محمد عبدالرحمن عريف

     تتعدد المصادر التاريخية وتختلف بتعدد واختلاف المادة التاريخية التي تتضمنها، وطريقة تسجيلها للأحداث وكذا تعاملنا معها، ومن بين المصادر التاريخية الروايات الشفوية ” المذكرات الشخصية “، والتي تعتبر مظان أخبار على الباحث استنطاقها وقراءتها بمنهجية علمية، لما لهذه الأخيرة من أهمية في كتابة التاريخ لأنها ترفع الستار على بعض الحقائق التاريخية. بالنسبة لتاريخ الجزائر في الفترة الاستعمارية الفرنسية 1830-1962، تعتبر “المذكرات الشخصية”، من المصادر التاريخية المهمة والتي ظهرت خلال الفترة الاستعمارية، ولكن زادت وتيرة كتابتها خاصة بعد الاستقلال 1962، ففي ظل الصعوبات التي يواجها الباحث في تاريخ الجزائر في الحصول على الأرشيف الجزائري فيما وراء البحر (فرنسا)، لجأ بعض رموز الثورة إلى كتابة مذكراتهم، كل له أسلوبه الخاص، وطريقته الخاصة. مذكرات اختلفت أهميتها بحسب مكانة صاحبها، ودرجة قربه أو بعده من الأحداث التي كتبها، يعتبر “طاهر زبيري ” من بين قادة الثورة الذين كتبوا مذكراتهم الشخصية. والتي جمع فيها بين السيرة الذاتية، والوقائع التاريخية، جاءت مذكراته بعد صمت دام لعقود ولكنه على الرغم من ذلك أزال بعض الغموض عن بعض الأحداث – خاصة تاريخ الثورة الجزائرية (1954-1962)- لذلك جاء العنوان بـ”قراءة في مذكرات الطاهر الزبيري” مذكرات آخر قادة الاوراس التاريخيين (1929-1962)”.

     مهما يكن من أمر دوافع نشر قائد الأركان السابق لشهادته، فقد قدّم لنا صورة تاريخية واضحة عن نظام الحكم الحالي، والمهم في هذه الشهادة ليس المعلومات التي قدّمها، فهي معلومات يعرف جلَّها المهتمون بالشأن السياسي في الجزائر ولكن الذي يهم فيها أنها لم تأتِ من شخص معارض يسهل اتهامه بالتآمر والتلفيق، فالطاهر الزبيري هو الذي ألقى القبض على أهم الشخصيات الثورية التاريخية الوازنة ثم هو من نفذ بنفسه الانقلاب على بن بلة وساهم بشكل محوري في إقامة نظام الحكم الذي لا يزال قائمًا إلى اليوم، وبعد فترة غاب فيها عن المشهد بسبب الصدام الذي وقع بينه وبين بومدين عاد إلى دائرة المُبجّلين مكرمًا معززًا فهو ممن أوكلت لهم عضوية اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات التشريعية والمحلية سنة 1997.

     لعلّ أهم ما أكّده السيد الطاهر زبيري قصة البناء الانقلابي الذي قام عليه النظام الجزائري، فالذين أمسكوا الجزائر بعد الاستقلال لم يستندوا في تثبيت حكمهم لا على الشرعية التاريخية ولا الشرعية الشعبية ولا حتى على الكفاءة وتحقيق النتائج ولكن الشيء الوحيد الذي مكنهم من رقاب العباد وناصية البلاد إنما هي القوة العسكرية والأمنية والمناورة السياسية. فعلى عكس ما رُوّج لنا طيلة سنوات الاستقلال لم يكن استحقاق الجهاد والتضحية من أجل إخراج المستعمر هو المعيار الحقيقي لاختيار الحكام بل إن الذين كانوا يمثلون هذه الرمزية بجدارة هم من طحنهم نظام الحكم بالاغتيال أو التشريد أو التهميش، إذ كيف يُعقل لو كانت الشرعية التاريخية هي أساس الحكم أن يسيطر هواري بومدين على الحكم وهو الذي يصفه الزبيري بأنه كان فاقدًا للشرعية التاريخية، ولو أردنا أن نكون أكثر عدلًا من الطاهر لقلنا كيف يسيطر على الحكم رجل لا تساوي شرعيته التاريخية شيئا أمام من شردوا أو أعدموا أو اغتيلوا باسم الحكم أمثال بوضياف وآية أحمد وشعباني وكريم بلقاسم وخيضر الذين ذكر قصصهم صاحب المذكرات.

     يظهر لك وأنت تتصفح الكتاب وتتأمل المصطلحات المستعملة فيه وكأن الذين أمسكوا مقاليد الحكم في الجزائر بعد استقلالها كان أكبر همّهم وأكثر شغلهم البحث في أساليب السيطرة والتحكم من خلال الدسيسة ولعبة التوازنات والتآمر الخفي والتحالفات الميكيافللية والخيانات البينية وتزوير الحقائق والحسم الخشن العنيف. ولا تشعر أثناء ذلك بأن قضية التنمية وتطوير البلد وبناء المستقبل كانت لها قيمة في يوميات حياتهم، حيث لم تكن الوزارات والقطاعات الاقتصادية هي حَلبة الحكم الحقيقية وميادين الإبداعات البشرية إلى حد لم تكن فيه اجتماعات الحكومة تنال من الأهمية ما تناله اجتماعات العُلب السوداء بغرض تقاسم النفوذ والنظر في شأن الخصوم، وهو ربما ما يجلي حقيقة الفشل الاقتصادي الذي لا يزال يلاحق الجزائر وهو نفس السلوك الذي بقي مستمرًا، إذ لا قيمة للحكومة وللوزارة في ميزان الحكم ولا همّ يعلو في أذهان أصحاب القرار الحقيقيين فوق همّ المحافظة على مقاليد الحكم وموازينه… إلى يوم الناس هذا. 

     نتج عن التحولات التي وقعت في موازين القوة السياسية والعسكرية ما هو أخطر من ذلك وهو ما يتعلق بالانقلاب الثقافي والفكري الذي وقع بعد الثورة التحريرية وهو الأمر الذي نفهم أبعاده من خلال المعلومات التي يؤكدها الطاهر الزبيري عن التحولات الكبرى في البنية البشرية داخل الثورة وبعد الاستقلال فهو لا يتوقف في مذكراته عن الحديث عن الضباط الفارين من الجيش الفرنسي سنة 1958 وعن الشكوك التي كانت تساور المجاهدين الأصلاء بشأنهم، وكيف استطاع هؤلاء أن يتجاوزوا هذه العقدة فتسلقوا المراتب بدعم من بومدين حتى صاروا أذرعه التي يضرب بها ثم تحولوا إلى شركاء أساسيين في أعلى الهرم في عهد الشادلي ثم صاروا أصحاب النفوذ والصولجان بعده.

     رغم الحسم الفكري والثقافي الذي كرّسه بيان أول نوفمبر لصالح المبادئ الإسلامية، انزلقت الجزائر بعد الاستقلال في صراع مرير على الهوية ضاعت فيه كثير من الجهود وتبدّدت فيه كثير من الطاقة وترسخت كثير من العداوات في الساحة السياسية سواء ما تعلق بمكانة اللغة العربية في الإدارة والتعليم أو دور الإسلام في الدولة والمجتمع أو مرجعية قانون الأسرة أو الاتجاه الثقافي للمنظومة التربوية أو مساهمة الصيرفة الإسلامية في المنظومة البنكية الوطنية أو ما يتعلق عموما بالحساسية المفرطة من مظاهر التديّن كاللحية والخمار في الوثائق الرسمية وما إلى ذلك. ولو تتبعنا ظاهرة صعود الضباط الفارين من الجيش الفرنسي في مختلف دوائر النفوذ وتحالفهم مع الإداريين الموالين لثقافة المستعمر الذين تركتهم فرنسا في أماكنهم، وما يقابل هذا من مسلسل التصفيات التي طالت مفجري الثورة وإبعاد أصلائها من دوائر الحكم والتأثير لسهُل علينا تفسير هذا الانحراف الذي لا يسمح به تاريخ النضال الجزائري من الأمير عبد القادر إلى شهداء ثورة التحرير.

     كيف يعقل مثلًا أن يُفضل أولئك الضباط المشكوك في أسباب فرارهم من الجيش الفرنسي بعدما لاحت في الأفق حتمية استقلال الجزائر على المجاهد الأصيل شعباني الذي يؤكد الزبيري بأنه متخرج من المدارس الباديسية وأن الذين تكفّلوا بملف محاكمته وإعدامه هم أولئك الضباط أنفسهم، كيف يمكن لرؤساء الجزائر أن يُمكنوا لهؤلاء الذين لم يكن لهم شأن ولا تاريخ في الحركة الوطنية ويُطارد أسد جرجرة كريم بلقاسم القائد المثقف المتديّن الذي كان في الجبال قبل اندلاع الثورة ملاحقا من قبل الجيش الاستعماري ثم صار ملاحقا بعد الاستقلال من الجيش الجزائري ثم يغتال ببرودة دم خارج وطنه، كيف يُبجل هؤلاء على خيضر المشهود له بالنزاهة والصلاح بين أقرانه والذي لوحق واغتيل في منفاه الاضطراري وحينما حققوا في الأموال التي خرج بها إلى الخارج لم يجدوه قد استعمل منها فلسًا واحدًا لا له ولا للمعارضة (عكس ما يذكره الزبيري في مذكراته) رغم حاجته الماسة للمال مثل ما أكد إسماعيل حمداني رئيس الحكومة السابق الذي كُلف من قبل بومدين بملف استرجاع الأموال. ألا تدل كل هذه الأحداث بأن مؤامرة ما دبّرت لسرقة الجهاد النوفمبري وتحويل قِيمه بدأت فصولها في نهايات الثورة وتكرّست بعد الاستقلال.

      لا يمكننا اتهام الذين فرّوا من جيش الاستعمار بأنهم كانوا جميعا عملاء مكلفين بالتغلغل داخل الثورة ومعدّين لتولي حكم الجزائر في حالة استقلالها ولكن لا يستطيع أحد أن ينفي أساليب التغلغل التي اعتمدتها أجهزة الاستخبارات الفرنسية واستراتيجيات التأثير في مستقبل الجزائر التي أدارها الجنرال ديغول. وفي كل الأحوال، مهما سكتنا عن نوايا ومقاصد بعض هؤلاء الذين وصلوا إلى أعلى مراتب الحكم ممن نعرفهم، فإنه لا أحد ينكر توجهاتهم الفكرية المندمجة مع ثقافة المستعمر وأدوارهم المحورية من داخل النظام في نشر الحساسية مما له علاقة بالتوجهات الثقافية العربية الإسلامية وقد كُتب لي أن تناقشت مع عدد منهم وتحدثت بإسهاب مع واحد من منظريهم وقادتهم الكبار المتمكنين ـ ممن ذكرهم الزبيري في كتابه ـ ووقفت بنفسي على عمق بعدهم عن ثقافة عموم الجزائريين وعن قيم الثورة النوفمبرية الأصيلة.

الطاهر زبيري في مذكرات بلعيد عبد السلام

       يروي رئيس الحكومة الأسبق، بلعيد عبد السلام، في مذكراته، الصادرة مؤخرًا عن منشورات “الخطاب”، بعنوان “وقائع وتأملات حول مواضيع، حول ماض ليس ببعيد”، ذكرياته وشهاداته حول الثورة والأحداث التي عايشها منذ انخراطه في حزب الشعب الجزائري في 1944، وإدانته من طرف المحكمة العسكرية لقسنطينة في ماي 1945، وكان آنذاك في السابعة عشرة سنة فقط من عمره. الكتاب يسلط الضوء على الحراك السياسي والنضالي قبيل اندلاع الثورة التحريرية، من حركة انتصار الحريات الديمقراطية، حزب الشعب وجمعية العلماء المسلمين وكذا النضال داخل دهاليز حزب الشعب الجزائري وأحداث 8 ماي 1945، وإنشاء المنظمة السرية.

     كما يتطرق إلى أهمّ المحطات المفصلية في تاريخ الجزائر المستقلة، مثل السياسة الصناعية التي انتهجها الرئيس هواري بومدين، وكذا العلاقة مع الدول الاشتراكية، وانقلاب الطاهر الزبيري على بومدين، كما توقف رئيس الحكومة في سنة 1992 عند أحداث أكتوبر 1988، وعلاقته مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد بوضياف، وكذا تعيينه على رأس الجهاز التنفيذي في أصعب مرحلة عرفتها الجزائر في العشرية السوداء.

    يتحدث بلعيد عبد السلام عن بداية انخراطه في حزب الشعب، عن طريق أعمر بوجريدة، وعن الخطأ الذي ارتكبه وأدى إلى اعتقاله في 18 ماي 1945، بعد أن وجه رسالة إلى مسؤوليه بخصوص اجتماع لخلية ثانوية سطيف، أفضى إلى توقيفه، حيث تعرض للتعذيب، وأدانته المحكمة العسكرية بأربع سنوات سجنًا.

    يذكر عضو اللجنة المركزية لحزب الشعب بعد المؤتمر الثاني الذي انعقد في حدود مارس 1953، أنه سمّي بلعيد لأنه ولد أيّاما قبل عيد الأضحى، ويروي بلعيد عادة العائلات المنحدرة من القبائل الكبرى “أبودرارن، إغيل نسعادة”، التي تسمي أبناءها بأسماء المناسبات المقترنة بمولدهم، حيث طلب في سنوات الثمانينيات من وزير الشؤون الدينية بوعلام باقي البحث عن يوم عيد الأضحى في سنة 1928، فأخبره بعد بحث بأنه هلّ في شهر ماي، وقد تم تقييد ميلاده في شهر جويلية. كما يتحدث بلعيد عبد السلام عن مؤتمر حزب الشعب في فيفري 1947 والقرارات التي اتخذها، أبرزها إنشاء المنظمة السرية.

     توقف بلعيد عبد السلام في مذكراته عند “صراع الولايات” وأثره على توجّه الدولة وصراعات السلطة لاحقا، قائلا إنّ “النظام كان ضحية فخ هو نفسه أسهم في خلقه بعد الأزمة التي حدثت على مستوى القيادة العليا للثورة بين هيئة الأركان والحكومة المؤقتة، ومحاولة كل طرف حشد الدعم لصالحه، الصراع الذي انتهي بانتصار جماعة تلمسان، أدى إلى معاقبة وتهميش الولايات المنهزمة من قبل المنتصرين، الذين كانوا يعتقدون أن السلطة المركزية ستغضّ الطرف عن تجاوزاتهم، بما فيها تلك التي مست بهيبة الدولة”. السلطة التي تم إقرارها بعد نهاية الحرب والصراع على السلطة لم تتأخر لتتحول إلى مواجهة بين الولايات، في بعض الأحيان كادت أن تكون دامية، وتجنّب المواجهات، يقول بلعيد عبد السلام، يعود بالأساس إلى تعقل وحكمة الشعب الجزائري الذي حلم بنهاية الاستعمار والاستقلال وتحمل بشجاعة وبطولة سبع سنوات ثقيلة من الحرب. حيث خرج في صائفة 1962 في الطرقات يقول: “سبع سنوات بركات”، وكذلك تدخل الجيش الوطني الشعبي، بما فيه الجيش المكون من طرف الوحدات القادمة من الحدود، التي نجحت بفضل بومدين في فرض النظام والانضباط.

     في سياق شهادته، يذكر صاحب الكتاب أن خبر الانقلاب فاجأ باريس في أوجّ المفاوضات الجزائرية الفرنسية لمراجعة بعض بنود “إيفيان” في ما يتعلق بالشقّ البترولي، وقال إنه علم من محيط بن بلة، أنه كان ينتظر تعيينه في أول حكومة شكلت في ديسمبر 1964، لكنه اصطدم بـ”فيتو” بومدين، لكن غداة انقلاب 19 جوان تم تعيينه كوزير للصناعة والطاقة، وفي أول حكومة شكلها بعد الانقلاب، رغم أن الطاهر الزبيري قال عنه أمام بومدين، عندما ورد اسمه في قائمة الوزراء، إنه فارّ من الجنديّة، لكن بومدين أجاب الزبيري: “هناك أشياء أعرفها أكثر من أي كان”، واستدعى بومدين بلعيد عبد السلام إلى مقر وزارة الدفاع، وتحدث معه عن بن بلة، وقال له إنه “ما زال يذكر العمليات العسكرية في القبائل ضد أتباع آيت أحمد، وناحية بسكرة ضد أتباع شعباني، وأحداث الولاية الرابعة لا تزال ماثلة في ذاكرته، وطلب منه انتظار 24 ساعة، إلى حين الإعلان الرسمي عن الحكومة، والعودة إلى باريس كوزير للصناعة على رأس اللجنة الجزائرية لمواصلة المفاوضات مع فرنسا في شأن الاتفاقيات الخاصة، باستعمال المرسى الكبير والقواعد الصحراوية التي أقرتها اتفاقية “إيفيان”، التي كان بومدين معارضا لها. ويذكر بلعيد عبد السلام أن الرئيس بن بلة أخبره بعد خروجه من السجن بأنه فوجئ بقرار ديغول بإجراء تجارب نووية بالصحراء الجزائرية، وكان سيقدم على تأميم أراضي “الكولون” كردّ على هذه التجارب.

الزبيري مكّن لأعوان الإدارة الفرنسية وساعدهم في الترقية!

     كما خصص بلعيد عبد السلام جزءًا مهمًا من مذكراته للحديث عن محاولة الانقلاب على بومدين، التي قادها قائد الأركان الطاهر الزبيري في سنة 1967، التي كانت غنيّة بالأحداث محليا ودوليا، منها حرب الأيام الستة في الشرق الأوسط، وتنظيم أول انتخابات محلية في الجزائر منذ الاستقلال، وبداية بروز الصراعات حول السلطة. يذكر صاحب الكتاب أن الأسباب الحقيقية وراء محاولة انقلاب الزبيري غير معروفة بدقة، خارج اتهام بومدين بمحاولة الانفراد بالحكم هو وجماعته، وترك المناصب الثانوية والبسيطة للآخرين.

     في سياق شهادته عن هذه المرحلة، يكشف بلعيد عبد السلام أن الطاهر الزبيري طلب من بومدين تحييده عن وزارة الطاقة والصناعة والتنازل لواحد من اثنين: سواء لعروسي خليفة أو بلقاسم نابي، الذي أسند إليه الرئيس الشاذلي بن جديد لاحقا قطاع الطاقة. المعنيان، كانا تحت حماية الطاهر الزبيري، وقّدم الأخير على أساس أنه ضحية إقصاء جهوي، لكنه في الحقيقة موظف لدى الإدارة الفرنسية قبل التحاقه بالولاية الأولى، والاثنان لم ينجحا في حياتهما أبدا، ولم تكن لديهم أبدا مشاعر الوطنية أو النضال من أجل الوطن.

     يواصل بلعيد عبد سلام شهادته قائلًا: “لعروسي خليفة الذي التحق بالجبهة من المغرب في 1957، ولم يتحمل أي مسؤولية في الجبهة إلى غاية الاستقلال، وفضل مواصلة خدمته لشركة متعددة الجنسيات، ظل يخدم بها إلى ما بعد 1962 حسب بعض الروايات”. ويقول بلعيد عبد السلام إن بعض الأصدقاء طلبوا منه زيارة الزبيري، لكنه رفض رغم الاحترام الذي يكنّه له كمناضل وطني، وكمسؤول وزعيم له مساره في الثورة والنضال الوطني، لأنه مسؤول أمام بومدين مباشرة، استنادا إلى الصلاحيات التي خولها له مجلس الثورة في قيادة البلاد.

      الزبيري، الذي اتهم بومدين بتقريب ضباط فرنسا ومنحهم الثقة الزائدة، هو نفسه اعتمد على وجوه من الإدارة الفرنسية، وساعدهم على الترقية في مناصب المسؤولية، مثل بلقاسم نابي الذي كان يقيم بالمغرب، وتخلى عن كامل التزاماته تجاه الجبهة، بل رفض أن يدفع اشتراكًا بسيطًا ورمزيًا لثورتنا التحريرية، وحتى عندما صار لاحقًا عضوًا في المحافظة السياسية للجبهة، بقي في خدمة أسياده القدماء، حيث كان يعمل في شركة بترولية مختلطة جزائرية فرنسية، كان يدافع فيها عن المصالح الفرنسية أكثر من دفاعه عن مصالح الجزائر، هذا ما دفعني -يقول بلعيد عبد السلام- إلى “تحييده من قطاع المحروقات، واشتكاني إلى الزبيري لاحقا، لأنّ هذا الأخير وجدني يومًا في إقامة بومدين وسألني: “إذا لم أكن عنيدًا تجاه الفرنسيين في قضية الأسعار في مسألة المفاوضات التي أجريناها في قضية بيع الغاز الجزائري إلى فرنسا؟ حدث هذا في 1967 قبل وقت قصير من أحداث نهاية تلك السنة”.

مذكرات رئيس أركان الجيش الجزائري الطاهر الزبيري: الصحراء الشرقية “مغربية”

     رغم أن رئيس أركان الجيش الجزائري الأسبق الطاهر الزبيري (4 مارس 1964م- 1 نوفمبر 1967م) اجتهد في مذكراته، التي عنونها ب “نصف قرن من الكفاح”، في نفي أية علاقة للصحراء الشرقية بالمغرب، الطاهر الزبيري وفي مذكراته اعترف صراحة بأن الصحراء الشرقية هي أراضي مغربية وذلك عندما أحال صراحة على ما قاله الضابط في جيش التحرير الجزائري شريف بلقاسم حيث نقرأ ما نصه “أما شريف بلقاسم فرد على هذه المزاعم (يقصد مزاعم المغرب) قائلا: المغرب لم يواصل النضال من أجل استكمال تحرير الأراضي التي اقتطعتها فرنسا منه“ (ص 41). ومن خلال هذه الشهادة، يعترف الطاهر الزبيري وضباط الجيش الجزائري بأن الصحراء الشرقية هي مناطق “قامت فرنسا باقتطاعها من المغرب”، وبأن المشكل ليس في مدى مغربية هذه الأراضي أم لا وإنما المشكل في أن المغرب لم يعمل على استرجاعها من فرنسا.

     يبقى أن الزبيري من مواليد 14 أفريل 1929 بأم العظايم بولاية سوق أهراس إشتغل منذ صغره في منجم الحديد بالونزة، انخرط منذ 1950 في صفوف حزب الشعب، وعند إندلاع الثورة التحريرية كان من أوائل المنخرطين فيها بنواحي قالمة، ألقي عليه القبض وحكم عليه بالإعدام من قبل محكمة قسنطينة سنة 1955، تمكن من الفرار من السجن في نوفمبر 1955 رفقة مصطفى بن بولعيد. ترقى في المناصب القيادية، حتى أصبح قائدًا للقاعدة الشرقية ثم عضوًا في المجلس الوطني للثورة الجزائرية في جانفي 1960. سنة 1960 عين قائدًا للولاية الأولى وبقي في منصبه إلى غاية 1962.

vote/تقييم