تطور مفهوم السيادة على عهد الأمم المتحدة

في هذا الفصل سنبحث تطور مفهوم السيادة على عهد الامم المتحدة ، وكيف ان الميثاق قد حد من غلوائها إلا انه لم يمحُ التمسك بها بل خصها بعناية وانزلها منزلتها التي تستحقها ، حيث ما فتئت الامم المتحدة تؤكد على هذا المفهوم في اعلاناتها وتوصياتها وقراراتها ، رغم ان العقد الاخير من القرن الماضي قد شهد دعاوى للتبشير بنظام دولي جديد قيل انه سيحدث تغييرا كبيرا في مفهوم السيادة. الامر الذي دعى لدراسة مفهوم السيادة ومتابعته على عهد الامم المتحدة حيث سأتناوله في ثلاثة مباحث :-

    اولها … حول مفهوم السيادة بمقتضى الميثاق .

   والثاني … يعرض مفهوم السيادة فقها وقضاءا وعملا في نطاق الامم المتحدة .

   والثالث … سنبحث فيه المتغيرات الدولية الجديدة واثرها على موقف الامم المتحدة من السيادة .

المبحث الأول مفهوم السيادة بمقتضى الميثاق

ان ما بين عصبة الأمم في سنة 1919 والأمم المتحدة في سنة 1945 اكثر من نقطة تلاق واكثر من وجه شبه ، كما ان بينهما علامات مميزة وفوارق بعيدة تجعل كلاً منهما منظمة مستقلة عن الاخرى ، ومع كل ذلك فإن عرى التكامل والتداخل بينهما وفيرة واسبابها متعددة .

ويكفي وجها للشبه ان كلا من المنظمتين العالميتين قد استندت في وجودها الى موضوع الحرب وتمسكت بمسلمة رئيسة هي فريضة السلام [1] .

وحيث كان الحافز للتجمع الدولي في ظل عصبة الأمم هو الآثار الرهيبة التي جرتها الحرب العالمية الاولى وما ترتب عليها من دمار لحق بالبشرية مقرونا بتضحيات جسيمة  بجوانب من السيادة الوطنية لصيانة مثال البشرية وهاجسها ، السلم الدائم . كذلك كانت الحرب العالمية الثانية بمآسيها الحقل الخصيب الذي نبتت فيه فكرة التجمع الدولي وما صاحبها من نمو للحس الدولي في ظل منظمة الأمم المتحدة مع ما رافق ذلك من تطور في حقل القانون الدولي انبثق عنه إحساس بالجماعة الدولية وبمشاكلها وبآمالها وهو إحساس ينم عن تحول عن الانطواء حول المصلحة القومية والإقليمية بقناعة تامة مفادها ان التمسك التام  بمبدأ السيادة الوطنية قد اصبح اثراً بعد عين وان مخلوقاً جديداً قد ولد متشبعاً بقيم أخلاقية قانونية جديدة هو الخير العام الدولي ، هدف التنظيم الجديد الذي يستحق تلك التضحيات الوطنية حفاظاً على استمراره  كمثال رائد في توطيد السلام على الأرض [2] .

    ولقد كانت الأمم المتحدة شخصاً بارزاً في التنظيم الدولي الجديد الذي نشأ في أعقاب انهيار عصبة الأمم . ولعل اهم ما يميز الأمم المتحدة ككيان دولي أنها نظام يتسم بالفاعلية والإيجابية لتحقيق فكرة السلم والامن الدوليين .

    وهذا ما سمح لها بالقيام بدور فعال في هذا المجال في عديد من المشاكل الدولية المعاصرة . ورغم ان الأمم المتحدة قد سجلت تقدماً ملموساً في تطوير التنظيم الدولي من خلال صلاحيتها الواسعة التي اخذت تضغط على حرية الدول وسيادتها وتعدل من مفهوم حقوق السيادة تعديلاً اساسياً مستجيبة بذلك الى الصراع القائم بين سلطة المجتمع الدولي وسلطة الدولة القومية [3] .

    وكان ذلك مبرراً كافياً لدراسة مفهوم السيادة بمقتضى الميثاق ، الذي رغم كل الانتقادات الموجهة لمفهوم السيادة ، اعتبرها ركناً أساسيا من أركان الأمم   المتحدة .

         However, the principle of sovereignty is one of the cornerstones upon which the united meations is construted [4] .

    حيث نص ميثاق الأمم المتحدة على ان تعمل هيئة الأمم المتحدة وأعضاؤها في سعيها لتحقيق مقاصدها وفقاً لبعض المبادئ التي ورد ذكرها في المادة الثامنة من الميثاق حيث  نصت فقرتها الاولى  على ان ( تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها ) . ويستخلص من هذا النص  ان المنظمة الدولية لم تنف فكرة السيادة  بل تؤكدها وهي لا تسعى الى الغائها بل تعدها واحدة من اهم مقاصدها وليس هذا فحسب بل  إنها ما  قامت إلا على أساس وجودها وعلى أساس المساواة بين جميع الأعضاء في نطاق الهيئة .

ويتفرع عن المساواة في السيادة ما يلي [5]:-

  • ان تكون جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة متساوية من الناحية القانونية بمعنى ان تتساوى أصواتها قانوناً فيكون لكل دولة صوت واحد [6] .
  • تتمتع جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالحقوق المتفرعة على السيادة الكاملة في النطاق الداخلي والخارجي .
  • ان تحترم الشخصية القانونية لكل دولة عضو في المنظمة كما تحترم سلامة إقليمها واستقلالها السياسي ، بمعنى انه لا يجوز التدخل في شؤونها الداخلية او الخارجية في نطاق الأحكام التي تضمنها الميثاق .
  • ان تقوم كل دولة عضو في المنظمة ، بتنفيذ واجباتها والتزاماتها التي التزمت بها بمقتضى الميثاق بحسن نية .
  • لا يمكن الاعتداء على الوحدة الإقليمية او الاستقلال السياسي لأية دولة .
  • ان كل دولة حرة في اختيار وتطوير نظامها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي [7].

       ان مبدأ المساواة في السيادة ، المنصوص عليه في الميثاق ، ينطوي بدوره على مبدأين رئيسين هما :

  • تسليم المنظمة واعترافها بسيادة الدول الأعضاء .
  • ان الدول الأعضاء متساوية ، وهو مبدأ من المبادئ الأولى التي أرساها القانون الدولي وتطور مفهومه عبر تطور القانون الدولي ذاته .

       لذا فان السيادة تعتبر من المعطيات الأساسية للقانون الوضعي ومرتبطة بالقانون بصلة وثيقة وتبعاً لذلك فان مشكلة السيادة تمس جميع موضوعات القانون الدولي وان أي مساس بها ينعكس بالضرورة على موضوعاته [8] .

    كما ان أستاذنا د. خليل الحديثي يقول : ان إيراد مبدأ المساواة في مقدمة المبادئ التي على المنظمة ان تستلهمها في بناء علاقات مع الدول الأعضاء وفي رسم علاقات الأعضاء مع بعضهم البعض ، هو نتيجة منطقية للأهمية التي يحظى بها هذا المبدأ بين سائر المبادئ الاخرى التي أوردها الميثاق [9] .

    ان المقصود بالمساواة في السيادة في نطاق ميثاق الأمم المتحدة ، هي المساواة القانونية وليست المساواة السياسية (الفعلية) إذ ان الأخيرة لا تعدو ان تكون افتراضاً نظرياً ، وهو ما عبر عنه الأستاذ لورنس بالقول : المقصود بالمساواة هو ان الدولة المتمتعة بسيادتها تتمتع بالحقوق المتساوية في نظرية القانون الدولي ، ولكن لا يقصد بالمساواة ان الدول تتمتع بقوة وتأثير متساويين في العلاقات  الدولية [10] . وكذلك فان المقصود بالمساواة ليست المساواة في القدرة على فرض احترام الحقوق لان هذا ينافي الواقع الذي يصدم بتفاوت قوى الدول وطاقاتها . ولقد رأى كثير من فقهاء القانون الدولي العام في الاعتراف بعدم المساواة ضمن المنظمة نظرة واقعية صائبة [11] ان هذا يعني في حقيقة الأمر ان هناك نوعين من الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة هما ، الدول الخمس التي تتمتع بحقوق وواجبات خاصة سواء بتخصيصها بالذكر في الميثاق او بتمتعها بعضوية دائمة في مجلس الأمن وفي فروع اخرى من فروع الأمم المتحدة (مجلس الوصايا) او بتمتعها بحق النقض الفيتو ، وبقية دول العالم الأعضاء في الأمم المتحدة [12] .

    فالدول الخمس هي صاحبة الإرادة في نفاذ ميثاق الأمم المتحدة من عدمه فهي واستناداً الى ما جاء به (  يصبح هذا الميثاق معمولاً به متى أودعت تصديقاتها جمهورية الصين وفرنسا واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وايرلندا الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية وأغلبية الدول الاخرى ) [13]… ان ذلك من دون شك يعد امتيازاً أساسيا لعدد محدد من الدول وليس لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ، لا بل انه امتياز لبعض أعضاء مجلس الأمن الدائمين فقط ، وليس لجميعهم ممن تنتخبهم الجمعية العامة لأجل محدد امده سنتان .

    كذلك ان الدول الخمسة هي صاحبة الكلمة الفصل فيما يتعلق بتعديل الميثاق   ( إذ ان كل تغير في الميثاق اوصى به المؤتمر باغلبية ثلثي اعضائه يسري اذا صدق عليه ثلثا اعضاء الامم المتحدة ومن بينهم الاعضاء الدائمون في مجلس الامن وفقا لأوضاعهم الدستورية ) [14]. كما ان الدول الخمس تتمتع بعضوية دائمة في مجلس الأمن ،إذ ( يتألف مجلس الامن من خمسة عشر عضوا من الامم المتحدة وتكون جمهورية الصين ، وفرنسا ، واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية ، والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وايرلندا الشمالية ،والولايات المتحدة الامريكية اعضاء دائميين فيه … ) [15] . يضاف إليها حق النقض (الفيتو) حيث ( تصدر قرارات مجلس الامن في المسائل الاخرى كافة بموافقة اصوات تسعة من اعضائه يكون من بينها اصوات الاعضاء  الدائميين متفقة ، … ) [16] ومعناه ان إجماع الدول الخمس ضروري لإتخاذ أي قرار في موضوع لا يتعلق بالإجراءات وكذلك يعني  ان الخمسة الدائمين محصنين من إنزال عقوبة الفصل بهم وعقوبة الوقف من العضوية إلا إذا أرادوا هم ذلك وأخيرا فأن أي تدبير او قرار لا يمكن اتخاذه بمواجهة عضو دائم متهم بالعدوان او بالإخلال بالسلم فهم خصوم وقضاة في آن واحد [17] .

    فالدول الخمسة هي المؤتمنة على حفظ السلم والأمن الدوليين ، في نظر واضعي الميثاق ، الذي هو هدف الأهداف الذي من اجله قامت منظمة الأمم المتحدة والذي من اجله أيضا ضحت جميع دول العالم بتقيد جزء من سيادتها القومية . حيث ان هناك في الحقيقة قيدين كبيرين على سيادة الدول (باستثناء الخمسة الدائمة العضوية) في نظام الأمم المتحدة . أولهما وارد في المادة 109 من الميثاق التي تلزم الدول الأعضاء بتعديلات الميثاق المصدقة وفق الميثاق ولو صوتت هذه الدول ضد تعديل الميثاق ورفضت التصديق عليه ، وثانيهما وارد في المادة (25) من الميثاق وفيها يتعهد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق الميثاق . ومعنى ذلك فعلياً هو ان دولاً ستلتزم بقرارات لم تكن طرفاً فيها ولم تسهم في إصدارها . رغم ان الضمان الأكبر لمبدأ السيادة كامن في أحكام الفقرة السابعة من المادة الثانية التي تفرض على المنظمة الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية التي تكون من (صميم السلطان الداخلي) للدول . فهذا المبدأ هو حصن فكرة السيادة الذي تلوذ به جميع الدول من أعضاء منظمة الأمم المتحدة باستثناء الدول الخمس دائمة العضوية لأنه كما قيل فهي الخصم والحكم[18] .

    ان حصر الامتيازات الواردة أعلاه بالدول الخمسة وجعلها بمثابة حقوق راسخة بموجب الميثاق ، كانت هي الصيغة المفروضة فرضاً في جميع المنظمات الدولية عبر تطورها التاريخي وكما هو واضح مثلاً في النظام الأساسي للتحالف الأوربي سنة 1815 . إلا ان الجديد في ميثاق الأمم المتحدة انه استطاع ان يجري تحويلاً عميقاً في طبيعة تلك الامتيازات حيث نزع عنها الطابع السياسي التقليدي واحل محله طابعاً جديداً هو الطابع القانوني [19] . ان الدور الخطير للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن يقوم على شقين متلازمين هما :-

       اولاً منحها حقوقاً سيادية ملحوظة وثانيهما بإلزامها برسالة مقدسة غايتها صيانة السلام الدولي . وان التبرير الذي يستند اليه الميثاق في منح الدول الخمسة الكبرى امتيازات خاصة أساسه في الدور الخطير والقيادي الذي قامت به هذه الدول في ايجاد المنظمة الدولية نفسها ولذا كان طبيعياً ان تتأثر بالسلطة عبر مجلس الأمن الدولي وان تعمل من وراء الستار في مؤتمر سان فرنسيسكو ليكون لها الصوت الحاسم في صياغة الميثاق [20]. وكانت المرحلة التاريخية بين مؤتمر دومبرتون اوكس سنة 1944 واتفاق بالطا بين الثلاثة الكبار مرحلة حاسمة للاتفاق على طريقة التصويت وتكريس مبدأ الفيتو الذي لم يكن محل نقاش .

    وبتكريس مبدأ الفيتو او الاعتراض استقر دور الدول العظمى كموجه عالمي حيث تم إكساء تلك الامتيازات بكسوة قانونية هي عبارة عن نصوص قانونية تضمنتها أحكام الميثاق . ان تفسير هذا الدور الخطير يعود ببساطة الى ان قاعدة المساواة في السيادة التي سادت المؤتمرات السابقة على صدور الميثاق ببريقها ومضمونها الديمقراطي والتي كانت جواباً عن طموح الأمم الى الاحتفاظ باستقلالها في المجال الدولي ، لم تستطع ان تكون القاعدة المهيمنة على جميع فروع الأمم المتحدة . كما ان دعاة المساواة في السيادة لم يستطيعوا ان يسلبوا الدول الخمس حقها في ان تكون لها الكلمة الأخيرة في العديد من المسائل الدولية ، وبقيت هذه الدول تمارس دورها من خلال الصلاحيات الخاصة بمجلس الأمن الممنوحة بموجب الميثاق . حيث ان هذه الصلاحيات واسعة ولا تترك مجالاً للشك في ان مجلس الأمن له سلطة أعلى من الناحية الواقعية من سلطة أي فرع آخر من فروع الأمم المتحدة حتى وان كانت الجمعية العامة ،[21] التي تضم جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة . ان مراجعة صلاحية مجلس الأمن تظهر لنا هيمنة المجلس على الأمم المتحدة وهيمنة الدول الخمسة الدائمة العضوية على مجلس الأمن من خلال الفيتو (حق النقض) .

    لذا فإني أجد من المناسب إلقاء الضوء على صلاحيات مجلس الأمن والتصويت فيه واثر ذلك على مبدأ السيادة .

    ان تحليل دور مجلس الأمن الذي يبرز من خلال ميزة السمو سواء كانت للمجلس كجهاز من أجهزة الأمم المتحدة او لقراراته يعكس مدى تلك الاختصاصات الواسعة والاستثنائية التي يمارسها في المجال الدولي وهي بلا شك تمثل ردة فعل شديدة ضد مبدأ المساواة في السيادة كقاعدة دستورية للميثاق والخروج عليه في نقطتين أساسيتين هما [22]:

  • الصلاحيات الخاصة والاستثنائية لمجلس الأمن .

ب- قاعدة التصويت .

    وقبل مناقشة هاتين النقطتين ، لابد من التأكيد على ان مجلس الأمن رغم كل ذلك فانه يبقى واستناداً للميثاق أحد أجهزة الأمم المتحدة الذي يعمل داخل المنظمة وبالتعاون الفعال مع فروعها الاخرى ، فلم يدر في خلد واضعي الميثاق أبدا من ان المقصود بتكوين مجلس الأمن خلق جهاز منفصل في أعماله عن الأمم المتحدة او سائر في غير طريق تحقيق هدفها الأكبر ، صيانة السلم والأمن الدوليين ، وإنما كان المقصود بالضبط هو تحقيق هذا الهدف وليس بخمسة عشر  عضواً فقط ، وإنما بكل أعضاء المنظمة [23] .

    فلقد كان من المقرر ان يكون المجلس الأداة التنفيذية لمهمة صيانة السلم والأمن الدوليين جماعياً . وما كانت لتوجد حاجة إليه لولا ((الرغبة في ان يكون العمل الذي تقوم به الأمم المتحدة سريعاً وفعالاً)) [24] . وهذا يعني ان السرعة والفاعلية هما الأساس الذي ترتكز إليه فكرة إنشاء المجلس ولولا العدد الضخم الذي تتألف منه الأمم المتحدة لما بقيت حاجة الى السرعة والفعالية المشار إليها ولربما الى وجود المجلس ذاته .

    وكان المقرر ان يكون العمل المطلوب هو ليس عمل المجلس ذاته وإنما عمل الأمم المتحدة ، أي ليس عمل أعضاء مجلس الأمن وحدهم ، وإنما عمل أعضاء الأمم المتحدة جميعاً بمن فيهم أعضاء المجلس . وبعبارة اخرى ، كان المقرر ان يتحرك المجلس تنفيذاً لإرادة المنظمة ممثلة بأعضائها . والميثاق صريح في ذلك ، إذ يتحدث عن ان المجلس يعمل نائباً عن الأعضاء في قيامه بواجباته، وان الأعضاء هم الذي يعهدون إليه بالمهام الرئيسية لحفظ السلم والأمن الدوليين ، وهم الذين يوافقون على ان يكون نائباً عنهم [25] .

    وتأكيدا لتحديد مجلس الأمن بما ذكر أعلاه ، نص الميثاق على ان يكون تحرك المجلس وفقاً لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها ، كما حدد سلطاته اللازمة لهذا التحرك بأربعة فصول [26] . وهذا التحديد لم يأت بلا غرض حيث يفترض في أطراف المنظمة الالتزام بهذه المقاصد والمبادئ سواء كانوا ام لم يكونوا أعضاء في المجلس . وإنما كان الغرض منه ألا يصبح المجلس في يوم ما هيئة سلطوية بيروقراطية ، منفصلة عن المنظمة لا نائبة عنها ، يتحرك أعضاؤها وفقاً لمقاصد خاصة بهم وليس وفقاً لمقاصد المنظمة ، ولكي يكون المجلس هيئة تابعة للأمم المتحدة وليس سلطة فوقها ، أكد الميثاق ان يصغي المجلس لسماع شكاوى جميع أعضاء المنظمة وتنبيهاتهم بصدد المنازعات او المواقف التي يعرض استمرارها السلم والأمن الدوليين للخطر [27] . كما أكد ان يساعد أطراف المنازعات على التوصل الى حلول عادلة لمنازعاتهم [28] .

    وتأكيدا للدور المهم الذي يفترض ان يلعبه بقية أعضاء الأمم المتحدة في صياغة قرارات المجلس ، نص الميثاق على ان يضم المجلس ، فضلاً عن الأعضاء الخمسة الدائمين ، عشرة اعضاء غير دائمين تنتخبهم الجمعية العامة مدة سنتين ، وفقاً لمعايير محددة [29] . وبذلك تتجسد فكرة شمولية التمثيل في المجلس .

       إلا ان الأهم من ذلك ، اعتراف الميثاق بأهمية بقية أعضاء المنظمة في نقل قرارات المجلس من حيز الكلام الى ميدان التنفيذ . وهكذا نص على ان يتضافر أعضاء الأمم المتحدة على تقديم المعونة المتبادلة في تنفيذ التدابير التي قررها مجلس الأمن [30] . وبديهي انه بدون هذا التضافر وبدون هذه المعونة لن ترى هذه التدابير طريقها الى التنفيذ. ومهماً قيل في إلزامية هذا النص ، يظل تطبيقه معتمداً على مبادرة طوعية من الأعضاء . ثم تذكر تأكيدات اخرى لدور أعضاء المنظمة . ومن هذه التأكيدات ، ان يضع أعضاء الأمم المتحدة تحت تصرف المجلس ما يلزم من القوات المسلحة والمساعدات والتسهيلات اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين ، وكل هذا في سبيل المساهمة في حفظ هذا الهدف الكبير والذي يعتبر مهمة مجلس الأمن الأساسية [31] .

    وهناك تأكيد آخر في الميثاق هو ان الأعمال اللازمة لتنفيذ قرارات مجلس الأمن لحفظ السلم والأمن الدوليين يقوم بها جميع أعضاء الأمم المتحدة [32] . واستثناء من ذلك ، للمجلس ان يكلف بعضهم فقط ، آخذا بنظر الاعتبار مواقعهم الجغرافية الملائمة .

   وينص الميثاق على ان يكون وضع القوات والمساعدات والتسهيلات او الوحدات الجوية تحت تصرف المجلس [33]، كما  مذكور في أعلاه وفقاً لاتفاقات خاصة تشمل أصحابها ومدى استعدادها والخطط المتعلقة باستخدامها الفعلي .

    فلقد اصبح واضحاً الآن واستناداً الى نص مواد الميثاق ان مجلس الأمن ما هو إلا فرع من فروع الأمم المتحدة ، نظم الميثاق عمله ومهامه أسوة بفروع الأمم المتحدة الاخرى رغم ، ان الميثاق قد منحه من الأهمية ما لم يمنحه لفروع الأمم المتحدة الاخرى وخصوصاً في موضوع الصلاحيات والتصويت لبعض أعضائه مما اعتبره البعض من القانونيين والسياسيين خرقاً لمبدأ المساواة في السيادة .

    فمن مراجعة أحكام الميثاق المتعلقة بصلاحيات مجلس الأمن في مجال المحافظة على السلم والأمن الدوليين واتخاذ الإجراءات الآيلة الى نزع السلاح يتبين ان هذه الصلاحيات واسعة وكبيرة ولقد أدت الى نتيجة مئآلها تلك الرفعة التي يتمتع بها مجلس الأمن وقراراته . حيث ان من مظاهر تلك الرفعة والسمو ان الجمعية العامة للأمم المتحدة تلتزم بأحكام قرارات مجلس الأمن عند اتخاذها لقراراتها . ان تلك الصيغة القانونية التي تمنحها الجمعية العامة لقرارات مجلس الأمن هي التي تمنح تلك القرارات شرعيتها وتجعلها في حمى من مخالفة القانون .

    ان للمجلس اختصاصات رئيسة تتعلق بتسوية المنازعات سلمياً استناداً للفصل السادس من الميثاق بمواده الستة . وإجراءات المنع والقمع وهو الاختصاص الأكثر أهمية وفاعلية بين اختصاصات المجلس وصلاحياته ، حيث كرس له الفصل السابع من الميثاق [34] . ويمارس المجلس هذه الصلاحيات بمفرده إضافة الى صلاحيات اخرى[35] . وهناك صلاحيات يمارسها المجلس بالاشتراك مع الجمعية العامة للأمم المتحدة . والحقيقة ان هذه الصلاحيات لمجلس الأمن وان بدت على شكل توصيات يقدمها للجمعية العامة للأمم المتحدة إلا إنها في حقيقة الأمر تمثل إجازة من مجلس الأمن للجمعية العامة لإصدار القرارات بشأنها . حيث ان الجمعية العامة لا تستطيع اتخاذ أي قرار بشان تلك المسائل ما لم تكن هناك توصية من مجلس الأمن . في حين ان مجلس الأمن عند اتخاذه لتلك التوصيات ( القرارات ) لم تكن بناءاً على توصية من الجمعية العامة للأمم المتحدة وتكون توصيات ( قرارات ) المجلس للجمعية العامة في مسائل      محددة هي:

  • ان قبول اي دولة عضواً في الأمم المتحدة يتسم بصدور قرار بالموافقة من الجمعية العامة بناء على توصية صادرة من مجلس الأمن [36] .
  • ان توقيف أي عضو عن مباشرة حقوق العضوية يتم بقرار من الجمعية العامة بناء على توصية صادرة من مجلس الأمن [37] .
  • كما ان فصل أي عضو من أعضاء الجمعية العامة لإمعانه في انتهاك مبادئ الميثاق يتم بقرار من الجمعية العامة بناءاً على توصية من مجلس الأمن [38] .
  • ان تعيين الأمين العام للأمم المتحدة يتم بقرار من الجمعية العامة بناءاً على توصية صادرة من مجلس الأمن [39] .
  • كما ان المجلس يمارس وظيفة انتخابية إذ يشترك مع الجمعية العامة في انتخاب قضاة محكمة العدل الدولية وفقاً للشروط التي حددها الميثاق [40] .
  • ويشترك المجلس والجمعية في تحديد الشروط التي يجوز بموجبها للدول غير الأعضاء في المنظمة الانضمام الى النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية [41] .

    ومع هذه المميزات الهامة التي جعلت من مجلس الأمن شبه سلطة رئاسية عليا ومحور السلطات في الأمم المتحدة فقد منح ايضاً دوراً قيادياً حقيقياً في مجال المحافظة على السلم والامن الدوليين ورد العدوان واتخاذ الإجراءات الضرورية لوقف الانتهاك الواقع على مبادئ الأمم المتحدة وهو في سبيل هذا الدور الخطير يملك فحص المواقف والنزاعات وتقويم متطلبات حفظ السلام بحرية تامة وفقاً لما يلي :

  • لمجلس الأمن ان يعمل على منع دولة عضو من تبادل المعونة مع دولة العدوان وان هذا الحق الدولي هو حق مطلق وليس له حدود [42] .
  • ويمكنه ايضاً في سبيل الغاية المذكورة ان يستعمل عند الضرورة الأجهزة المحلية لتطبيق الإجراءات الرادعة وان يضع تلك الأجهزة تحت سلطته المباشرة [43] .
  • لمجلس الأمن صلاحية فحص أي نزاع او موقف يمكنه ان يهدد أمن العالم وله عملاً بوصايته على شؤون السلم والأمن الدوليين ان يتخذ القرار المناسب وان يمارس من اجل ذلك بواسطة لجنة خبراء عسكريين مهمة التصرف بالقوات الموضوعة تحت إشرافه وتوجيهها استراتيجياً وإخضاعها الى قيادة مستقلة عن قيادة الدول الأعضاء [44] .
  • بصفته سلطة تنفيذية دولية عليا فانه يشرف على تنفيذ القرارات القضائية وله في سبيل ذلك اتخاذ التدابير الضرورية ضماناً لهذا التنفيذ [45] .

 هذا فيما يتعلق بصلاحيات وامتيازات مجلس الأمن التي منحها إياه ميثاق الأمم المتحدة وهي بلا شك صلاحيات واسعة وكبيرة  مست مبدأ المساواة في السيادة مسا خطيرا وجعلته موضع تساؤل . ناهيك عن موضوع التصويت في مجلس الأمن وحق الاعتراض ( الفيتو ) الذي تتمتع به الدول الدائمة العضوية في المجلس ، والذي كان محل جدل ونقاش من دول العالم وكتاب القانون الدولي منذ نشأة الأمم المتحدة ولا يزال . فحق الاعتراض ( الفيتو ) يعد ايضا خروجا على مبدأ المساواة في الحقوق ، حيث يعتبر هذا الحق الذي كرسه الميثاق بعد جدل عنيف اكثر مزايا مجلس الأمن بروزا بسبب الغاية التي توخاها بإضفاء الصفة الدستورية على سلطة القلة الحاكمة الدولية [46] .

ومهما تضاربت الآراء حول صحة هذا الحق وشرعيته إلا أنها متفقة على نقطة أساسية تشكل قاسما مشتركا فيما بينها وهي ان القانون الدولي العام التقليدي المرتكز على مفهوم السيادة هو أسطورة إذا ما أفرغنا السيادة من مضمون القوة والسلطة بشتى مظاهرها [47] . كما ان هذا الحق كان في الوقت نفسه مظهرا من مظاهر مقاومة الخمسة الكبار لقاعدة التصويت بالأغلبية التي تساعد على ظهور إرادة متميزة للمنظمة عن إرادات الدول الأعضاء التي ساهمت في إنشائها [48] . فشرط إقامة التميز ( بين الدول في مجلس الأمن ومنح الدول الخمس الكبار مميزات خاصة هو قاعدة تستجيب لاعتبارات سياسية لا يشك أحد في صحتها ) [49] . ولكن النتيجة التي يمكن الوصول إليها هي ان حق الاعتراض  (الفيتو ) الممنوح للدول الكبرى في مجلس الأمن هو خرق لمبدأ المساواة في السيادة واعتراف بدور هذه الدول ونفوذها في المنظمة الدولية [50] .

    فالتصويت في مجلس الأمن بعمومه له علاقة مباشرة بمبدأ المساواة في السيادة كمبدأ رائد من مبادئ الأمم المتحدة . وإذا كان ميثاق الأمم المتحدة قد حسم الموضوع فيما يتعلق بالتصويت في الجمعية العامة [51] حيث أشار الى ان لكل دولة صوت واحد وهو بذلك قد ساوى بين جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة صغيرها وكبيرها، إلا ان الأمر يختلف تماما في مجلس الأمن ، فلقد شغل موضوع التصويت في المجلس حيزا كبيرا من مناقشات إعداد الميثاق ، بحيث لم ينضج رأي جماعي يمثل الدول المتحالفة والمنتصرة بالحرب ، نظرا لان مسالة التصويت في مجلس الأمن كانت من اصعب المسائل التي واجهتها الأمم المتحدة ، فمنذ مؤتمر دمبارتون اوكس (Dumbarton Oaks) 1944 م والخلاف على إجراءات التصويت قائم، حيث بقيت هذه المسالة معلقة حتى انعقاد مؤتمر يالطا عام 1945 بين كل من روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وتشرشل رئيس وزراء بريطانيا وستالين رئيس الاتحاد السوفيتي . حين عرض الرئيس الأمريكي روزفلت مقترحا اقره كل من تشرشل وستالين وقبلت به الصين فيما بعد ، وهو المقترح الذي جاءت صياغته في المادة 27 من الميثاق ، والتي عرفت فيما بعد بصيغة يالطا [52] فمفهوم السيادة على ضوء تحليل المادة 27 من الميثاق [53] يسمح لنا بالخروج بالحقائق التالية :-

  1. مبدأ المساواة في الحقوق / لكل عضو من أعضاء مجلس الأمن الدولي صوت واحد بصرف النظر عن صفته دائما او غير دائم وبصرف النظر عن أية اعتبارات سياسية او اقتصادية وبذلك يكون الميثاق قد كرس مبدأ المساواة التامة في الحقوق بين الأعضاء .
  2. قاعدة التصويت / لا شك ان إصدار القرارات والتوصيات هو أهم مظهر للسلطة في أي تجمع دولي بل ان بروز الشخصية القانونية الدولية تتوقف على أهمية إصدار القرارات وطريقة هذا الإصدار ، وعلى سبيل المثال فان قاعدة التصويت بالأغلبية هي القاعدة المثلى التي رافقت تطور الفكر السياسي وعلامة واضحة على غلبة الديمقراطية في المؤسسات السياسية المعاصرة كما كانت طريقة للتخفيف من آثار السيادة المطلقة ، ولقد نهجت المادة 27 من الميثاق نهجا جمعت فيه بين قاعدة الإجماع وقاعدة الأغلبية وفقا لما يلي :-
  • التصويت في المسائل الإجرائية :- في المسائل التي جرى ذكرها على سبيل الحصر [54] والتي لا تتعلق بتقرير مبدأ فان الفقرة الثانية من المادة 27 تشترط التصويت عليها بالأغلبية الموصوفة بحيث ان القرارات بشأنها يجب ان يقترن صدورها بموافقة تسعة من أعضاء المجلس .

        ب. التصويت في المسائل غير الإجرائية :- وبسبب الأهمية القصوى التي تتسم بها المسائل غير الإجرائية وهي المسائل المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين فان المادة 27 في فقرتها الثالثة أخضعت صدور القرارات بشأنها الى طريقة التصويت المزدوجة التي تجمع بين قاعدة الإجماع وقاعدة الأغلبية أي ان تصدر بموافقة تسعة من أعضاء المجلس وهذا تضمين لمبدأ الأغلبية على ان يكون من بينهما أصوات الأعضاء الدائمين متفقة وهذا من جهة اخرى تضمين لمبدأ الإجماع وحصره بالدول الخمس الكبرى [55] .

  1. حقوق الأعضاء غير الدائمين وفقا للمادة 27 [56] / منحت الفقرتان الثانية والثالثة من المادة 27 من الميثاق الأعضاء غير الدائمين حقوقا تسمح لهم بتوجيه المجلس والمشاركة في إصدار قراراته . رغم ان العضو غير الدائم لا يتمتع بصوت حاسم في مقررات المجلس لعدم تمتعه بحق الاعتراض ( الفيتو ) الذي يمنع القرارات من الصدور ، إلا ان موافقة الأعضاء غير الدائمين مجتمعه طبقا للشروط المطلوبة تمنحهم حقوقا أساسية وقدرات قانونية تبرز في الحالات التالية :-
  • في المسائل الإجرائية :- ان أصوات الأعضاء غير الدائمين ( يكفي منها أربعة أصوات بعد التعديل وصوتان قبل التعديل ) تساوي مجتمعه من حيث تأثيرها أصوات الأعضاء الدائمين . وتفسير ذلك انه لا يمكن لأي قرار حظي بموافقة الدول الخمس الكبرى ان يتبناه المجلس إذا لم يوافق عليه على الأقل أربعة أصوات من الأعضاء غير الدائمين . وحقيقة الأمر ان أصوات هؤلاء الأعضاء غير الدائمين لو اجتمعت لها اثر حق الاعتراض ( الفيتو ) الذي يتمتع به العضو الدائم [57] .
  • في حالة امتناع عضو دائم او اثنين عن التصويت فان خمسة او ستة من غير الدائمين تكون كافية لإمرار القرار [58] .

ج. إذا كان عضو غير دائم او دولة اخرى طرفا في نزاع مع عضو دائم فان كل الأطراف في النزاع ، الدائمة وغير الدائمة ، تكون على قدم المساواة .  لأن المادة 27 في فقرتها الثالثة تمنع الأطراف المتنازعة من الاشتراك في التصويت [59] .

  1. حقوق الأعضاء الدائمين / ان هذه الحقوق الاستثنائية هي حقوق نابعة من حق الاعتراض ( الفيتو ) وإنها تكرس سيادة القلة الحاكمة الدولية وفقا لما يلي :-[60]
  • ان حق الفيتو يتوائم مع مبدأ السيادة التقليدي الرامي الى عدم إلزام أية دولة إلا برضاها ، وبالتالي فان مبدأ الإجماع هو المبدأ المتلازم مع الفيتو تلازما منطقيا وقانونيا لا يتعارض من هذه الجهة مع الاستقلال والسيادة . وفي الوقت نفسه فانه يعبر بصدق وأمانة عن مضمون السيادة الفعلية للدول الكبرى في النطاق الدولي .
  • ان العضو الدائم لا يمكن تعليق حقوقه ولا يمكن طرده من المنظمة إلا برضاه وهذا الأمر هو نتيجة طبيعية للمبدأ القائل بعدم إمكانية اتخاذ إجراء ضده بسبب الشكوى منه ولان أي إجراء من هذا النوع يوجب بالتالي الحصول على موافقته نفسه .

ج. وبسبب هذا الوضع القانوني القائم على حق الاعتراض والذي لا يمكن من مقاضاة العضو الدائم  واتخاذ إجراءات تنفيذية ضده ، فان الآثار المترتبة على ذلك هي انه يتحول الى قاض في قضاياه .

    تلك هي طبيعة التصويت في مجلس الأمن ، والتي يتبوأ فيها حق الاعتراض موقعا متميزا وفريدا باعتباره وجهاً من الحقوق الاستثنائية الممنوحة للدول الكبرى وخرقا لمبدأ المساواة في السيادة بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة . إلا ان واضعي وموقعي الميثاق شاءوا ان يكون قاعدة دستورية عليا بالإضافة الى انه استجابة لمطامح الدول الكبرى وأطماعها ، لا تخرج عن كونها صيغة للتوفيق بين الحق والقدرة وبين السيادة القانونية والسيادة الفعلية . وبسبب التحولات الكبيرة في العلاقات الدولية خلال النصف الأخير من القرن العشرين ، فان استعمال حق الفيتو بات من الناحية العملية محصورا استعماله بالدول الكبرى المتقدمة [61] ، روسيا ( الاتحاد السوفيتي ) والولايات المتحدة الأمريكية .

    لقد كان هناك عدة أسس موضوعية في منح الدول الدائمة العضوية حق الاعتراض . حيث كان الأساس الأول هو ان هذه الدول الدائمة العضوية سوف تتحمل القسط الأكبر في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وان ذلك لا يمكن ان يتحقق إلا بشكل جماعي فلا تستطيع دولة دائمة العضوية ان تفرض رأيها على بقية الدول الأربع . وهذا ما عبرت عنه الدول الأربع المتبنية للميثاق في بيانها عام 1945 ( نظرا لمسؤوليات الأعضاء الدائمين الأساسية ، لا يمكن ان يتوقع منهم في وضع العالم الحالي ، ان يتولوا الالتزام بالعمل في مسالة بالغة الخطورة كالحفاظ على  السلم والأمن الدوليين في أعقاب قرار لم يكونوا قد اجمعوا عليه ) [62] .

    كما أن من أسس منح حق الاعتراض كذلك تحقيق المساواة بين الدول الدائمة العضوية لتحفيزها على الاندفاع في تنفيذ قرارات المجلس المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين في حالة العدوان او التهديد به وهي بذلك تخدم قضية عالمية مهمة وخطيرة وليست قضية طرف معين بالذات . وهم بذلك يتحركون بدعم من الأعضاء الآخرين في المجلس من غير الدائمين ، فبدون هذا الدعم لن يجاز مشروع أي قرار حتى لو أجمعت الدول الخمسة عليه وكما بينا سابقا . وعليه فان استخدام حق الاعتراض ( الفيتو ) يجب ان لا يستخدم بإسراف بل في أضيق الحدود وبعد استنفاد كل الوسائل الممكنة بحل النزاع بالطرق السلمية وما لم يكن ذلك النزاع يمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين [63] .

    ان هذه الأسس التي تم بموجبها منح الدول الخمس الكبرى حق الاعتراض الفيتو ، لم تعد قائمة لسبب بسيط هو ان مبدأ حسن النية الذي أشار إليه   الميثاق [64] لم يعد قائما في تسير مواقف الدول ، بل ان المصالح واحيانا الضيقة والأنانية منها هي التي حلت محل هذا المبدأ . واصبح استخدام هذا الحق لإغراض مختلفة تمليها مصالح الدول الكبرى [65] خصوصا وان تحالفها قد بدأ ينقض ونهايات الحرب العالمية الثانية لم تبلغ حافتها النهائية ، وما ان حل عام 1946 إلا وقد أرسى ونستن تشرشل حجر الأساس للحرب الباردة في خطابه المعروف عن الستار الحديدي في ولاية ميسوري الأمريكية وبحضور الرئيس الأمريكي الأسبق ترومان [66] . ونتيجة ذلك فلقد اختلفت الغايات وساءت النوايا وانقلب حق الاعتراض ( الفيتو ) الى الضد من غرضه ، فانهالت عليه سهام النقد نتيجة لسوء استخدامه [67] ناهيك عن النقد الموجه إليه باعتباره خرقا لمبدأ المساواة ما بين الدول كركن من أركان الأمم المتحدة الأساسية [68] .

     ومن المفارقات اللافتة للنظر ، انه رغم زيادة الانتقادات لحق الاعتراض    ( الفيتو ) نرى ان الدول الدائمة في مجلس الأمن بدلا من تلطيف الأجواء الدولية والتخفيف من استخدام هذا الحق لإغراض مختلفة ، نراها قد بدأت تناور في استخدامه بصيغ مختلفة ، حيث ظهر لنا في مجال التطبيق العملي أنواع متعددة منه : الفيتو الافتتاحي او الحقيقي والفيتو المزدوج والفيتو غير المباشر او المختفي والفيتو المصطنع او المفروض واخيرا الفيتو بالوكالة [69]، وهذا التنوع بلا شك يكون مرتبط بنوع الخلاف وضرورة التفريق مابين النزاع والموقف [70] .

    من ثم يمكن القول ان ميثاق الامم المتحدة احل مبدأ السيادة في منزلة هي الاولى بين منازل مبادىء الامم المتحدة وخصه بنوع من التأكيد يتناسب ومكانته في نطاق القانون الدولي والمجتمع الدولي اللذين لا يقومان إلا به.

    ومنه يتفرع مبدأ المساواة في السيادة بين الدول وهو مبدأ بدا محترما في نطاق الامم المتحدة لولا ذلك الخروج الذي لمسناه على نطاق مجلس الامن حينما خص الميثاق الدول الحليفة في الحرب العالمية الثانية بميزات اخلت بمبدأ المساواة في السيادة وكسى واقعها الفعلي بالشرعية القانونية فأساءت في احيان كثيرة الى واقع السلم والامن الدوليين في حين عهد اليها الميثاق بالحفاظ عليها وصيانتها ، ولذا وجدنا ان الدول لا تزال تتمسك بسيادتها كما بينا وعليه فليس من مصلحة الأمم المتحدة العمل على خرق مبدأ المساواة في السيادة وبالتالي إضعاف الدول لأنها بذلك إنما تقوم بإضعاف نفسها ، لأنها أي ( الأمم المتحدة تستمد وجودها من إرادة الدول وليس من أية إرادة اخرى وهذه الحقيقة انعكست على الهيكل البنائي للمنظمة وقدرتها على تنفيذ قراراتها ) [71] .

    فإذا كان هذا هو مفهوم السيادة بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة فلربما يحق لنا ان نتساءل عن تطور مفهوم السيادة فقها وعملا في نطاق الامم المتحدة  . وهذا ما سوف نبحثه في المبحث اللاحق .

الهوامش

[1]-  آينيس ل. كلود . مصدر سابق . ص 183 .

[2]-  عدنان نعمة . مصدر سابق . ص 349 .

[3]- عدنان نعمة . مصدر سابق . ص 352 .

[4]  A.L. Bennett. International Oorgenizations :Principles And Issues, Prentice- Hall , New jersey , 1977 , p.49 .

[5]-  محمد طلعت الغنيمي . مصدر سابق . ص 122 .

[6]-  انظر المواد 18/1 ، 27/1 ، 89/1  من ميثاق الامم المتحدة .

[7]-  محمد السعيد الدقاق . التنظيم الدولي . الجزء الثاني . بيروت . الدار الجامعية للطباعة والنشر ، 1980 . ص 99 .

[8]-  محمد طلعت الغنيمي . الاحكام العامة في قانون الامم ، قانون السلام . الاسكندرية . منشاة المعارف ، 1975 . ص 686  .

[9]-  خليل اسماعيل الحديثي . الوسيط في التنظيم الدولي . مصدر سابق . ص 149 .

[10] T.J. Lawrence. The Principles Of International . London . Haw Thred .  1937 , p.4

[11]-  محسن الشيشكلي . مصدر سابق . ص 476 .

[12]-  صالح جواد الكاظم . دراسة في المنظمات الدولية . بغداد . مطبعة الارشاد ، 1975 . ص 142      وما بعدها .

[13] –  انظر نص المادة 110/3  من ميثاق الامم المتحدة

[14] –  انظر نص المادة 109/2  من ميثاق الامم المتحدة

[15] –  انظر نص المادة 23/1  من ميثاق الامم المتحدة

[16] –  انظر نص المادة 27/3  من ميثاق الامم المتحدة

[17]-  محسن الشيشكلي . مصدر سابق . ص 476 .

[18]-  محسن الشيشكلي . مصدر سابق . ص 473 .

[19]-  عبدالله العريان و حامد سلطان . اصول القانون الدولي . القاهرة . المطبعة العالمية ، 1953 . ص 248 نقلاً عن محمد طلعت التميمي . مصدر سابق . ص 329 .

[20]-  آينيس ل كلود . مصدر سابق . ص 106 وما بعدها .

[21]-  عدنان نعمة . مصدر سابق . ص 371 .

[22]-  حامد سلطان . مصدر سابق . ص 942 .

[23]-  صالح جواد كاظم . مباحث في القانون الدولي . بغداد . دار الشؤون الثقافية العامة  ، 1991. ص 23.

[24]-   انظر نص المادة 24 /1  من ميثاق الامم المتحدة .

[25]-  انظر نص  المادة 24 /1  من ميثاق الامم المتحدة .

[26]-  انظر نص  المادة 24 /2 من ميثاق الامم المتحدة  والفصول هي السادس والسابع والثامن والثاني عشر .

[27]-  انظر نص  المادة 35 /1 من ميثاق الامم المتحدة .

[28]-  انظر نص  المادة 38  من ميثاق الامم المتحدة .

[29]-  انظر نص  المادة 23 /2  من ميثاق الامم المتحدة .

[30]-  انظر نص  المادة 49 من ميثاق الامم المتحدة  .

[31]-  انظر نص  المادة 43 /1  من ميثاق الامم المتحدة .

[32]-  انظر نص  المادة 48 /1  من ميثاق الامم المتحدة .

[33]-  انظر نص  المادة 43 و 45  من ميثاق الامم المتحدة .

[34]-  خليل اسماعيل الحديثي . الوسيط في التنظيم الدولي . مصدر سابق . ص 218 .

[35]-  المصدر السابق . ص 227 .

[36]-  انظر نص  المادة 4 /2 من ميثاق الامم المتحدة .

[37]-  انظر نص المادة 5 من ميثاق الامم المتحدة .

[38]-  انظر نص  المادة 6 من ميثاق الامم المتحدة .

[39]-  انظر نص  المادة 97 من ميثاق الامم المتحدة .

[40]-  انظر نص المادة 4 من النظام الاساسي لمحكمة العدل الدولية .

[41] – انظر نص المادة 93/2 من النظام الاساسي لمحكمة العدل الدولية . 

[42]-  عدنان نعمة . مصدر سابق . ص 373 .

[43]-  انظر نص المادة 53/1 من ميثاق الامم المتحدة .

[44]-  انظر نص المادة 34 من ميثاق الامم المتحدة . كذلك انظر  محمد طلعت الغنيمي . مصدر سابق .       ص 918 .

[45]-  انظر نص  المادة 94/2 من ميثاق الامم المتحدة .

[46]-  انظر آينيس ل. كلود . ترجمة العريان . مصدر سابق . ص 125 .

[47]-  انظر ايلينا مودر جنسكايا .  الامم والمسالة القومية  . موسكو ، منشورات وكالة انباء نونوستي ، 1966 . ص 37 .

[48]-  انظر محمد مجذوب .  المنظمات الدولية والاقليمية  . بيروت ، 1967 . ص 177 .

[49]-  عدنان نعمة . مصدر سابق . ص 375 .

[50]-  انظر حافظ محمد غانم . مصدر سابق . ص 196 و 198 .

[51]-  انظر نص  المادة 18/1 من ميثاق الامم المتحدة  .

[52]-  انظر  محمد صالح المسفر  .  منظمة الامم المتحدة خلفيات النشأة والمبادئ  . قطر . مؤسسة الخليج للنشر والطباعة ، 1997 . ص 263 . كذلك انظر خليل اسماعيل الحديثي .  الوسيط في التنظيم الدولي . مصدر سابق ، ص 206 .

[53]-  انظر نص  المادة 27 /1 من ميثاق الامم المتحدة .

[54]-  لقد جاء بتصريح الدول الكبرى في 7 حزيران 1945 في سان فرانسيسكو اعتبار الامور الاتية من الامور الاجرائية :-

  1. اقرار تعديل قواعد الاجراءات .
  2. تحديد طرق اختيار الرئيس .
  3. تنظيم المجلس لنفسه على نحو يجعله قادرا علىان يعمل باستمرار .
  4. اختيار الاوقات والاماكن لاجتماعاته العادية والسرية .
  5. انشاء الاجهزة والوكالات التي يراها مناسبة لقيامه بوظائفه .
  6. دعوة دولة عضو في الامم المتحدة غير ممثلة في المجلس لحضور مناقشات تهمها .
  7. دعوة دولة للاشتراك في مناقشة البند المطروح عل جدول الاعمال اذا كانت تلك الدولة طرفا في النزاع موضوع البحث .

كما انه بحكم السوابق والممارسات في مجلس الامن فقد اعتبرت الموضوعات الاتية من الامور الاجرائية ايضا :-

  1. اضافة بند الى جدول الاعمال .
  2. تنظيم ادراج المواضيع على جدول الاعمال .
  3. تاجيل مناقشة بند مطروح على جدول الاعمال .
  4. حكم ، قرار ، رئيس المجلس في اية مسالة تثار امام المجلس .
  5. تعليق الجلسة .
  6. رفع الجلسة .
  7. دعوة المشاركين في المناقشات في المجلس .
  8. ادارة المجلس .

ولمزيد من التفاصيل حول الموضوع انظر :

Davidson Nicil .  The United Nation Security Council  . Towards Greater  Effectiveness . UNITAR No. E.Xv.CR/15 . 1982  pp. 83 – 84 .

[55]-  انظر عدنان نعمة . مصدر سابق . ص 377 .

[56]-  تم تعديل المادة 27 من الميثاق بموجب قرار الجمعية العامة للامم المتحدة المرقم 1991 في 17 كانون الاول 1963 والذي دخل حيز التنفيذ في 31 آب 1965 . حيث قضى ذلك التعديل بزيادة عدد اعضاء مجلس الامن الى خمسة عشر عضوا ، عشرة منهم غير دائميين . انظر في ذلك خليل اسماعيل الحديثي . الوسيط  . مصدر سابق . ص 202 . كذلك انظر محمد صالح المسفر . مصدر سابق .        ص 232 .

[57]-  انظر باتريسيو نولاسكو واخرون . الامم المتحدة الشرعية الجائرة  . تعريب فؤاد شاهين . الجماهيرية العربية الليبية . الدار الجماهيرية للنشر ، 1995 . ص 69 .

[58]-  انظر رينيه جان دوبوي . القانون الدولي .  ترجمة سموحي فوق العادة . بيروت . منشورات عويدات ، 1973 ز ص 109 .

[59]-  المصدر السابق .  ص 111 .

[60] – Ramses Amer .  The United Nation’s Reactions to Foreign Military Intervetions  . U.S.A . Towrnal Of  Peace Research , vol . 31 no 4, November 1994  , pp . 425 – 427 .

[61]-  انظر عبد المجيد العبدلي . مصدر سابق . ص 345 .

[62]-  صالح جواد الكاظم . مباحث في القانون الدولي . بغداد . دار الشؤون الثقافية العامة ، 1991. ص 25

[63]-  المصدر السابق . ص 26 .

[64]- انظر نص  المادة 2 /2 من ميثاق الامم المتحدة  .

[65]-  انظر عبد الواحد الناصر .  النظام العالمي الجديد الخصائص والمشكلات الهيكلية  . الرباط . دار حطين للطباعة والنشر ، 1996 . ص 17 وما بعدها .

[66] – P. Calvocoressi .  World  Politics Since  . New York , Maxwell , 1971 . p. 20 .

[67]-  انظر احمد الرشيدي واخرون . الامم المتحدة ضرورة الاصلاح بعد نصف قرن وجهة نظر عربية . بيروت.  مركز دراسات الوحدة العريية ، 1996 . ص 118 .

[68]-  انظر نص  المادة 2 /1 من ميثاق الامم المتحدة .

[69]-  لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع انظر :

Amjali V. Patil .  The UN  Veto In World Affairs  . Florida , UNIF Publishers . K imc . 1992 .       p 17 .

[70] – Ibid . op cit , p . 27 .

[71]-  محمد حسن الابياري .  المنظمات الدولية الحديثة وفكرة الحكومة العالمية  . القاهرة . الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1987 . ص 245 .

التابع…الصفحة التالية