أيلول 2021).

(8) التوقعات لمجال الطاقة، الوفاء بالإمدادات المستقبلية، موقع إكسون موبيل، 8 يوليو/تموز 2019، (تاريخ الدخول: 17 أغسطس/آب 2021):

https://exxonmobil.co/3tGI5lf

(9) د. حسن صادق جاحم، التنافس الأميركي-الصيني على الطاقة في إفريقيا، المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، برلين-ألمانيا، الطبعة الأولى 2020، ص49.

(10) عبد القادر محمد علي، الحضور العسكري الروسي في إفريقيا ودلالاته، مركز الجزيرة للدراسات، 19 مايو/أيار 2021، ص8، (تاريخ الدخول: 11 أغسطس/آب 2021):

https://bit.ly/3lm6rgx

(11) مجلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية 1/49، سبتمبر/أيلول 2007، ص39، (تاريخ الدخول: 5 سبتمبر/أيلول 2021):

https://bit.ly/3EiDWJ8

(12) تقرير إفريقيا 2017/18، الأسواق العقارية في قارة من الازدهار والفرص، الأبحاث Knight Frank  ص3، (تاريخ الدخول: 12 أغسطس/آب 2021):

https://bit.ly/2XfUUHO

(13) وانغاري ماثاي، إفريقيا والتحدي، مرجع سابق، ص247.

(14) غريغور شوبرهوف ومحمدو سي، حيث تسطع الشمس، التمويل والتنمية، مارس/آذار 2020، ص54، (تاريخ الدخول: 5 سبتمبر/أيلول 2021):

https://bit.ly/3CcNBiz

(15) REVUE DES RÉFORMES DU SECTEUR DE L’ÉLECTRICITÉ EN AFRIQUE, p : 14, (Vu le 14l/08/2021):

https://bit.ly/3k60S6q

(16) مذكرة مفاهيمية، زيادة ميزانية الحكومات الإفريقية لتمويل تطوير قطاع الطاقة، موقع إنكرايزينغ أفريكا، أكتوبر/تشرين الأول 2016، ص3، (تاريخ الدخول: 10 أغسطس/آب 2021):

https://bit.ly/2YJnAcj

(17) خط أنابيب الغاز الطبيعي داخل إفريقيا: العمليات والمشاريع القادمة، موقع ستاو، 19 فبراير/شباط 2021، (تاريخ الدخول: 24 أغسطس/آب 2021):

https://www.seetao.com/details/64813.html

(18) المنتدى رفيع المستوى حول التعاون العربي الإفريقي في مجال الاستثمار والتجارة، مرجع سابق، ص4، (تاريخ الدخول: 16 أغسطس/آب 2021).

(19) المرجع السابق، ص: 4.

(20) التقرير السنوي لمؤسسة التمويل الدولية 2013، ص4، موقع البنك الدولي، (تاريخ الدخول: 22 أغسطس/آب 2021): https://bit.ly/3hrdjIk

(21) د. حسان صادق حاجم، التنافس الأميركي-الصيني على الطاقة في إفريقيا، مرجع سابق، ص176.

(22) تقرير شل حول التنمية المستدامة لعام 2006، ص32، موقع شل، تقرير عام 2006، (تاريخ الدخول: 19 أغسطس/آب 2021):

https://go.shell.com/3AauTHY

مراجع المحور الخامس

(1)– Joël Kotek, “le génocide oublié des Hereros -“l’Histoire, janvier 2002– (access 20 Aout 2021) sur: L’histoire.fr

 (2) المرجع السابق

(3)- Jean-Paul Pougala ” Pourquoi l’Allemagne a pendu Douala Manga Bell”. Pougalanet. 30/6/2021 (acces 11 Juillet 2021) sur: https://pougala.net/ieg/index.php?p=articles&artid=277

(4)- Rapport; ” Afrique : la Banque mondiale veut dresser une carte des ressources minières “Les Échos, 5 février 2014.) Accès 1aout 2021(Sur: https://www.lesechos.fr/2014/02/afrique-la-banque-mondiale-veut-dresser…

(5)- Minera Info ” Ressources minérales et développement en Afrique” Document d’orientation stratégique” Mai 2008, P: 8-9

(6)- Saïd Al-Hatrit “Terres rares: l’Afrique entre dans l’arène “Jeune Afrique” 10Fevrier 2015.) Accès 9aout 2o21) sur; https://www.jeuneafrique.com/3358/economie/terres-rares-l-afrique-entre…/

(7)- Mines ParisTech Musée ” Les Minéraux et leur Classification” Musée de Minéralogie, ParisTch, p;6-9.

(8)- Statistique Mondiale ” Production mondiale de saphirs” Planetscope” 21 janvier 2021) accès 5juillet 2021(sur : https://www.planetoscope.com/sols/1441-production-mondiale-de-saphirs.h…

(9)- Jean-Marc Châtaigner ” Madagascar : le développement contrarié” Afrique contemporaine(n° 251), novembre 2014.pp:107-124

(10)- Hebdo P2 ” L’Afrique, terre de diamants: 9pays producteurs et 9pierres célébrissimes” Agenceecofin, org; 07février 2019.) Accès 10 juillet 2021): https://www.agenceecofin.com/hebdop2/0702-63821-l-afrique-terre-de-diam….

(11)- Mouctar Ficoum ” La Guinée détrône la Chine et devient le deuxième plus grand producteur de bauxite dans le monde” VivaFrik.com 10Décembre 2020) accès 28aout 2021(sur: https://www.vivafrik.com/2020/12/10/la-guinee-devient-le-2eme-plus-gran…

(12)- Serge Lerat ” Le cuivre dans le monde troisième article)” Les Cahiers d’outre-Mer; 1960, pp: 397-400

(13)- John Campbell “Why Cobalt Mining in the DRC Needs Urgent Attention”, CFR.org, 29 October 2020: (access 12 august 2021) https://www.cfr.org/blog/why-cobalt-mining-drc-needs-urgent-attention.

(14) “عناصر الأرض النادرة: ذهب القرن الحادي والعشرين”، بي بي سي، 20 يونيو/حزيران 2011، (تاريخ الدخول: 19 سبتمبر/أيلول 2021):

https://www.bbc.com/arabic/multimedia/2011/06/110620_rare_elements

(15) مرجع سابق.

(16)- Raphaël Balenieri “Gafa américains versus BATX chinois: qui va gagner?” les Echos.fr. 18janvier 2020) accès8septembre 2021) https://www.lesechos.fr/tech-medias/hightech/gafa-americains-versus-bat…

(17)- Report “Baidu Company Info”(access 1august 2021) at: https://www.bloomberg.com/profile/company/BIDU:US

(18)- Bloomberg “Ali Baba Profile” (access 3august 2021) https://www.bloomberg.com/profile/company/1688:HK#:~:text=Alibaba.com%2…

(19)- Tencent Holdings “Forbes on Tencent Holdings” Forbes, 13May 2021 (access 1September 2021)at; https://www.forbes.com/companies/tencent-holdings/?sh=2ddc85ab158b

(20)- Xiaomi profile ” Xiaomi Company information ” Fortune.com, 8 February 2021,( access 28august 2021) at: https://fortune.com/company/xiaomi/

(21)- Cecile Chevré, Translated by Simon McGeady “GAFA vs BATX: To Rule Them All” Decideurs Magazine, 7th March 2019 ( access 29 August 2021) at: https://www.leadersleague.com/fr/news/gafa-vs-batx-to-rule-them-all

(22)- Africa Combined Economy “GDP Nominal and PPP Data, current prices”. International Monetary Fund. 2018. access 6 March 2020

 (23)- Punam Chuhan-Pole, and others “Mining in Africa Are Local Communities Better Off?” African Development Forum, World Bank Group, PP:154-165.

(24) عزمي بشارة، “الشعوبية والأزمة الدائمة للديمقراطية”، سياسات عربية، العدد 40، سبتمبر/أيلول 2019، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

(25)- Report ” Sudan’s President Bashir asks Putin for ‘protection’ from ‘aggressive’ US” France24, 23 November 2017, (access 10September 2021) at: https://www.france24.com/en/20171123-sudan-president-bashir-asks-putin-…

(26)- Woosung Kim ” Power transition theory and the rise of China” IASR, International Area Studies Review, Vol 18,(3),PP:220-25

(27)- Investigation ” URUNDI/ DEVELOPPEMENT: LES DEFIS DE L’EMERGENCE ANALYSE DE Me JANVIER MOMO” Afrique Media,YouTube Vidéo, 17 Juillet 2021,) accès 20 Juillet 2021) sur: https://www.youtube.com/watch?v=R7sPvkjYLiQ

(28)- Reuters “ Cobalt to be declared a strategic mineral in Congo” 14 Mars 2018. (Access 25 august 2021) available at : https://mobile.reuters.com/article/amp/idUSKCN1GQ2RX

(29)- Annie Kelly “ Apple and Google named in US lawsuit over Congolese child cobalt mining deaths” The Guardian, 16December 2019, (access 20 august 2021) at: https://amp.theguardian.com/global-development/2019/dec/16/apple-and-go…

(30)- Jeune Afrique “ARCHIVES Sénégal : le nouvel eldorado minier” Jeune Afrique, 12Février 2012. (Accès 3aout 2021) sur: https://www.jeuneafrique.com/143038/archives-thematique/s-n-gal-le-nouv…/

(31)- Olivier Monnier “ Or : les compagnies minières canadiennes à l’assaut de l’Afrique de l’Ouest” Jeune Afrique, 07 janvier 2019, (accès 3aout 2021) sur: https://www.jeuneafrique.com/mag/692474/economie/or-les-compagnies-mini…/.

(32)- Travis Lupick “Canada-Africa: The mines and the money” The Africa Report, 25 November 2020 (access 04 august 2021)at: https://www.theafricareport.com/5038/canada-africa-the-mines-and-the-mo…/

(33)- Canadian International Development Platform “ Canadian Mining in Africa” CIDP, 3 November 2012. (Access 2 Septembre 2021).

(34)- Le monde Diplomatique “De l’orpaillage médiéval à l’exploitation des mines modernes” Archive MondeAfrique, Avril 1960 (accès 20 aout 2021)p:11sur: https://www.monde-diplomatique.fr/1960/04/A/23558

(35)- Stephanie Samson “Les trésors méconnus de l’Afrique subsaharienne française

De l’exploration à la prospection minière, 1850-1940”Revue Économie Faite Homme, P:385-391. Sur : https://www.cairn.info/l-economie-faite-homme–9782600014595-page-385.h…

(36) المرجع السابق.

(37) المرجع السابق.

(38)- Ken Matthysen & Iain Clarkson” Gold and diamonds in the Central African Republic” IPIS, February 2013, P: 5-6

(39)- Afrique Media, Op. Cit.

(40)- Wikileaks “Mining Convention in Central Africa” Wikileaks, 2014. (Access 20 August 2021) at: https://wikileaks.org/car-mining/html/Convention-TSA-Note/page-1.html#l…

(41)- Survie “ COMPAGNIE DES MINES DE FRANCE (ET D’AFRIQUE)” SurvieORG; 3 mars 2014, (accès 2 septembre 2021) sur: https://survie.org/billets-d-afrique/2014/233-mars-2014/article/compagn…

(42)- Tatiana Kondratenko ” Russian arms exports to Africa: Moscow’s long-term strategy” by DW, 29 august 2020. Access 3th September 2021, available at: https://www.dw.com/en/russian-arms-exports-to-africa-moscows-long-term-…

(43)-Amadou A (Russia building military bases in Africa: Report – Daily publishes details of reported secret German government document on ‘Russia’s new Africa ambitions’ -2020

(44)- Nataliya Bugayova; and others ” THE KREMLIN’S INROADS AFTER THE AFRICA SUMMIT” Institute for the Study of War(ISW), 8 November 2019 at: https://www.understandingwar.org/backgrounder/kremlins-inroads-after-af…

(45)- Théophile Dzaka-Kikouta, “L’INVESTISSEMENT CHINOIS EN AFRIQUE CENTRALE” Outre-Terre 2011/4 n° 30 | pp:207-226

(46)- Théophile Dzaka-Kikouta, Op Cit. PP3-5.

(47)- Melvi Boss “Afrique. Minerais de sang et néocolonialisme en République Démocratique du Congo (RDC)⁃ Le conflit au Kivu, zone grise en proie à de cruciales rivalités géoéconomiques” DiplomateWeb, 4 Octobre 2020 (accès2 Juillet 2021) sur: https://www.diploweb.com/Afrique-Minerais-de-sang-et-neocolonialisme-en…

(48) المصدر السابق.

(49)- Dylan Yachyshen “Great Power Competition and the Scramble for Africa” Foreign Policy Research Institute, 30 April 2020 (access 28 September 2021) at: https://www.fpri.org/article/2020/04/great-power-competition-and-the-sc…/

(50) مرجع سابق.

(51)- Eleftheris Vigne ” Présences chinoise et russe en Afrique : différences, convergences, conséquences” institue Royale Supérieur de Défense; Bruxelles Focus Paper 37, Juillet 2018,PP:7-10

(52)- Katie Burton “New report reveals risk of links between Sudanese conflict gold and major companies”Geographical, 22 Development2020, (access 22 July 2021) at: https://geographical.co.uk/people/development/item/3763-new-report-reve…

(53) مرجع سابق.

(54)- Misha Ketchell ” Why responsible sourcing of DRC minerals has major weak spots” Conversation, 22 Avril 2019, (access 12 August 2021) at : https://theconversation.com/why-responsible-sourcing-of-drc-minerals-ha…

(55)- Alberto Rojas BlancoRaquel Villaecija “Blood and Minerals who profits from the Conflict in RDC?” Al-Jazeera, 19, January 2016, (access 17 August 2021) at; https://www.aljazeera.com/features/2016/1/19/blood-and-minerals-who-pro…

(56)- Global EDGE Insight ” Democratic Republic of the Congo: Economy, (access 17 August 2021) at: https://globaledge.msu.edu/countries/democratic-republic-of-the-congo/e…

(57)- Pascal Nahimana “Le géopoliticien M. Luc Michel : L’occident veut saboter les processus des élections démocratiques de 2020 au Burundi” Burundi-forum. 24 Novembre 2019 (acces 2 Aout 2021(sur: https://www.burundi-forum.org/37128/

(58) تقرير “الخرطوم تراجع اتفاقية القاعدة الروسية… والكرملين يتحدث عن نقاشات {دبلوماسية}”، جريدة الشرق الأوسط، 3 يونيو/حزيران 2021، (تاريخ الدخول: 10 سبتمبر/أيلول 2021):

 https://aawsat.com/home/article/3006261/

(59) إدريس آيات، “فرنسا تبدي استياءها من محادثات مالي مع “فاغنر”، الأفارقة”، 19 سبتمبر/أيلول 2021، (تاريخ الدخول: 22 سبتمبر/أيلول 2021):

 https://theafrikans.com/4854/abdelaziz-bouteflika-mali-vagner-turkey-bu…/

(60) إدريس آيات، “الكونغو تراجع صفقة تعدين مع مستثمرين صينيين”، الأفارقة، 4 سبتمبر/أيلول 2021، (تاريخ الدخول: 22 سبتمبر/أيلول 2021):

 https://theafrikans.com/4842/drc-chinese-miners-new-oil-discovery-in-iv…/

(61) تقرير “موزمبيــق وصــراع عمال المناجـــم على الياقــوت”، عُمان ديلي، 21 أبريل/نيسان 2017، (تاريخ الدخول: 20 سبتمبر/أيلول 2021):

 https://www.omandaily.om/

(62)– Report ” China’s Ganfeng to acquire stake in Goulamina lithium mine for $130m” Mining Technology, 15 June 2021, (access 20 September 2021) at: https://www.mining-technology.com/news/ganfeng-stake-mali-lithium-mine/

مراجع المحور السادس:

(1)- Carmody, P. (2011). The New Scramble for Africa. UK: Polity.

(2)- Unveren, B. (2021), Turkey seeks to strengthen Africa relations with ‘benevolence’. DW, https://www.dw.com/en/turkey-seeks-to-strengthen-africa-relations-with-…;

(3)– – MFA (2008), إعلان اسطنبول المعتمد في 19 آب/أغسطس 2008 في مؤتمر قمة التعاون بين تركيا وأفريقيا في إسطنبول.

http://afrika.mfa.gov.tr/istanbul-declaration-adopted-on-19-august-2008…

(4)- Akca, A. (2019). Neo-Ottomanism: Turkey’s foreign policy approach to Africa. New Perspectives in Foreign Policy. CSIS Issue 17, https://www.csis.org/neo-ottomanism-turkeys-foreign-policy-approach-afr…;

(5)- AA (2018). Turkey-ECOWAS forum set to begin in Istanbul. https://www.aa.com.tr/en/africa/turkey-ecowas-forum-set-to-begin-in-ist…

(6)-  Kalehsar, O. S. (2020). Turkey’s focus on Africa: energy security, political influence and economic growth. https://uwidata.com/8052-turkeys-focus-on-africa-energy-security-politi…

(7)-  FAO (2017). FAO buttresses growing cooperation between Turkey and Africa. http://www.fao.org/europe/news/detail-news/en/c/883161/

(8)-  Wasuge, M. (2016). Turkey’s Assistance Model in Somalia: Achieving Much With Little, The Heritage Institute (HIPS). Mogadishu

(9)-  Aydemir, M. (2020). Turkish Hospital in Libya serves security forces 7/24. AA, https://www.aa.com.tr/en/africa/turkish-hospital-in-libya-serves-securi…

(10)-  AA (2021). Turkey provides commando training to Somali soldiers. https://www.aa.com.tr/en/africa/turkey-provides-commando-training-to-so…

(11)- G5 Sahel (2021). Signature entre le G5 Sahel et la présidence de l’industrie de Défence turque d’un contrat de soutien à la Force Conjointe. https://www.g5sahel.org/signature-entre-le-g5-sahel-et-la-presidence-de…

(12)- AA (2020). Turkey’s help combating COVID-19 in Africa. https://www.aa.com.tr/en/africa/turkey-s-help-combating-covid-19-in-afr…

(13)- MFA. Turkey-Africa Relations. https://www.mfa.gov.tr/turkey-africa-relations.en.mfa 

مراجع المحور السابع

(1) بايتس غيب، ترجمة دلال أبو حيدر، النجم الصاعد الصين: دبلوماسية أمنية جديدة، دار الكتاب العربية-بيروت، لبنان، 2009، ص 320.

(2) أميرة محمد عبد الحليم، الصين تجني 440 مليار دولار أرباحًا من إفريقيا بحلول 2025، موقع آراء حول الخليج، 31 أكتوبر/تشرين الأول 2018، (تاريخ الدخول: 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2021):

https://bit.ly/3FL9kjv

(3) جوزيف ناي، القوة الناعمة، مكتبة العبيكان، الرياض، السعودية، 2007، ص: 26 (بالتصرف)، ترجمة: محمد توفيق البجيرمي.

(4) صليحة محمدي، السياسة الصينية تجاه إفريقيا توظيف القوة الناعمة لاستمالة القارة الإفريقية، المجلة الجزائرية للأمن والتنمية، جامعة باتنة، يوليو/تموز 2017، ص 128.

(5) صليحة محمدي، المرجع السابق: ص: 129، للاستزادة أكثر، يطالَع:

  • محمد الصالح جمال، الاختراق الصيني للقارة الإفريقية بعد نهاية الحرب الباردة، المركز الديمقراطي العمومي، الطبعة الأولى، 2020.
  • قط سمير، الاستراتيجية الاقتصادية الصينية في إفريقيا، فترة ما بعد الحرب الباردة، قطاع النفط نموذجًا، مذكرة ماجستير في العلوم السياسية، جامعة بسكرة، 2007/2008.

(6) صليحة محمدي، المرجع السابق، ص 131.

(7) صليحة محمدي، المرجع السابق.

(8)– P.A ; Braud “la chine en Afrique ” perspectives ; n0:90 juillet – Aout 2005.

(9)– Paul Pantulya, Forum 2021 sur la coopération sino-Africaine: les prochaines étapes, (vu le 11 novembre 2021): www.democraticac.de/?p=67411.

(10) قراءة في تقرير: السلوك الاستراتيجي للصين، مركز الجزيرة للدراسات، 7 أكتوبر/تشرين الأول 2010، (تاريخ الدخول: 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2021):

https://bit.ly/3DSraRg

(11) أحمد السيد عبد المنعم، المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: تطور الدبلوماسية العسكرية الصينية من تبادل الزيارات إلى توزيع اللقاحات، موقع المرصد، 18 مايو/أيار 2021، (تاريخ الدخول: 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2021):

https://bit.ly/3l7ZKiJ

(12) نفس الإحالة السابقة.

(13)– Report on Chinese Investment in Africa, Forum of China-Africa Corporation, 02/09/2021 (accessed 10 November 2021):

http://www.focac.org/eng/

(14) محمد فرج، سكاي نيوز عربية، قراءة في وثيقة الأمن القومي الأميركية.. الصين التحدي الأكبر- القاهرة، l 4 مارس/آذار 2021، (تاريخ الدخول: 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2021):

 https://bit.ly/3xzyHlL

(15) السفير الصيني وانغ وانغبشينغ، الصين وإفريقيا، نموذج إيجابي في العلاقات الدولية، موقع السفارة الصينية في ليبيا، 6 يناير/كانون الثاني 2011، (تاريخ الدخول: 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2021):

https://bit.ly/3rnjDqj

(16) Lina Benbdallah , china’s peace and security strategies in Africa: Building capacity is Building Peace! Cafeica Studied Quarterly, volume16, issue December 2016.

(17) صعود “السياسة الصينية تجاه إفريقيا”، موقع الغد، 25 يوليو/تموز 2011، (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2021):

https://bit.ly/30XvkJj

(18) عادل عبد الغفار وآنا جاكوبس، بكين تنادي: تقييم حضور الصين المتنامي في شمال إفريقيا، موجز السياسة، معهد بروكنجز الدوحة، 23 سبتمبر/أيلول 2019، (تاريخ الدخول: 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2021):

https://brook.gs/32wWYgJ

(19) علي حسين باكير، مفهوم “الصعود السلمي” في سياسة الصين الخارجية، مركز الجزيرة للدراسات، 21 أبريل/نيسان 2011، (تاريخ الدخول: 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2021):

https://bit.ly/3FPPi7J

(20) ياسمينة كنوز، حنان نخول، القوة والنفوذ من وراء السياسة الاقتصادية للصين في إفريقيا، مذكرة مكملة لنيل شهادة ماستر نظام جديد LMD في العلوم السياسية: تخصص علاقات دولية وسياسات أمنية، جامعة قالمة، الموسم الجامعي 2012/2013.

(21) حسين إسماعيل، التعاون الصيني-الإفريقي في العصر الجديد، 2018، (تاريخ الدخول: 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2021):

https://bit.ly/3CQ4xeV

(22) محمود سعد دياب، مسئول صيني: 144.27 مليار دولار حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية بالنصف الأول من 2021، (تاريخ الدخول: 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2021):

 https://gate.ahram.org.eg/News/2920732.aspx

(23) حكمات العبد الرحمن، استراتيجية الوجود الصيني في إفريقيا، سياسات عربية، العدد 22، سبتمبر/أيلول 2016.

(24) وردت هذه الأرقام على لسان نائب وزير التجارة الصيني (تشان كه مينغ) لوكالة الأنباء الصينية (شينخوا): الصين وإفريقيا تعززان التعاون التجاري بينهما بالرغم عن تفشي الجائحة، 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، (تاريخ الدخول: 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2021):

مراجع المحور الثامن:

(1) “فرانس أفريك”، كيف تنهب فرنسا خيرات إفريقيا منذ أكثر من نصف قرن؟، موقع نون بوست، 8 يناير/كانون الثاني 2019، (تاريخ الدخول: 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2021): https://bit.ly/2YrAuvM

(2) فرنسا ومستعمراتها السابقة: لماذا بقي الاستقلال منقوصًا؟، موقع توتشي ويلي، 8 أغسطس/آب 2020، (تاريخ الدخول: 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2021): https://bit.ly/3BVdDXb

(3)- Afrique entre multipartisme, partis uniques et régimes militaires entre 1950 et 1990 (complément au dossier du 8.6.18), 8 juillet 2019 (Vu le 26 Octobre 2021): https://bit.ly/3H5h29x

(4)- Allocution de M. François Mitterrand à la Baule le 20 juin 1990, (Vu le 25 Octobre 2021): https://bit.ly/3BXAvpc

(5)- Jean-Bédel Bokassa, Britannica, Oct 30, 2021 (accessed October 19, 2021): https://bit.ly/3CZ3ytL

(6) قصة صراع القوى على خيرات إفريقيا: هل تواطأت فرنسا في انقلاب غينيا لقطع الطريق على الصين؟، عربي بوست، 14 سبتمبر/أيلول 2021، (تاريخ الدخول: 28 أكتوبر/تشرين الأول 2021):  https://bit.ly/3CYQRzd

(7) في 10 سنوات.. 7 عمليات عسكرية فرنسية في إفريقيا (إنفوغرافيك)، وكالة الأناضول، 2 فبراير/شباط 2016، (تاريخ الدخول: 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2021): https://bit.ly/3D1XLU9

(8) منع التدخل الفرنسي، في 2012، سيطرة الجماعات الإسلامية المسلحة، على العاصمة المالية، باماكو، وإسقاط النظام السياسي والعسكري في مالي بعد أن سيطروا على أهم مناطق الشمال.

(9)- Histoire du Franc CFA, BAEAO (non date), (Vu le 25 Octobre 2021):

https://bit.ly/3kkeb2Q

(10) الكابوس الفرنسي في إفريقيا (القسم الثاني): الاستعمار الجديد، وكالة الأناضول، 11 فبراير/شباط 2020، (تاريخ الدخول: 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2021):  https://bit.ly/306ZMjb

(11) اغتالت وأطاحت بـ 22 رئيسًا.. هكذا حكمت فرنسا إفريقيا من وراء ستار لمدة 50 عامًا، الجزيرة نت، 8 يونيو/حزيران 2021، (تاريخ الدخول: 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2021):  https://bit.ly/2YtKPYh

(12) يمكن التمثيل بسعي الرئيس الموريتاني الأسبق، المختار ولد داداه، إلى مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية مع فرنسا، قبل أن تندلع حرب الصحراء وتعود موريتانيا مرغمة على اللجوء إلى الطيران الفرنسي لحماية أجوائها.

(13) اغتالت وأطاحت بـ 22 رئيسًا.. الجزيرة نت، إحالة سابقة.

(14) فرنسا صانعة الطغاة في إفريقيا، موقع عربي بوست، بدون تاريخ، (تاريخ الدخول: 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2021): https://bit.ly/2Ysa0KD

(15) يمكن، على سبيل المثال، الاستدلال بمجزرة كبكب التي نفذتها القوات الفرنسية بحق 300 عالم إسلامي في تشاد، وكذا حرق المدارس الإسلامية ونهب المكتبات في موريتانيا والسنغال ومالي.

(16) الفرنكوفونية حيز للتعاون متعدد الأطراف، موقع وزارة الخارجية الفرنسية، دون تاريخ، (تاريخ الدخول: 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2021): https://bit.ly/3H1YBCT

(17) الفرنكفونية أيديولوجية استعمارية بغطاء ثقافي ولغوي، عرب تايمز، 27 فبراير/شباط 2010، (تاريخ الدخول: 29 أكتوبر/تشرين الأول 2021): https://bit.ly/3BWaVR9

(18) غزو أميركي عبر البوابة المغربية… ما الأهداف الاقتصادية لواشنطن في القارة السمراء؟، وكالة سبوتنيك، 12 مارس/آذار 2021، (تاريخ الدخول: 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2021): https://bit.ly/3BXDrlB

(19) ANTOINE GLASER PASCAL AIRAULT: Le piège africain de Macron, Fayard. Mai 2017 (Vu le 25 Octobre 2021): https://bit.ly/3qikBU7

(20) 186  مليار دولار حجم التبادل التجاري بين تركيا وإفريقيا، 5 فبراير/شباط 2020، (تاريخ الدخول: 30 أكتوبر/تشرين الأول 2021):  https://bit.ly/307SNXh

(21)- Exclusif – Emmanuel Macron: « Entre la France et l’Afrique, ce doit être une histoire d’amour, 20 novembre 2020 (Vu le 25 Octobre 2021): https://bit.ly/3BZ2Mve

(22) منى عبد الفتاح: روسيا تتجه إلى إفريقيا بالأمن والمصالح الاقتصادية، الإندبندنت العربي، 14 أغسطس/آب 2020، (تاريخ الدخول: 31 أكتوبر/تشرين الأول 2021): https://bit.ly/3H4Pv8o

(23) In the CAR, France and Russia engage in a mini Cold War, The Africa Report, 17/2/2021, (accessed 30 October 2021): https://bit.ly/3cZxjjz

مراجع المحور التاسع:

(1) السياسة الخارجية الروسية في السياقين التاريخي والحالي، مؤسسة راند الأميركية، 2015، (تاريخ الدخول: 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021): https://bit.ly/3wo7667

(2) روسيا وإعادة اكتشاف إفريقيا من جديد: سيناريوهات “التعاون والمصالح والمخاطر”، المركز الديمقراطي العربي، 3 فبراير/شباط 2017، (تاريخ الدخول: 30 أكتوبر/تشرين الأول 2021): https://democraticac.de/?p=43279

(3) Engaged Opportunism”: Russia’s Role in the Horn of Africa, The Foreign Policy Research Institute, Jul 2, 2020 (accessed October 31, 2021): https://bit.ly/3wm3G3Q

(4) Late to the Party: Russia’s Return to Africa, Carnegie Endowment, Oct 24, 2019 (accessed October 26, 2021): https://bit.ly/3kcNk8Z

(5) Ahmed Elbassoussy, The growing Russian role in sub-Saharan Africa: interests, opportunities and limitations, Journal of Humanities and Applied Social Sciences, Article publication date: 6 April 2021, (accessed October 26, 2021): https://bit.ly/3017lI9

مراجع المحور العاشر:

(1) (1) انظر في ذلك: هشام القروي، استراتيجية أميركية جديدة، مركز نماء للبحوث والدراسات، 22 مايو/أيار 2013، (تاريخ الدخول: 15 سبتمبر/أيلول 2021):  https://bit.ly/3EwsxWh

(2) Gary Leupp, “We’re Taking Down Seven Countries in Five Years”: A Regime Change Checklist, www.dissidentvoice.org, January 17, 2007, (accessed September 10, 2021): https://bit.ly/3tQrhbT

(3) مناورات الأسد الإفريقي أو ما يصطلح عليه بالإنجليزية  (African Lion Maneuvers)‏هي مناورات عسكرية مشتركة تقام بين كل من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المغربية بمنطقة طانطان المغربية والتي انطلقت عام 2007.

(4) تأثير ناظم عبد الواحد، الوطن العربي في استراتيجية حلف الناتو بعد الحادي عشر من سبتمبر2001، رسالة ماجستير منشورة، معهد البحوث والدراسات العربية، جامعة الدول العربية، القاهرة، 2008، ص 29.

(5) Hamdesa Tuso:” The Crisis of U.S. Foreign Policy Toward the Horn of Africa during the post Cold War Era – A Critical Review PartII ”Sidama Concern, (Vol. 5 No. 2, July 2000) p 20.

(6)  John Prendergast, Building for Peace in the Horn of Africa: Diplomacy and Beyond (Washington D.C. the United States Institute of Peace, June 28, 1999) p187.

(7) د. عبد الملك عودة، السياسة المصرية وقضايا إفريقيا، مؤسسة الأهرام، 1993، ص 81.

(8) Renseignor, le Centre Français de Recherche sur le Renseignement (CF2R), n 1184, le 20 juin 2021, p., 5

(9) وهي بلدة صغيرة تقع في المنطقة الوسطى الغربية من المملكة المغربية.

(10) Renseignor, Idem, p., 5

(11) مناورة عسكرية مشتركة كبيرة تنظم سنويًّا تحت قيادة الولايات المتحدة وكأنها مخبر لاستعراض قوة العديد من المشاركين في تلك التدريبات وذلك منذ انطلاقها (من 8 إلى 18 يونيو/حزيران من السنة الجارية 2021). كما تعد أحد أكبر التمارين السنوية للقيادة العسكرية الأميركية لإفريقيا والتي يستضيفها الجيش الملكي المغربي سنويًّا وبشكل منتظم؛ حيث احتوت على مجموعة من التدريبات التنفيذية البرية منها والبحرية والجوية. للعلم، لقد شاركت كل من المملكة المتحدة، والبرازيل، وكندا، وتونس، والسنغال، وهولندا، وإيطاليا، فضلًا عن الناتو، إلى جانب مراقبين عسكريين من حوالي ثلاثين دولة في تلك المناورات. والتي أُلغيت النسخة الخاصة منها بسنة 2020 بسبب ظروف مرتبطة بجائحة كورونا. حُشِد خلال هذه الطبعة حوالي مئة دبابة و46 طائرة دعم و21 طائرة مقاتلة. كما رُصدت لتلك التدريبات ميزانية قُدِّرت بـ24 مليون دولار (19.6 مليون يورو).

(12) James Jay Carafano, and Nile Gardiner,” U.S. Military Assistance for Africa: A Better Solution” The Heritage Foundation, October 15, 2003, accessed September 10, 2021):  https://herit.ag/3tRa7L7

(13) لم تحرك الولايات المتحدة والقوى العالمية الأخرى ساكنًا فيما حدث في رواندا، 1994، ولا في غيرها من مناطق الأزمات الإفريقية، وهو أمر تفسره انتقائية المواقف الأميركية.

(14) ولعل هذا السبب هو ذاته الذي يمكن أن يقصي الولايات المتحدة عن سياستها في إفريقيا الرامية إلى إنهاء الوجود الفرنسي فيها وفقًا لشعار الخروج للفرنسيين؛ حيث أصبح هناك مبرران رئيسيان، وهما: الاستفادة من خبرتها التاريخية في التدخل وكذلك الاستفادة منها كحليف دولي وبعلاقاتها مع الدول الفرانكفونية بشمال إفريقيا في حملتها العالمية ضد الإرهاب، وهذا الأمر لاقى قبولًا واستحسانًا في عهد الرئيس الفرنسي السابق، جاك شيراك، وأيضًا يلاقي ذات القبول والاستحسان من جانب الرئيس الحالي الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وذلك في إطار سياسة التفاهم مع الولايات المتحدة من أجل البقاء في إفريقيا.

(15) عبد النور بن عنتر، محاولة حديثة لمفهوم الأمن القومي العربيين، القاهرة: الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، 2008، ص74-76.

(16) إبراهيم شابير الدين، الأفريكوم.. حماية المصالح الأميركية تحت غطاء الشراكة، مركز الجزيرة للدراسات، الأحد 23 يونيو/حزيران 2013، (تاريخ الدخول: 15 سبتمبر/أيلول 2021): https://bit.ly/3Cnl6io

(17) Maya Kandel,” Les Etats-Unis, l’Afrique,” Observatoire de la défense (Fondation Jean-Jaurès / Orion, N° 22, 7 février 2013) p.2.

مراجع المحور الحادي عشر: 

(1) لمزيد من التفاصيل حول هذه المناطق الأمنية، انظر:

Manu Lekunze, Inherent and Contemporary Challenges to African Security, (Cham: Palgrave Macmillan, 2020), p-p: 6-8.

(2) Karin Dokken, African Security Politics Redefined, First published, (New York: Palgrave Macmillan, 2008), P. 12.

(3) Elizabeth Schmidt, Intervention In Africa: From the cold war to the War on Terror, (Cambridge: Cambridge University Press, 2013), p. 215

(4) بروال الطيب، استراتيجية الاتحاد الأوروبـي-الفـرنسـي للأمــن والتنميــة فـي منطقــة الساحــل الإفريقي، مجلة الباحث الأكاديمي، العدد 1، 2019، ص. 692.

(5) Toni Haastrup, Charting Transformation Through Security: Contemporary EU-Africa Relations, (Palgrave Macmillan: New York, 2013), p. 6.

(6) Manu Lekunze), P. 5

(7) James J. Hentz, Introduction: African Security in the Twenty-First Century, in James J. Hentz, (ed), Routledge Handbook of African Security, First published, (New York: Routledge, 2014), p. 4.

(8) جيلبرت خادياجالا، شرق إفريقيا: الأمن وإرث الهشاشة، ترجمة محمد خلفان الصوافي، الطبعة الأولى، سلسلة دراسات عالمية، العدد 86، (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2009)، ص47.

(9) Karin Dokken, P. 18

 (10) Ibid.

(11) حمدي عبد الرحمن، دبلوماسية “الذهب الأزرق”: اتجاهات نزع الأمننة عن قضايا المياه في إفريقيا، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 26 مارس/آذار 2020، (تاريخ الدخول: 18 سبتمبر/أيلول 2021): https://bit.ly/2XMcBhQ

(12) صفاء عزب، القرصنة خطر يهدد القرن الإفريقي ويستوجب مواجهة من العالم أجمع، الصومال الجديد، 26 سبتمبر/أيلول 2019، (تاريخ الدخول: 20 سبتمبر/أيلول 2021): https://bit.ly/3AJN6fR

(13) أميرة عبد الحليم، الصراع الطائفي في نيجيريا… نموذج لتأثير التغيرات المناخية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2 ديسمبر/كانون الأول 2018، (تاريخ الدخول: 20 سبتمبر/أيلول 2021): https://bit.ly/3o98K9G

(14) حمدي عبد الرحمن، إفريقيا والنظام الدولي.. جدلية التهميش والنهوض، السياسة الدولية، العدد 200، أبريل/نيسان 2015، ص 134.

(15) منظمة الإنسانية الجديدة، تحليل: فهم الجريمة المنظمة في إفريقيا، 14 يوليو/تموز 2014، (تاريخ الدخول: 21 سبتمبر/أيلول 2021): https://bit.ly/3u8N1jl

(16) الجزيرة نت، مع تزايد الجماعات الجهادية فيها.. هل تنتقل الحرب على الإرهاب إلى إفريقيا؟، 26 أغسطس/آب 2021، (تاريخ الدخول: 22 سبتمبر/أيلول 2021): https://bit.ly/39xCEvY

(17) Nadine Ansor, Security Sector Reform in Africa: Donor Approaches Versus local Needs, Contomporary Security Policy, 38(1), 2017, p. 1.

(18) Sarah Detzner, Modern Post-Conflict Security Sector Reform in Africa: Patterns of Success and Failure, African Security Review, (26)2, 2017, p. 118.

(19) Anthoni Van Nieuwkerk, Security Sector Reform in Africa in Africa, in: James J. Hentz, (ed), Op Cit, p. 13

(20) المنتدى الإفريقي لإصلاح القطاع الأمني، اتجاهات إصلاح القطاع الأمني في إفريقيا وتحدياته، أديس أبابا، 26-24 نوفمبر/تشرين الثاني 2014، ص 4.