قضايا اقتصادية

التحول الأعمق في الاقتصاد السياسي الدولي المعاصر

وليد عبد الحي

اربعة مظاهر كبرى في الاقتصاد السياسي الدولي المعاصر تستحق التأمل:
1- أن تقود الصين ” الاشتراكية” الدعوة للعولمة ذات المضمون الراسمالي.
2- أن تتبنى الولايات المتحدة ” الراسمالية” النظرية الميركانتيلية الجديدة والنزعة الحمائية
3- الخلط الفكري في العالم النامي بين موضوع الرأسمالية ووحداتها.
4- سيطرة التكنوقراطي على صنع القرار السياسي.

أولا: الصين والعولمة:
إن تبني الرئيس الصيني الدعوة للتسريع في العولمة يدل على التحول من ” نيوليبرالية السوق” الى “نيوليبرالية الدولة”،وهو ما يعني الانتقال من راسمالية تنظمها آليات السوق الى رأسمالية تنظمها الدولة، وهو انتصار جديد للاقتصاد على السياسة ، فاضحت البراغماتية الاقتصادية هي دالة الفكر السياسي ، لذا اصبحت دعوات الحوار والانفتاح وتعزيز فلسفة مؤسسات بريتن وودز وحرية التجارة والتمدد في رحم الاقتصاديات النامية تحل محل فلسفة ماوتسي تونج القائلة بأن السلطة تنبع من فوهة البندقية وأن القوى الكبرى نمور من ورق وأن الطبقات الراسمالية هي آفة التطور الانساني..الخ، وأصبحت ” نيوليبرالية الدولة” تزاحم ” نيوليبرالية السوق” على مركزية النظام الرأسمالي.

ثانيا: ترامب والنزعة الحمائية
هل عودة الرئيس الامريكي ترامب للنزعة الحمائية التي سادت في فترات الربع الاخير من القرن التاسع عشر وفترة الحرب العالمية الاولى هي تعبير عن تحول جذري في بنية الاقتصاد السياسي الدولي ام هي مجرد ” التواء” في المسار لا يلبث ان يعود لجادته الاولى؟ إن النظر الظرفي العابر يساند الفرضية الاولى، لكن رصد الاتجاهات التاريخية تعزز القول بأن ترامب ليس أكثر من التواء في التاريخ الراسمالي المتطور ما يلبث ان يستقيم ثانية لتتساند نيوليبرالية السوق مع نيبوليبرالية الدولة لتغذية خيول العولمة في محطات استراحتها.

ثالثا:الراسمالية بين الوحدات والموضوع
إن القراءة التاريخية المتأنية للراسمالية كنظام سياسي واقتصادي واجتماعي يدل على ان هذا النظام يضحي بوحداته ( الدول مراكز او اطراف) لصالح موضوعه( التراكم الرأسمالي)، فتاريخ الراسمالية يشير الى ان مراكزه انتقلت من اسبانيا والبرتغال الى فرنسا وبريطانيا ثم الى الولايات المتحدة واليابان ، وها هو يؤثث مقره الجديد في حوض الهادئ ولا يضيره التراجع الامريكي الحالي لصالح التنامي الصيني، فالراسمالية ليست معنية بوحداتها(الدول) بل هي معنية بموضوعها(الربح والتراكم في الثروات)، وهو ما جعل احد ميكانيزمات التكيف الرأسمالي مع التحولات السياسية والجيوسياسية والجيواستراتيجية هي في نقل مراكزه وتكييف أطرافه بما يخدم موضوعه، وهو ما يتضح في الدور الصيني الجديد ونموجه مبادرة الحزام والطرق(BRI) التي تصل تكلفتها الى 6 تريليون دولار.

رابعا: التكنوقراطي يصنع القرار:
يخبرنا “Buckminister Fuller” في نظرية النموذج الدولي ان السياسيين كانوا الأقل درجات في تصميم الحلول للمشكلات الدولية التي طرحها في نموذجه، وبنى ” فوللر” على ذلك استنتاجه بأن التقني يدرك ملابسات الواقع بعمق ودقة اكثر من السياسي التقليدي الذي وصل لمركز السلطة باصوات ” الدهماء”، فاصبح اغلب مستشاري رؤساء مراكز النظام الدولي من الخبراء التكنوقراط ، فهم الذي يضعون البدائل للقرار وهم من ” يغوي” صانع القرار لهذا الاتجاه او ذاك، وهو ما يعني تعزيز قيم البراغماتية التي تغلب على عقل التقني بينما يبقى السياسي أسير شبكاته الاجتماعية وثقافاته الفرعية.

وعليه:
ان النظرة المتفحصة لبنية المجتمع الدولي المعاصر تدل على تماهي الحدود بين الآيديولوجيات والاقتصاديات والتشابك المعرفي والنسيج القيمي المتداخل والناتج عن تلاقح صامت بين الثقافات يفرز بشكل هادئ منظومة قيمية تسعى لأن تؤنسن التفاعل الدولي لكنها تواجه تحديات موروثة ومتجذرة وكأنها تعبير عن ” المجتمع الدولي العميق”.
ذلك كله يشي بأننا على اعتاب تحولات عميقة نحو بنية دولية جديدة وآيديولوجيات هجينة وأديان صناعية…ربما.

اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock